TBN S2


S2: بداية النهاية



P.9: كل يوم بداية جديدة

تنبع كل بداية جديدة من نهاية بداية أخرى، وتستمر البدايات بالبدء من تلك النهايات. لكن! الحقيقة هي أن النهايات لا نهاية لها حتى لو كانت نهاية لبداية جديدة. لأن النهايات خيط واصل بين بدايات النهاية، والبدايات الوسطية حتى البداية النهائية التي لا نهاية لها…

في هذا الكون المكون من قبل الإله المجيد، خُلق مفهوم العالم العظيم؛ والذي يسعه فهما أنها واحدة من إحدى تكوينات الإله العديدة تحت مسمى يعرف بالأرض. كُونت لتكون مكان عيش الأرواح التي أهداها الإله، مغروسة في بقعة مجهولة داخل مخلوقاته. ما يبرز مخلوقات الإله عن غيرها، هو وجود تلك الروح الخفية التي تعطي وصف الحي للمخلوق، بهذا يظهر مفهوم آخر يدعى بالحياة؛ وهي مدة زمنية محدودة، يعيش فيها المخلوق الحي في الأرض. بفضل ذلك الكيان الغامض نرى الفرق الكبير بين مخلوقات الإله الحية وغير الحية. بطبيعة الحال حتى الآن أنا أُوصف بمخلوق حي تحت مسمى الإنسان، فضلا لذلك الكيان. أتساءل ما إذا أخذ الاله تلك الهدية التي غرزها بداخلي ما الذي سأكون عليه.

بينما أحاول إيجاد إجابة ترضي أسئلة عقلي، وغِلتُ تائها في فراغٍ بين رمال الصحراء الذهبية. علي الإقرار بأنه كان سؤال لا نهاية لأجوبته، لم يكن سؤالا ذا جواب مطلق. التقطت أذني إجابة مُلغِزة لفتت انتباهي بشدة. كانت تقول أن روح الإنسان هو حقيقةٌ جزء من روح الاله، و روح الاله لا يموت؛ لذا عندما يأخذ الاله روح الإنسان في عالم الدنيا وهي بمعنى آخر تعرف بالبداية، يبقيها عنده لفترة زمنية ثم يعيد يغرزها مجددا بداخله في عالم آخر، غير العالم البدائي الذي كان يعيش فيه حياته. ذلك العالم يدعى بعالم الآخرة، عالم النهاية.

هذا يرمز أن لبداية حياة الإنسان البدائية نهاية، و تلك النهاية ليست سوى نهاية بدائية. بت بعد ذلك أتساءل كيف ستكون نهاية العالم النهائي وماهي البداية التي ستأتي بعده حتى النهاية التي لا نهاية لها.

…….

هناك مقولة سمعتها ذات مرة صدفة، تقول: الخريف هو الفصل الذي يمثل مرحلة حياتنا التي تسقط بها أوراقنا بعد أن كنا أشجاراً نضرة. أدركت لاحقا أنها مقولة صائبة. نحن البشر في مرحلة ما من مراحل حياتنا نفقد بريق روحنا المشرقة كالأشجار التي تفقد بريقها الخلاب. تدمس أفكارنا وإرادتنا كالأزهار التي تفقد نظارة لونها الجذاب. يُظلم داخلنا وتتبلد مشاعرنا كالأوراق التي تجف وتسقط بعد أن كانت نابعة بالحياة في عرشها. نحن نسقط أيضا وكما تبقى الأوراق بمفردها في العالم السفلي- الأرض- تنتظر نهايتها بيأس، أنا وأنتم أيضا نُقمع، لكن بخلافهم -الأوراق- نحن لن ننتظر نهايتنا، بل ننتظر بيأس أن تبدأ بداية جديدة لحياتنا لأننا نعلم أن النهاية لا نهاية لها. لا تخشى من أمر لا مفر منه، كل منا سيمر بتلك المرحلة الظليمة، لكن عليك أنت وأنا أن نخشى من دوام تلك المأساة.

كل سقوط ليس بعين اعتباره النهاية، فسقوط أوراق الشجر في فصل الخريف هو بداية لنمو أوراق جديدة وثمار بها منفعة للجميع. ما أخبرتني به جدتي عندما كنت صغيرا. بت أتساءل بعدها إن كان ذلك السقوط نهاية لبداية جديدة إذا لماذا تستمر تلك النهاية بالعودة مجددا؟ لماذا لا نهاية للنهاية؟. في كل موسم خريف، أتذكر جملة جدتي وتتكون المزيد من الأسئلة في ذهني. عندما كنت في العاشرة من العمر ببساطة لغتي، سألتها:

– هل المرحلة الظليمة التي سيشاقها الإنسان ستنتهي وتأتي بعدها بداية جديدة ثم تعاودنا تلك المرحلة مجددا، كما فصل الخريف الذي يأتي كل سنة؟

أجابتني بابتسامة في شفتيها المتشققتين:

– صغيري “KOUSUKE” من ذا الذي أخبرك أن النهاية لا نهاية لها؟ أولا عليك أن تعرف أن النهاية أو البداية المظلمة التي تتكرر في حياتنا هي تذكير إلهي لتحذيرنا من أجل الاستعداد للنهاية الحقيقية.

– نهاية حقيقية!!

– بالتأكيد، تلك النهاية هي في الحقيقة بداية جديدة وأخيرة لنا نحن البشر. هناك مقولة عليك أن تعلمها: الخريف هو الفصل الذي يمثل مرحلة حياتنا التي تسقط بها أوراقنا بعد أن كنا أشجاراً نضرة إلّا أنه ملح سر النجاح، ملح الحياة. عندما تكبر ستدرك ما الذي يعنيه ذلك.

كيف نسيت كل ما أخبرتني به جدتي؟ النهاية لها نهاية… كنت دائما أصدق منطق أن النهايات لا نهاية لها، وأنها بداية لبداية نهاية أخرى. لكنه لم يكن كذلك. الحقيقة المطلقة باتت واضحة الآن في عقلي. المقولة التي سمعتها ناقصة أتممت وأوضحت لي الكثير من الأمور التي كنت أجهلها. وكما أخبرتني جدتي أدركت بعد أن أصبحت راشدا ما الذي تعنيه بـ” ملح سر النجاح، ملح الحياة.”

هل أنت أيضا ستدرك ذلك في يوم من الأيام؟

أعرف شخص أدرك ما هو ملح سر نجاحه، ملح حياته و هو في أعمق نقطة من مرحلة حياته الظليمة، المرحلة التي بدأت وانتهت في فصل الخريف. هذه هي قصتها:

” كانت حياتي خريفا عندما بدأ كل شيء وانتهى في فصل الخريف. رغم القسوة التي شهدتها في ذلك الفصل فما زلت أحبه، لأنه الفصل الذي جمعني به و انهى الخريف الذي كان في حياتي. حينما أسير وسط الأوراق الجافة المتكسرة، أسمع صوت تهمشها تحت قدماي. حينما انظر إلى الأشجار العارية اشعر بابتسامة الحزن مرسومة على شفتي. حينما أتأمل الغيوم السوداء في السماء أحس بقبضة تتبعها راحة في صدري. جموع تلك الأحداث الخريفية تذكرني بنفسي القديمة.

منذ 12عاما، وتحديدا في خريف عام 2006 عندما كنت فتاة مراهقة في الـ18 من عمرها. وقع زلزال غير متوقع دمر بقوته القرية التي أعيش فيها مع عائلتي كلها. جميع من أعرفهم ومن لا أعرفهم بما فيهم عائلتي لقوا حتفهم. كنت أنا وثلة من نجونا بأعجوبة من تحت الأنقاض. كل يوم قضيته للتعافي في المستشفى لمدة شهر، ذكريات حياتي مع عائلتي ومع أصدقائي لم تكن تفارق مخيلتي. ملامح وجوههم وهم يسحقون تحت الصخور كانت تقوم بقطع قلبي وعقلي إلى أشلاء يصعب تجديدها… كان ذلك الجحيم بحد ذاته. كيف سأعيش من الآن فصاعدا؟ كيف سأنسى تلك الملامح؟ كيف سأتذكر لحظاتي مع من أحب دون أن أتألم، بل كيف سأصمد في الحياة؟ كنت أتنفس الصعداء أحاول جاهدة أن لا أشعر بألم جسدي الذي مزقه الحطام، لكنني لم أستطع أبدا أن أجاهد ألمي الداخلي. أخبرتني الطبيبة ” آسفة لقول هذا لكننا اكتشفنا وجود ورم خبيث ذا أصل وراثي في جسدك، لحسن الحظ أنه في بدايته ما لم نقم بعملية طارئة لاستئصاله سيتفاقم. لكن الحظ السيء هو أن الورم نشأ بمنطقة خطرة في دماغك لذا نسبة نجاح العملية ضعيفة، الخيار عائد إليك “.

الخيار ليس عائد لي، الخيار عائد إلى قدري المشؤوم.

إن رضيت بذلك وقبلت إجراء العملية أين المال لذلك؟ اهتمت الدولة بضحايا الزلزال ودفعت مصاريف الضرر، لكنها لن تقوم بذلك مع مرض وراثي أليس كذلك؟ وإن وجدت المال لأجري العملية هل سأنجو؟ هل المعجزات تتحقق دائما؟

وإن تحققت المعجزة لأجل ماذا أنجو؟ فقدت كل شيء إذا لماذا أعيش؟ ما الذي أعيش لأجله؟ إن عشت سأبتلع كل يوم وكل لحظة من قبل ذلك الظلام الذي سيجردني في النهاية من إنسانيتي. إذا أليس من الأفضل ترك هذه الحياة البائسة والذهاب للعالم الذي فيه من فقدتهم؟ لقد أدركت أن الحياة ليست سوى صندوق ضيق مظلم، نحن البشر حبيسون بداخل شراره. كرهت كل شيء، لا أريد أن أعاني وأتألم أكثر، لا أريد خوض المزيد من تحديات الحياة، أريد أن أرتاح.

كنت في الممر القريب من غرفتي، أتحدث مع ممرضتي وأخبرتها بكل ما سبق. رأيت الشفقة والحزن في عينيها عندما قالت بشيء من المواساة:

– لا تستسلمي هكذا ما زلت يافعة! استطيع أن أسال معارفي ليقرضوك المال الذي تحتاجينه. أنا متأكدة من أن العملية ستنجح!

سألتها بتعابير طعم لها من الخلو:

– لماذا أنت متأكدة من ذلك؟

قالت:

– هذا لأنك شخص محظوظ!

– أنت مخطئة… لست كذلك. لو كنت كما تعتقدين لم أكن هنا الآن.

– إن قلبي يؤلمني عندما أنظر إليك تتألمين!

– كما تحملت الألم الأكبر سأتحمل هذا الألم الأصغر أيضا، إلى أن يأتي اليوم الأخير… اليوم الذي سأرحل فيه من هذا العالم المظلم…

– أنت مخطئة

التفتنا إلى مصدر الصوت، لطرفي الأيمن حيث أجلس في الكرسي، بجانب تلك النافذة المترهلة، القديمة العملاقة كان يقف شخصا لم أرى أحدا كمثله في حياتي!

كان شابا طويلا. شعره شديد سواد اللون كان فوضويا بطريقة جذابة. رموشه الطويلة كانت تزين عينيه عسلية اللون، التي رأيت لمعانها مع أشعة الشمس الساطعة عبر النافذة. أنفه كان طويل صغير. فكه حاد مستقيم يزين وجهه الوسيم شاحب لون البشرة. بهيئته التي يكوسها الغموض، ضاما يديه خلف ظهره كان يقف أمام النافذة التي بجانبي، متأملا قطرات الندى. أكمل بحدة صوته الأجش يقول دون أن يحرك ساكنا:

– ليست كما تعتقدين، الحياة؟ إنها أعظم فرصة لنا نحن البشر. امتلاكها هي أكبر معجزة بحد ذاتها. إنه عالم مليء بالصعاب والشقاء أعلم ذلك أيضا، لكن محاربة كل ذلك وتخطي العوائق التي تقف أمامك هو ما سيجعلك ترغب في البقاء. لماذا؟ لأنك تؤمن بذاتك وتثق بها، فتحارب وتشق الطريق إلى نصفين لتسير نحو حلمك وهدفك ببساط وسلس. عند وصولك إلى القمة بعد كل ما مررت به، ستدرك كم كانت تلك الرحلة قصيرة ولا تستحق حزنك، ذبولك وابتئاسك. ما ستدركه وتشعر بالفخر لأجله هو أنك وثقت بنفسك، لم تستلم ووقفت على قدميك تسير من خلال الشق، تحارب العواصف والظلام الذي يعيق سيرك. أخيرا أنت تقف هناك في الأعلى حيث البقعة التي لا يصل إليها الجميع بسهولة، تنظر إلى الأسفل بعينين مدركين لحقيقة عالمك الذي لم يكن سوى فرصة تغتنمها لتبني بداية حياة جديدة من أجل البداية الحقيقية والأبدية. عدم إدراك الشخص لقيمته وقيمة حياته ستبقي كل الأماني التي يتمناه أماني لا وجود لها في عالمه، أو في أي عالم آخر. بانتظار معجزة تحقق أمنيته، ستبقى أحلامه أحلام يقظة لن يستشعر حقيقة جمالها حتى في خياله. بانعدام الرغبة في تحويل حلمه إلى واقع، سيعيش بلا هدف في الحياة. عندما أقول بلا هدف فأعني أنه سيعيش كأنما لا يعيش، يتنفس دون أن يعلم لماذا يتنفس، يمارس النشاطات اليومية بملل، تعب، إرهاق. سيكره محيطه، الناس، عالمه، حياته، سيكره نفسه قبل كل شيء وهذه أعمق النقاط التي تجعله لا يعيش.

نحن البشر لا نعيش في هذا العالم البدائي دون أهداف أو أحلام، على من يعتقد أنه لا يملكهما البحث جيدا في أعماقه ومعرفة نفسه الحقيقية. نحن البشر أقوياء لن تجعلنا المصائب الاختبارية أن نفقد حياتنا. نحن البشر خلقنا لنستمر في المضي.

الحياة فرصة وهي حق للبشر أن يغتنموها.”

انهى حديثه ثم تنهد. نظر إلينا مبتسما، ابتسامة هادئة سيدرك جمالها كل ما يراها، ثم رحل واختفى من أنظارنا تماما.

……..

في ذلك الوقت كلماته تلك أرعشتني و حركت شيئا كان خفيا بداخلي؛ كانت تلك غريزة البقاء في الحياة لدى الإنسان. بدا لي ذلك الرجل الغامض في تلك اللحظة أمام النافذة: كالشمعة التي تضيء غرفة مظلمة بنورها الوهاج. كأشعة الشمس التي تغذي النباتات لتنمو. لقد كان هو الشخص الذي أنار ظلمة حياتي و جعلني أتمسك بالفرصة العظيمة. علمني معنى أن أعيش وكيف أعيش ولماذا أعيش. بفضله أدركت من أكون وبدأت بالسير من خلال الشق نحو القمة.

أخبرتني الطبيبة أن هناك من سيتكلف بنفقات علاجي، كل ما علي فعله هو الاعتماد على حظي والموافقة. كنت محظوظة كفاية لأنجو من تحت الأنقاض، آمنت أن المعجزات لا تتحقق دائما لكن مقابلتي لذلك الشخص الغامض كانت أكبر معجزة في حياتي لذا بت آمن بعدها أن المعجزات ستتحقق. نجحت العملية، دُفعت كل مصاريف العلاج، بدأت صحتي تتحسن. بجانب ذلك المال تُرك لي مبلغا وفيرا يكفيني لأعيش حياتي برفاهية لمدة 8 سنين! تركه لي الشخص الذي تكلف بنفقاتي العلاجية. استفسرت عنه كي أؤدي واجبي الإنساني وأقوم بشكره بشكل لائق.

” إنه محقق من نخب محققي الدولة. كان في المستشفى لاستجواب متهم، فصدف وأن أدرك بوضعك المادي. هو ذاته ذلك الرجل الطويل أمام النافذة! سيأتي اليوم أيضا ولأخر مرة للاستجواب ” أخبرتني ممرضتي بذلك. لم أصدق الأمر… إنه هو الغامض من أمام النافذة. لقد كنت ممتنة كفاية لما قاله في ذلك اليوم، والآن أنا ممتنة له طوال حياتي. انتظرته يخرج من الغرفة التي يستجوب فيها متهم مصاب، وأنا أحمل بين يدي قطعة صغيرة من حجر الفيروز، كهدية بسيطة أعطيها إياه تعبيرا عن امتناني. وجدت ذلك الحجر الصغير بداخل الكهف الذي في قريتي، عندما كنت صغيرة. أخبرني والدي أنه ليس حجرا عاديا، بل حجر يجلب الحظ، الحكمة والقوة لمالكه وسيبقيه آمنا من المخاطر دائما. لم أصدق ذلك لكنني لن أنكر أن النظر إليه كان يشعرني بالراحة والطمأنينة. لذلك لم أرغب في بيعه على الإطلاق. والأن بعد كل ما حدث أدركت أن ما قاله والدي لم يكن هراء. رغبت في إهدائه إلى المحقق لأنه يذكرني بذلك الحجر تماما.

قابلته وقمت بشكره. أعطيته الهدية فسألني قائلا:

– لماذا تعطينني شيئا ثمينا كهذا؟

أخبرته:

– إنه يجلب لمالكه الحكمة، القوة، الحظ، وسيبقيه آمنا دائما. هذا أبسط شيء استطيع تقديمه لك تعبيرا عن امتناني.

ابتسم دلالة على الشكر ثم قال:

– عندما نتقابل في المستقبل سأرغب بسماع حكمك الجديد عن الحياة بعد محاربتك لعوائقها، ووصولك للقمة التي تريدينها. تذكري أن تتذكري دائما تلك الكلمات.

ومن لن يتذكر الشيء الذي كان سبب لبقائه حيا؟

لطالما تساءلت عن المستقبل الذي أرغب به، ساعدني على معرفة ذلك تلك الكلمات والتي خرجت من ذلك المحقق في ذلك اليوم أمام النافذة. كونك محققا يعني أنك ستحمي الناس وتحافظ على حياتهم. كما حُفظت حياتي رغبت أنا أيضا بالحفاظ على حيوات غيري. إنه هدف لا نهاية له حتى نهاية البشرية. لذا السير بين الشق سيكون ممتعا بلا أدنى شك. درست بجنون لأعوام، حتى أتت اللحظة المنتظرة حيث سأؤدي وظيفة حياتي. بدأت العمل كمبتدئة في احدى مراكز الشرطة. بعد عامين لحسن أدائي المهني تمت ترقيتي بسرعة لوحدة الجرائم العنيفة في قسم مركز “روز” أكبر مركز دولي لضباط ومحققي الشرطة العامة.

في خريف عام 2013 حيث بدأت حياتي بالتغير مجددا:

مضى الأسبوع الأول بشكل جيد. تعودت على البيئة الجديدة و الجرائم العنيفة وعلى زملاء فريقي. لكنني لم اعتد على الأقوال التي تقول بأنني شخص متصلب. في إحدى الأيام كنت أنا و زملاء الفريق في غرفة الاجتماعات ننتظر قدوم قائد الفريق الذي كان خارج البلاد لمدة طويلة، للتحقيق في القضية التي كنا نعمل عليها، لذا كنت متحمسة لرؤيته. هل هذا حلم؟ إنه واقعي جدا ليكون كذلك. لقد كان قائد الفريق ذلك المحقق الغامض من أمام النافذة! لطالما تخيلت أنني سأقابله مرة أخرى ولو لمرة واحدة في حياتي لكنني لم أتخيل أبدا أن أعمل معه. هذه معجزة أخرى. بعد الاجتماع، قدمت نفسي إليه متأملة أنه ما يزال يتذكرني. لم يحصل ذلك. فعرفت بنفسي أولا وقمت بشكره مجددا لكنه لم يتعرف علي حتى بعد ذلك! أنكر أنه تبرع بمال لأحدهم، أنكر ذهابه إلى ذلك المستشفى وكما قال أنه انتقل للعيش في العاصمة منذ وقت قريب! تأكدت مما قاله بعد سؤال زملاء الفريق عن ذلك ” القائد؟ انتقل من الغرب إلى العاصمة منذ 3 أعوام تقريبا”. ذهبت إلى المستشفى التي أُدخلت إليها قبل 8 سنوات طالبة رؤية سجلات المرضى والمتبرعين. لكن! بشكل غريب جدا لم تكن هناك سجلات لمريض باسمي و متبرع باسم المحقق. قابلت ممرضتي فسألتها ما إن كانت تتذكرني وذلك المحقق… قالت أنها لم ترعى مريضة باسمي!

غريب، إنه أمر غريب… فكرت مليا بذلك لدرجة الجنون. قادني ذلك لمراقبة القائد سرا. أثناء ذلك أدركت القليل عن شخصيته: كان غامضا كأول مرة رأيته فيها، لا أحد يعرف عنه أي شيء، هادئ وجاد لا يتحدث سوى بما يخص العمل. كان غريب أطوار لكنه يملك قلبا دافئا، يعامل الجميع بلطف و ود. مع ذلك كنت أشك أنه يكذب ويحاول إنكار مساعدته، لأن عدم معرفته لي كانت واضحة في حديثه وتصرفاته. تركت التفكير بالأمر وركزت على عملي. كان القائد محققا يعمل مستقلا لوحده في “روز” حتى قام بإنشاء فريقا مؤقتا خاصا به وهو القسم الذي كنت اعمل فيه – قسم الجرائم العنيفة- لذا هو من يتحكم ويضع القوانين التي يريدها للقسم. لم يكن يكلفنا سوى بالقضايا التي لا تتطلب خسارة أي روح. فالمقابل كان هو من يشرف لوحده على القضايا الخطرة دون إشراك أي أحد، فهذه طبيعة مهنته الأصلية. كان معروفا أن كل محقق من النخب لديه مساعد إلا قائد فريقنا. شعرت أن عبء العمل وحيدا على قضايا كتلك ترهقه فطلبت أن أصبح مساعدته وكما هو متوقع لم أكن الوحيدة التي فعلت ذلك وكان الجواب الذي شهدته كالجميع هو الرفض التام. لم أملك خيارا سوى أن أطلب معروفا من مرشدي السابق أثناء التدريب، أن يتحدث مع المسؤول الأكبر لـ”روز” ليقنع قائد الفريق. بعد محاولات لا تعد وافق على مساعدتي له أحيانا. رأى روحي الصادقة و الشغوفة تجاه عملي فأصبحت تلك الأحيان، دائمة. كان الجميع يتحدث عن ذلك، عن كوني المساعدة المحظوظة للقائد الأول في “روز” لكنهم لم يعلموا الصعاب التي واجهتها لأحصل على هذا المنصب. مضت الشهور حتى أتى اليوم الذي استقبل فيه فريقنا عضوا جديدا. كان محققا من النخبة أيضا يدعى بـ”EKE”. لم أفهم لماذا محقق برتبته يعمل في قسم مؤقت! هو الأخر كان غامضا ولكن على نقيض شخصية القائد. مع مرور الوقت أصبح المحقق الجديد مساعدا للقائد! لم أعرف كيف حدث ذلك لكنه كان أمرا صادما أن يتخذ المحقق الذي كره فكرة حصوله لمساعد، على مساعدين! عملنا أنا والمحقق “EKE” كمساعدين للقائد مع ذلك كنا أشبه بزملاء مقربين. كان العمل ممتعا معهما، إن تحدث عن جمال تلك الأيام فلن انتهي. حتى أتى ذلك اليوم الذي انقلب فيه كل شيء… إلى شيء لم يتوقع أحدا حدوثه. عندما أطلق المحقق “EKE” النار على القائد دون سابق إنذار أمام الجميع… كنت ألحظ تلك المواقف التي يعرض فيها المحقق”EKE” قائد الفريق للخطر، لكنني لم أرغب في تفسيرها على هذا النحو أبدا. لأنني كنت أدرك جيدا أن المحقق”EKE” يحترم القائد ويهتم به أكثر من أي شخص آخر. بعد تلك الحادثة تلاشت كل الأفكار الجيدة عنه، لم أفهم، بل يفهم أي أحد لماذا فعل المحقق”EKE” ذلك للقائد! نُقل للمستشفى بالرغم من سوء إصابته لم يمت كما كان يريد المحقق”EKE”. عُزل الأخير وتم خضعه للاستجواب. خلال ذلك لم يسمح لأي أحد بزيارة القائد في المستشفى لذا كنت أراقب سير الأحداث بقلق. بعد مدة وجيزة اكتشفنا أن القائد سرح من المستشفى واختفى! لم يقدم حتى استقالته، لم يتحدث معه أي أحد… اختفى فجأة كما لو أن الأرض قامت ببلعه. كان الجميع في حالة من القلق والحزن، لم تتوقف القوات المسؤولة من البحث عنه. ما جعل الأمور مربكة أكثر هو عودة المحقق “EKE” للعمل وقائدا للفريق! لم نكن نملك حقا للاعتراض ولم يتم إخبارنا بنتائج الاستجواب. لذا حتى الآن لا أحد يعرف عن سبب محاولة المحقق “EKE” قتل قائد الفريق. مضى الشهر الأول لكنني لم أستطع التحمل أكثر… لم استطع النظر والعمل مع شخص كنا نعتبره زميلا مقربا، لكنه في النهاية قام بذلك الفعل الشنيع. انتقلت للعمل في مركز آخر وهكذا مضت الأعوام حتى عام 2018. تلقيت خطابا للعمل في أعظم قوى! قوى “OH”. إنها معجزة أخرى، فالعمل في ذلك المكان هي القمة التي يحلم الجميع بالصعود إليها، لكنها أتت إلي في طبق من ذهب. بعد مدة من العمل في ذلك المكان الأسطوري، دعيت لمقابلة مؤسسها! أخبرني المرشد أن الرئيس هو من قام بدعوتي شخصيا لأعمل في قواه. بينما أفكر عن سبب ذلك حتى رأيت أمامي شخصا لم أتخيل رؤيته في مكان كهذا.

– المحقق “EKE”… ما الذي تفعله هنا؟

– أوه! المحققة “FER” لا أصدق أنني أقابلك هنا من بين جميع الأماكن. السؤال ذاته موجه إليك

– دعيت لمقابلة الرئيس.

– هل من الممكن أنك تلقيت دعوة العمل منه شخصيا!

– أدركت ذلك للتو. بما أنك هنا الآن وتسأل هذا السؤال فأخمن أنك هنا للسبب ذاته.

– أصبتِ. على كل لم أركِ منذ مدة طويلة. هل كنتِ بخير؟ ماذا عن… القائد؟

– هل تملك الحق بالسؤال حتى؟

– لما لا؟

– الجميع يعلم… أنسى لا أريد التحدث معك.

تلك الثوان التي تحدثنا فيها معا كانت ثقيلة ومزعجة، رغبت بأن يمر الوقت سريعا ولحسن الحظ دعونا للدخول إلى الغرفة دون التحدث بالمزيد.

أدركت أن المعجزات دائما تتحقق لكن وقوع هذه المعجزة كانت صعبة جدا لأتخيل تحققها. من كان يجلس في ذلك الكرسي، مؤسس ورئيس أعظم قوى في البلاد، كان المحقق الغامض من أمام النافذة، كان القائد “DO”. لم أتخيل ذلك أبدا. كان يجلس أمامي ويتحدث عن العمل وسبب دعوتنا، لم استطع كبح نفسي وسألته:

– أيها القائد… أين كنت طائل تلك المدة؟ لماذا اختفيت فجأة دون أن تعلمنا؟ هل تعلم كم شعرنا بالقلق وكم بحثنا عنك جميعنا!

أجاب ببرود تام:

– لست مضطرا إلى أن أجيب على سؤالك الذي لا داعي منه أبدا، ولست مضطرا إلى إخبار أي أحد إلى أين أذهب وإلى إين لا أذهب، ولست مهتما بقلق لا فائدة ترجى منه. لكن! أنت مضطرة إلى أن لا تقاطعِ حديثي وتتحدثي بأمور أخرى لا علاقة لها بالموضوع الذي اتحدت بشأنه. هذا التصرف غير لائق أبدا.”

نطق المحقق “EKE” بشيء جعلني أغرب بالضحك عاليا:

– قد لا يهمك الأمر لكنه يهمنا نحن الذين تركتهم خلفك! هل تعلم كم أصبحت الأمور صعبة في “روز” بعد اختفائك! ؟ أنا و المحققة “FER” والفريق، جميعا كنا نمر بأوقات عصيبة بسببك.

لكن رد المحقق “DO” كان صادما أكثر لأفعل ذلك:

– عن أي فريق تتحدث، وعن أي اختفاء، و”روز” ماذا؟ أنا لم أعمل هناك أبدا، ولم اقد فريقا في حياتي، وأيضا لماذا تتحدثان معي كما لو أنكما تعرفانني مسبقا!؟

قلت بأنني لست مضطرا إلى أن أجيب على مالا يخص موضوعي، لكن ما هذه الأمور الغريبة التي تتفوهان بها! “

مجددا… إنه ينكر ما فعله مجددا… لماذا… لست الوحيدة الآن التي شهدت إنكارا لذلك لست أنا الغريبة. لكنه هو الغريب، المحقق “DO”.

لم يسمح لنا بالتحدث وبعد إنهاء حديثه طلب منا الخروج فورا. بهذا لم أستطع سؤاله ولم أرغب بالتحدث مطلقا بهذا الشأن مع المحقق “EKE”.

بعد عناء دام لأيام استطعت الوصول إلى المحقق “DO”. واجهته وطرحت أول سؤال بارتجاف:

– لماذا تنكر العمل في “روز”؟

تجاهلني وسار نحو سيارته، توقف عندما صرخت قائلة:

– قبل 12 عاما أيضا نكرت ما فعلته! لماذا تستمر بنكر الأمور التي تفعلها أيها المحقق “DO”.

التفت إلي فشعرت بالخوف من نظراته الحادة، قال:

– من أنتِ، وما هذا الذي تهذين به؟

– لقد طلبت رؤيتنا منذ بضعة أيام ألا تتذكرني؟

– رؤيتكما؟

– أنا و المحقق “EKE” دعوتنا شخصيا للعمل…

– لم أفعل ذلك والآن اعذريني.

– منذ 4 سنوات لقد كنت قائد قسمي في مركز شرطة “روز”. نكرت مساعدتي في العلاج منذ 12 عاما أيضا. أيها المحقق… هل أنت بخير؟ هل بالصدفة أنك مصاب في رأسك لذا تنسى ذكرياتك باستمرار؟

– مصاب في رأسي، أنسى ذكرياتي، ما هذا الهراء؟

– إذا أين كنت خلال الـ4 سنين الماضية؟

– لما علي إجابتكِ

لم أشعر بنفسي عندما قبضت ياقة بدلته، صارخة بانفعال:

– أرجوك! أرجوك فقط أخبرني… إن جاوبت على سؤالي أعدك أنني سأتوقف الآن

حدق في عيني الملتهبة، وحدقت في عينيه الفارغة لمدة ثوان، ثم قال ممسكا يداي بقوة:

– بالتأكيد كنت…

توقف عن التحدث، رأيت ملامح الحيرة في وجهه. شعرت بالألم من شدة قبضة يديه على يداي، قال بينما لا يزال يحدق بعينيه الفارغة:

– لماذا… ما الذي كنت أفعله قبل 4 سنوات…

لم أتردد وسألت فورا:

– إذا هل تتذكر ما حدث قبل 12 عاما؟ هل تتذكر طفولتك؟ هل تتذكر والديك؟

– والداي… هل أملك شيئا كهذا… لا… ما الذي يحصل…

ترك يداي وأزاحهما عن ياقة بدلته. عاد للخلف قليلا، أغلق عينيه محاولا التذكر. بدى يعاني حتى شعرت بأنه يتألم عندما أمسك مؤخرة رأسه منحيا على ظهره، يأن. ناديته عدة مرات لكنه لم يسمعني مطلقا وفي النهاية فقد وعيه! أثناء نقلي له للمستشفى نهض فجأة وطلب مني أن أوقف السيارة. عندها تحدثت أولا وأخبرته بكل شيء. مع كل كلمة أقولها كنت أرى ملامح الذهول والحيرة في وجهه الشاحب. شعرت بالفراغ الذي يشعر به، رأيت الضياع في عينيه فآلمني ذلك… هل كان هكذا دوما؟ لماذا لم أدرك ذلك مبكرا؟ سألته:

– أنت لا تتذكر أحداث الأمس أيضا أليس كذلك؟

– ذكريات الأمس…

عاد ذلك التعبير على وجهه مجددا. لطالما شعرت بأن هناك خطبا ما في ذكرياته منذ 4 أعوام أيضا، كان يتصرف كما لو أنه ولد ليعيش اليوم كأنه يوم جديد. كثيرا ما كان ينسى الأمور التي يفعلها كنت أجد ذلك غريبا عكس المحقق “EKE” الذي كان يخبرني أن ذلك أمر طبيعي بالنسبة للمحققين. بعد مقابلته كرئيس وربط كل الأمور الغريبة ببعضها أدركت أنه ينسى كل ذكريات يومه السابق، ويعيش اليوم فقط، دون أن يدرك ذلك… إنه أمر مؤلم أكثر من كونه غريب. بعد إصرار ذهبنا إلى المستشفى ليجري عدة فحوصات والنتائج جميعها كانت لا توحي بأنه مصاب بأي شكل من الأشكال في دماغه! اعتقد الطبيب أن فقدان ذكرياته كل يوم هي حالة نفسية وليست عضوية ومن المحتمل أنه لن يستعيد ذكرياته أبدا وسيبقى كما هو.

لم يفهم المحقق”DO” سبب مرضه لأنه لا يتذكر سوى ذكريات اليوم التي ستختفي في اليوم التالي. المحقق لا، بل القائد الذي لم يكن يتحدث أبدا سوى بالعمل، حدثني في تلك الليلة لأول مرة عن ما يشعر به:

-لا أزال أذكر أحداث هذا اليوم حتى الأن: استيقظت من نومي، أعدت قهوة الصباح، ركبت سيارتي المفضلة، ذهبت إلى عملي، أنهيت قضايا اليوم ثم قابلتك. أليس ذلك غريبا؟ أعلم وقت استيقاظي ونومي، وقت ذهابي للعمل وأين يكون ومنصبي لكنني أفعل ذلك ليس لأنني أتذكره وليس لأن جسدي اعتاد على فعله… بل افعل ذلك كما لو أن أحدا ما يتحكم بعقلي وبتصرفاتي. لم أفكر أبدا باليوم الذي يسبق هذا اليوم، لم أفكر أبدا بما كنت أفعله قبل هذا اليوم، لم أفكر بمن أكون ومن أين أتيت ومن هم عائلتي. لا أعلم إن كنت قد فكرت بذلك من قبل لأنني لا أذكر سوى ما حدث اليوم. هناك شيء ما بداخلي يخبرني أن هذا ليس مرضا عاديا، إنه شيء أخفى وأكبر من ذلك. لا أعلم إن قد أدركت مرضي هذا في احدى الأيام السابقة، وماهية الشعور الذي شعرته في ذلك الوقت. لكن اليوم أريد أن أخبرك بهذا لكي تذكرينني به لاحقا، بالشعور الذي شعرت به اليوم. إنه كما لو أنني أعوم في الفضاء الواسع الفارغ، أحاول الوصول إلى البداية أو حتى إلى النهاية، لكنني غير قادر على ذلك مهما حاولت العوم. بينما أعوم لا أعرف من أكون هل أنا إنسان؟ أم مخلوق آخر؟ رغبت بالتحرر من هذا الفضاء، رغبت بالموت لكي لا أشعر بالفراغ. لكن… لم يكن لذلك بداية لينتهي. هذا الشعور لا أرغب بأن يشعر به حتى ألد أعدائي. سأنسى كل ما حدث اليوم وسأنسى هذا الشعور لكنني أرغب منك أن تخبريني به كل يوم لكي لا أعيش كصدفة فارغة، لا تعرف من أين وجدت وإلى أين تنقلها الأمواج.

قلت بغصة في صدري:

– قد تنسى كل شيء وتبدأ يوم جديد، لكن بالنسبة لي كل يوم سيكون ذاته لأنني لم ولن أنساك أيها المحقق”DO.LEO “. ” دو. ليو”.

حاولت جهدي في إخفاء دمعتي وحزني كي لا أشعره بالثقل أكثر ولم ألحظ أن اليوم الجديد قد دخل عندما ذرفت الدموع. الشخص الذي كان يتحدث معي قبل ثوان لقد نسيني الآن ولكل يوم. لحسن الحظ أنني قمت بتسجيل محادثتنا لكي لا ينكر ما أقوله عندما أخبره بذلك كل يوم. حياتي تغيرت مجددا بعد ذلك اليوم…

أصبحت في بداية كل يوم أول ما أفعله هو الذهاب إلى مكتبه وتشغيل تسجيل المحادثة وأخيرا إخباره عن من أكون وتذكيره بالأمور المهمة. اعتدت على ملامح الفراغ في وجهه عندما يدرك حقيقة مرضه، لكنني لم أستطع أن اعتاد على عدم الشعور بالفراغ الذي يشعر به. بحثت عن وسائل عديدة للعلاج وكل ذلك كان دون جدوى. لم تمضي الأيام بمعرفته عن حقيقة مرضه فقط، بل كان يكتب كل شيء يحصل في يومه وبما يشعر به كمذكرات سوداوية حياته. بعد 4 شهور تحديدا في اليوم الثالث من الشهر الخامس لعام 2018. وقع أمر صادم! كما العادة كنت ذاهبة إلى مكتبه في بداية الصباح، وقبل أن أدخل رأيته بملامح الجمود أمامي ولم ألبث سائلة حتى قال بهدوء غامض:

– إنني أتذكر كل ما حدث يوم الأمس!

لم ينسى… اعتقدنا أنها كانت مصادفة لكن الأيام التي تليها وحتى الأن ما زال يتذكر ذكرياته منذ اليوم الثاني من الشهر الـ5! مع ذلك ما قبل ذلك لم يكن يتذكره…

اعتقدنا أنه بدأ بالشفاء فشعرت بالراحة والسعادة لذلك. لكنني لم أكن أتخيل أن ذلك كان بداية العذاب. منذ اليوم الأول من الشهر السادس بدأ المحقق “DO” بصراع بدى أن لا نهاية له، عندما وصله ذلك الظرف مجهول المرسل، و الذي يحوي بداخله مذكرة سوداء بمفاهيم غامضة. بدأت تصيبه وخزات كهربائية تمر أحيانا ببطء وأخرى بسرعة عبر مؤخرة رأسه. تلك الوخزات كانت تُظهر ذكريات وأحداث مبهمة غير واضحة الصورة والصوت. تشله عن الحركة تماما وعندما يحاول تذكر أو فهم الحدث الذي يظهر، تزداد نبضات قلبه بالتسارع، يشعر بالاختناق ثم يفقد وعيه. سوء الوضع وصل إلى أن يشعر بالوخز ويخسر أمام أعراضها حتى دون أن تظهر الأصوات والرؤى المجهولة. كنت أشعر بالخوف والقلق الدائمين نحوه… إنه مؤسس قوى مليئة بالمعارضين والأعداء ماذا إذا ظهرت الوخزة دون إنذار وفقد وعيه في مكان عام؟ طلبت أن أرافقه دائما إلى أي مكان يذهب إليه لحمايته، فعينني كمساعدته اليمنى كي لا ينشر الناس إشاعات لا أساس لها. الشعور بالغضب المفاجئ، الخوف غير المبرر، السعادة، الحزن وغيرها من المشاعر. الهلوسات، تحريك جزء من الجسد بشكل لا إرادي، الآلام مفاجئة وتشنجات في الجسد. ذلك بعض الأعراض التي كانت تظهر كإشارة لوقوع الوخز. اخبرنا الطبيب: ” أن ذلك نوع من أنواع الصرع يعرف بالصرع الجزئي أو النوبة البؤرية. ينتج المرض بسبب إصابة الرأس بأي شكل من الأشكال، السكتات الدماغية، أو التهابات الدماغ وإصابات في تركيبها، قد تكون أوراما وأيضا قد ينتج المرض بلا سبب. الهلوسات السمعية والبصرية التي تظهر قبل النوبة و خلالها هي نتيجة للمرض وليست ذكريات المريض المفقودة.” كان تقرير الطبيب يعني أن ذكريات المحقق “DO” المفقودة من الصعب عودتها، ومرضه غريب المنشأ لا بداية لحقيقة تواجده لينتهي صراعه.

لا يعرف أي أحد آخر غيري بمرض المحقق “DO” الغريب، لذا أنا لوحدي من يشعر بما يشعر به من ألم وفراغ. لم يُظهر ذلك لكنني استطيع رؤية عالمه الداخلي المظلم من خلال ملامح وجهه الجامدة. واستطيع أن أرى جيدا أنه يقاتل كيانا غامضا بداخله دائما. لطالما تساءلت… لماذا يعاني بشدة؟ لماذا كل ذلك لشخص واحد؟ لماذا هو من بين الجميع؟ مؤسس قوى “”OH الذي يعتقد جميع الناس أنه أنجح شخص يعيش برخاء وسعادة، ليس سوى شخص فارغ من الداخل لا يبدوا أنه وصل إلى القمة ليشعر بالسعادة والنجاح. لطالما رغبت بمعرفة ماهي القمة التي يرغب بالصعود إليها لكنني كما آمنت دائما بالمعجزات، سأنتظر وقوع المعجزة التي يسترجع فيها كل ذكرياته ويخبرني بالقمة الحقيقة التي رغب بالصعود إليها منذ صغره. سأنتظر اليوم الذي سيخرج فيه المحقق” دو. ليو” من عمق الهاوية ويقف نحو راية القمة. لأنني أعلم أن المعجزات لها وجود في عالمنا.

………

اليوم الـ10 من الشهر الـ10 الخريفي لعام 2018: الأسبوع الثالث بعد انتحار القاتل المتسلسل “RAV”. كان “DO” يجلس في المنطقة الوسطية لطابقه الخاص، تحت شجرة الوِستارية البيضاء أرجوانية اللون. يحدق بشرود في ورق البرسيم الثلاثي أمامه فوق الطاولة. مع كوب من قهوته المفضلة، أتت المحققة “FER” لتجلس في الكرسي الخشبي المقابل، بعد وضعها للكوب أمام النبتة. انتبه “DO” لقدومها فقال:

– آخر الأخبار؟

أجابت بقلة حيلة:

– لا شيء جديد. لم نستطع العثور على الأعضاء المفقودة حتى الآن.

– ماذا عن الضحية الأولى؟

– مع الأسف لا أثر لذلك أيضا.

صمت بعد سماع الأجوبة، وبدأ باحتساء قهوته ببطء. حدقت فيه المحققة لبرهة ثم قالت:

– منذ عودتك من الهضبة لم تخبرني بالكثير من أفكارك؟

– هل ترغبين بسماعها بشدة؟

– اشتقت إلى ذلك.

وضع الكوب فوق الطاولة و بعد إسناد ظهره على الكرسي، قال:

– بت متأكدا أن كل شيء مرتبط ببعضه، بدأ من مرضي الغريب حتى آخر لحظة من تواجد “RAV” على قيد الحياة. ذكرياتي المفقودة، نسياني لذكرياتي كل يوم، تذكر ما بدأ منذ اليوم الثاني للشهر الخامس، النوبات البؤرية، قضية “BN8” كل ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بما هو مذكور في سطور المذكرة السوداء.

– هل تعتقد أن كل ذلك مخطط له؟

– منذ البداية

– لا أنكر أن مرضك هو غريب بحد ذاته وعدم تذكر الناس لك قبل 4 أعوام أمر مبهم أيضا، لكنني لا استطيع فهم كيف لأمور كهذه أن يكون مخطط لها!

– ألم أخبرك بذلك سابقا؟ لا أشعر إنني أفعل الأمور الروتينية في حياتي لأنني أتذكر فعل ذلك أو لأنني اعتدت على فعلها، بل لأن هناك من كان يتحكم بتصرفاتي وعقلي.

– وهو ذاته من خطط لكل هذا

– بالضبط

– إذا ما تعتقد أنه يكون؟

– لا أعلم… لكنه بكل تأكيد ليس من فعل إنسان فقط. قد تكون قوى خارقة، كيان غامض… لا أعرف… لا أعرف… لا أعرف… لماذا لا أعرف… لماذا لا أتذكر ما يكون…

قاطعته المحققة فورا:

– لا تتذكر ما يكون… هل تعني أنه شيء تعرفه لكنك نسيته!

– لا أعلم… لا أعلم… إنه….

بدأ جسد “DO” بالارتعاش، اصفر لون وجهه، أغلق وجهه بيديه المرتعشتين حاول التحدث لكن الكلمات لم تساعده بالخروج. وخز كهربائي لحقته النوبة البؤرية، حاول جاهدا أن يبقى على وعيه، لأنه إذا فقد وعيه سينسى كل جزء بسيط مما تذكره ومما ظهر في النوبة. بدى يأن متألما وهو يحاول السيطرة على غدر الوخزة الكهربائية. أمسكت “FER” كتفيه تحاول تهدئته. كانت خائفة وترغب بأن يفقد وعيه دون أن يحاول السيطرة عليها، لكي لا يصيبه مكروه.

بعد 8 دقائق، هدأ “DO”، رفع يديه عن وجهه فوجد نفسه لا يزال كما كان ويتذكر تعرضه للنوبة! بعينيها الخضراوين الواضح عليهما القلق، كانت “FER” تحدق فيه غير مصدقة لما حصل. قالت بكلمات متقطعة نتيجة الصدمة:

– هل… سيطرت على… على النوبة… الآن؟ هل حصل ذلك حقا!

أزاح يديها عن كتفه، طلب منها العودة إلى مقعدها. فامتثلت لأوامره. أخذ نفسا عميقا ثم قال:

– لقد ربطت مفهوم ما ظهر في النوبة مع ما سمعته وادركت شيئا مهما.

كانت المحققة تنتظر بدم حار لتسمع مفهوم أول ما استطاع “DO” إدراكه من النوبة البؤرية. بدوره قال:

– صبي أخمن أنه بعمر الـ12 يحمل بيده ظرفا أسودا كالظرف الذي كان يحتوي على المذكرة السوداء لدي. يركض ليلا تحت المطر الغزير ثم توقف أمام لوحة إعلانات كتب عليها “عام 1998 سيكون عام ولادة الأساطير” تحت تلك اللوحة وقع حادث سير نتيجة ارتطام شاحنة نقليات بسيارة صغيرة. ذهب الصبي نحو السيارة الصغيرة ونظر إلى الشخصين المصابين، كانا زوجين. كانت المرأة تتحدث عبر الهاتف قائلة: اخفي المذكرة السوداء و اعتني جيدا بطفلي “LEK”. لم تنهي ما قالته حتى دهس بقوة الصبي يديها التي تحمل الهاتف. آراءها الظرف الأسود الذي معه مبتسما بخبث قائلا:

– إنها نهايتكما. بعد كل ما فعلتماه، أتمنى أن تكون بدايتكما في العالم النهائي أسوء أنواع الحياة.

أخرج من معطفه خنجرا كالخناجر التي استعملها “RAV” في قتل ضحاياه، وبسرعة غير متوقعه طعن قلبها ثلاثا هي وزوجها. انتهت النوبة هنا.

توقف “DO” لثوان ثم أردف:

– ظهرت الأحداث التي في النوبة بشكل واضح جدا، لكنني كنت كشاهد لها وليس شخص تذكر ذلك. تلك لم تكن من ذكرياتي وهذا غريب… الأحداث كانت واقعية جدا لتكون نتيجة فقط لمرض ما. المذكرة السوداء، طفلهما “LEK”، عام “1998” هذه ليست نوبة عادية، إنها أحداث حقيقية.

– إن لم تكن ذكرياتك، فهي لمن؟

– حسنا…

لحظات من الصمت ثم قال بصوت منخفض، دون أن يشعر بما قاله:

– ربما لشخص يدعى بـ”K”…

“K. LOUCK” “كي. لوك”

نهاية الفصل التاسع…



 .P.10 خلف الأقنعة

الحقيقة تخفى دائما، خلف الأقنعة المزيفة

كان المطر الخريفي يهطل بغزارة عندما خرجت “MEL” من منزلها لمقابلة “LEK”.

مقهى صغير يقبع في نهاية حي منزلها، كانت الوجهة التي ذاهبة إليها. فور دخولها رأت “LEK” يلوح لها من آخر مقعد في الزاوية اليسرى. بعد سحبها للكرسي، جلست عليه. لم تكد تلتقط أنفاسها حتى بدأ “LEK” متحدثا بلهفة:

– يا الهي انظروا من هنا! إنها المساعدة “MEL” من “HXH”. تبدوا كالذين خرجوا لتوهم من أراضي العدو. هل الطبيبة بخير؟ لم أقابلها منذ مدة طويلة. صحيح! في آخر مرة قابلتها فيها، أخبرتني أنك تعملين كمساعدة مساعدة المحقق الغريب ذاك. انتظري… إنه الرئيس صحيح! آسف. كان علي أن أكون أكثر لُبقا وأنا أتحدث عنه. لن تشي بهذا العبقري أليس كذلك؟ أعلم، أعلم لن تفعلي…

قاطعته “MEL” متنهدة بصوت عال، ثم قالت بهزء:

– كم عدد التسجيلات الصوتية التي قمت بتناولها اليوم؟ لا يبدوا لي أنهم أقل من 10

– لا تؤلمي قلبي الصغير بالحقائق

– من الجيد أنك تعترف بذلك.

– إذا كيف هي أحوالك مؤخرا؟

– سأكون كاذبة إن أخبرتك أن حياتي خلال هذه الفترة كانت عادية. كنت أعمل كمساعدة للمحققة “FER” لكنني انتهيت من ذلك منذ 3 أسابيع. بما أن القضية التي كنا نعمل عليها مع الرئيس انتهت.

– هذا يعني أنك لم تكوني مساعدة فحسب بل شاركتهما في قضية!

– حسنا… تستطيع قول ذلك.

– هل قُبض على الجاني؟

– فجر نفسه أمام الرئيس.

– ماذا! هل هو بخير إذا، الرئيس!

– لم أره منذ الوقت الذي ذهب إليه لمقابلة الجاني، لكن المحققة “FER” أخبرتني أنه بخير، لذا من الأرجح أنه كذلك.

وضع النادل كوبا من الشاي أمام كل واحد منهما، ثم انصرف. استرجف “LEK” القليل بينما “MEL” كانت تقول:

– لقد قرأت الرسالة التي أرسلتها، لم أملك الفرصة لأجيبك. في الحقيقة كان ذلك صادما قليلا، بل كثيرا. لم أكن أتوقع أنك تصدق مثل هذه الأمور. تعلم… على عكسك أنا لا أمر بما تمر به.

– إذا أنت لا تصدقينني

– قد تكون ذكرياتك المفقودة!

– أخبرتك أنها ليست كذلك، وذكرت لك أدلة أيضا. بجانب ذلك حتى بعد رؤيتي لتلك الذكريات لم اشعر بها… لم اشعر أنها ذكرياتي لأنني لا اذكر فعلي لها حتى بعد رؤيتها.

– هل تذكرت ذلك؟ أنك كنت تدرس في مدرسة داخلية، والداك توفيا قبل 3 أعوام بعدوى فايروس.

– لا… لم أتذكر ذلك. أدركت حقيقة دراستي في تلك المدرسة بعد رؤيتي لسجلاتي الدراسية. أما والداي… أخبرني الجيران بذلك، تأكدت من الأمر بعد البحث في سجلات الموتى بسبب الفايروس في ذلك العام.

– إن كنت مصرا على ولادتك من جديد بسبب هذه الحجج. إذا ماذا عني و الرئيس؟ فيما تفسر عدم مرورنا بحالتك الغريبة.

– اسمعيني جيدا… لم أكن أصدق هذا أيضا حتى ظهرتِ أنت ورئيسك في تلك الذكريات. صبي بعمر الـ12 يتعرض للتنمر، ينقذه صديقيه. الأول فتى والآخر فتاة. أتعلمين ما اسمهما؟ إنهما “MEL” و “DO”. أما الصبي الذي تعرض للتنمر فهو “LEK”. كانت هذه أول ذكرى أراها للثلاثة معا ولم تكن مصادفة أنها ظهرت بعد مقابلتي للرئيس. ذكرى أخرى كانت تجمعهم: في منزل عائلة “MEL” يتناولون العشاء معا. كانت وحيدة والدها الطبيب و والدتها الممرضة. الآن أنت الشقيقة الصغرى للطبيبة “LEE” التي تكبرك بـ4 أعوام. والدك الراحل كان شرطيا، والدتك الراحلة كانت روائية. ماذا رأيت أيضا… ذكريات كثيرة تظهر مدى قرب الثلاثة من بعضهم. ذلك كله نقيض ما نحن عليه الآن. قابلتك منذ مدة ليست طويلة، خضعت للاستجواب عدة مرات من قبل المحقق “DO” وعلاقتنا ليست جيدة. قد لا تمرين بما أمر به، لكن كيف تعرفين إن كان المحقق “DO” ليس كذلك؟

صمت “LEK” للحظات ينظر إلى هدوء “MEL” الدال على عدم امتلاكها لإجابة، ثم قال متنهدا بعمق:

– بعد تعرضي لحادث السير في عام 2014 دخلت في غيبوبة لمدة 4 أعوام. كان اليوم الـ2 من الشهر الـ5 لعام 2018 عندما استيقظت لأول مرة من ذلك السبات العميق. لم أكن أعلم لماذا أنا فوق الفراش في المستشفى. لكنني كنت أدرك إن اسمي “LEK” وإنني أعمل في شركة “ENGART”. خرجت من المستشفى وذهبت إلى منزلي، بل كان منزل عائلتي. كنت أعرف رقم الدخول للمنزل، أين غرفتي، أعرف تفاصيل المنزل، رقم حساباتي المصرفية، وظيفتي ومكانتي. كنت أتصرف بشكل طبيعي جدا ولم أشك أبدا أنني فاقد لذكرياتي. لم أفكر أبدا بأن أفكر سوى بالحاضر والقادم. لم أفكر بالماضي أبدا، بل لم أفكر كيف تعرضت لحادث السير.

حتى سألني إحدى زملائي في العمل:

– أنت عبقري لا استطيع إنكار ذلك، لكن أن تعمل في شركتنا وبهذا المنصب بعد أن كنت في غيبوبة لمدة 4 أعوام. هل هذا بفضل صلات والديك؟

والداي؟ هل كنت أملك شيئا كهذا؟ لا اعلم لماذا لم افكر بوالداي وعائلتي مسبقا. هرعت للمنزل ابحث عنهما إنه تصرف غبي أليس كذلك… لماذا ابحث عنهما في المنزل الذي كنت أعيش فيه لوحدي منذ مدة. لم أعرف من هما والداي وأين هما. لم تكن هناك صور تجمعنا معا في المنزل، بل لم تكن هناك أي صورة لهما. كنت يائسا وأنا أحاول تذكرهما ومعرفة مكان تواجدهما. في إحدى الأيام قابلتني عجوز من المنزل المجاور:

– هل أنت الابن الوحيد لعائلة “LOGAN” التي انتقلت إلى هذا المنزل قبل 4 أعوام؟

كان ذلك لقب عائلتي، فأجبت بالموافقة. أكملت:

– يا الهي العزيز… لقد بحث عنك والديك بجنون. لا أصدق أنهما رحلا دون أن يراك مجددا.

– هل بحث عني والداي! لماذا؟

– لقد كنت مفقودا

– مفقودا! منذ متى؟

– هل مضى على وفاتهما 3 أعوام؟ إذا كانا يبحثان عنك قبل ذلك بعام. 4 أعوام… أي أنك كنت مفقود منذ عام 2014.

كانت الجملة قصيرة، لكنها تحمل الكثير من الأحداث الصادمة. بعد التحدث معها أدركت كيفية وفاتهما و أين يكون قبرهما. كنت في غيبوبة عندما ظن الجميع أنني مفقود كان ذلك غريبا. لماذا لم تتواصل المستشفى مع أقاربي؟ بحثت خلف الأمر. كما ذُكر في التقرير، لم يجدوا شيء معي أثناء الحادث ليتعرفوا على هويتي، حتى بعد فحوصات الدم وغيرها! لم تكن هناك سجلات طبية تثبت من أكون! كشخص عادي، بل دعيك من ذلك لنقل كرجل بالغ أليس من الغريب ألا أكون قد ذهبت إلى المستشفى أبدا طوال حياتي! بحثت في المنزل فوجدت صندوقا متوسط الحجم يحتوي على صورة واحدة فقط تجمعني بوالداي وأنا بعمر الـ13، سجلات دراستي حتى الثانوية العامة هذا كل ما وجدته. هل كنت ابنا صالحا لدرجة أنني لم أمرض أبدا؟ جميع سجلاتي الطبية، هويتي وغيرها كانت مجددة في عام 2018 تحديدا في ثاني يوم من الشهر الـ5! تساءلت لماذا لا أتذكر أي شيء؟ راجعت الطبيب فأخبرني أنني فقدت ذكرياتي لكن الغريب في الأمر كان أنني لم أصب دماغي بأي شكل من الأشكال! فكيف إذا فقدت ذكرياتي… وضع احتمال أن ذلك لسبب نفسي فأوصاني بزيارة أخصائي. لم أذهب إلى الاستشارة النفسية. حاولت التذكر بيأس حينها بدأ الظلام يسود حياتي. عندما قابلتك صدفة في الشهر الـ6، هنا في هذا المقهى. كنت مارا من جانبك عندما، كنت تتحدثين مع مدير عملك السابق، فور نطقه لاسمك شعرت بوخز كهربائي مؤلم في مؤخرة رأسي. أثناء الوخز سمعت أصوات غريبة ورأيت أحداث مبهمة، لم استطع تحمل ألم ظهورها وفقدت وعي. تذكرين ذلك اليوم صحيح؟

– أجل، أذكر وكيف لي أن انسى. لم يكن في المقهى سواي ورئيس عملي السابق، وهاتفك لم يكن معك لذا أُجبرت من قبل المسعفين لمرافقتك إلى المستشفى. ذلك كان بداية تعارفنا.

– على كل بعد ذلك اليوم بدأت بسماع و رؤية ذكريات غريبة، ظننت أنها لي لكنها لم تكن كذلك. كل وخزة كهربائية كانت تحمل معها ذكرى غير واضحة. كان الأمر فضيعا جدا، الوخزة الكهربائية تفقدني الإحساس بمحيطي وبنفسي وعندما أعود إلى وعي أجدني في المستشفى أو حيث البقعة التي فقدت فيها وعي. كان الألم يتفاقم دائما، كنت اشعر أن هناك شيئا بداخلي يستمر بحرقي. فقدت معنى الشعور بالراحة، السعادة، السلام. لم تعد حياتي كما كانت من قبل. لذا أصبحت أراجع مختصا نفسيا، شقيقتك الطبيبة “LEE”. مع ذلك لم يكن هنالك تحسن، حتى قابلت المحقق “DO” وسمعت باسمه لأول مرة. بدأت الأحداث المرئية، الأصوات المتقطعة بالوضوح. بعد مقابلته مرة أخرى بدأت الذكريات تظهر في أحلامي. الشعور الذي شعرت به عندما رأيته لأول مرة كان كما شعور رؤيتك أول مرة. شعور لا استطيع وصفه تماما، لكنه يوحي بأنني أعرفكما. و أليس هذا مشكوك فيه… بعد مقابلتك لأول مرة بدأت الذكريات الغريبة بالظهور، بعد مقابلة المحقق الذكريات المشوشة والمتقطعة أصبحت تامة و واضحة. لم افهم سبب كل ذلك، كنت اعتقد إذا وضحت الذكريات فسأتخلص من الألم والظلام الذي في عالمي لكن ذلك كان يسير ليتفاقم أكثر وأكثر. أخبرتني شقيقتك أنه مرض عصبي وما أراه واسمعه نتيجة لذلك. أخبرتك عن هذا المرض في الرسالة. الغريب أن مسببات ذلك المرض لم تتواجد لدي! مسببه كان غامضا لا سبب له. وجدت ذلك غير منطقيا، إنه مرض عصبي يحدث بسبب، لكن لا سبب سببه لي! بدأت بالبحث عن السبب بنفسي ووجدت ذلك العراف. تعلمين ما اخبرني به. إن لم يكن هناك سبب واضح وملموس، مرء العين. فهذا يعني أن هناك سبب غير واضح، ملموس سيصبح واضحا إذا بحثت عنه. إنني أصدق أن ما أراه هي ذكريات حياتي السابقة، وأنك أنت والمحقق كنتما في تلك الحياة معي. لذا قابلتكما هنا في هذه الحياة. لا أعلم ما الخطأ الذي تسببنا به، أو ما هي الأمنية التي لم نحققها لكي نولد من جديد، نعيش بعذاب خطأ لم نقصده. لكن ما أعلمه هو أننا إذا لم نتحد لن نستطيع التخلص من هذا الجحيم أبدا.

– قد تكون محقا، ربما الرئيس يعاني مثلك. لكنني لست كذلك.

– لهذا بالضبط أخبرتك بكل ما سبق.

– ما الذي تقصده؟

– كنت مثلك تماما في البداية، لم أفكر سوى بالأيام المقبلة لذا لم أدرك أنني فاقد لذكرياتي. هل فكرت بذلك من قبل؟ بماضيك؟

– بالتأكيد إن…

توقفت “MEL” عندما ارتعش جسدها فجأة. شعرت بتصلب أطرافها. تمكن منها الصداع وشعرت بثقل حنجرتها، لم تستطع التحدث. نفسها بدأ يتقطع وهي تسمع أصوات، وترى ذكريات مقطعة ظهرت فجأة من العدم مصاحبة معها آلام غير متوقعة في مؤخرة رأسها. ثوان معدودة ضربت وخزة كهربائية دماغها ففقدت وعيها.

………

زينت منحوتة صُنعت من الرخام الأبيض تمثل جسد بلا رأس ومقيد بسلاسل حديدية لرجل في عقده الثامن، ملئت السيوف المغطاة بالدماء المزيفة ظهره، قبو واسع مظلم. بعد بضعة أقدام من تلك المنحوتة كان “ZAR” البالغ من العمر 47 عاما يسعل دما. ككل يوم حاول فك قيد يده لتكون مصدر نجاة لبقية أرجاء جسده المقيدة بسلاسل حديدة، لكنه فشل مجددا. لم يعد يشعر بألم الندوب والجروح التي في جسده، اعتاد على ذلك. حاول عد الأيام التي كان محبوسا فيها في ظلام هذا القبو لكنه كان أكثر مما يستطيع تحمل عده. اشتاق إلى رؤية النور الحقيقي، إلى أشعة الشمس الدافئة وهي تتغلل إلى عظامه. نسى كيف يكون طعم الماء الصافي النقي. بات يتساءل كيف كان يُمضغ الطعام. كل يوم يستيقظ متأملا أنه كان يحلم، وأنه لن يفتح عينيه على تلك المنحوتة. فقد الأمل، أمل الخروج من هذا المكان، ناهيك عن الخروج منه آمنا. الوقت يمر ببطء، لا شيء يستطيع فعله سوى التحدث مع المنحوتة. ذلك كان أفضل له من أن يتلقى تعذيبا موحشا مرة أخرى، من ذلك الشخص الذي قام بحبسه. عند التفكير بالأمر لم يأتي -خاطفه- إلى القبو منذ أسابيع. فأعتقد أنه مات، وكم تمنى “ZAR” المسكين أن اعتقاده يكون في محله.

كان يتأمل المنحوتة كل ساعة ولحظة ويفكر كم هو يشابهها. ما تبقى ليصبح منحوتة حية هو أيضا، أن يطعن في ظهره. كانت الفكرة في البداية ترعبه، لكنها مع مرور الأيام أصبحت جزءا رئيسيا من تفكيره اليومي، اعتاد على ذلك.

كان صدى أصوات تضارب السلاسل ببعضها بينما يحاول “ZAR” فك عقدها بطريقة ما، يملئ فراغ القبو الهادئ. لم يصدق أن ذلك اليوم قد أتى! اليوم الذي تحرر فيه من السلاسل التي قيدته لأسابيع لا تعد! فجأة شعر بقلق مفاجئ، يوحي له بأن ذلك المجنون -خاطفه- سيأتي اليوم! حاول تجنب التفكير بالأمر. كان يزحف على يديه وصولا إلى الباب الحديدي خلفه، باب النجاة. بعد عناء ومشقة وصل للباب. حاول الوقوف على قدميه بصعوبة، نجح في ذلك. امسك المقبض البارد فشعر بالرعشة. كان بينه وبين النجاة هذا الباب فقط.

” أرجوك، أرجوك لا تكن مغلقا “

الباب… لقد فُتح!! سعادته في تلك اللحظة تحديدا لم تكن توصف. فالان سيتحرر من هذا السجن ومن ذلك المجنون. ما تبقى لفعله هو دفع الباب للخلف ليخرج بسرعة، ليهرب بعيدا، ليرى النور الحقيقي.

لكن…

تلاشى كل ما تخيله في وقت قصير، آماله، فرصته كل شيء اختفى ليتصنم في بقعته بعد رؤية تلك الهيئة المخيفة أمام الباب. الشخص الذي حبسه، عذبه… لم يعتبره إنسانا، كان بالنسبة له وحشا.

أسدى الخاطف بقدمه الطويلة ضربة قوية في معدة “ZAR” فُدفع للداخل مجددا. سقط أرضا وهو يتألم. كان يزحف للخلف بفزع كلما تقدم الخاطف خطوة نحوه. لم يشعر بنفسه حتى ارتطم رأسه بقدم المنحوتة. تمسك بقدمها راجفا.

وقف الخاطف خلف المنحوتة، يتأمل السيوف التي غطت كل جزء من ظهرها. بينما يعيد ضبط السلاسل، كان يتحدث بهدوء مخيف:

– ألم أخبرك بذلك: أن تتخلص من الجثة اللعينة بشكل مناسب قبل أن أجعلك تلحق بها؟ لم تفعل ذلك، لم تطع أوامري وماذا فعلت أيضا؟

صمت الخاطف للحظة، فشعر “ZAR” بأن نبض قلبه سيتوقف من الخوف

” لماذا صمت، ما الذي يفعله، هل… هل حان الوقت لأصبح منحوتة حية..”

أردف الخاطف:

– لم تجب على أسئلتي المطلوبة. أنت جنيت هذه المعاناة لنفسك. أنا لم أقم سوى بمعاقبة شخص خرج عن نطاق قوانيني وقتلك ليس بجريمة.

تباطء نفس “ZAR” عندما رأى الخاطف يقف أمامه مباشرة، محدقا إليه بنظرات عينيه الحادة المرعبة، يحمل في يده الآلة شبيهة القنبلة اليدوية.

صُعق جسده، بعد ضربة خاطفة تلقاها رأسه من تلك الآلة. لم يكن ذلك كافيا للخاطف. ضربة تلو الأخرى دون توقف لثوان، دقائق، ساعة. كان ليستمر بالضرب لكنه توقف عندما رأى ما بداخل رأس ضحيته. ابتسم ليُدخل يده إلى داخل الفجوة التي أحدثها في رأس “ZAR”. أخرج ما أمسكت به يداه، ثم حدق في المنحوتة وهو ما يزال مبتسما. وضع الشيء الذي تتصبب منه الدماء فوق البقعة التي فقدت رأسها من المنحوتة. استمر يتأملها لدقائق بينما ينظف يديه بقماش كان في جيب سترته.

نظر إلى الجثة تحت قدميه، عقد حاجبيه قائلا بضيق:

– للبعد الأقرب من هو التالي؟

……..

يرتعش جسدها الصغير، لكنها غير قادرة على التحرك. تريد خطو خطوة واحدة فقط للأمام لكنها عاجزة. تكتم بيديها الصغيرتين شهقات صوت بكائها. دموعها الحارقة كانت لا تتوقف. والديها داخل منزلها الذي يحترق أمام ناظريها. لم تعرف ما الذي تفعله في ذلك الوقت…

استيقظت “MEL” من نومها وهي مبللة بالعرق. كانت تتنفس بصعوبة فنهضت لتفتح نافذة غرفتها، تستنشق هواء يساعدها. ما رأته في حلمها كان يبدو واقعيا. شعرت بتلك اللحظة، اللحظة التي تقف فيها الفتاة الصغيرة تنظر إلى منزلها وهو يحترق. استنشاق نسيم هواء الصباح البارد أمدها بالطاقة. توجهت إلى المطبخ تلهي نفسها عن تذكر الحلم بإعداد الإفطار. وجدت ملاحظة صغيرة فوق الطاولة من شقيقتها كتب عليها: فقدت وعيك لذا أحضرك “LEK” إلى المنزل. انتظرت استيقاظك لكنك لم تفعلي، لذا ذهبت أولا إلى العمل أراك عندما أعود.

في الـ”HXH”:

كانت “MEL” تجلس بشرود في أريكة غرفة الفريق، تفكر بما قاله “LEK”.

– المساعدة “MEL”، إن الرئيس هنا!

وقفت “MEL” على قدميها بسرعة غير متوقعة، وبتعابير وجهها الخامدة أخذت تلتف يمينا ويسارا تتأكد من وجود الرئيس لتحييه. لكنها بدلا من رؤية “DO” رأت محققي قسمها ينظرون إليها مقهقهين. لم تفهم ما يحدث فنظرت إلى المحقق “DS” وهو يقهقه مع الجميع تسترجي منه شرح ما يحصل. قال المحقق:

– هل صدقت أن الرئيس سيأتي إلى هنا! كنت شاردة طوال اليوم لذا أردنا ممازحتك قليلا.

تنهدت “MEL” بارتياح، فعادت لتجلس. شعر المحقق المسن بالغرابة، فسألها:

– هل أنت بخير يا “MEL” لماذا تبدين منهكة اليوم؟

– هل ابدو كذلك؟

– الجميع سيدرك ذلك من نظرة واحدة

– حسنا هناك ما يشغلني.

– اخبريني إن كنت تحتاجين إلى المساعدة.

– أقدر لك ذلك أيها القائد “DS”.

– هل أخبرك بشيء يساعدك على التحسن قليلا؟

– شيئا كماذا؟

– ككيف أصبحت محققا، ولماذا أندم على حياتي التي عشتها في الماضي.

بعد انتهاء اليوم الطويل خرجت “MEL” مسرعة من مكتبها لتتوجه إلى المنزل وبينما تسير نحو باب الخروج من المبنى تقابلت مع المحققة “FER” صدفة. فألقت عليها التحية و أكملت سيرها دون قول أي شيء.

شعرت “FER” بالحيرة، فهي لم تراها بهذا الوضع البائس من قبل. وصلت إلى مكتبها، أخرجت بضع ملفات من درج المكتب، لتضعهم فوق الطاولة. تنهدت بقلق عندما لم يجب “DO” على اتصالها. كان مختفيا منذ أيام دون أن يخبرها إلى أين سيذهب. العديد من الأفكار المقلقة كانت تراودها. تمنت أن يكون بخير وأن يظهر بسرعة قبل أن تجمع القوات لتبحث عنه.

……..

– لا ترخي دفاعك عن المغفل، لأنه هو الذي عليك أن تحذر منه، لا الفطن.

ابتسمت “MEL” بخبث وهي تنظر إلى تدفق المطر الغزير عبر نافذة غرفة معيشة منزلها. قدمت لها شقيقتها “LEE” كوب مشروب دافئ و أخذت تشاركها في التأمل للمطر قائلة:

– كنت جيدة جدا في التمثيل. لا ريب بأن لا أحد سيشك بنواياك الحقيقية.

– مع ذلك… ما زلنا لم نصل إلى ما نريده.

– كل شيء يسير وفق الخطة لذا بدلا من القلق على ذلك… يجب أن تظهري حقيقة مرضك كي لا يشتبه بك.

– هل تعتقدين أن الرئيس “DO” يعاني مثلنا؟

– أنك في “HXH” لتتأكدي من ذلك

– لم يكن ذلك هدفي الرئيسي للعمل هناك

– أعلم. على كل بعملك هناك ضربتي عصفورين في حجر واحد

وضعت “MEL” الكوب فوق الطاولة، لتستلقي بعدها في الأريكة، تحدق في السقف بغمة تقول بشجن:

– كل يوم حياة جديدة يعني أنك تعيش حياة سعيدة؟ هراء… إنه ببساطة يعني أنك لا تستحق العيش لأنك لست إنسانا حقيقيا. تستيقظ كل يوم وأنت لا تعلم حقيقتك، لا تعرف جوهرك، لا تدرك السبب الذي يجعلك تعيش الأمر أشبه بكونك آلة.

ما معنى أن تفقد ذكرياتك كل يوم و تعيش كل أيامك كشخص جديد؟ ما معنى أن تقابل أشخاص تعتقد أنك تقابلهم لأول مرة، لكنهم ذات الأشخاص السيئون الذين طعنوك في ظهرك كل يوم دون أن تدرك ذلك؟ تنسى الأشخاص اللطيفون و لا تعرف ما قدموه لك لتشعر بدفئهم، ما المعنى من ذلك؟ ما معنى أن تنسى لماذا تعيش وما هو كنزك الذي وجدته بعد عناء لتحافظ عليه؟ كل ذلك لا معنى جيد له… إنك كورقة بيضاء فارغة بعد الكتابة فيها تلقى بعيدا لأن الغرض منك قد انتهى.

الإنسان يعيش بذكرياته سواء كانت جيدة أم سيئة فهي تبقى جزء منا، في داخلنا، هي من تكوننا وتجعل منا بشرا. التخلص منها يعني التخلص من ذواتنا الحقيقية.

كنت أعتقد أنه من الجيد عيش حياتي هكذا، كورقة بيضاء فارغة كل يوم لكنني…

لكنني ادركت أنني أظلم نفسي بذلك، أدركت أنني فارغة ومزيفة لا أعرف من هي شخصيتي الحقيقية. لا أعلم كيف أعيش، لماذا أعيش ولأجل ماذا أعيش. لا أملك أحلاما، أماني، أهداف ليس لدي كنزا أحافظ عليه لأشعر أنني بشرية… لا فرق بيني وبين المخلوقات الحية الأخرى. ذلك الشعور بداخلي يقودني للجنون، إنه يخبرني أنني لا استحق العيش، إنه يمزقني إلى أشلاء ويحطمني إلى أجزاء. كان الأمر هكذا حتى بدأت لا أنسى ذكرياتي كل يوم. الآن لا اشعر أنني فقدت ذكرياتي، ولا أفكر بالماضي. لا أعلم لماذا لكن الحاضر والمستقبل هذا ما افكر به فقط. ولا أعلم لماذا عندما أحاول التذكر اشعر بألم شديد في مؤخرة رأسي يجعلني مقيدة الحركة، وفجأة أسمع أصوات غريبة لا افهم ما الذي ترمز إليه، بجانب أنني أرى ذكريات لا اشعر أنها ذكرياتي المفقودة. كان الأمر هكذا حتى قابلت “LEK” وتحدثت معه في المستشفى بعد فقدان وعيه في المقهى. عندما عرف بنفسه، لحظة سماع اسمه ظهر الوخز مجددا مع أصوات كانت تردد باسمه، حاولت السيطرة على نفسي بصعوبة وعندما خرجت من عنده ازداد الوخز بالشدة حتى ظهرت الذكريات المشوشة بجانب الأصوات التي تنادي باسم “”LEK بعدها فقدت الوعي. حدث ذلك مرة أخرى عندما قابلت الرئيس “DO” في مكتبه: سمعت صوت صبي صغير يردد بجملة ” فلنذهب إلى ذلك المكان يا من تملكين عقل الدمى ” كان صوته يشابه صوت الرئيس جدا. هذه ليست مصادفة بالتأكيد أعلم، لكنها ليست كما قال “LEK” أيضا. ليس من المعقول أن نولد من جديد لنعاقب على خطأ اقترفناه، بهذا ألن يولد الجميع مرة أخرى؟ وألن نولد نحن مرة أخرى في زمن آخر… لأننا البشر نخطئ دائما.

قبل 4 سنين، عام 2014…

اختفت “MEL” فجأة بدون أي سبب مقنع. بحثت عنها الشرطة لمدة طويلة لكنهم توقفوا عن ذلك لاحقا ووضعوا احتمالا أنها توفيت. في اليوم الثاني من الشهر الـ3 لعام 2018 وجدتها شقيقتها فاقدة الوعي أمام منزلها. عندما استيقظت سألتها “LEE” عن الكثير لكن كل الإجابات التي سمعتها جعلتها مضطربة. نكرت “MEL” اختفائها. لاحظت شقيقتها تصرفات غريبة منها. لم تكن “MEL” تتصرف كشخص عاد ليعيش في مكان جديد لم يعتد عليه. كانت تتصرف وتتحدث بشكل اعتيادي كما كانت قبل اختفائها. لم تكن تتحدث عن الماضي، تنسى باستمرار ما تفعله، لم تكن تتذكر ما قبل اليوم الذي هي فيه. لم تخبرها “LEE” بذلك وتركت الوقت يحل الأمر. في الشهر الـ5 شعرت “LEE” أن “MEL” بدأت تتحدث عن أحداث أيامها السابقة بداية من اليوم الثاني للشهر! لكنها لم تكن تتحدث عن قبل ذلك وعلى عكس ما كانت عليه سابقا، كانت تتحدث عن المستقبل. لم تستطع “LEE” تحمل الأمر أكثر فواجهت شقيقتها قائلة بانفعال:

– أخبريني أين كنت منذ 4 سنين! لماذا لا تخبرينني بشيء؟ هل هناك سبب يجعلك تتصرفين بهذا الشكل. ماذا عن والداي لماذا لا تتحدثين عنهما. هل تعلمين أن يوم الأمس كانت ذكرى وفاتهما! هل تدركين كم كنت أعاني بعد اختفائك. تصرفك بهذا الشكل يجعلني افقد صوابي لذا أرجوك يا “MEL” توقفي عن التظاهر واخبريني الحقيقة… أين كنت؟

كانت “MEL” تشعر بالحيرة فسألت بتعجب:

– لماذا تتصرفين بهذه الطريقة يا “LEE”!! أخبرتك أنني لم اختفي ولماذا حتى أكون! لقد كنت معك دوما. لقد كنت…

شعرت بوخز طفيف في رأسها، حاولت ذكر بعض اللحظات التي كانت فيها مع شقيقتها خلال المدة السابقة لكنها لم تستطع. كان عقلها فارغا تماما.

– أين كنت؟ لماذا لا أذكر انتظري… والداي؟ هل توفيا؟

– لا تتظاهري وأخبريني الحقيقة

لم تكن “MEL” تتظاهر بأنها لم تختفي، لأنها لم تذكر أن تتذكر ما الذي كانت تفعله قبل اليوم الثاني من الشهر الخامس. كانت تعتقد أنها تعلم ما الذي حصل خلال تلك المدة لكن بعد استيعاب تذكرها لتتذكر أحداث السنين الأربعة الطائفة لم تتذكر أي شيء. بينما تحاول التذكر بيأس شعرت بوخز كهربائي شديد في مؤخرة رأسها، سمعت ورأت أحداث ذكريات مشوشة لا مفهوم لها، فقدت وعيها.

2018:

قالت “LEE” بأسى وهي تنظر إلى شقيقتها:

– قد لا يكون التشابه المريب لحالتكما المتماثلة مصادفة، لكن مرضكما يندرج تحت نوع من أنواع الصرع. ما تشعرون به من عواطف غريبة قبل الوخز الكهربائي وما تريانه و تسمعانه يدعى بالنوبة البؤرية نتيجة لاضطراب في الفص الصدغي للدماغ.

– لكنك تعلمين أن الفحوصات لا تظهر أي شيء مشكوك فيه.

– قد يكون لسبب نفسي.

– ما الذي تعتقدينه بشأن ذلك؟

تنهدت “LEE” ثم قالت:

– خلال الـ4 سنين حدث شيء ما أكبر من قدرتك على تحمله، لذا للتهرب من صدمة ما عشته قام عقلك الواعي بمحو ذكرياتك بما فيها الذكريات المتعلقة بذلك الحدث. لكن ذلك بشكل مؤقت لأنه مالم يكن هناك ضرر كبير في الجزء المسؤول عن تخزين الذكريات سوف لن تختفي. بما أنه ضرر نفسي ما نتحدث عنه لحالتك هذا يعني أن ذكرياتك قمعت في عقلك اللاواعي. عندما تفعلين شيء مشابه للذكرى التي فقدها عقلك الواعي يبدأ دماغك بإرسال إشارات إلى عقلك اللاواعي ليسجل الذكرى بما أنها مركز تخزين الذكريات. فيستجيب لذلك على أنها ليست ذكرى جديدة ليسجلها، فيضطرب عقلك الواعي نتيجة لذلك. وعندما يرسل إشارات على أن الذكرى موجودة سابقا، تترابط الإشارات الناقلة بأخرى عندها تحصل النوبات البؤرية. عندما لا يستجيب العقل الواعي للذكرى على أنها موجودة مسبقا بسرعة، تظهر تلك الأصوات والذكريات المشوشة. بينما يحاول التعرف عليهما في ذات الوقت الذي يكون فيه يحاول ضبط الإشارات الكهربائية المتصادمة ببعضها، يفقد قدرته نتيجة الضغط فتخرج الأمور عن سيطرته بما فيه السيطرة على الناقلات الكهربائية، فيحدث خلل فيهم لذلك تشعرين بوخز في دماغك.

– لهذا لا يستطيع عقلي الواعي تسجيل الذكرى.

– أجل

– إذا هل هناك طريقة تجعلني لا أفقد وعي عندما يظهر الوخز؟

– حسنا… في الواقع لا يحدث الوخز فقط لما قلته، هناك سبب آخر

– ما هو؟

– لأن عقلك الواعي لا يزال يقوم بحمايتك بتجنب تسجيل الذكريات على أنها ليست جديدة.

– لكنني لا أريد ذلك!

توجهت “LEE” نحو “MEL”، قبضت على كتفيها بقوة، بملامح جادة حدقت في عينيها ثم قالت:

– ذلك ليس نابعا من داخلك… إنك لا تريدين التذكر من أعماقك. إنه يستجيب لعمقك لا لظاهرك.

رأت “LEE” ارتعاش شفتاي “MEL” واضطراب ملامح وجهها. عانقتها بلطف قائلة:

– لا أعلم ما الذي حدث معك، لدرجة أن تنسي كل ذكرياتك بسبب ذلك. إذا أردت العيش بسلام عليك أن تحاربي نفسك. سأكون دائما معك لذا لا تقلقي.

…….

في مساء اليوم التالي:

حدق المسن “PX” البالغ من العمر 65 عاما، إلى ضيفه الشاب بارتباك بسبب هدوءه وهو يبدوا مستمتعا بشرب القهوة التي قدمها إليه منذ لحظات. قال:

– حسنا… أخبرتك في الهاتف مسبقا عن سبب لقائي بك، إلى الآن لم أسمع جوابك. هل ستفعل ذلك؟

– هل لي أن أعرف أولا لماذا شخص لديه ثروة هائلة مثلك يعمل كمراقب أمن في الـ “HXH” سيد “PX”؟

ازداد المسن ارتباكا وبدأ العرق يتصبب من جبينه، قال بينما يحاول تفادي النظر إلى ضيفه:

– لقد… لقد.. أردت الحصول على شرف العمل هناك.

– وتعمل كمراقب أمن؟

– حسنا… كل عمل في ذلك المكان يعتبر شيئا عظيما بما أنك جزء منه.

ابتسم الضيف مفزعا بذلك المسن، وضع قدمه فوق الأخرى ليقول برقي أسلوبه ونبرة صوته الرقيقة:

– أعلم أنك تبحث عن المحقق الأعظم “MK” لذلك تعمل في…

قاطعه المسن وهو يصرخ قائلا بانفعال:

– أبحث عن من؟؟ هل تعلم أنك تتحدث عن محقق لا أحد يعرف اسمه الحقيقي ناهيك عن معرفة مكان عمله وعيشه!!

لم يكترث الضيف بذلك ليقول بعد رجفة بسيطة من القهوة:

– من أمرك بذلك؟

صرخ “PX” بانفعال:

– لا أحد! لا أحد! لا أحد!! لا أبحث عن أي أحد!

من ملامح وجه هادئة باسمة، تقلبت تعابير الضيف إلى ملامح مهيبة. شعر المسن بالفزع عند رؤيته ذلك الوجه وهو يردد بشيء يشير إلى الويل:

– بما أنك جزء منا، فأخمن أنك تعلم عواقب الكذب على محقق من “HXH” أليس كذلك سيد “PX”؟

مقابل العمارة السكنية الفاخرة لشقة المسن، داخل شقة من ذات المجمع السكني في عمارة أخرى كانتا الشقيقتان “MEL” و “LEE” تراقبان ما يحدث.

بينما تراقب تحركات المسن مع ضيفه المدير وجهه للنافذة، قالت “LEE” بحيرة:

– إنه يوم عقد الصفقة، لماذا هناك شخص آخر في منزله. هل من المحتمل أنه يشك بنا!

– دعيني أرى.

أخذت “MEL” المنظار من شقيقتها، لتتأكد. بينما تحاول التقاط صورة الشخص الذي يجلس مديرا رأسه للنافذة، قالت:

– بالنظر إلى ملامح “PX” فأعتقد أنه يتحدث مع شخص غير عادي. يبدو على ملامحه الخوف والقلق. ما الذي يتحدثان عنه بحق!

قالت “LEE”:

– ليس هناك من يلبس قبعة كلاسيكية في زمننا الحاضر.

راودت الشكوك “MEL” تجاه القبعة الكلاسيكية التي يرتديها الضيف

في شقة “PX”:

عاد المسن ليجلس في مقعده محاولا الهدوء. فكر بما قاله ضيفه، تردد للحظات وبعد دقائق قبض على يديه قائلا:

– لست الوحيد الذي يبحث عنه.

بابتسامة جانبية، قال الضيف:

– أريد أن أعرف من أمرك بالبحث عنه؟

– لا أبحث عنه من أجل أحد… إنه كما تعلم شخصية مهمة، معرفة القليل عنه سيكسبك الكثير.

– ألم تفكر بأنك ستخسر الكثير بمجرد تورطك في الأمر

– هل أنت حارسه الشخصي أيها المحقق؟ لما تبدو مهتما به!

رسم الضيف ابتسامة أخرى على شفتيه ليقول ساخرا:

– قد أكون أنا هو من تبحث و يبحث عنه الجميع.

تجاهل “PX” شعوره بالقلق من ما سمعه، ليقول:

– قبل 8 أعوام وقع زوجين ضحية لمؤامرة بشعة. لم تكترث الدولة بتلك القضية وتجاهلت التحقيق، أتعرف لماذا؟ لأن الدولة هي من كانت خلف تلك الجريمة. بعد سنين طويلة ظهر المحقق الأعظم “MK” و أخذ حق الزوجين من قاتلهما ليضعه خلف قضبان سجن قوى “OH”. لم تستطع الدولة منعه ولا الوقوف ضده لذا تعتقدان أنه يعمل في قوى “OH”.

– لماذا تبحثان عنه؟

– حسنا عليك أن تسألهما بنفسك.

– من هما؟

– الشقيقتان من عائلة “ELE”

وضع الضيف كوب قهوته فوق الطاولة، نهض من مقعده، وأخذ يلبس معطفه بهدوء قائلا:

– عائلة “ELE” و “MK” هذا مثير

………

– لقد نهض!

قالت “MEL” وقبل أن تقول المزيد شعرت بالشك المحير عندما خلع الضيف قبعته الكلاسيكية.

قالت “LEE”:

– ماذا حدث هل رأيت وجهه؟

– شعره… ذلك اللون المميز… الرمادي… إنه يكون…

تراجعت للخلف لتسقط على ظهرها بهلع عندما توجه الضيف ليقف أمام النافذة مبتسما بحنكة.

– ما الذي يحدث “MEL”!!

بصوت مرتعش، وبكلمات مقطعة قالت “MEL” و هي تغطي فمها من الدهشة:

– إنه… إنه المحقق “EKE”.

نهاية الفصل العاشر…



P.11. تحت شجرة بلوط أسرار

توقفت أمام بوابة الدخول للغابة الشرقية، المهجورة، 4 سيارات عائدة إلى قوى “OH” ارتجلت “FER” من سيارة المقدمة، ومن السيارة التي خلفها ارتجل فريق من الطب الشرعي، من ما تبقى ارتجل بضع جنود من الـ”XHX”. تولت “FER” قيادتهم متوجهة إلى داخل الغابة. استمروا بالسير ما يقارب 20 دقيقة ثم وصلوا إلى وجهتهم المطلوبة. وقف الجميع باحترام يلقوا التحية العسكرية الخاصة بقوى “OH” كما هو البروتوكول للرئيس”DO”. والذي كان يقف جانب حفرة مقبريه تحت ظل شجرة بلوط عملاقة، كانت تخفي بين جذوعها هيكل عظمي لإنسان. ابتدأ الجنود بالتمشيط مطوقين المنطقة بشرائط حمراء تمنع دخول غير المصرح بهم. فريق الطب الشرعي توجه نحو الهيكل العظمي لتحليل الوضع. ألقت “FER” نظرة سريعة على الهيكل العظمي ثم توجهت لتقف بجانب “DO”. بدوره كان قد ابتعد عن القبر، يقف في وسط من الحشائش يراقب بحدة عينيه المكان. سألته “FER”:

– ألن تخبرني كيف وجدت ذلك الهيكل العظمي؟

ببرود قال دون مبالاة:

– هل السبب مهم

– لقد كنت غائبا عن الأنظار لمدة وعندما اتصلت بي أخبرتني أن أحضر ما يلزم من القوى بعد أن وجدت هيكل عظمي مدفون في الغابة الشرقية. هل كنت تشعر بالملل لذا بدأت بالحفر في أرجاء الغابة، ما الذي حصل بحق!

– هل يجب علي اعتبار هذا استجوابا أيتها المحققة “FER”

– اعتذر إن بدا الأمر كذلك. كنت قلقة فحسب…

– لم اطلب منك القلق علي. اكملي سير التمشيط مع الفريق، بعد الانتهاء أرسلي إلي التقارير الأولية. سأعود إلى المكتب لأكمل التحقيق

– هل لديك معلومات عن الهيكل حتى تبدأ التحقيق!

– لا أملك الوقت للحديث

……..

بعد نجاح “DO” في السيطرة على النوبة البؤرية للمرة الأولى، أصبح باستطاعته السيطرة عليها كلما ظهرت دون أن يشكل ذلك عليه تهديدا كبيرا.

كان في منزله عندما ظهرت نوبة غير مفهومة، تُظهر بشكل مشوش، متقطع هرولت أحدهم في ظلام مكان غير واضح أصله. استمر بالتفكير بأحداث النوبة الأولى- حادث سير الزوجين- مما ساعده ذلك على وضوح أحداث النوبة التالية. الذي كان يهرول هو صبي بعمر الـ12، في غابة ليلا. حاول “DO” ربط هذه النوبة بأول نوبة لكنه لم يجد عاملا مشتركا بينهما. في المقابل ذلك ساعده على حدوث المزيد من النوبات التي تكمل أحداث هرولت الصبي في الغابة. للمرة الثانية: الصبي يسير خلف أحدهم بحذر في الغابة ليلا. للمرة الثالثة: يختبئ الصبي خلف شجيرات والخوف واضح عليه. لم يفهم “DO” ماهية أحداث النوبات حتى استيقظ من نومه في اليوم التالي واندفع فضولا لزيارة الغابة الشرقية بعد حلم غريب رآه. أحداث الحلم ظهرت بشكل واضح وتفصيلي: الصبي الصغير الذي ظهر في أحداث النوبة كان يلاحق 3 رجال بسرية وصولا إلى الغابة. اختبأ يراقب ما يفعلونه. فزع وسار يهرب بعد رؤيته لهم وهم يقومون بأطلاق النار ثلاثا على مؤخرة شخص كان طريح الأرض مقيدا. خرج من البوابة التي تؤدي إلى دخول الغابة. استنادا إلى ذلك الباب الذي خرج منه الصبي قام “DO” بالبحث عن غابات تحوي على باب مشابه فوجد أنها الغابة الشرقية. توجه إلى البقعة التي قُتل فيها الرجل الضحية، عن طريق استدلاله بلوحة ظهرت في نوباته، يسير الصبي بجانبها وبعد بضع أقدام يختبئ خلف شجيرات نبتة مألوفة. كان يفكر بينما يقف تماما فوق الأرض الذي قُتل فيها الرجل المقيد -الضحية-:

” أحداث ظهرت في النوبة وكُملت في حلم، إنها واقعية جدا لتبدو على أنها نسج وهمي من دماغي، كما أحداث النوبة الأولى -حادث سير الزوجين- التي لم تبدوا إطلاقا أنها غير واقعية. صبي بعمر الـ12 كان يراقب 3 رجال وهم يقتلون أحدهم في منتصف الليل داخل أعماق غابة مهجورة. قد يبدوا ذلك غريبا لكنني إذا عثرت على جثة الضحية فسيثبت هذا أن أحداث النوبة والأحلام واقعية. إذا اثبت الأمر فقد أجد الإجابة التي أريدها. إن قتل أحدهم في غابة مهجورة يعني دفنه فيها. لذا من المحتمل أن جثة الضحية هنا في مكان ما من الغابة “

توقفت أفكاره عندما شعر بالوخز الكهربائي، كانت أكثر حدة من قبل. الحدث الذي ظهر في النوبة كان غير واضح ويحمل معه صوت يردد بشكل متقطع

” أنت…سيساعدني… من… يا… “

توقفت النوبة عائدا “DO” إلى وعيه، محاولا فهم ما رآه وسمعه.

” إنه صوت رجل بالغ بالتأكيد وهو يحادث أحدهم يجلس أمامه. “

كان يبحث في الأرجاء القريبة من بقعة مقتل الرجل المقيد، عن مكان مناسب يُدفن فيه أحدهم دون أن يُعثر على جثته. شعر بالإرهاق عندما استمرت النوبات المشوشة بالظهور واحدة تلو الأخرى لذا عاد إلى منزله دون أن يكمل البحث. بينما يُعد قهوة المساء كان جل تفكيره على الصوت الذي تردد في إحدى النوبات نهار اليوم:

” أنا أصدق كل ما تقوله، لذلك هل يمكنك مساعدتي بالعثور على أولئك المجرمين”

في صباح اليوم التالي استيقظ “DO” من نومه وهو يلهث متنفسا بصعوبة. شعر أن روحه خرجت من جسده بعد حلم غريب آخر: الصبي من أحداث النوبات السابقة يتحدث مع محقق شاب في مركز شرطة قديم الطراز، يقول الصبي للمحقق:

– هل عثرت على جسده؟

– لم نعثر على أي شيء بعد ولا نعتقد أنه دفن في الغابة. هناك شيء آخر…

– ما هو؟

– صدر قرار من الأعلى بغلق القضية لنقص الأدلة واشتباههم في أن شهادتك كانت صادرة من تخيلات صبي صغير

وقف “DO” ينظر إلى بتلات الزهور التي زرعها بعانية في حديقة منزله الصغيرة وهو يعيد تذكر أحداث النوبات والأحلام مجددا، ليعثر على خيط يدله على مكان دفن جثة الضحية.

” لم تجد الشرطة الجثة، وأغلقت القضية! حدسي يخبرني أن الجثة دُفنت في الغابة وتقرير الشرطة متلاعب به. ليس حدسي فقط من يرشدني إلى هذا بل، إنه ذلك الكيان الغامض أيضا… الكيان الذي يتحكم بذكرياتي، متأكد من أنه هو من يريدني العثور على الجثة لذا يقودني لأبحث عنه في الغابة لأنه دفن فيها. لكن لماذا؟ ما الذي يكمن وراء هذه القضية…”

………

في الغابة الشرقية: كان “DO” يبحث في الأرجاء مستدلا بأصوات حركة الرجال الثلاثة، أثناء هرولت الصبي فرارا بعد رؤيته لجريمة القتل.

” الرجال الثلاثة كانوا يخفون وجوههم بقماش في منتصف ليل، مكان مهجور هذا غريب! الشخص الذي أطلق النار على الضحية من المؤكد أنه القائد. الرجل الذي كان يقف بجانبه هو مساعده. والأخير الذي كان يقف بجانب الضحية، يمسك بأداة ما لم تظهر جيدا، هو بالتأكيد الأقل رتبة منهم و بالاعتماد على بنيته الضخمة سيكون هو الذي سيتخلص من الجثة. احتكاك صوت جسد الضحية بالأرض بدأ بعد 8 ثوان من هروب الصبي. صوت سحب الجسد كان يبدوا سريعا وسلسا إن دل هذا على شيء فسيدل على أن الجثة سُحبت من القدمين نظرا لأن سحب الجسد سيكون أثقل ما إذا سُحب من اليدين حتى بالنسبة لشخص ذو بنية جسدية قوية. صوت سحب الجثة بدا باتجاه مستقيم دون أي انعطافات… من منظور الصبي كان الضحية يستلقي ورأسه على اتجاه عقرب الساعة التاسعة. إذا سُحب من قدميه مباشرة للمخرج الأيمن باتجاه عقارب الساعة. بعد الهرولة لدقيقتين توقف الصبي يستريح بادٍ عليه الصعوبة في التنفس. هل الركض لمدة قصيرة كهذه يعتبر متعبا للأطفال! أثناء ذلك توقف صوت احتكاك الجسد في الأرض مما يعني أنهم وجدوا البقعة المناسبة لدفن الجثة…”

تبعا لتحليلاته اتبع المسار الأيمن باتجاه عقارب الساعة وفقا لمنظور الصبي لذا كان “DO” يقف مجددا أمام البقعة التي قُتل فيها الضحية:

” وجد المجرمين بقعة مناسبة للدفن بعد دقيقتين و8 ثوان منذ إطلاق النار على الضحية. بدا وزن الضحية ما بين الـ85 والـ90، سحب الرجل الضخم لجسد كهذا لن يشكل له شقاء لذا سيصل به، بسرعة إلى بقعة الدفن. بالمزايا السابقة ستكون المدة التي سار بها الجاني الشريك في عملية القتل، يسحب الجثة، اكثر من دقيقتين لكنها مسرعة… أي سيكون ضعف الدقيقتين خلال دقيقتين.”

وقت “DO” عداد حساب الوقت، ليسرع في خطواته محاكيا دور الرجل الضخم الذي سحب الجثة، بسحبه لكيس قماشي يزن حجمه حجم و وزن الضحية. فشل عندما لم يستطع سحب الكيس بالسرعة وفي الوقت المحدد، بسبب بنية جسده الضعيفة. عاد لنقطة البداية، وقت العداد مجددا، وبدأ يحاكي الدور. فشل آخر، عاد لنقطة البداية. بعد فشل دام لمرات عديدة نجح بربط الوقت المحدد مع السرعة اللازمة للسير. عندها وصل إلى منطقة في الغابة مليئة بأشجار البلوط الضخمة. بينما يستكشف المكان، لاحظ وجود رسم مألوف في إحدى أغصان شجرة البلوط.

تأمل الرسم فتذكر أين رآها، لقد كانت ذات الرسمة في الخناجر التي استعملها “RAV” لقتل ضحاياه. لم يفكر كثيرا وبدأ بالحفر تحت الشجرة متيقنا من أن الرسمة علامة لموقع دفن الجثة. بعمق الأرض وبعد حفره الطويل وجد هيكل عظمي لإنسان، يرتد ذات الملابس التي كان يرتديها الضحية في حلمه. كان يتوقع أن يجد جثة لكن هيكل عظمي!

” الملابس ذاتها بلا ريب. إنه حقيقي… إنه واقعي… أحداث النوبات والأحلام واقعية! لم أتوقع أن الجريمة وقعت منذ مدة بعيدة لتتحلل الجثة هكذا. إنه أمر مبهم. بالنظر إلى تكوين العظام للهيكل فيبدو أنه قُتل منذ أكثر من 15 عاما! “

……..

كان المحقق “EKE” يجلس في مكتب عمله يبحث عن معلومات تخص قضية مؤامرة مقتل زوجين وقع قبل 8 أعوام. لم يجد الكثير كل ما هو موجود كان يقتصر على مقالة واحدة نشرت في الجرائد واختفت لاحقا، لكن المحقق استطاع العثور عليها بصعوبة:

” قُتلا زوجين بطريقة بشعة، دُفنا أحياء بلى أي سبب. المجرم الذي اقترف هذه الشنيعة عليه أن يُنفى من الحياة بأكثر الطرق قساوة. الشرطة توقفت عن التحقيق بأوامر خاصة هل للمسؤولين الحكوميين علاقة بهذه القضية؟. بعد سنين عديدة يظهر محقق غامض ويحل القضية. المحقق “MK” يثبت قوته وذكائه ويتحدى كل من عارض على التحقيق، ويعثر على الجاني الذي قتل الزوجين. “

ابتسم “EKE” يقول مسرا لنفسه:

– يا لها من قصة درامية.

شعر باهتزاز هاتفه عندما تلقى إشعارا. قرأ محتوى الرسالة التي وصلته بحيرة، لينهض من مقعده مسرعا.

” إنها أنا المحققة “FER” الرئيس يطلب رؤيتك في مكتبه بعد نصف ساعة “

……..

كان جو مقلق يسود إحدى غرف التشريح، المتواجدة في مركز الطب الشرعي العائد إلى قوى “OH”. يقف في كلا جانبي منصة التشريح التي فيها الهيكل العظمي: الطبيب المسؤول عن التشريح و المحققين “DO” بجانبه “EKE”. يشرح الطبيب الوضع قائلا:

– الوقت المقدر للوفاة ليس أكثر ولا أقل من 20 عاما. انظرا إلى هنا

يشير إلى الجمجمة، ثم يكمل:

– أتريان هذا؟ تجويف كسر في مقدمة ومؤخرة الجمجمة يدل على أن الضحية تعرض لطلق ناري في مؤخرة رأسه. لم يُعثر على الطلقات في موقع الدفن لذا من المؤكد أنه تلقى الرصاصات من مسافة قريبة جدا فخرجت من مقدمة رأسه محدثة هذا الكسر الذي ترونه، إلى بقعة أبعد من مكان الجريمة. هذا لا يحدد سبب الوفاة

سأل “EKE”:

– ما الذي تقصده؟

– بجانب الطلق الناري، الضحية تعرض للطعن.

بانفعال أدهش الطبيب و المحقق”EKE”، قال “DO”:

– تعرض للطعن!!

– نعم. العظام متآكل لذا لن يظهر أي شيء، لكن أنظرا إلى هذا

يشير الطبيب إلى ملابس الضحية وبينما يريهما البقعة المخزوقة يقول:

– هذا الخزق في ملابسه باتجاه قلبه، من الواضح أنه طُعن.

يقول “EKE”:

– طُعن في قلبه، تلقى طلق ناري في رأسه… كلاهما في الوقت ذاته؟

– لا استطيع التأكد من هذا.

– ما جنسه؟

– بالنظر إلى تكوين العظام وملابسه فهو ذكر من المحتمل أنه كان في نهاية عقده الخامس

– كان في بداية عقده الرابع.

نظرا الرجلان بغرابة إلى “DO” الذي كان ممعنا النظر في الهيكل ولم يشعر بنفسه وهو يردد كلماته الأخيرة. ابتسم “EKE” قائلا:

– هل هناك أي شيء نستطيع من خلاله الكشف عن هويته؟

– رغم أنني سأقول أن الكشف عن ذلك مستحيل لكنني ما زلت سأحاول.

بانتظار وصول قائمة أشخاص فُقدوا قبل 20 عاما، من قبل المحققة “FER” كانا المحققين ينتظران في سيارة “DO”. بينما كان الأخير منشغلا بقراءة تقرير التشريح، تحدث “EKE” قائلا:

– من كان يتوقع أن يشركني الرئيس في إحدى قضاياه الخاصة

لا رد، توقع “EKE” ردة الفعل هذه فأكمل مبتسما:

– لقد تذكرت أول قضية شاركتك بها مع المحققة “FER”… بالحديث عن هذا لقد اشتقت إلى الأيام التي كنا نعمل فيها معا.

صمت قليلا، ثم أردف بأسى:

– لا أعلم لماذا تعاملني ببرود دائما… أيها القائد هل تكرهني لسبب ما؟

حدق إليه “DO” بحدة، قائلا:

– ليس من الضروري وجود سبب لتكره أحدهم، إنها غريزة.

– لماذا شاركتني في القضية إذا، إن كنت لا تطيقني إلى هذه الدرجة؟

– لم يفت الأوان بعد، لديك قدمين لتعود بهما أدراجك.

رغم الجدية فيما قاله “DO”، ابتسم “EKE” مردفا:

– لقد تغيرت كثيرا أيها القائد، أصبحت قاسيا جدا.

بنبرة حادة في صوته الأجش قال “DO”:

– القائد؟ قلها مجددا وسأتأكد من أنك لن تستطيع التحدث مرة أخرى.

_كما تأمر أيها الرئيس “DO” لن أقول ذلك مجددا.

……..

بعد إصدار لائحة ببلاغات الاختفاء منذ 20 عاما، تمت مقابلة كل عوائل المفقودين.

لم يجدي الأمر نفعا، فأغلبية المفقودين كانوا إناثا والذكور منهم كان قد عثر عليهم مسبقا، وخطأ العائلة في عدم رفع البلاغ سبب غضب المحققين. الثلة الذين تبقوا لم يجدوا موقع عائلاتهم.

في غرفة الاجتماعات الخاصة بطابق “DO”:

يجلس المحقق “EKE” في إحدى المقاعد يبحث من خلال حاسوبه، عن موقع عائلات من تبقى من المفقودين. تنهد بتعب بسبب جلوسه دون حراك لساعات. نظر إلى “DO” المنشغل بشيء ما في حاسوبه. لحظات شعر بعدها “EKE” بالفزع عندما تحدث “DO” قائلا دون أن يزيح عينيه عن الشاشة:

– ماذا هناك، لماذا تحدق كالسذج

أجاب “EKE” مبتسما:

– لقد كنت هادئا منذ وقت طويل لذلك كنت أتأكد ما اذا كنت حيا أم ميتا

– هل أنت حزين لأنني حي إذا؟

يضحك “EKE” قائلا:

– ما الذي تهذي به أيها الرئيس!

– عد إلى عملك ولا تضيع وقتي أكثر من هذا.

– هل حدسك أخبرك أنني كنت أنظر إليك؟ إنه مرعب أتعلم

– ألن تصمت؟

قال “EKE” ساخرا:

– كما تأمر يا سيدي.

فجأة بدأت قدما “DO” بالارتعاش. اجتاحه شعور ممزوج بين الخوف والغضب. كان جسده يرتعش برودة رغم دفئ الغرفة. أدرك أنها أعراض ظهور النوبة وقبل أن ينهض من مقعده ليخرج، ظهر الوخز في مؤخرة رأسه. لم يمسك برأسه كي لا يظهر للذي أمامه ما يمر به من موقف عصيب. واضعا ثقل مرفقه فوق الطاولة أغلق عينيه بيده اليمنى عندما بدأت النوبة بالظهور. كانت واضحة هذه المرة أيضا:

” صبيان صغيران في مكتبة دراسية: الصبي الأول هو ذاته الصبي الذي كان يهرول في الغابة. الصبي الآخر كان يبدوا بأنه أكبر ببضع أعوام. كانا منشغلين بالقراءة، ترك الصبي الكبير كتابه جانبا وتنهد عاليا لينظر بعدها إلى الصبي الذي أمامه مبتسما. فزع عندما، قال الصبي الصغير دون أن يزيح عينيه عن الكتاب:

– ماذا هناك، لماذا تحدق كالسذج؟

– لقد كنت هادئا منذ وقت طويل لذلك كنت أتأكد ما إذا كنت حيا أم ميتا

– بعد تأكدك عد إلى ما كنت تفعله

– كيف علمت أنني كنت أنظر إليك؟ هل هو حدسك مجددا! أتعلم أنه مرعب!

– ألن تصمت؟

– كما تأمر يا سيدي

كان “DO” يتمنى انتهاء النوبة بسرعة كي لا يلاحظ المحقق “EKE” ما يحدث له. بعد ثوان انتهت النوبة عند الصبي الكبير. عاد إلى وعيه لكنه كان يشعر بصداع شديد. نهض من مقعده و أمر “EKE” بالتكفل بباقي المهام، توجه نحو الباب. توقف للحظة، التفت إلى الوراء حيث  “EKE” بعينين تخرج شرارا، سأله بغموض:

– هل التقينا من قبل؟

تعجب “EKE” من سؤاله فرد بدون أي تردد:

– كنت مساعدك في مركز شرطة “روز” هل….

قاطعه “DO” وهو يقول:

– انسى الأمر.

……..

بعد عدة أيام لم تجدي نفعا بإيجاد المفقودين قبل 20 عام: كان “DO” يجلس ممدا قدميه تحت شجرة الوستارية في طابقه الخاص. الجو في الخارج كان هادئا، لكن عقله لم يكن كذلك.

” صبي بعمر الـ12 يلاحق قتلة. ما الذي اقترفه الرجل ليُقتل؟ هل كان يعرف أمرا لا يجب عليه معرفته لذا حتى الشرطة لم تقف في صفه وأغلقت القضية؟ لم يتبقى أحد يطابق وصفه في لائحة المفقودين، ألم يُبلغ عن فقدانه من الأساس؟ هل كان وحيدا؟ لا يمكن لهذا أن يكون مصادفة إنه بالتأكيد ذلك الكيان الذي يتحكم بذكرياتي، إذا لماذا يريد مني التحقيق في قضية حدثت منذ 20 عاما؟ هل لهذا علاقة بمرضي الغريب؟ هل العثور على هوية الضحية سيدلني على شيء ما؟

كنت لأقول أن ذلك الصبي الصغير هو أنا، وأن ما أراه في النوبة ليست سوى ذكرياتي المفقودة لولا معرفتي أنني لم أترعرع في العاصمة. ليس ذلك فحسب بل أنا لا أشعر أن هذه ذكرياتي، لا أذكر أنها لي حتى بعد رؤيتها. احتاج إلى العثور على ذلك الصبي، لن استطيع العثور عليه ما لم أجد المحقق المسؤول عن القضية. إن عثرت عليهما سينتهي كل شيء. “

توقف عن التفكير عندما شعر بأحدهم يقف يمينه، فور التفافه وجد “EKE” مبتسما كعادته، يمد له كوبا من قهوته المفضلة. قال:

– اعلم أنك ما تزال تحب هذه القهوة

– كيف استطعت الدخول إلى هنا؟

– بما أنني جزء مهم في قضيتك الحالية، والمحققة “FER” لا تملك الوقت لتتنفس. سيكون انتحارا إن رافقتني في كل مرة أراك فيها.

ضحك بلطف، ثم أردف:

– أقسمت بحياتها مهددةٍ بالقتل إن تصرفت بشكل طائش. إنها مخيفة. أشك أنها تراقبني الآن من خلال كاميرات المراقبة التي قامت بإخفائها في مكان ما هنا. على كل سمحت لي بالدخول للطابق بعد مشاق. لذا المستشعر يفتح الباب مبتسما لدخولي في كل مرة سأزورك فيها.

أخذ “DO” القهوة دون مبالاة لينهض من مقعده، متوجها يجلس في المقعد. لحق به “EKE” وجلس في المقعد أمامه ليقول بعد دقائق:

– على كل أنت لا تتوقع أنني أتيت بنبأ سار يخص القضية صحيح؟ إنها معقدة أكثر مما كنت اعتقد لكنها… مسلية أليس كذلك؟ اعلم بأنك تشعر بذلك، تشعر بالمتعة و أنت تحقق و تبحث في تفاصيلها. لكنني أعلم أن ذلك ليس الجزء الأكبر من المتعة بالنسبة لك.

صمت وهو يحدق إلى “DO” بغموض، ثم أردف:

– الجزء الممتع كان عندما رأيت الهيكل العظمي، كنت سعيدا أليس كذلك؟ أعلم هذا منذ أن كنا نعمل معا. تستمتع برؤية القتل أكثر مما تستمتع بالبحث عن القاتل.

– ما الذي تريد الوصول إليه؟

– لا شيء يذكر، إنني فقط أخبرك بإحدى الخصائص التي تميزك عن بقية المحققين.

بجانب هذا أردت إخبارك عن فضائلك التي قد تكون نسيتها مع ذكرياتك، لكنني سأترك ذلك ليوم آخر. لدي موعد بعد قليل، أراك لاحقا أيها القائد.

نهض “EKE” وخرج من الطابق. بقي “DO” ينظر بشرود إلى كوب القهوة مع تساؤلات لا يعلمها سواه.

……….

كانت “MEL” في مقهى الـ”HXH” تجلس في إحدى المقاعد تتناول وجبة العشاء.

ما أن أمسكت بكوب الشاي الساخن، ظهر الوخز الكهربائي تتبعه النوبة. سقط الكوب أرضا وتبلل ردائها، كانت غير واعية بسبب النوبة لذا لم تشعر بالحرقة.

كالعادة لم تفهم شيء كثيرا من أحداث النوبة سوى الأصوات التي تظهر: صبي وفتاة يظهر أنهما في الابتدائية يتحدثان عن اختفاء احدهم.

– هل أنت بخير؟ المساعدة “MEL”؟

عادت”MEL” إلى وعيها فرأت المحققة “FER” تقف بجانبها جامعة يديها ببعض، تحدق ببرود.

– اشعر بالقليل من الدوار، لماذا تسألين؟

تشير “FER” بعينيها إلى رداء “MEL” المبلل. تتفاجأ الأخيرة ناهضة من مقعدها بعد أن شعرت بحرق طفيف. بينما تجفف البلل بأوراق منديل، تسأل “MEL” المحققة “FER” حيرة:

– هل لديك ما ترغبين بقوله؟

تنهدت المحققة و هي تسحب المقعد المقابل، جلست عليه قائلة:

– أشعر بالفضول

– تشعرين بالفضول؟

– ما الذي كنت تفكرين به لدرجة أنك لم تشعري بحرارة الشاي في فخذك، و…

سألتها “MEL” عندما صمتت المحققة لبرهة:

– و… ماذا؟

– لماذا كنت ترددين بـ ” تلك البومة المغفلة “

توقفت “MEL” عن تجفيف ردائها، محدقة بصدمة ملامحها إلى المحققة. جلست في مقعدها قائلة:

– هل كنت أردد بشيء كهذا؟

– بالمصادفة هل أنت…

بلعت “MEL” ريقها قلقا من نظرات المحققة.

– أنا… ماذا…

– هل كنت تحلمين؟

قهقهت “MEL” لثوان، لتقول:

– لا… إنها عادة لدي… ترداد الكلمات دون وعي.

استمرت المحققة تحدق إلى “MEL” بغموض. كانت الأخيرة تتصبب عرقا. أرادت تغير الجو المقلق لكنها لم تجد ما تقوله. تذكرت محادثتها مع قائد فريقها فقالت وهي تبتسم بزيف:

– هل هناك ما يجعلك تندمين لأنك أصبحت محققة؟

” يا لغبائي!! ما الذي أقوله لها… ستعتقد أنني غريبة بالتأكيد… “

ببرود قالت المحققة:

– لماذا هذا السؤال فجأة؟

– أخبرني إحدى المحققين أنه يندم على كونه محققا… لذا… لذا أردت أن أعرف ما إن كان الجميع هكذا وصدف أنك كنت هنا.

جمعت “FER” يديها ببعض، أرخت ظهرها على المقعد، ثم قالت:

– أفضل قرار في حياتي كان عندما أردت أن أصبح محققة، وبعد أن أصبحت… كل يوم كنت أشعر بالفخر والسعادة أكثر.

– أرى ذلك.

– الخاسر هو من يندم على اختياره لشيء كان يعتقد أنه الأفضل له. أتساءل لما محقق يعمل في “HXH” يشعر بالهزيمة.

– إنه يشعر بهذه الطريقة قبل أن يعمل في “HXH” بسبب قضية قديمة. لم يستطع الوفاء بوعده لمساعده الصغير.

– مساعد صغير؟

– كانت جريمة قتل لم يعثروا فيها على جثة الضحية ولا الجاني.

– كيف أدركوا أنها جريمة قتل؟

– هناك شاهد واحد… صبي صغير بعمر الـ12. كان يساعد المحقق وطلب منه بكل بأس أن يعثر على الضحية، لم يستطع المحقق فعل ذلك…

قبل أن تكمل قاطعتها “FER” باندفاع:

– لماذا لم يستطع!!

– أوامر عليا أملت أن تغلق القضية لنقص الأدلة والشك بشاهدة الصبي.

– متى حدث هذا!

– هممم… أعتقد أنه قال شيئا ما كـ20 عاما… لماذا…

– كم عمر ذلك المحقق الآن؟

– أخمن أنه في بداية عقده السادس!

نهضت المحققة تضرب يديها بالطاولة تقول:

– أين هو الأن… هذا المحقق؟

……..

كان “DO” يجلس في مكتبه، منشغلا بمراجعة تقارير القضية الأخيرة حينما ورده اتصالا هاتفيا من المحققة “FER” تخبره:

“سيأتي محقق لزيارتك بعد قليل، لا تطرح الأسئلة لدي أمر هام الآن عندما انتهي منه سآتي وأخبرك بكل شيء “

وصل المحقق للغرفة، كانت مرته الأولى برؤية رئيسه، فشعر بالغرابة. كان يعلم أنه مؤسس قوى “OH” والذي هو رئيسه، صغير في السن لكن ليس إلى هذه الدرجة! ابتسم باغتباط وهو يلقي التحية. ثم قال بصوته الصاخب:

– لقد طلبت رؤيتي

– بإمكانك الجلوس

بعد دقائق من جلوس المحقق بدأ يشعر بالتوتر من صمت الجو، لم يتفوه “DO” بكلمة وكان مستمرا بقراءة التقارير. سُمع صوت فتح الباب معلنا وصول “FER”. بملاح جادة تترسم في وجهها رحبت بالمحقق المتواجد. نظرت إلى “DO” قائلة:

– إنه المحقق الذي كنا نبحث عنه.

سقط الملف الذي بيد “DO” فوق الطاولة، اعترت الدهشة ملامحه. نظر إلى المحقق الذي يجلس أمامه، بنبرة غامضة فزعت المحقق المسن، سأل “DO”:

– قبل 20 عاما هل كنت تحقق في قضية قتل لم يعثر فيها على الضحية ولا الجاني؟

شعر “DO” أن المحقق المسن لم يفهم ما يقصده جيدا، لذا أضاف:

– أغلقت القضية بسبب نقص الأدلة والشك بشهادة الشاهد الوحيد، البالغ من العمر 12 عاما تقريبا.

دهشت المحقق المسن مما سمعه، جعله لا يشعر بفاهه المفتوح ونظرات عينيه المتوسعة وهو يحدق في “DO”.

” كيف يدرك الرئيس هذه القضية! لماذا يسألني عنها؟”

قال المحقق بلا تردد بعد صمت دام للحظة:

– إن كان يجب علي قول الحقيقة فسأجيبك بنعم.

– ما هو اسمك؟ رتبتك؟

– المحقق “DS” قائد القسم السابع.

انقطع الهواء عن الدخول لنفسه، شعر بالاختناق القاتل، كان ألم الوخز الكهربائي فضيعا. نهض “DO” من مقعده متوجها نحو النافذة خلفه، فتحها وبدأ يستنشق الهواء بصعوبة. أتت “FER” تقف بجانبه بقلق، لم يسمعها وهي تناديه. كان بخضم النوبة وهي تظهر حدث غير متوقع: الصبي الذي كان يهرول في الغابة يتحدث مع محقق شاب، ذاته المحقق المسؤول عن القضية المغلقة. ببراءة ابتسامته يسأل الصبي، المحقق قائلا:

– هل أستطيع فعل ذلك حقا أيها المحقق “DS”؟ هل أنا من سيقوم بمساعدتك؟

– أجل. أنت من سيساعدني يا “DO”



نهاية الفصل الحادي عشر…



P.12 . وجدت المصائب لتكشف الغطاء عن الحقائق

العودة بالذكريات إلى ذلك الزمن يشعرني بالسوء. لم أكن أملك حسا بالعدالة ولم أكن بتلك الشجاعة أو القوة لأصبح محققا. لكن شعوري بالذنب بسبب الخطايا التي اقترفتها في الماضي، جعلني أرغب بالتغير وتكفير ذنوبي. قبل 20 عاما: أصبح القسم الذي أنا فيه، مسؤولا عن قضية اختفاء رجل في بداية عقده الرابع يدعى بـ “RES”. لم نستطع معرفة سبب اختفائه. خُطف؟ قُتل؟ أم هرب تاركا عائلته خلفه؟ في إحدى الأيام سمعت صبي صغيرا كان يبلغ من العمر 12 عاما حين ذلك. يخبر قائد فريقي، عن رؤيته لوالد زميلته في الصف وهو يُقتل. مما قاله الصبي أنه كان ينتظر في محطة القطار، حين انتهاء الدوام الدراسي عندما سمع 3 أشخاص يتهامسون بذكر أمر كالسلاح والقتل، شعر الصبي بالفضول لذا لحقهم خفاء. بقي يسير خلفهم وصولا إلى الغابة الشرقية. هناك رأى والد زميلته مقيد، طريح أرض الغابة. راقب الصبي كل ما يحدث وهو مختبئ خلف الشجيرات. قاموا أولا بطعن الرجل في قلبه بخنجر، ثم أطلقوا النار على مؤخرة رأسه. على عكس القائد الذي لم يصدق ما قاله الصبي، شعرت أن ما يقوله حقيقي. فالأطفال لن يكذبوا بأمور كهذه صحيح؟ لذا استمعت إلى كل ما لديه وطلبت من قائد الفريق الأخذ عينا بشهادة الصبي. لكنه رفض لذا لم يكن أمامي خيار سوى أن أصبح المسؤول عن القضية حاملا كل العواقب على كتفي. بدأت البحث في الغابة عن جسد الضحية، وطلبت من الصبي أن يساعدني في البحث عن المجرمين نظرا لأنه الشاهد الوحيد لهم. كان يزورني كل يوم بعد المدرسة لمدة أسبوع. لم يكن وصفه مفيدا كثيرا لأنهم كانوا يخفون وجوههم بقناع.

سألت “FER” بتعجب:

– لماذا إذا كان يزورك لمدة أسبوع؟

– هو من طلب مني ذلك. كان متحمسا جدا لمساعدتي لذا لم استطع رفضه. لكن بعدها شعرت أنه من الخطر تواجده معي لذا طلبت منه ألا يزورني مجددا. استمرت عملية البحث عن جسد الضحية شهرا كاملا، عندما لم نجد له أثرا صدرت أوامر عليا بغلق القضية. محاولاتي في منع ذلك ومعرفة الأسباب أوصلت لي تحذيرات بتوقيف رخصتي. لذا استسلمت.

– هل كانت تربط الصبي أي صلة بالضحية؟

– لا… لكن كما شعرت من فرطه في تشجيعي ورجائي للعثور على الضحية فاعتقدت أن هناك رابط خارجي بينهما. سألته عن سبب يأسه ليُعثر على “RES” قال أنه سيخبرني بالأمر إذا عثرت عليه. وعدته بأنني سأفعل ذلك مهما كلفني الأمر ليس ليخبرني بسبب بحثه عنه، بل لأنه كان ومازال يجب علي ذلك.

انهى المحقق “DS” حديثه وأخذ ينظر بهدوء حزين إلى عينا رئيسه التي تخفي أفكارا غامضة. بدأت المحققة “FER” بطرح أسألتها قائلة:

– من قام بالإبلاغ عن اختفاء “RES”؟

– زوجته. المثير للشك هو أنها لم تفعل أي شيء بعد قرار غلق القضية

همهمت المحققة الشقراء قائلة:

– لم تكن الزوجة متأكدة من أن زوجها قُتل لعدم وثوقها بشهادة صبي صغير. لكن هذا لا ينفي أنه اختفى لذا لماذا أزيل اسمه من قائمة المفقودين؟

– أعتقد أن رئيس الدائرة لديه صلة بالأمر. من الممكن أنه تلقى تهديدا، رشوة أو كلاهما معا ليخفي أثر القضية.

– هل مازال على قيد الحياة؟

– توفي قبل سنوات

– هذا يجعل من الأمور أكثر تعقيدا.

صمتت وهي تحدق في عينا المحقق المسن، فشعر بالقلق من نظراتها. قالت و هي تضع يدها في ذقنها:

– أكيدة من عثورك على أسباب وإن كانت غير مؤكدة عن سبب مقتل “RES”

قال المحقق “DS”:

– عندما كنت ابحث عن خلفية “RES” وجدت انه كان ضمن احدى المنظمات الإجرامية في المدينة و بعد زواجه تركها. شعرت أن المنظمة خلف مقتله لذا حاولت جمع معلومات عنها لكنها كانت أقوى وأغمض لأستطيع فعل ذلك. إفادة الزوجة كانت تنفي معرفتها بأن زوجها كان عضوا في منظمة إجرامية.

– قلت أنك ستتحمل كل نتائج القضية، ما الذي فعلته بعد غلقها؟

– قمت بتقديم استقالتي رغم أن رئيس الدائرة لم يأمر بذلك. شعوري بالنقصان كان السبب. بعد مضي الأعوام أُسست قوى “OH” اعتقدت لو أنني عملت فيها سأملك الحق في فتح قضية “RES” مجددا لكنني لم استطع العثور على ملف القضية!

بعد صمت دام طويلا، تحدث “DO” قائلا:

– هل تفعل هذا لحسك بالعدالة أم من أجل الصبي؟

نظر المحقق “DS” بنظرات تحمل الأسى إلى “DO” ثم قال:

– أخبرتكما… لم أصبح محققا لتحقيق العدالة منذ أنني لم أكن شخص عادلا فيما سبق. أريد…

بغصة في صدره، امتلأت عيناه دموعا، ليكمل:

– أريد إيفاء وعدي للصبي… هذا أقل ما بإمكاني فعله لأستطيع مسامحة نفسي وطلب الغفران منه.

شعر المحقق “DS” بالقسوة عندما قال له “DO” ببرود جلف:

– هل يميد الصبي لك بأي صلة؟ تعلم من المحتمل كون القضية خطيرة لتخفى من الوجود هكذا. حتى قواي لن تكلف نفسها بحمايتك إذا تدخلت بأمور أكبر من حجمك…

حتى آخر كلمة من الإنصات، قاطعه المحقق “DS” قائلا بانفعال:

– لا يهمني ذلك… منذ 20 عام خاطرت بحياتي من أجل هذه القضية وسأفعل حتى أحقق مطلبي.

استشعرت “FER” غضب “DO” بعد مقاطعة المحقق “DS” لحديثه، فقالت قبل أن يقوم “DO” بطرد المحقق:

– يبدوا أنه أمر شخصي سؤالي عن سبب تمسكك القوي بوعدك للصبي لذا لن أسألك عنه. لكنني أريد معرفة اسم الصبي على أقل تقدير.

– لقد كان يدعى بـ”DO”

شعرت المحققة “FER” بالدهشة، وأخذت تحدق إلى “DO” بغموض، في المقابل لم يبد على الأخير أي تعبير. أكمل المحقق “DS”:

– بعد غلق القضية، تركت العاصمة ولما أقابل الصبي بعدها أبدا. لأصارحكما القول كان سببي الأكبر الذي جعلني اعمل في “HXH”هو لأنني ظننت بأنك هو ذلك الصبي، الذي لطالما رغبت بمقابلته. ليس كونك تحمل ذات الاسم الفريد فقط والذي جعلني أشك بأنه أنت، لكن شخص أسس قوى عظيمة كهذه، بالتأكيد سيكون محققا يملك حسا كبيرا بالعدالة وصفات المحقق العظيم التي كنت أراها في عينا وشغف ذلك الصبي. لكن بعد عملي لمدة لا بأس فيها هنا، اكتشفت بأنك لم تعش طفولتك في العاصمة وأنك انتقلت إليها منذ سنين قليلة. أيضا اسم عائلتك لا يطابق اسم عائلة الصبي. والآن بعد هذا اللقاء تأكد الأمر تماما. لأنك لو كنت هو لما طلبت رؤيتي لتسمع هذه الحكاية.

عم الصمت، استمرت “FER” بالتحديق إلى “DO” لتستخلص ما الذي يريد فعله. وقف الأخير أمام النافذة محدقا إلى اللاشيء، قال للمحقق مبتسما بتهكم:

– قلت أنك ستفعل أي شيء لفتح القضية مجددا، حتى لو كلفك الأمر حياتك. سأسمح لك إذا بالمضي نحو مماتك

تنهدت المحققة بقلة حيلة، بينما المحقق “DS” تعجب سائلا:

– ما الذي تقصده أيها الرئيس؟

– وجدت هيكل عظمي يعود إلى ما قبل 20 عام في أعماق الغابة الشرقية، هل هذا كافي لتفهم الأمر؟

صُعق المحقق وهو ينظر إلى ظهر “DO”، لم يستطع التفوه بكلمة واحدة من شدة ذهوله. أردف “DO”:

– هل أنت مستعد لتضحي بحياتك من أجل رئيسك “DO” قبل التضحية بها من أجل ذلك الصبي “DO”؟

ابتسم المحقق المسن عندما استشعر ألفت الموقف، فقال:

– إن طلب مني الرئيس حياتي فسأعطيه إياه دون تردد وهذا يعني أنني سأساعدك في القضية صحيح؟

بابتسامة جانبية، قال “DO”:

– سأعطيك شرف العمل معي في آخر قضية لك قبل مماتك، أيها المحقق “DS”.

……..

” هناك سبب واضح لمساعدة المحقق “DS” للصبي، وسبب ليأس الصبي ليعثر على “RES”. حدسي يخبرني أن هناك رابط مشترك بينهم الثلاثة، لكن ماذا يكون؟”

– أيها الرئيس لقد وصلنا.

عاد “DO” إلى واقعه، ترجل من السيارة متوجها مع المحققة “FER” إلى منزل عائلة الضحية “RES”. أمام الباب كان بانتظارهما كلا من المحققين “EKE” و “DS”. تنهدت المحققة “FER” فور رؤيتها للمحقق “EKE” وسألته بثقل عن سبب مجيئه. حدق “EKE” في “DO” ليقول مبتسما:

– يبدوا أنك لا تعلمين بعد، أنني جزء رئيسي من القضية وبطبيعة الحال…

قُطع حديثه عندما دخل “DO” لاحقة به “FER” بتجاهل إلى المنزل. ردد “EKE” بابتسامته:

– حسنا لا بأس بهذا.

في المنزل: قدمت “EMMA” ابنة الضحية “RES” البالغة من العمر 32عاما، كوبا من العصير لضيوفها. توجهت لتقدم آخر كوب في الصينية إلى “DO”. قالت “FER” على فورها:

– أعتذر، المحقق “DO” لا يضع شيء دون رقابة، في معدته.

فهمت “EMMA” ما تقصده المحققة، وضعت الصينية فوق الطاولة ثم ذهبت لتجلس في إحدى المقاعد. بدأ المحقق “EKE” التحدث بلطف قائلا بابتسامة مبهجة:

– من المؤكد أن المحقق “DS” أخبرك عن سبب مجيئنا، لذا نرغب بسماع كل ما لديك…

قُطع حديثه باقية ابتسامته في فاهه، عندما لم يعر لوجوده “DO” اهتماما، قائلا بنبرة حادة للفتاة:

– كل لحظة هي ثمينة، بحسب الوقت الذي صرفته للمجيء إلى هنا لن أتحمل سماع الأكاذيب والعودة فارغا.

شعر الجميع بالتهديد من ما قاله، حتى ابتسامة “EKE” لم تكن لتجدي بعدها. توترت “EMMA” فقالت:

– أؤكد بأنني سأخبرك بكل الحقائق التي اعرفها دون أي تزييف. قبل 20 عاما، عندما كنت في الـ12 من عمري، قمنا بتبليغ الشرطة عن اختفاء أبي. بعد مدة قابل المحقق “DS” أمي وأخبرها أن والدي تعرض للقتل. الشاهد لذلك زميل لي في المدرسة. بعد إخبارنا أنه يدعى بـ”DO” لم أشك أبدا في شهادته، فهو من النوع الذي لا يكذب ولا يتحدث بالهراء أبدا. كانت الشرطة لا تزال تبحث عن جسد أبي، عندما وصلت رسالة لأمي محتواها: ” فقدت عائلتك وزوجك. اذا كنت لا تريدين فقد ابنتك أيضا، قومي بسحب طلبك عن بحث زوجك ولا تتدخلي في قرارات الشرطة ” أخبرتني أمي أن الصبي “DO” يكذب على الشرطة وأن أبي تركنا ورحل ليعيش وحيدا. لكنني لم أصدقها وبعد شهور قليلة رأيت الرسالة المخبأة.

قال “EKE”:

– أين هي والدتك؟ نريد طرح بعض الأسئلة عليها

– توفيت قبل أعوام.

أكمل “EKE” يسأل:

– هل لديك أي معلومات عن حياة والدك؟

– لقد كان فردا من منظمة إجرامية تدعى ” DAZ”. لم نكن نعلم بذلك حتى وصلت تلك الرسالة. أدركنا أنها منظمة تتحكم بالعديد من الجهات العليا. هذا بجانب أنهم سفكوا الكثير من الدماء.

– هل تعرفين لماذا ترك والدك المنظمة؟

– ليس تماما. وليس لأنه تزوج أيضا. كما أتذكر أخبرتني أمي أنه ترك المنظمة لأنهم كانوا على شفى مأزق كبير سيطيح بهم.

نهض “DO” يبحث في أرجاء المنزل، البقية استمروا بطرح أسئلة بحاجة إلى سماع أجوبتها. بعد انتهائهم من المقابلة، هموا بالخروج، أثناء ذلك سأل “DO” الفتاة سؤالا أخيرا:

– هل لديك ادنى فكرة عن مكان تواجد ذلك الصبي؟

– هل تقصد “DO”؟… لقد تعرض لحادث سير قبل 20 عاما وتوفي مع والداه.

شكر المحقق “DS” الفتاة على أعطاهم من وقتها، خرجوا من منزلها ليعودوا مجددا إلى “HXH”

…….

في صباح اليوم التالي:

كان المحقق “EKE” يجلس في احدى كراسي المقهى المصغر المتواجد في داخل مبنى “HXH” حينما أتت المحققة “FER” نحوه بعد أخذ طلبها، لتقول:

– اعتقد بأن وقت استراحتك قد انتهت. المحقق “DS” ينتظرنا

– لماذا؟

– لدينا عمل

– أي نوع من الأعمال؟

– سنذهب للبحث عن أشخاص كانوا في منظمة “DAZ”

– هل تعتقدين أن الجاني منهم؟

– هل لديك أي آراء أخرى؟

– حاليا لا

– اذا لنذهب دون أن نضيع الوقت

– ماذا عن القائد “DO”؟

– لديه أعمال أخرى

– كنت أريد الذهاب معه أشعر بالحزن

– يبدوا أنك تريد تذوق قبضة مؤلمة

……..

آخر تقارير البحث كانت كالتالي:

المنظمة الإجرامية “DAZ” انتهى عصرها قبل 20 عاما، ذلك بعدما أعلنت بنفسها أنها ستتفكك وتوقف جميع أعمالها. لم يجد المحققين دافع من قتل المنظمة لـ”RES”.

كان “DO” في غرفة تحقيقاته، ممددا فوق أريكة صغيرة ابتاعها مؤخرا. أمام الحائط الذي لا يزال يحتوي على ملخصات تخص قضية “BN8″، كانت “FER” تقف مفكرة بأحاديث “DO” التي يقولها وهو مستلقي:

– منظمة إجرامية متسلطة القوة، تعلن شخصيا عن تفككها فجأة وهم في ذروة استيلائهم على حكم السوق السوداء للدولة… قبل 12عاما من تفككها، ترك “RES” المنظمة لأنه كان يعلم بأن المنظمة على شفا الوقوع في مأزق كبير لا مفر منه حتى بالنسبة لحاملي قوة كتلك. ما قد يكون نوع ذلك المأزق…

تسأل المحققة:

– هل وقع المأزق بعد تركه للمنظمة فورا أم حدثت بعد 12 عاما؟

– حدسي يخبرني أنها وقعت بعد 12 عاما، لذا اُعلن عن تفككهم فورا. والضحية “RES” كان يعلم عنها لذا قُتل من قبلهم ليبقى على الأمر دفينا.

تقول “FER”:

– إن كانت كارثة/ مصيبة تجعلهم يقومون بقتل “RES” للتستر على الأمر فهذا أقرب لكونه فضيحة ستؤدي بخسائر كبيرة للمنظمة أليس كذلك؟

– وقبل أن يخسروا الكثير أعلنوا تفككهم.

– الغريب في الأمر هو أنهم كانوا يتحكمون بقوات الشرطة وقوات عليا أخرى، هل الفضيحة كانت أكبر مما تستطيع الدولة إخفائها؟

لم تسمع “FER” ردا، فالتفتت إليه. كان “DO” يحدق بفراغ في السقف عندما قال:

– الصبي “DO” تعرض للحادث الذي سبب موته بعد وقت قصير من إدلاء شهادته.

فهمت “FER” فورا ما يقصده “DO”. أكمل الأخير:

– عائلة كانت على وشك السفر لمنطقة بعيدة… ليس من المعقول ألا تتفقد محرك السيارة وكشف عطله قبل السفر. هذه ليست مصادفة. الحادث كان مدبرا لتغمس حقائق كان يعرفها الصبي. الحقائق التي يعرفها مرتبطة بالمنظمة ولها علاقة بـ”RES” لذا كان يبعث عنه بيأس. حقيقة قُتل بسببها العديد من بينهم صبي لم يتجاوز الـ12…

ماهي بالضبط تلك الحقيقة، الحقيقة التي دٌفنت قبل 20 عاما!

نهاية الفصل الثاني عشر



P.13. LPHAZOMB

عام 1998:

بعد إطلاق جرس الانصراف، هم طلاب ابتدائية “سوزين” بالخروج من المدرسة بسعادة، من بينهم الثلاثي “LEK” و “DO” و “MEL”. عقب خسارته رهانا ضد “DO” كان “LEK” يحمل حقيبته المدرسية في كتف وحقيبة صديقه في كتفه الأخرى كعقوبة. خلال سيرهم معا في الطريق، استمر “LEK” الصغير بالتذمر دون توقف، وتبرير موقف خسارته. لم يعر “DO” تبريراته اهتماما، بينما “MEL” ضاق بها الأمر حنقا فصرخت في وجه “LEK” قائلة:

– يكفي هذا يا رجل!! من أخبرك بدخول رهان لا تستطيع مواجهته، أنت أحمق كبير

– ماذا قلت للتو… لا استطيع تحمل رهان تافه كذاك!!

– إن كنت عكس ما قلته لما تتذمر حول خسارتك الفظيعة!

– من الطبيعي أن أتذمر فأنا درست الليل بطوله وهو ذلك الأحمق -يشير بيده إلى “DO”- لم يدرس البتة مع ذلك فاز علي!!

– هذه مشكلة عقلك إذن، لما تتذمر علينا!

استمرا الأثنين بالجدال والصراخ على بعضهما، لافتين أنظار المارة عليهم. تدخل “DO” أخيرا ليقول بعجلة:

– أنتما استمرا بالشجار فأنا لدي مكان لأذهب إليه. أراكما غدا، لا تنسى إحضار حقيبتي معك يا…

قاطعه “LEK” وهو يصرخ مشيرا بغضب في وجه “DO”:

– هل أنت ذاهب مع صديقك ذاك للمكتبة مجددا؟ و تاركا لي حقيبتك المزعجة، أيها المزعج!!

– هذا مقابل من لا يملك عقلا يفكر به

مقابل كل رد بارد من “DO”، كان “LEK” يشتط غضبا أكثر:

– أنت متملق جدا لدرجة أود فيها رمي حقيبتك الخفيفة هذه في البحيرة، يا أيتها البومة المزعجة.

تنهدت “MEL” لتسأل “DO” ما هو مهم:

– هل أنت متأكد بأنك لن تأخذ حقيبتك معك؟

– لا

– كيف ستراجع دروس اليوم اذا؟

ضحك “LEK” بعلو صوته، قائلا بسخرية:

– وهل رأيته يوم يقوم بمراجعة دروسه؟ اذا فعل ذلك سيقوم التاريخ بتدوينه

– أأنت تسخر منه الآن يا “LEK” أم تثني عليه؟ اذا كنت تثني لأنه يحصل على علامة كاملة دائما دون أن يراجع الدروس فأنت لها. لكن إن كنت تسخر منه فأنصحك بأن تلتزم الصمت.

– أنت يا “MEL” في أي صف تقفين!!

قال “DO” مازحا:

– يا رفاق كفا عن هذا سأتأخر بسببكما. على كل أنا ذاهب الآن. لا تنسى أن تحضر حقيبتي غدا أيها الفاشل.

بعد إنهاء حديثه هم “DO” يبعد عنها، كي لا يسمع تذمر “LEK”. أخذت “MEL” تسرع الخطى أيضا كي تتجنب ذات الأمر. بقي “LEK” واقفا في بقعته لثوان وهو يشعر بالقسوة، ثم لحق بـ”MEL”. قالت الأخيرة مهددة:

– إن تذمرت مجددا سأقوم بشد شعرك

– حسنا… لن أفعل

– جيد

صمتا، واكملا سيرهما. بعد لحظات قالت “MEL”:

– أنت لم تكن غاضبا جدا بسبب خسارتك للرهان ضد “DO” بل لأنك كنت تعلم، أنه سيذهب ليتسكع مع صديقه، أليس كذلك؟

أدلى “LEK” شفتيه عبسا، ليقول بينما قدمه تضرب الأرض بخفة:

– إنك… جيدة في قراءة الأمور…

صمت لثوان ثم صرخ بانفعال لطيف:

– لقد أصبح يتسكع مع صديقه ذاك أكثر منا! هذا يزعجني… فنحن أيضا أصدقائه

تنهدت “MEL” تربت في كتفه، قائلة:

– أبادلك ذات الشعور

صرخ “LEK” مقاطعا:

– أرأيت، أنت أيضا تشعرين بهذه الخيانة!

– ليس تماما… تعلم أن ذلك الصديق أقرب إلى بومتنا “DO” أكثر منا، فهو ليس مجرد صديق بالنسبة له، إنه يعتبره كعائلته أنسيت ما قاله في ذلك اليوم فوق المائدة؟

– لا بالتأكيد… لهذا أشعر بالحزن. لماذا نحن لسنا مقربين مثله!

– كل منا لديه مكانة خاصة في حياة “DO” لكن الأقرب منه هو الأقرب لقلبه. كما لديه هو مكانة في حياتنا لكن والدينا أقرب إلى قلبنا لأنهم أقرب إلينا منه.

بعبس قال “LEK” ببراءة:

– اشعر بالأسف الآن لكوني أناني… فعلى عكسنا “DO” لا يملك، أبا ولا أما. وبالنسبة له ذلك الصديق الذي يعيش معه، بالتأكيد سيكون كالشقيق الأكبر.

– لذا هو عائلته الوحيدة

– إذا رأيته يوما ربما… سأقوم بشكره أوه صحيح لقد نسيت اسمه…

صمت يحاول التذكر، في اللحظة التي نطق بها الاسم بعد تذكره، نطقت “MEL” الاسم أيضا:

– إنه “K”

– يدعى بـ”K. LOUK” ” كي. لوك “

…….

كان لدى الصغيران واجب منزلي مشترك، لذا كان يسير “LEK” مع “MEL” إلى حيث منزلها وهما لا يزالا يتحدثان عن حياة “DO”. وصلا الحي فرأيا تجمع هائل من الناس بملامح قلقة، إضافة إلى سيارات الإسعاف والشرطة، وسيارات الإطفاء. شعرا بالقلق وهما يسيران وسط التجمع. قال “LEK”:

– يبدو أن هنالك حريق في…

صمت وتجمد في بقعته عندما وصلا أمام منزل “MEL” الذي كان واقعا تحت شرار النار الحارقة. كان يرتعش عندما التفت إلى يمينه ليرى “MEL”. لكنها كانت قد دفعت الشرطة وتقدمت بسرعة لتدخل إلى حدود حديقة المنزل. حاول “LEK” اللحاق بها لكن الشرطة منعته من الدخول فبقي يصارعهم. منع رجال الإطفاء من تقدم “MEL” أكثر نحو النيران، بعد محاولات فاشلة لتصديهم، سقطت على ركبتيها أرضا. أغلقت نصف وجهها تضغط عليه بقوة يدها الراجفة. لم تكن قادرة على استيعاب ما يحصل… ما تراه الآن أمام عينيها كان شيئا لم يتوقعه أي طفل بعمرها. والداها في منزلها وهو يحترق أمام ناظريها. أخذت بالصراخ بوالديها وهي لا تزال في وضعيتها السابقة، تبكي بحرقة. تألم كل من في الحشد خارجا وهم يسمعون صوت صراخ “MEL” وبكائها.

ضرب “LEK” ركبتي الشرطة بقدمه وهرع للداخل بسرعة قبل أن يمسكوا به. وصل حيث “MEL” لكنه لم يستطع التقدم أكثر نحوها، بقي واقفا خلفها ينظر بحزن شديد مليء بالصدمة إلى النيران وإليها. كان عاجزا عن فعل أي شيء، حتى عن الوقوف بجانبها ومواساتها. كان ذلك اليوم جحيميا لهما وللجميع.

……..

عام 2018:

-هل أنت بخير يا “LEK”؟

رفع “LEK” رأسه من على طاولة مكتبه، فرأى زميل عمله يقف بجانبه يسأله بقلق. ليجيبه بحيرة:

– لماذا تسأل؟

– لقد كنت تتمتم ذارف الدموع و أنت نائم هل كنت تحلم بكابوس؟

– هل فعلت!

– انظر إلى وجهك

اخذ “LEK”هاتفه فرأى وجهه المليء بالدموع عبر انعكاس الشاشة. كان ينظر إلى نفسه الحزينة و البائسة متسائلا:

” لماذا هذه الذكرى من بين كل الذكريات… اشعر بحزن شديد. ذلكما الصغيران لقد شاهدا الكثير و هما بذلك العمر. هذا فضيع جدا، رؤية هذه الذكريات الحزينة يؤلمني ولم أعد أطيق هذا، لم أعد أطيق الأمر “

نهض من مكانه، خرج من الشركة متوجها نحو سيارته، يحادث أحدهم في الهاتف بغضب:

– لقد فعلت ما امرتني به، و انتظرت كما ينبغي والآن حان الوقت لتخبرني بما وعدتني.

……..

صدى خطوات ذهاب وإياب أقدام “MEL” كان يملأ هدوء غرفتها. دخلت عليها شقيقتها فرأتها تقضم أظافرها قلقا. هدأت من روعها قائلة:

– اهدئي يا “MEL” متأكدة من أن “PX” لا يعرف شيء عن عملنا

صرخت بانفعال:

– كيف لي أن اهدأ! هذه هي المرة الثالثة التي يرفض فيها مقابلتنا منذ لقائه بالمحقق “EKE”!

– لو كان يعلم عنا لأخبر المحقق بالفعل، واتخذ “EKE” الإجراءات اللازمة

بعينيها المتسعة قلقا، حدقت إلى شقيقتها قائلة بحنق:

– وماذا إن كان ينتظر منا المزيد ليمسك بنا متلبسين!

تنهدت “LEE” قائلة:

– إنه محقق من “OH” أنسيت هذا! لن ينتظر فرصة ليمسك بنا، لأن بإمكانه خلق تلك الفرصة بنفسه. لا “PX” ولا المحقق “EKE” ولا أي أحد آخر يعرف عن حقيقة ما نفعله لذا لا داعي إلى كل هذا الذعر. إن هرب ذلك المسن القبيح من فخنا، نستطيع إيجاد فريسة أخرى غيره بسهولة، فهذا هو عملنا.

بدى على “MEL” الهدوء قليلا. جلست في الكرسي، واتخذت الصمت لترتب أفكارها.

بينما “LEE” بدأت الحديث عن آخر أبحاثها فيما يتعلق بقضية والديهما:

– بين ملفات أبي وجدت تقرير طبي قديم، موضوعه عن حالات وفيات لعشر أشخاص يتراوح عمرهم ما بين الـ30 والـ40.

– إذا؟

– الحالات العشرة متشابهة جدا حتى في سبب الموت… أول عرض مرضي سجل على أحدهم بالهذيان، الهلوسة، الجنون، تصرفات غريبة، فقدان التحكم فى القدرات العقلية، الخروج عن نطاق الإنسانية وزيادة النزعة الحيوانية. كان جثة حية، آكل للحوم البشر.

– أكل لحوم البشر، هل شيء كهذا معقول!

– قد يكون المعنى مجازيا، لكنه ليس غير معقولا. فعندما تزيد النزعة الحيوانية في الإنسان لن يكون إنسانا كي لا يأكل إنسانا. يتحول إلى قاتل عدواني لأبعد درجة ممكنة، لا يدرك ما يفعله حتى عندما يأكل لحم بنو جنسه. حسنا من الممكن ذلك بفعل بعض المنشطات لكنني لا أعرف تماما ما قد تكون، إنها حالة غريبة ونادرة جدا. عُزل المريض في مستشفى الأمراض العقلية مع تشديد المراقبة وبعد 8 أيام فقط بدأت تظهر عليه أعراض مرض الجدري، فقر دم حاد، فشل كلوي نتج عنه زيادة معدل عمل القلب عن المعتاد، بسبب نقص الأكسجين والدم في الجسد، لم يلبث يومين حتى لقى حتفه. والتسعة الآخرون ظهرت عليهم ذات الأعراض ثم لقوا حتفهم كما الأول.

– هذا غريب! لم أسمع بشيء كهذا في الأخبار أبدا.

– لقد بحثت عن هذه الحالات في المستشفى المذكورة لكن لم تكن هناك تقارير أو مرضى كهؤلاء! لذا اعتقد أن أحدهم أخفى الأمر عمدا بما فيه هذا التقرير الطبي.

– انتظري!!

نهضت “MEL” من مقعدها بدهشة، حدقت بتعجب إلى شقيقتها، لتقول:

– أذكر أنني سمعت بشيء كهذا… هل كان في إحدى مسودات كتاب أمي الأخير!

– ماذا! هل قرأت كتاب أمي الأخير…

– لا أذكر جيدا ما إذا قرأته في مسودة أم أتذكر حدث كهذا، لكنني أشعر أن هذا الموقف مألوف بطريقة ما. هل تعرفين أين هي مسودات وكتب أمي؟

– لقد ذكرت في وصيتها بأن أتخلص من كل ممتلكاتها الأدبية، لذا حرقت كل شيء.

– يا الهي!!! هذا هو الأمر… هذا هو سبب مقتلهما!

………

– لماذا تريد أن تصبح محققا في المستقبل يا “DO”؟

– لكي أفرض عدالتي الخاصة للعالم بأسره، انتقاما بها لأمي وأبي.

– أتعلم يا “DO” بأننا متشابهين كثيرا، حتى في حلمنا المستقبلي

– أيها القائد لما تبدوا شارد الذهن هكذا؟

اجتمع المحققون المسؤولين عن قضية الهيكل العظمي، في غرفة الاجتماعات الخاصة بطابق “DO” لمناقشة آخر المستجدات في القضية. كان “DO” بخضم النوبة يرى حدث محادثة بين الصبي المدعو بـ”DO” والفتى الأكبر الذي كان معه في إحدى أحداث نوباته السابقة. لذا لم يسمع أي مما ذكر. عند انتهاء النوبة رأى ملامح الحيرة في جميع الوجوه التي أمامه، فقال متهربا من الموقف:

– كنت أفكر ولم أسمع ما ذكر، هل قال أحدكم شيئا؟

تنهد “EKE” بلطف، ليقول:

– بحثنا خلف منظمة “DAZ” لكننا لم نجد… تعلم قد مضى أكثر من 20 عاما على تفككها، أعضائها في ذلك الوقت لم يكونوا أقل من 30 عاما لذا في وقتنا الحالي قد يكونوا لاقوا حتفهم أو…

قاطعه “DO” قائلا بحدة:

– باختصار لم تستطع الوصول إلى أي عضو سابق من المنظمة

بعد ضرب من الحقيقة، صمت “EKE” للحظة، يضغط على أسنانه، ثم قال:

– أجل، لكن ليس تماما…

أدار “DO” أصبعه السبابة في الهواء ثلاثا، بمعنى يفيد لإكمال الحديث. فيردف “EKE”:

– صحيح أنني لم أجد عضوا ما يزال على قيد الحياة بعد، في المقابل وجدت حالة مشكوكة… 10 أعضاء من المنظمة لقوا حتفهم في مصحة للأمراض العقلية.

تسأل “FER”:

– إذا؟

يكمل المحقق:

– طريقة موتهم متشابه بشكل لافت… مرض الجدري، فقر دم حاد، فشل كلوي يتبعه الوفاة بعد يومين فقط! أوه صحيح نسيت أن أخبركم سبب عزلهم في المصحة…

بابتسامة جانبية، يكمل:

– تصرفات خارج نطاق الإنسانية وكما هو الحال زيادة الغرائز الحيوانية وهذا يعني فقدان التحكم في التصرف والتفكير العقلي بمعنى يقود إلى الجنون. الوحشية، العنف، العدوانية الشديدة وصولا إلى القتل غير الرحيم الشنيع، أكلا للحوم البشر. أتعرفون ما هو المثير في الأمر؟

يتمتم “DO” خفاء، مسرا لنفسه بحيرة ” هل هو LPHAZOMB “!

حين ذاك ينهض “EKE” من مقعده، جامعا يديه خلف ظهره، يتوجه نحو مقدمة طاولة الاجتماعات حيث يجلس “DO”. يقف مديرا ظهره للكرسي، ليقول مبتسما بغموض، محيرا الجميع:

– لم يكن أي مما قلته واردا في التقارير الطبية. وعلى العكس سبب الوفاة للعشرة كانت مختلفة بحسب التقارير المزيفة.

بإمالة خفيفة من رأسه لطرفه الأيمن، حدق “DO” إلى انعكاس “EKE” من خلال زجاج النافذة. مجاريا أسلوب حديثه، قال:

– إخفاء تقرير أصلي، يعني أن مالكه شخص له علاقة بالقضية.

يردد “EKE” مبتسما بذات الأسلوب:

– ماذا إن كان المالك قد قُتل بسبب امتلاكه لشيء لا يجب عليه امتلاكه؟

يجاريه “DO” مجددا:

– معرفة أمور سرية مخبأة تدل على تورط الباحث في الأمر.

مجددا، أصابت الحيرة الجميع عندما أخذ المحقق “EKE” يقهقه برقة نبرة صوته، بعد ما قاله “DO”. لحظات من الصمت بعد القهقهة، ثم تحدث قائلا بينما يسير نحو مقعده:

– لا أملك بين يدي الدليل خلف موت العشرة الحقيقي، لكن هذا لا ينفي أن ما قلته ليس صحيحا.

تشعر “FER” بالحنق، لتدق أصابعها على الطاولة بنظرات اكتفاء، قائلة للمحقق:

– لا أحد هنا في مزاج لسماع ألغازك و نكاتك

يقول “EKE” مفسرا:

– كان لدي زميل محقق يعمل على قضية مقتل زوجين، دُفنا أحياء. بين الحين و الأخرى كان يحدثني بخصلات من القضية. مما أخبرني به أن دافع القاتل كان ليبقي على الأسرار التي يعرفها الزوجين قيد الكتمان، إضافة إلى امتلاكهما لتقرير طبي إن ظهر سيسبب مشاكل كبيرة للدولة.

يسأل المحقق المسن، “DS” بحيرة:

– وكيف أدرك زميلك عن وجود ذلك التقرير؟

– كانت الزوجة كاتبة مشهورة على وشك إصدار كتاب تتمحور قصته حول 10 وفيات بسبب مرض غامض لم يسبق وأن شهدته البشرية. أرسلت نسخة قصيرة من قصة الكتاب و اسمه إلى دار النشر المتعاقدة معها. لن يستطيع كاتب كتابة شيء بالاعتماد إلى خياله فقط، لكنه يحتاج أيضا إلى وثائق واقعية للإلهام، وتلك الوثائق بالتأكيد كانت مع زوجها الشرطي.

تسأل “FER”:

– هل النسخة ماتزال متواجدة لدى دار النشر؟

– الشرطة كانت قد صادرت كل ما يخص النسخة. بعد عدة شهور فقط أعلنت الدار إفلاسها.

– إن كانت وثائق كتلك مع شرطي، فهذا يلم على أنه كان يحقق في قضية ما.

يقول “DS”:

– يُقتل شرطي لتحقيقه في قضية وفيات غامضة، وزوجته التي كانت تؤلف كتابا متعلق بالأمر. تُصدر الدولة عمل أدبي يتعلق بقصة واقعية. تُخفى التقارير الأصلية للحالة المرضية المشكوكة، مرض غريب بحد ذاته، منظمة “DAZ” الإجرامية… انتظر! هل المأزق الذي كان سيطيح بـ”DAZ” هو هذا المرض؟ والذي سيطيحهم هم الدولة!

مبتسما، نصف ابتسامة يقول “EKE”:

– لا أملك دليلا على هذا الاستنتاج بعد، لكنني أشك أن المرض العضوي كان معديا، لذا كي لا يتضرر الناس تم عزل العشرة في المصحة أولا. على أي حال، الدولة لم يكن هدفها كتم أمر المرض لأنه لم يكن ليضرها بشيء، كونهم كانوا قادرين على التحكم به. المرض ظهر في أعضاء منظمة “DAZ” فقط وهذا يعني أنهم الذين قاموا بتطويره وهم الذين أرادوا إخفاء حقيقة وجوده عن العالم.

بدهشة علت ملامح وجهه، يقول المسن “DS”:

– لقد فهمت الآن! المنظمة هي التي خلف كل شيء… بدأ من مقتل الزوجين إلى إخفاء كل خيط يدل على المرض الغامض. هم الذين أمروا الشرطة بما أن لديهم سلطة خفية فوقهم، أن يصادروا عمل الكاتبة، ويخفوا التقارير إلى إغلاق القضية.

واضعة يدها في ذقنها تهمهم “FER” لتقول:

– إن كان المرض تم تطويره بهدف قتل الناس لما قامت المنظمة بعزل العشرة وإخفاء وجود المرض. إنه ليس هدفهم… وليس هذا ما يشكل لهم خطرا بل هناك أمر آخر خفي. بالتأكيد كان يعلمه الزوجين… معرفة ما كان يحقق بشأنه الشرطي سيكون مستحيلا، لكن إن عثرنا على النسخة من قصة زوجته فسندرك الحقيقة التي أرعبت المنظمة.

يقول “EKE” مؤيدا:

– ما ذكرته صائب…

تتغير نبرته عندما يكمل قائلا:

– مع اسفي الشديد الشرطة في ذلك الوقت حرقت كل ما صادرته، لكن يبقى هناك خيط واحد نستطيع استخدامه…

ينتظر الجميع بفضول لسماع ما بعد تلك الكلمة، يكمل المحقق:

– لنطلب تعاون عائلة الزوجين معنا، عائلة “ELE”

تشعر “FER” بألوفة الاسم فتقول متسائلة:

– هل من الممكن… أنها عائلة المساعدة “MEL”!

يقول “DS”:

– هذا صحيح! إنه لقب عائلة مساعدة القسم السابع.

– إذا ما هي أوامرك أيها الرئيس؟

ينظر الجميع إلى “DO” منتظرين الأوامر بفارغ الصبر، بدوره ينهض من مقعده ضاربا يديه فوق الطاولة، منحنيا للأمام. ليقول موزعا دور لكل من الثلاثة:

– قائد القسم الرابع، تواصل مع عائلة “ELE”. وقائد القسم السابع فليطلب من علماء “OH” البحث في تكوين المرض. المحققة “FER” فلتقابلي كل شخص كانت لديه علاقة بالقضية من قوات الشرطة.

يبتسم بغموض ليكمل:

– اعتقد أنه قد حان الوقت لأعلن عن إعادة فتح التحقيق في قضتي “RES” و الزوجين.

……..

في مكتب “EKE” الخاص:

مصرة على شفتيها الراجفة غضبا، كانت “MEL” تحدق بنظرات عينيها التي تخرج شرارا إلى المحقق “EKE” الذي يجلس أمامها في المقعد، لتقول بنبرة مرتعشة:

– أتقول أن… أن إعلان فتح المحقق الأعظم “MK” لقضية والداي كانت مزيفة؟

يحرك “EKE” رأسه مؤيدا، فتكمل “MEL”:

– هذا يفسر لما لم يُعلن عن سبب مقتلهما ومن يكون الجاني، انتظر… هذا يعني… أن القاتل لا يزال طليقا…

تسيطر عليها مشاعر الغضب والحزن لذا لا تستطيع الإكمال. بينما تقبض على يديها تحاول تهدئة نفسها، يقول “EKE” بلطف كالعادة بابتسامة دافئة:

– خبر فتح القضية أصدرته الدولة لتبقي فاه الناس مغلقة عن الحديث، مزيفين بذلك أيضا حقيقة القبض على الجاني. المحقق الأعظم “MK” في الحقيقة…

تُقلب ابتسامته الدافئة، إلى ابتسامة شعرت “MEL” بالتهكم في مغزاها، ليردف قائلا:

– صحيح أنني لم أرى “MK” شخصيا لكنني كنت أتواصل معه من خلال مساعده، لمد يد العون لبعضنا بخصوص ما يتعلق بمهنتنا. شككت بمصداقية خبر إعلان فتح القضية لذا سألت مساعده لأتأكد. كان رده ” المحقق “MK” مشغول جدا ليعيد فتح قضية أغلقت لسبب كبير أخفته الدولة والتورط في مشاكل مزعجة. الإعلان مزيف ولا علاقة لنا به “

تنهدت “MEL” بعمق لتقول:

– لماذا لم ينفي الخبر؟

– علاقتنا ليست قوية ليخبرني بالسبب

– إذا ما ترغب بقوله هو أن الرئيس سيعيد شخصيا فتح القضية مجددا؟ وتطلب مني التعاون؟

– أصبتِ

– ما الذي ترغبون بمعرفته؟

……..

بعد بحث دام ليوم واحد، استطاعت المحققة “FER” الوصول إلى الابن الأكبر لمدير دائرة الشرطة، التي كانت مسؤولة عن قضية “RES” قبل 20 عاما. مما ذُكر في إفادته:

– عندما كنت في الصف الأخير من المرحلة الثانوية، أتى رجل غريب إلى منزلنا لمقابلة والدي، حاملا معه حقيبة جلدية متوسطة الحجم. كان الرجل ضخم البنية، متوسط الطول، كثيف اللحية، تغطي ندبة كندب الحرق، نصف وجهه الأيمن. كان قبيحا ومخيفا وأشبه برجل عصابات لذا لم أفهم لما شخص مثله أتى لزيارة والدي. الحقيبة التي معه كنت أراها دائما في الأفلام وهي تخفي نقودا لا طائل لعددها، لذا شعرت بالفضول وتجسست على محادثتهما. وكان كما توقعت الحقيبة تحمل العديد من الدولارات بحزم كبيرة و والداي مدير مركز شرطة هو من تلقاها! من الواضح أنها رشوة، إنها جريمة! لم يتحدثا بالكثير بل إن صح القول لم يتحدث رجل العصابة بكلمة. فقط سلم الحقيبة ليقول له والدي مبتسما بخبث:

” نستطيع دثر كل ما يزعجكم بسلطتنا، جريمة لا شاهد لها سوى صبي بعمر الـ12! قضية كهذه ليست سوى لعبة نلهو بها لدقائق وندمرها بثوان. لا تقلقوا حيال أي شيء أوصل كلامي هذا لهم، سيد “HJ”. “

كنت مصعوقا من فكرة أن والدي الذي اقسم بحماية الشعب، يفعل أمورا كهذه، لذا بعد ذهاب الضيف واجهته غاضبا. أتعلمين ما الذي فعله بي بعد ذلك؟ قام بحبسي لأيام في مستودع بارد، بلى طعام أو شراب لأتخذ خياري حول الصمت أو الموت وحيدا في تلك الغرفة. ما الذي كان بإمكاني فعله ووالدي بذلك المنصب لذا بقيت صامتا. لكن الأن بوجود “HXH” فلا أشعر بالخوف لقول ما لدي، لأنني أثق بكم “

بعد الإفادة صدر قرار بالبحث عن المتهم الأول “HJ” لجريمة مقتل “RES”. أثناء عملية البحث عنه، أصدر المحقق المسن “DS” تقريرا حول مهمته إلى “DO” وكانت كالتالي:

– أجرى علماء “OH” بحثا علميا تجريبيا حول تكوين المرض بعد الأخذ عينا بتقارير المرضى العشرة الأصلية، والتي تعاونت بإعطائها لنا، عائلة “ELE”. بداية من الحالات العقلية المرضية للأشخاص العشرة. اكتشفوا أن الجنون، الهلوسة، الهذيان، عدم القدرة على التحكم بالقدرات العقلية، الخروج عن نطاق الإنسانية وزيادة الغرائز الحيوانية وغيرها من الأعراض التي ظهرت، هو بسبب تحفز بعض العناصر الكيميائية في الدماغ. سببها اختلاط كميات كبيرة من إحدى أنواع منشطات الأمفيتامين، مع مادة كيميائية أخرى لم تصنف علميا بعد. صنعت المادة المجهولة، مشتقة من نبتة سامة نادرة الوجود. السيء في الأمر أن اختلاط المادتين معا وتعاطي كميات كبيرة منها، يجعل خلايا الدماغ لا تستطيع امتصاص هذه المواد الكيميائية مما يبقي الآثار الجانبية بعد تعاطيها تطول لفترة لا يمكن توقعها. لذا تسبب هذه المشكلة بجانب الضرر العقلي/ النفسي، أمراض عضوية أيضا كالجدري، فقر دم حاد، فشل كلوي ينتج عنه زيادة معدل عمل القلب لضخ الأكسجين الناقص في الجسد وبهذا يضعف ويفقد وظيفته نهائيا -الموت-. بحسب ما ذُكر أيضا أن تفاعل مادتين بذات مستوى الخطورة والسمومة معا، لن يكون هناك أي طريقة ليتخلص منها جسد المتعاطي وسيبقى يعاني لفترة قصيرة لأن الموت في وقت قصير حتمٌ عليه، وقُدر ذلك بحوالي أسبوعين فقط. في الحالات النادرة جدا إن عاش المريض لفترة أطول قليلا من المتوقع، فستظهر عليه أعراض عقلية أخطر مما هو عليه وسيتحتم على الجهات المسؤولة حينها التدخل فورا والتخلص منه قبل أن يفقدوا القدرة على التحكم به أكثر. لم يكن هذا المرض الغريب معديا وبطبيعة الحال لم يتواجد بسبب خطأ في تركيب النظام الغذائي وغيره. بل كان اصطناعيا تم صنعه/ تكوينه من قبل أكثر من شخص لديهم معرفة كبيرة بمجال العلوم الكيميائية، العلوم عامة. وبحسب البحث: هذه الحالة لم تشهدها البشرية من قبل أبدا لذا بعد إجراء بحث علمي مفصل من قبل علمائنا، أعطي لهم الحق بتسمية المرض، وكما طلبت أنت شخصيا أن يكون، ليعرف بـ”LPHAZOMB”.

بموجب قانون “OH”سيبقى وجود تكوين هذا المرض، مخفيا كي لا تتضرر البشرية إذا عُرف للعالم عنه. كموظفين في قوى “OH” اقسموا بالولاء للرئيس والعدالة، لن يقوم العلماء الذين أجروا البحث، بفضح أمر في غاية الأهمية. ما علينا لنخشاه هو أن لا تقوم الجهة المنظمة لهذا المرض بنشر أصله وتطويره أكثر. إن حدث ذلك فسيكون نهاية عصر البشرية محتما.

……..

بعد طلب لرؤيتها بخصوص ما يتعلق بقضية مقتل والديها، كانت “MEL” في مكتب عمل “DO” الرئيسي. آخر مرة رأته فيها منذ ما يقارب الشهرين، قبل ذهابه لمقابلة القاتل المتسلسل “RAV”. ابتسمت راحة برؤيته شخصيا وهو على خير ما يرام بعد الانفجار الذي حدث أمامه في ذلك اليوم. بدوره كان يجلس أمامها في الأريكة الفاخرة، يقرأ التقارير الطبية الأصلية، المشخصة حالة المرضى العشرة من أعضاء المنظمة. قالت “MEL”:

– وجدت شقيقتي الكبرى هذا التقرير مخبأ بين ملفات أبي السرية قبل أيام. لم يكن هناك أي ملف آخر بجانبه لذا لسنا متأكدتين ما إذا يتعلق بإحدى القضايا التي كان يعمل عليها عندما كان على قيد الحياة. لكن ما هو أكيد أنه هو وأمي قُتلا لأنهما كانا على علم بأمر سري يخص المرض الذي أصاب المرضى المذكور أسماؤهم في التقرير.

يُغلق “DO” ملف التقرير، واضعا إياه فوق الطاولة، ليقول:

– لم يكن والدك يعمل على قضية رسمية

– ما الذي تقصده؟

– بحث المحققون عن كل ما يخص والدك الشرطي “MOLR”. لم تكن رتبته لتسمح له بالتحقيق في قضايا الجرائم العنيفة من الدرجة الأولى أو غيرها… باختصار هو لم يكن محققا وأنت تدركين هذا أفضل منا.

تقول “MEL”:

– أنت تعني أنه كان يحقق في أمر المرض الغامض بسرية، ولسبب لا يتعلق بمهنته؟

– لهذا أنت هنا الآن.

تنهدت “MEL” بعمق حزين، قائلة:

– أنا لا أعلم أي شيء عن والداي…

لاحظت في ملامح “DO” الحيرة، ترددت للحظات إن كان لا بأس بإخباره عن فقدانها لذكرياتها، في النهاية أخبرته قائلة:

– هذا لأنني فقدت ذكرياتي لسبب لا استطيع إخبارك به.

ببرود يقول:

– لم يطلب منك أحد إخباري بالسبب

– سمعت من المحقق “DS” أن علماء “OH” اكتشفوا أصل تكوين المرض، هل…

قاطعها “DO” وهو يضع يديه فوق بعضها:

– فقط الأشخاص ضمن نطاق التحقيق بإمكانهم الإلمام بما يخص القضية

– لكن أبي كان…

– كون الشخص مقرب من الضحية التي كان يبحث خلف الأمر، لا يعطيه الحق بمعرفة ما هو لا يخصه.

تسر “MEL” لنفسها:

” ها هو ذا الرئيس الفظ “DO” قد عاد مجددا “

تقول بصوت عالي:

– إذا أشك أن باستطاعتي مساعدة تحقيقكم بذاكرة فارغة.

تنهض “MEL” من مقعدها غضبا، قائلة:

– إن لم يكن هناك شيء آخر، أعذرني فلدي…

تصيبها الرعشة، عندما يُقطع حديثها مجددا، بقول لم تتوقع سماعه من “DO”:

– أين كنتِ خلال السنوات الأربع الماضية؟

بملامح وجه شاحب لونها، تسأل بنبرة صوت راجفة:

– ما… ما… الذي… تقصده…

يبتسم “DO” بغموض ليقول:

– لماذا تغير لون وجهك فجأة؟ هل سؤالي كان صادما جدا؟

بعضة خفيفة لشفتيها، تبقى “MEL” صامتة لترى ما الذي يريد الوصول إليه بسؤاله، يكمل الأخير:

– كنت أتساءل فقط لأن شقيقتك الكبرى قدمت بلاغا عن اختفائك قبل 4 أعوام، لذا لا داعي للذعر. أوه صحيح…

يحدق إلى “MEL” للحظة مبتسما، نصف ابتسامة ثقيلة ثم يكمل:

– قلت أنك فقدت ذكرياتك، أتساءل إن كان هذا له علاقة باختفائك؟

تطلق “MEL” ضحكة خفيفة، لتقول بحدة واضحة وبنظرات لاذعة:

– أخشى أنني لا استطيع إخبارك بهذا، فالأمر لا يتعلق بالعمل ولا تجمعنا رابطة خارجية لأخبرك بأموري الشخصية أيها المحقق “DO”.

– اليوم الثاني من الشهر الخامس…

كان “DO” يراقب ردة فعلها، عندما رأى ما يرغب به من ملامح الدهشة والرعب فيها، أكمل يقول بزيف:

– وقعت جريمة قتل في ذلك اليوم

صرخت “MEL” بانفعال:

– وما شأني بذلك!

– اليوم الأول من الشهر السادس، أين كنت؟

كان ارتعاش جسدها قلقا، واضحا تجاه أسئلة “DO” المبهمة. حاولت أن تتحدث بشكل طبيعي لكن لعثمة لسانها نتيجة الوضع المشكوك لم يساعدها:

– هل… تست… تستجوبني… الآن؟

ببرود أجاب:

– أشعر بالفضول فقط

قبضة على يدها، قائلة بحنق قلق:

– أخبرتك أننا لسنا على علاقة خارج العمل، لأخبرك بما يتعلق بحياتي الشخصية أيها المح…

لم تستطع إكمال جملتها، حتى رأت “DO” يقف متقدما باتجاهها بملامح وجهه الخالية من أي تعبير. مع كل خطوة ثقيلة يتقدم بها نحوها كان يردد بغموض:

– لا أعتقد ذلك… 2014، 2/5، 1/6، 1998 فهذه التواريخ و…

صمت عندما أصبح أمامها مباشرة، لا تفصل بينهما أي أقدام. كانا يحدقان ببعضهما بنظرات تحمل معنى لا يتفقان معا. نظرات تخرج لهيبا لاذعا، والآخر نظرات برود غامضة. بينما يضع خصلة خلف أذنها، من شعرها الواقع أمام عينيها. ابتسم “DO” ابتسامة تحمل معها معنى للازدراء واللؤم، ليقول:

– هذه التواريخ و “TBN” و “LPHAZOMB” تربطنا بشكل عميق جدا ألا توافقينني الرأي يا من تملك عقل الدمى؟





نهاية الفصل الثالث عشر…



 P.14. عودة الرياح العاصفة

تحذير! تصنيف الفصل +19 لما تحتويه من مشاهد، لقطات عنيفة ودموية.

قبل 20 عاما، سنة 1998:

في هدوء وصمت المكان المليء بأجساد فقدت روحها، بينما تحمل بين يديها باقة من الأزهار، كانت “MEL” الصغيرة تقف أمام قبر والديها، ذارفة الدموع بصمت مبتئس. بجانبها يقف “DO” يحدق إلى الحجر الذي كُتب فيه اسم والديها. شهقت “MEL” شهقة صامتة، لتقول بصوت مخنوق:

– لا زلت، لا أفهم كيف احترق منزلنا… وكيف لم يستطع والداي الهروب.

“DO” الذي فقد والديه منذ طفولته، كان يشعر بما تشعر به صديقته، ليقول بشيء من المواساة:

– لم يرحلا، لأنهما لا يزالان بداخلك، في قلبك وعقلك

شهقت، شهقة أخرى صامتة، لتقول:

– كيف سأتحمل فراقهما…

شعوره بالثقل إثر تذكره لأيامه المشابهة والتي كانت أشد سوادا، جعلته لا يستطيع التفوه بكلمة ليبقى “DO” صامتا. بعد وضع “MEL” الباقة أمام قبري والديها، عادت حيث كانت تقف. استمرا الأثنان بمراقبة بقية القبور بصمت مملوء بمشاعر حزينة، و روح ذابلة خلطت مع خوف وفراغ عميقين. عقب قراءتها لاسم ابتدأ بحرف “L” وينتهي بـ”B” تذكرت “MEL” أمرا مشابها. قالت بنبرة صوتها المبحوحة:

– أتعرف ما الذي تعنيه “LPHAZOMB”؟

دُهش “DO” قائلا:

– أين سمعتِ بهذه الكلمة؟

– سمعتُ أمي وأبي يتحدثان عنها قبل عدة أسابيع

– هل تذكرين عن ماذا كانت المحادثة تدور؟

– لم أفهم تماما ما يقصدانه، ذكرا شيئا كمرض عقلي، أشبه بالجنون وفشل كلوي يتبعه الموت فورا، ماذا أيضا…

صمتت للحظة، ثم قالت:

– صحيح ذكرا أيضا أنه مرض يفقد الإنسان إنسانيته عندما يصاب به، وقد يأكل لحوم البشر.

حدقت في “DO” لتسأل بحيرة:

– ردك يوحي بأنك تعرف الكلمة أليس كذلك؟

لم يستطع “DO” أن ينفي الأمر، لتسأله “MEL” متشككة:

– كيف تعرفها؟

متهربا من حقيقة معرفته للأمر قال “DO” بزيف:

– سمعتها في مكان ما صدفة، عندما كنت صغيرا جدا، لذا لا اذكر ما الذي تعنيه. على كل يبدو أنه مرض خيالي، فليس من المعقول أن يأكل الناس بعضهم.

– قد تكون محقا… لكن ماذا إن كان ذلك ممكنا؟

هذا الحدث التي تحمله النوبة، ظهر لكل من “DO” و “MEL” أنفا. لذا تساءل “DO” ما إذا كان ذاته المرض الذي تحدث عنه المحقق “EKE” في يوم الاجتماع. بعد بحث العلماء، رأى “DO” أن الأعراض الحتمية مشابهة جدا لما ورد في حدث النوبة لذا قرر تسميته بذات الاسم الوارد “LPHAZOMB”. عقب حديث شقيقتها الكبرى عن التقرير الذي وجدته، وقعت النوبة لـ”MEL” حاملة الحدث في المقبرة. أدركت “MEL” حينها سبب ألفة الموقف عندما سمعت بالأعراض من شقيقتها الكبرى. كانت في غرفتها، مستلقية فوق سريرها، تحدق في السقف، تسترجع أحداث مساء الأمس في مكتب “DO”:

” لماذا يريد الرئيس معرفة سبب اختفائي قبل 4 أعوام، بل لماذا تنقب خلف الأمر! اليوم الثاني من الشهر الخامس هو بداية أول يوم لعدم نسيان ذكرياتي في اليوم السابق. الأول من الشهر السادس هو وصول بريد لي، يحمل ظرفا بدى مختوما بختمة راقية. عام 1998 أليس هو العام الذي تظهر أحداث النوبة فيه! “LPHAZOMB” هو ما تحدث عنه الصغيران أمام القبر، إذا ما الذي تعنيه “TBN”!! إنها رموز اختصار لكن لماذا؟؟ إلى ماذا ترمز… لحظة! لا يمكن… “

نهضت جالسة بسرعة، تحدق بدهشة إلى الرف الذي فيه الصندوق الحاوي على الظرف. لم تكن قد فتحت الظرف من قبل بسبب انشغالها والآن شكت بما يحتويه لكن قبل أن تذهب وترى ما بداخله تصنمت عندما أدركت أخيرا أهمية، أمر لم تلقي له بالا:

” يا من تملك عقل الدمى… مصطلح “LPHAZOMB” عام 1998 كل هذا ما ظهر في أحداث نوباتي! مستحيل… الرئيس يعاني مثلي أنا و “LEK”! تلك التواريخ التي ذكرها تدل على أنه كان يفقد ذكرياته أيضا كل يوم حتى التاريخ 2/5 إنها ليست مصادفة أبدا… إن النوبات البؤرية تصيبه حتما! إذا هل هذا يثبت صحة ما قاله “LEK” عن الولادة من جديد؟ لدي الكثير من الأسئلة التي أريد طرحها للرئيس، أهمها هو ألم يستعد ذكرياته بعد، والأحداث التي يراها في النوبة هل هي ذكرياته أم لا… “

………

بعد عثور المحققة “FER” مساء يوم الأمس عن مكان المتهم “HJ” وإحضاره إلى إحدى غرف استجواب الـ”HXH”، توجهت إلى مكتب عمل “DO” عندما لم يجب على هاتفه، لتخبره بالأمر. رأته حين ذاك يتحدث مع “MEL” عن ما كانت تخشاه، اعتذرت عن مقاطعتهما وأخبرته بالرسالة التي تحملها. كان ذلك التدخل من المحققة السبب الذي لم تستطع “MEL” بحجته أن تسأل “DO” عن سبب كل أحاديثه وأسئلته المبهمة.

في غرفة الاستجواب:

كان “DO” يحدق إلى المتهم من أعلاه إلى أخمص قدميه محاولا معرفة أي الرجال الثلاثة يكون، من حدث هرولة الصبي “DO” في الغابة. عقب تدقيق بنظراته الحادة، أدرك أنه الشخص الذي سحب الجثة نحو قبرها، من بنية جسده الضخمة وطوله. ابتسم “DO” بهزؤ، مقلقا المتهم بذلك. بدوره كان المتهم “HJ” يحاول بقلق معرفة سبب، تحديق المحقق الذي أمامه فيه، بنظرات تحمل في مغزاها معنى مبهم. أصابته الرعشة خوفا من ابتسامة “DO” بعد صمت التحديق المطول. ليقول “HJ” بصوته الخشن الثقيل:

– ألديكم دليلا ملموسا على أنني القاتل؟ إفادة واحدة لا تثبت إدانتي إن كنت محققا فستعرف هذا أفضل مني.

أرخى “DO” ظهره على الكرسي، رافعا كلتا يديه في الهواء لثوان معدودة، قال متهكما:

– إنك في الـ”HXH”، إننا “OH” وأنت تعرف جيدا ما الذي يعنيه هذا

أطلق المتهم ضحكة غاضبة، ليقول:

– بالتأكيد أعرف أن قوى عظيمة كـ”OH” لن تلقي القبض على متهم دون دليل واضح، لكنني أعتقد أن هذه كانت أقوال زائفة.

شعر المتهم بسرعة نبض قلبه، عندما اقترب “DO” بوجهه، أمامه، مركزا ذراعيه فوق الطاولة التي تفرق بينهما. همس له “DO” قائلا:

– أتساءل كيف استطعت سحب الجثة من قدميه، نحو شجرة البلوط خلال دقيقتين و8 ثوان فقط، رغم بعد المسافة بين أرض الجريمة والقبر الذي حفرته مع زميليك.

عاد “DO” للخلف مرخيا ظهره مجددا على الكرسي، بنبرة استفزازية أكمل:

– لقد حاكيت دورك تماما، لكنني لم استطع أن أصل إلى شجرة البلوط في الوقت المناسب، هل هذا بسبب اختلاف حجم جسدينا؟ أم أنك كنت خائفا جدا في ذلك الوقت لذا لم تشعر بنفسك وأنت تسحب الجثة بسرعة فائقة؟ أتساءل ما الذي كان يخيفك. أوه بالمناسبة أشعر بالفضول ألم يكن القماش -القناع- الأزرق المخطط باللون الأحمر الذي تخفون به وجهكم خانقا؟

بعد إنهاء جملته ابتسم “DO” ابتسامة ساخطة أثارت غضب وقلق المتهم، ليسر “HJ” لنفسه مرتعبا ” من يكون هذا الشخص… التفاصيل التي ذكرها حتى للون القناع إنه خطر، هذا الشخص… بالتأكيد كان هناك في تلك الليلة. إنه شاهد وهذا يعادل أكثر من دليل. لكن إن كان شاهدا لماذا لم يخبر الشرطة بما رآه في ذلك الوقت؟ نظرا لملامح وجهه الآن فهو يبدو في عقده الثالث، قبل 20 عاما سيكون ما بين الـ10 والـ14، لا يمكن إنه! “

لاحظ “DO” الروعة في ملامح المتهم فأدرك ما الذي يفكر به، وهذا ما كان يريده “DO” باستفزازه لـ”HJ” منذ البداية. كان يريد من “HJ” أن يسأله عن… بلع “HJ” ريقه ليسأل مرتعبا:

– أنت… ألم تمت في حادث السير قبل 20 عاما؟

ارتعشت المحققة “FER” التي كانت تشاهد سير الاستجواب من خلف الزجاج العازل، قائلة بين نفسها ” لقد وقع في الفخ تماما، عندما أولد في حياتي القادمة أتمنى بأن لا أواجه الرئيس “DO” أبدا “

شعر “DO” بالاغتباط عندما حصل على ما يريده، ليقول بهزؤ، متصنع الدور المزيف:

– ألست سعيدا برؤيتي، أنا الشاهد الوحيد لجريمة دفنت حقيقتها قبل 20 عاما.

كان جسد “HJ” يرتعش بينما يردد مصعوقا:

– أنت تكذب… لقد رأيتك تنزف أمامي حتى الموت، تأكدت حتى من أنفاسك ونبضك المتوقف!

– مع اسفي لك، حدثت معجزة وعدت إلى الحياة مجددا، وها أنت ذا تعترف بجريمة قتلك لي بعد مرور كل هذه السنين.

نهض المتهم من مقعده وأخذ يدور في الغرفة ذهابا وإيابا بحالة متهيجة، مرددا بينما يقضم أظافر يده المرتعشة:

– مستحيل… لقد رأيتك تموت أمامي… لقد مت أمامي… لقد مت منذ 20 عاما… لقد عطلت السيارة بنفسي… لقد مت مع والديك… لقد نزفت حتى الموت… لقد توقفت أنفاسك… توقف نبض قلبك…. لقد مت…

عاد حيث “DO” ليضرب الطاولة بيديه بقوة مخيفة، مع نظرات تحمل الخوف، أخذ يصرخ قائلا:

– لقد مت أمامي، لذا لماذا أنت هنا الآن أمامي مجددا، بعد 20 عاما!!!

فقد المتهم السيطرة على نفسه بعد ابتسامة مستفزة من “DO”، ليأخذه جذبا من ياقة بدلته، دافعا إياه بقوة على الحائط خلفه. لم يتوقف “DO” عن الابتسام استفزازا، حتى عندما كان محاصرا بين الحائط وبين يدي “HJ” وهذا ما جعل الأخير يوجه لكمة قوية في وجه “DO”. تحولت ابتسامة “DO” إلى ضحكة عالية أشد استفزازا، لتكون سبب تلقيه لكمة تلو الأخرى من شخص فقد السيطرة على نفسه.

كانت المحققة “FER” تعض شفتيها بغضب مشتعل حتى شعرت بطعم حديدها، وهي تشاهد ما يحدث. لم يكن باستطاعتها التدخل بأوامر من “DO” حتى وإن كان على وشك أن يُقتل، كي لا تُفسد خطته. أقسمت على أنها ستعاقب المتهم “HJ” بنفسها بعد انتهاء الاستجواب بسبب ما فعله لـ”DO”.

في غرفة الاستجواب حيث “DO” لا يزال يتلقى لكمات في وجهه شاحب اللون، كان “HJ” يردد قائلا دون أن يشعر بما يتفوه به:

– نفذت كل الأوامر التي أمليت علي بنجاح كي أكتسب ثقة القائد “REWE” إن أدرك أنني فشلت بقتلك منذ 20 عاما، سأخسر كل ما قمت ببنائه. أنت هو سبب كل تلك المشاكل التي حدثت قبل 20 عاما، لو لم تولد فقط لكان كل شيء سيكون على ما يرام. أنا وزملائي و المنظمة و القائد “REWE”…

اهتاج المتهم أكثر ليصل به إلى خنق “DO” مرددا:

– ربما اختفاء القائد هو بسببك أيضا، هل قمت بقتله؟ أين قمت بإخفائه! أخبرني!!

لم تستطع المحققة “FER” التحمل أكثر، خرجت من الغرفة لتتوجه إلى غرفة الاستجواب، أوقفها المحقق “EKE” الذي كان يقف أمام باب الغرفة التي فيها المتهم و”DO”. حاولت المحققة تجنبه لكنه امسك بذراعها محكما وهو يقول بهدوء غير متوقع:

– هذه أكثر لحظة مهمة كان ينتظرها “DO”، ستفسدين الأمر بتدخلك ألا بأس لك برؤية غضبه لاحقا بعد الخروج عن أوامره؟

قالت “FER”:

– ألا بأس لك أنت بالهدوء هكذا!!

– لن يحدث له أي شيء… إنه في النهاية “DO” المحقق الذي يصل إلى ما يريده بعد تخطيط دقيق، واضعا حساب لكل حركة وثانية يفعلها. لا يجب علينا التدخل في خطته إن كنا نرغب بالسلام.

هدأت “FER” وبعد تردد، عادت مع “EKE” إلى غرفة المراقبة.

في الآن ذاته، بينما يعصر “HJ” عنق “DO”، قال الأخير مستغلا الهواء الذي لا يزال باستطاعة، إدخاله إلى جسده:

– لا أعلم أين… هو… قائدك… لكن… استطيع… إيجاده… من أجلك.

أراح “HJ” قبضته، باد عليه الاستجابة. بعد تحديق في عينا “DO” للحظات، تركه. رغم ذلك لم يستطع “DO” التنفس، تحول لون وجهه للأصفر، فجع من رؤية ذلك كل من المتهم والمحققين في غرفة المراقبة. كانت “FER” بصدد ذهابها للغرفة لكن “EKE” منعها مجددا. صرخت “FER” بانفعال:

– إنه مصاب بالربو! هل ستتحمل ما إذا حدث له شيء ما!

ارتجف “EKE” قلقا بعد رؤية “DO” يسعل مختنقا، فقال بنبرة مرتعشة:

– لا… يمكن… هل هو مصاب بالربو حقا…

حدقت فيه “FER” بنظراتها المشتعلة قائلة:

– حتى وإن عنى ذلك نفي من وظيفتي أو موتي، لن أنتظر هنا دون فعل أي شيء.

تركت “FER” الغرفة لتذهب إلى “DO”، دخلت غرفة الاستجواب بهالة جعلت المتهم يرتعش فور رؤيتها. كان ظهر “DO” مستندا على الحائط، يحاول التنفس لكن ذلك لم يجدي نفعا. لو تأخرت المحققة “FER” قليلا بعد عن جعله يستنشق من بخاخ الربو الذي تحمله معها دائما في جيب سترتها، لحدث أمر سيء. بعد دقائق قليلة عاد النفس طبيعيا إليه. حدق إليها حاملا رسالة في نظراته. فهمت المحققة ما يعنيه، لتعض على شفتيها قلقا. لم تتفوه بكلمة حتى طلب منها “DO” العودة ليكمل الاستجواب، رغم كرهها لترك المتهم ينفذ بما فعله إلا أنها امتثلت لأوامره.

عاد “DO” إلى مقعده، ليقول المتهم هازئا:

– كيف ستجد القائد بضعفك هذا أيها المحقق؟ أم أنك كذبت علي؟

أخذ “DO” نفسا عميقا، ليقول:

– أولا أخبرني بكل ما تعرفه عنه، وعن آخر تحركاته

– لما علي إخبارك بذلك! أتظنني مغفلا…

– إن لم تكن ترد العثور عليه، فلا بأس لدي.

– المشكلة تكمن في لماذا ستجده من أجلي؟

قهقه “DO” بصوت مكتوم، ليقول جامعا يديه ببعض، واضعا قدميه فوق الأخرى:

– يبدو أنك اعتقدت، أن باستطاعتك قتلي بهذه السهولة؟ قبل أن تكون في “HXH” عليك أن تعلم أنك تواجهني، تواجه “DO”. بحركة واحدة من اصبعي استطيع نفيك من الوجود خلال ثوان. آه… فليكن بعلمك أنني لن أبحث عن قائدك من أجلك، بل أفعل ذلك لأنه اصبح ضمن قائمتي السوداء.

أصابت الحيرة “HJ” من التقلبات المفاجئة لأسلوب “DO” منذ بداية الجلسة، ليقول:

– من تكون أنت بحق؟

– أنا؟ الشخص الذي سيقلب هذا العالم رأسا على عقب. لكن قبل أن أفعل سأقلبه عليك أولا إن لم تجب على أسئلتي خلال ثوان.

حدق “HJ” مبتسما بغرة إلى “DO”، لم يلبث ثوان على تلك الحال حتى تقلبت ملامحه، وهو يدفع الطاولة التي تفصل بينهما، نحو “DO” لكن قبل أن يرتطم بها “DO” صدها بقدمه اليمنى، دافعا إياها نحو “HJ” الذي كان قد اتخذ موقف الهجوم. تعرقل “HJ” بتلك الصدة، ذلك لم يمنعه من الهجوم بعنف على “DO” باتخاذ الكرسي كسلاح. كل ضرباته بالكرسي متقصدا “DO” كانت تضيع في الهواء. تنهد الأخير بملل. بينما كانت ضربة قوية من الكرسي توجه نحوه، انحنى “DO” للأسفل قليلا، ليذيق “HJ” قوة رفسة ركبته، محطما بذلك أضلاع قفصه الصدري. سقط الكرسي من يد “HJ” عندما سقط بنفسه متألما بعد رفسة “DO”. ملتويا على نفسه، كان أنين “HJ” يملأ محيط الغرفة. ساحبا “DO” الكرسي الذي استخدم كسلاح ضده، كان يسير بخطوات ثقيلة نحو “HJ”. رمقه بنظرة ارتعبت المحققة “FER” برؤيتها من خلف العازل، ثم أسداه ضربة قوية على ظهره، مما جعل الكرسي يتحطم إثرها. بينما يصرخ متألما، سحب “DO” بشعر “HJ” من الخلف، داليا إياه للأسفل، ليظهر وجهه نحو وجه “DO”. لوهلة نسي “HJ” الألم الذي يعصر جسده، بسبب نظرات “DO” التي كان يرى فيها انعكاس شرار من الجحيم. ارتجف عندما ردد “DO” بالويل قائلا:

– شخص بائس مثلك أضاع الكثير من وقتي الثمين وتجرأ على تلويث مسمعي بنباحه، ضاق بي الأمر أشد مما يكون حنقا.

بعد انتهاء حديثه أسدى “DO” لعنق “HJ” رفسة قوية بركبته مما جعل الأخير يسعل دما. عاد “DO” إلى مقعده، واضعا قدمه فوق الأخرى قال مهددا بنبرة صوته الحاد الأجش:

– بين كل سؤال أطرحه سأعطيك 5 ثوان كمهلة، إن تجاوزت ثانية واحدة بعدها، دون أن اسمع ردا فلا أعرف ما الذي سأفعله ببقية أضلاعك.

الويل الذي في كلمات “DO” جعل اهتياج “HJ” العدائي يختفي، محلا موقعه الطاعة خوفا. بدأ “DO” قائلا:

– في ليلة مقتل “RES” من كانا معك؟

رغم الصعوبة في الحديث، أجاب “HJ” على الفور بصوته المخنوق:

– القائد “REWE” و عضو آخر من المنظمة توفي قبل 5 أعوام. أما القائد أخبرتك أنه اختفى منذ نهاية الشهر السابع وحتى الآن لا أحد يعرف أين هو.

– إن كنت عضوا من منظمة “DAZ” فمن المؤكد تعرف لماذا تفككت

– لا… لا أعرف حقا! ولا أحد من أعضاء المنظمة يعرف ذلك، سوى الشخص الذي أعلن خبر التفكك، قائد المنظمة “REWE”.

– لماذا وجب على “RES” الموت؟

احتدم الألم في عنقه، لذا لم يستطع “HJ” الإجابة على الفور.

– 1…2…3…4…

بصوت يكاد يخرج الكلمات بصعوبة شديدة، أجاب “HJ” قبل الثانية الأخيرة:

– لأنه… كان يعرف… شيئا لا يجب… عليه معرفته

– لذا ما هو هذا الشيء؟

– القائد “REWE” من يعرف ذلك

ارتفع حدة صوت “DO” حينما قال:

– كنت مقربا من القائد لكنك لا تعرف لماذا قتل شخصا، أتلعب معي الآن؟

شهق “HJ” متألما، عندما قال:

– هناك حدود بيننا، وأمور لا حق لنا لنعلمها سوى إن وجب علينا معرفتها. أمر القائد بقتل “RES” قائلا أنه يعرف شيء لا يجب عليه معرفته، هذا كل ما أخبرنا به.

– أشك بعد ما قلته أثناء محاولة قتلي قبل لحظات، أنك لا تعرف أيضا السبب الذي جعله يأمرك بقتلي قبل 20 عاما.

تردد “HJ” للحظة، ثم قال:

– لأنك كنت الشاهد الوحيد للجريمة

– لا اعتقد أن هذا كل شيء

– هذا… لأنك كنت تعلم… و تكون…

صمت الرجل عندما لاحظ أمرا مشكوكا، ليقول متهجما:

– لماذا تسألني عن هذا الأمر؟ أنت تعرف ذلك بالفعل أليس كذلك أيها المحقق.

ضرب الحقيقة جعلت “DO” يصمت للحظة، مفكرا بمخرج، فقال بعد برهة:

– كنت أتساءل إن كان هناك سببا آخر لقتل صبي بعمر 12.

– أنت تعلم السبب جيدا، أكثر منا يا “DO”.

– “LPHAZOMB”

صمت “DO” عندما لاحظ على ملامح المتهم، الحيرة ليقول الأخير بدوره متعجبا:

– “LPHAZOMB” ؟ ما هذا؟

تنهد “DO” حنقا عندما أدرك من نبرة المتهم، أنه لا يعرف شيئا عن المرض، ولا علاقة له بمقتل الزوجين من عائلة “ELE”. ليسأل:

– بعد تفكك المنظمة ما الذي فعله قائدك؟

– حسنا… كان يبحث عن أحدهم

– يبحث عن أحدهم؟

– أجل، لا تسألني عن من يكون لأنني أنا أيضا لا أعرف. أعتقد أن سبب اختفائه متعلق ببحثه عن ذلك الشخص.

– الأن أخبرني متى وأين آخر مرة كان فيها؟

– قبل اختفائه بـ3 أيام أخبرني أنه وجد الشخص الذي يبحث عنه، لذا هي مسألة وقت حتى يقابله. بعد ذلك انقطع اتصالي معه.

– هل هناك أي معرفة تملكها عن حياته؟

– لا… لا أحد يعرف عن حياته أي شيء.

انتهت الأسئلة التي كان يود “DO” طرحها، لم يبقى لوجوده في الغرفة أي معنى، لذا نهض من مقعده ليتوجه نحو باب الخروج. تنهد “HJ” راحة، لم يلبث ذلك الشعور للحظة، حتى استبدل بغضب ملؤه البغض حينما ردد “DO” قائلا، قبل خروجه، بابتسامة خفية ماكرة:

– آه، صحيح… إنني “DO.LEO” مؤسس قوى “OH”، الصبي “DO” الذي قتلته قبل 20 عاما، أشك أنه لم يبقى من جسده سوى الفتات. لا شكر على المعلومات التي أعطيتنا إياها.

……….

أصدرت محكمة “OH” وفقا لقانون عقوباتها، حكما على المتهم “HJ” بالإعدام من الدرجة الثالثة. لكن احتياج فريق التحقيق في قضية الهيكل العظمي، للمعلومات التي يمتلكها عن المنظمة، جعله يُسجن حتى يحين وقت انتهاء صلاحيته. من المفترض أن هذا ما كان سيحدث لكن بعد يوم واحد فقط من قرار المحكمة، وُجد المتهم مشنوقا في زنزانته مع رسالة انتحار كُتب فيها ” لا استطيع خيانة القائد “REWE” أكثر من هذا. أتمنى أن تعثروا عليه بأسرع وقت “

بعد الاستقصاء عن “REWE” قائد منظمة “DAZ”. ذهب كل من “DO” والمحقق المسن “DS” إلى منزله للتمشيط، بينما “EKE” و “FER” كانا يبحثان عن آخر تحركاته قبل اختفائه.

في منزل “REWE”:

لم يُعثر على أي شيء غريب، ومشكوك فيه بل إن صح القول كل ما يتعلق بخفايا المنظمة لم تكن في منزل قائدها. لاحظ “DS” وقوف “DO” في الحديقة الخلفية للمنزل، أمام سلة مهملات حديدية متوسطة الحجم. ذهب ليرى ما الذي يحدق فيه بصمت مرعب. وقف بجانبه يحدق إلى السلة التي تحوي على رماد، تعجب ليسأل:

– رماد؟ هل هذا يدلك على شيء؟

أجاب “DO” ممعن النظر إلى فتات الرماد:

– إنه رماد وثائق ورقية

– وهي متعلقة بالمنظمة؟

– بالنظر إلى تغير درجة لون الرماد، فهو حرق الوثائق قبل 4 شهور تقريبا، أي قبل اختفائه مباشرة. حرق الوثائق وبعدها اختفى فورا، من المحتمل أنه كان على عجلة من أمره ليخرج، دون أن يتخلص من الرماد. خروجه على عجلة ربما كان بعد اتصال من أحدهم يطلب بمجيئه، وهو الشخص المسؤول عن اختفائه.

– قال “HJ” أن قائده عثر على الشخص الذي كان يبحث عنه منذ مدة طويلة، من المحتمل أنه هو الذي هاتفه في ليلة اختفائه.

أومأ “DO” رأسه مؤيدا. بعد برهة ورده اتصال من “EKE” يقول فيه:

” – آخر مكان توجه إليه “REWE” كان للغابة الشرقية، بعد غروب شمس اليوم الأول من الشهر الثامن. توجه بسيارة تاكسي، وفقا لشهادة السائق: ترك عميله عند البوابة ثم عاد بدونه. لا توجد كاميرات في تلك المنطقة لذا لا نعرف بعد كيفية خروجه من الغابة أو من المحتمل أنه لم يخرج أبدا. آخر اتصال له كان من هاتف عمومي، في عصر يوم توجهه للغابة. حددنا موقع الهاتف وبعد النظر في تسجيلات كاميرات المراقبة لذلك اليوم والوقت، المتصل كان يرتدي بدلة مهرج، مخفيا بذلك وجهه بقناع مضحك “

أخبر “DO” ما ورد في الاتصال للمحقق “DS”، ليقول الأخير:

– هذا يحل اللغز… خرج من المنزل بعد اتصال الشخص الذي تنكر بزي مهرج، لكن لما للغابة الشرقية! إنه ذات المكان الذي عثرت فيه على الهيكل العظمي لجسد”RES”. هذا لا يبعث لي بشعور جيد.

كان تفكير “DO” مليء بالكثير، لتثبيت صحة بعضها كان بحاجة ماسة إلى رؤية تسجيلات الكاميرا التي التقطت المهرج والتقارير الأخرى.

………

بعد الدخول إلى “HXH”، في منتصف الطابق الأول -الرئيسي-:

كان “DO” يسير وبجانبه المحقق “DS”، توقف المسن فجأة، أمام “DO”. قابضا على يديه أسفا قال ببؤس:

– الرئيس “DO”… لطالما رغبت بقول هذا، لكن لم تسنح لي الفرصة بذلك، واعتقد ما إذا لم استغلها الآن لن استطيع للأبد. أريد أن أشكرك على إعطائي الفرصة للمشاركة في القضية.

تعجب “DO” قائلا ببروده:

– إذن؟

– عندما أنظر إليك أشعر بالذنب يقتلني لأنك تذكرني بالصغير “DO” وتشبهه كثيرا. توفي وهو بعمر صغير جدا، دون أن يحقق حلمه المستقبلي بأن يصبح محققا لديه سلطة وقوى عظيمة، بسبب عمل الكبار وخبثهم. أتساءل إن لم يمت هل كان سيكبر ليكون مثلك الآن؟ بنظري أنتما متشابهان كثيرا في العديد من الأمور والمواصفات، ورغم قولي لذلك يشعرني بالخزي من نفسي أكثر… لكنني ممتن… ممتن أنني استطعت رؤية جزء من الذي كان سيكون عليه الصغير “DO”، وذلك فيك أنت أيها الرئيس “DO.LEO”.

شعر “DO” بالحنق من المحادثة، ليقول متنهدا بخفة:

– إذن؟

تحولت جميع الأنظار التي في الأرجاء، إليهما عندما جثى “DS” على ركبتيه أمام “DO”، مخفضا رأسه للأرض، قائلا بعينين دامعتين:

– لم استطع طلب المغفرة من الصغير، لكنني سأفعل الآن… إنني آسف، على كل ما فعلته لك، آسف على كذبي عليك، آسف لتلك الأوقات التي خدعتك فيها، آسف لأنك وثقت بشخص سيء مثلي، آسف… إنني آسف… رغم قول ذلك لن يغير أي شيء مما حدث لكنني أطلب منك أن تسامحني.

وضع “DO” يديه فوق بعضها، قائلا بينما رفعة قدمه اليسرى تدق الأرض:

– انهض

استمر المحقق بالبكاء و الاعتذار، ليردف “DO” مجددا:

– انهض، قائد القسم السابع…

لا إجابة، عندما تم تجاهل أمره، صرخ “DO” غضبا وهو يقول:

– المحقق “DS”، أخبرتك أن تنهض و الآن!

رفع المحقق “DS” رأسه للأعلى حيث “DO”، ارتعش من نظرات الويل التي في عينيه، فنهض على فوره يعتذر منحنيا.

على بعد بضع أقدام منهما، كانا المحققان “FER” و “EKE” يشاهدان ما يحدث مع بقية الموظفين. ابتسم “EKE” قائلا:

– يا الهي، الرجل يعتذر له جاثيا على ركبتيه، لكنه مشتط غضبا لا لجثيه، بل لأنه لم ينهض عندما أُمر بذلك. هل “DO” ولد في القطب الشمالي؟ يا لبروده.

رمقته “FER” بنظرات لاذعة، ليرفع الآخر كتفيه، داليا شفتيه يقول:

– هل أنا مخطئ؟

– أغلق فمك.

– على كل، اشعر بالفضول حول ما يتحدثان عنه

رفع المحقق “DS” رأسه مجددا ليقابل تلك التعابير الغاضبة، ملتزما الصمت فلا يملك شيئا آخر لقوله. بينما “DO” أخذ الدور قائلا:

– رؤية جزءا من ذلك الصغير فيَ، لا يعطيك الحق بالركوع والاعتذار لي. أنا لست الشخص المنشود، اذهب وابحث عن قبره -الصبي- واركع أمامه باكيا تطلب المغفرة طوال الليل، لا يهمني ذلك. إن كنت آسفا حقا، سر وجد الشخص المسؤول عن مقتله، إن كنت تشعر بالذنب لما فعلته له، اظهر ذلك بالفعل وليس بالقول. الأسف يظهر عبر الأفعال، لا الأقوال. إن فعلت ذلك حينها قد أتقبل قليلا، اعتذارك للصبي لطالما أنك لا تزال ترى جزءا منه فيَ.

رغم الحدة في ما قاله “DO” إلا أن ذلك اشعر “DS” بالارتياح. وسط دموع مالحه ابتسم امتنانا. اعتدل في وقفته، ليلقي التحية العسكرية الخاصة لـ”DO”، قائلا:

– تحياتي إلى عظيم “OH”، الرئيس “DO”… سأعتبر ما قلته أمرا، وسأفعل المستحيل لتنفيذه من أجل الصبي الصغير “DO”، قبل أن افعله من أجل رئيسي “DO.LEO”. أتمنى أن تغفر لي، كي أرقد بسلام عندما أفقد روحي. و لعل ذلك سيجعل الصغير “DO” يتقبل اسفي ويقابلني في العالم النهائي. المحقق “DS” قائد القسم السابع، انهى آخر كلماته.

……..

في الجانب الرئيسي من الطابق الأخير، حيث حديقة “DO” المصغرة:

كانت “FER” تحدق بعجب، إلى نبتتي البرسيم ثلاثية و رباعية الأوراق، التي غرزها “DO”، قائلة:

– لقد كبرت بسرعة، هذه النبتة… إنها مذهلة. هل تعتقد أنها ستحقق لك أمنيتك؟

التفتت إلى “DO” الجالس تحت شجرة الوستارية، يشاهد تسجيلات كاميرات المراقبة عبر حاسوبه المحمول. قال مجيبا بسؤال:

– هل للأماني وجود؟

– حسنا… ربما.

– لا أعتقد ذلك.

– لما لا؟

صمت للحظة، محدقا في أزرار الحاسوب، ثم قال:

– لأن قسوة العالم، لن تسمح لك بأن تتمنى ليتحقق حلمك.

لاطفت “FER” أوراق نبتة البرسيم، لتقول:

– لطالما اعتقدت وما زلت أن لديك أماني ترغب بتحققها منذ صغرك، لكنك لا تتذكرها. بجانب ذلك اعتقدت أن هناك ما تريده أن يتحقق في عمرك هذا أيضا.

– أمنية أرغب بتحققها… لا أملك واحدة بعد.

– إنني أتساءل عن أماني طفولتك.

لم يجب “DO” لعله كان يفكر بنفسه، إن كان يرغب بمعرفة ذكريات طفولته، لتجهر بذلك “FER” قائلة:

– ألا ترغب بأن تعود ذكرياتك بأسرع وقت؟ اعتقدت أن هذه أمنيتك الحالية.

– ليس هذا ولا ذاك. صحيح أنني أرغب بتذكر من أكون وكيف كنت، لكن هذا أقل من مستوى الأمنية.

توجهت “FER” لتجلس خلف “DO” متكئة على جذع الشجرة، لتقول بعد دقائق من الصمت:

– إذا ما الذي ظهر في النوبة عندما كنت تتنفس الصعداء في غرفة الاستجواب؟

– كان الحدث مبهما… بدى أن أحدهم يعاني وهو يتنفس داخل شيء مغلق مظلم، اعتقد أنه صندوق أو حقيبة.

– هل هو الصبي “DO”؟

– المكان كان صغيرا ليحمل بالغا، لذا اعتقد أنه هو.

– كنت تعاني وأنت تحاول التنفس، لذا ظهرت ذكرى من ذكريات الصبي وهو يعاني أيضا مثلك… هذا غريب… أتساءل لما ذكريات الصبي الصغير .”DO”تظهر في نوباتك، رغم أنه لا تربطكما أي علاقة ببعض. بجانب ذلك ما يشعرني بالغرابة هو صديقته التي تدعى بـ”MEL”. هل كانت نوبتين أم ثلاث ما ظهرت فيه؟

– أربع…

– أربعة!!

– أول مرة كانت عندما اصطدمت بالمساعدة “MEL” في الأول من الشهر السادس، لا أذكر ما ظهر في النوبة، لكنني أذكر الصوت الذي كان يردد بـ” لنذهب لزيارة المكان السري، يا من تملك عقل الدمى” لم تكن هذه النوبة أول ما تظهر فيه المدعوة بـ”MEL”، بل كانت أيضا أول نوبة تحدث لي. بعد التفكير في الأمر كان ذلك الصوت هو صوت “DO” الصغير.

– و المرة الثانية؟

– عندما كنت أراقب استجواب المساعدة “MEL” للمتهم المزيف “PO”، خلف الزجاج العازل في غرفة المراقبة. كانت نوبة لا أتذكر أحداثها لكنني متأكد من أن الفتاة الصغيرة التي تدعى بـ”MEL” كانت تتحدث مع الصغير “DO” وهو استمر بمناداتها بذات اللقب وباسمها. المرة الثالثة كانت بعد استطاعتي التحكم على النوبة. يظهر أنهما يخرجان من مدرستهما الابتدائية مع صديق آخر لم يذكر اسمه. كان يستمر بالتذمر حول خسارته رهانا ضد الصغير “DO”. المرة الأخيرة تظهر محادثتهما عن “LPHAZOMB” أمام القبر.

– هل كان عليك إخبارها بالأمر الآن؟ ماذا إذا كانت هي خلف كل ما يحدث؟

– راقبتها بما يكفي، إنها غافلة تماما. لو كانت تعرف شيئا لفهمت ما الذي اقصده بـ”TBN”.

– ألم تدرك ذلك!

– لا

كانت “FER” قلقة من تصرف “MEL” العدائي بعدما يخبرها “DO” ملمحا عن مرضه المبهم، وبهذا الصدد حاولت منعه حتى تتأكد تماما ما هي نوايا “MEL” الحقيقية أيضا. لكن “DO” فعل ما يحلو له ولخططه، ولذا لم يكن أمامها خيار آخر سوى القلق أكثر. شعرت بالراحة قليلا بعد ما قاله “DO” أنفا. فسألت عن القادم:

– إذا ما الذي ستفعله معها؟

– إنني بحاجة إلى تأكيد أمر واحد فقط، إذا أثبت عندها سأشاركها بالأمر.

– هل هو متعلق بهذه القضايا؟

– أجل.

تنهدت “FER” لتقول:

– إذا هل هناك غير الثلاثة من ظهروا في النوبة؟

– صديق لـ”DO” يكبره بعدة أعوام، بحسب حدث النوبة التي كان يتذمر فيها الصديق المجهول، فيبدو أنه مقرب إلى الصغير “DO” أكثر من التي تدعى بـ”MEL” والصديق المتذمر.

– لماذا تعتقد أن كل هذا يحدث معك؟

– لست متأكدا بعد… لكنني اشعر أنه ذلك الكيان الغامض من يتحكم بتسلسل كل هذه الأحداث، ليوصلنا إلى نهاية مسدودة من أجل إحدى أهدافه.

– وما زلت تعتقد أنه ليس إنسان؟

– خليط بينهما… إنه كيان غامض لديه قدرة تفوق الطبيعة وهذا ما يجعله يستطيع التحكم بذكرياتنا والتلاعب بها، مظهرا ذكريات أشخاص آخرين في النوبات.

– إذا وما دور الإنسان في الأمر؟

بقبضة غضب على يديه، عض شفتيه وهو يمعن النظر في المهرج أمام الهاتف العمومي. قال بعد برهة:

– احتاج القليل من الوقت لأثبت نظريتي، فقط القليل بعد…

كانت “FER” تعلم أن “DO” لديه تحليلاته التي تدعم سير التحقيق في كلتا القضيتين لكنه لما يخبرها بعد حتى يشعر أن الوقت قد حان لذلك. شعرت بالفضول الشديد لتعرف ما الذي ينتظر إثباته، لكن كما هو الوضع يبدو أن ذلك لن يحدث الآن. قالت:

– خرج المحقق “DS” بعد تحيته، هل تعرف إلى أين ذهب؟

– من المحتمل أنه ذهب ليبحث عن “REWE”.

– بعد ما أخبرتني بما قاله لك، بت أشعر بالفضول كيف كان الصغير “DO”. ربما أرى جزء منه، بك عندما كنت بمثل عمره، كما الحال مع المحقق “DS”.

عندما لم تسمع ردا في المقابل، غيرت “FER” مجرى المواضيع قائلة:

– بخصوص الأعضاء الجسدية المفقودة لضحايا سلسلة “BN8” لم نستطع أن…

قُطع حديثها، عندما شعرت بنهوض “DO” من مكانه بسرعة. وضع حاسوبه فوق الطاولة، جمع حاجياته استعدادا للخروج. وقفت “FER” أمامه تسأل بعجب:

– ماذا حدث، هل اكتشفت شيئا؟؟

– المهرج هو القاتل “RAV”

– ماذا!!

– البنية الجسدية، الطول، وأيضا… الندبة التي في اصبع المهرج، السبابة هي ذات الندبة التي كان قد حصل عليها “RAV” بعد تلك الليلة التي تعذب فيها من قبل ضحاياه. كنت احتاج هذا الدليل للتحرك.

– لا أصدق هذا، ما علاقة “RAV” بقائد منظمة “DAZ”!

بابتسامة خفية، قال “DO”:

– لنذهب

– إلى أين؟

– إلى المكان الذي سيثبت صحة كل تحليلاتي، صحة أن الإنسان الذي خلف كل هذا بجانب الكيان الغامض، هو “B8”.

………

كان التاريخ يصادف الـ28 من الشهر العاشر، عام 2018. الساعة العاشرة مساء، عندما دخل “DO” برفقة المحققة “FER” إلى الغابة الشرقية حاملين، أداة للحفر.

بينما يسيران، سألت “FER”:

– هل سنحفر مكانا ما؟

– و لما برأيك معنا هذه الأدوات إن لم يكن للحفر

– لماذا فجأة؟

– ليس مفاجأ، كنت أشك بذلك منذ زمن طويل والفضل للأحداث الأخيرة سيثبت الآن ما إذا كان شكي في محله أم لا.

– إذا لما، ما الذي كنت تشك به!

– ستدركين الأمر بعد أن نحفر

– وأين سنحفر بالتحديد؟

– البقعة التي قُتل فيها “RES”، وفقا لذكريات الصغير “DO”.

كانت بغاية سؤاله عن السبب، لكن رؤية بقع دماء في الأرض جعلتها تغير السؤال قائلة:

– لماذا هذه الدماء…

انحنت على ركبتيها، تتحسس الدم، نهضت بملامح قلقة، قائلة:

– إنها دماء إنسان، وفوق ذلك إنها حديثة!

كان “DO” يشك بمالكها، لكنه لم يرد أن يفرض اعتقادات دون تأكيد، أو أدلة حاسمة. أكمل سيره بعجلة حيث البقعة المنشودة. كانت الدماء تتسلل بالاتجاه الذي يسيران نحوه، وهذا ما زاد شكوك “DO” أكثر.

عبرا من جانب اللوحة التي سار بجانبها “DO” الصغير في تلك الليلة، ولا زال الدم يمتد في الطريق. خطوات أخيرة عبرا من خلالها جانب الشجيرات، التي كان يختبئ خلفها الصغير “DO” يشهد على جريمة قتل “RES”. أخيرا وصلا إلى المكان المنشود…

في ظلمة الليل الموحشة، بين هدوء المكان المرعب، تحت تلك الشجرة التي قُتل بجانبها “RES”، كانت تنظرهما مفاجأة صاعقة.

بعد رؤيتها للدماء التي كانت تتسلل من ذلك الجسد تحت قدميهما، شعرت “FER” بالإعياء. اعتادت على رؤية ما هو أبشع من هذا، لكن مقربة الشخص منهم جعلها تشعر بالإعياء لأول مرة منذ بدأ مهنتها كمحققة. بينما تحاول السيطرة على نفسها، ارتكز “DO” على ركبتيه، ليتحقق من نبض قلب الجسد الذي كان غارقا بالدماء، ينتصف في قلبه خنجرا، الخنجر الذي لديه تاريخ مع عدة جرائم.

محدقا في عيني الضحية الهامدة، ردد “DO” ببرود أشد من المعتاد:

– شكي كان بمحله الدماء كانت تخصه… لقد توفي منذ ساعتين تقريبا، قائد القسم السابع، المحقق “DS”.

لاحظ “DO” وجود صندوق خشبي متوسط الحجم بجانب رأس المحقق “DS”. كانت تنبعث منه رائحة كريهة جدا، أدرك “DO” فورا مصدرها دون أن يفتح الصندوق. بعد فتحه لها استمر بالتحديق في ما يخبأه الصندوق، بتعابير باردة. كانت هناك أيضا ملاحظة سوداء صغيرة، بعد قراءة محتواها، نهض فورا وهو ينادي بـ”FER”. كانت الأخيرة مصعوقة ولم تستمع إلى نداءه، ليأتي نحوها، قابضا على كتفيها بقوة، قال:

– عودي إلى رشدك!!

استمر بهز كتفيها، مكررا الجملة السابقة، حتى عادت إلى وعيها لتسأل برعشة في شفتيها:

– ما… ماذا… الآن…

– علينا أن نكمل العمل الذي أتينا من أجله.

– وماذا يكون بحق!

صرخت “FER” بتلك الجملة بعد رؤيتها لعينا المحقق “DS” المفتوحة.

تنهد “DO” رافعا يديه عن كتفيها، توجه نحو الجثة، وبدأ بسحبه من قدميه بعيدا عن البقعة التي كان فوقها.

– ما الذي تفعله! أيها الرئيس ألن تخبرني بعد!

لم يجبها “DO” كانت أولويته للحفر ليثبت شكوكه بأسرع وقت ممكن. بدأ بالحفر بعد أن وضع جسد المحقق “DS” بعيدا. رأت “FER” ما بداخل الصندوق وقرأت الرسالة، لكن ذلك لم يجعلها تفهم لماذا “DO” يحفر الأرض التي قُتل فيها “RES” والأن المحقق “DS”. أخذت تحفر معه وبعد نصف ساعة، سُمع صوت ارتطام أداة الحفر بشيء صلب. ثوان من الحفر بيديهما وضح أن الشيء الصلب كان تابوتا.

على عكس “FER” التي كانت تزداد صعقة كل لحظة، لم يبدو على “DO” الدهشة أبدا، لأنه كان يتوقع كل هذا و متأكدا من ما يحتوي عليه التابوت. لكن مالم يتوقعه تماما هو التغيرات غير المتوقعة في المحتوى.

فُتح الغطاء عن التابوت، وكان ما بداخله هو جثة “REWE” قائد منظمة “DAZ” الإجرامية.

أتخذ رأس “L” ثاني ضحية لضحايا “RAV” موقع رأس الجسد الأصلي. بينما قلب “A” ثالث ضحية، كان يتخذ موقع القلب. عينا “C” رابع ضحية، لسان “N” خامس ضحية، اذنا “O” سادس ضحية، قدما “T” سابع ضحية، يدا “E” ثامن وآخر ضحية من ضحايا القاتل “RAV”، كانت تلك الأعضاء التي جثها تحتل بقع الأعضاء الأصلية لجسد “REWE” والذي يكون أولى ضحايا السلسلة، سلسلة “BN8”. وجد مكتوبا بدماء “REWE” على اسفل غطاء التابوت، ملاحظة غامضة:

” إنها بداية النهاية، من الأن فصاعدا ستبدأ معركة البقاء على قيد الحياة “

ما كان يحتويه الصندوق بجانب المحقق “DS” هو رأس “REWE” المجث، ومفهوم الملاحظة كان:

” كل واقع نتيجة وقع العديد من الأخطاء، هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه هو مثال حي لذلك. في معركة البقاء على قيد الحياة سيكون الذي يعثر على حقيقة الحقائق أولا هو المنتصر “

في نهاية كلتا الملاحظتين، ختم بلقب واحد…

ذلك اللقب كان” BLACK8 “

نهاية الفصل الرابع عشر…



P.15. بداية النهاية

عام 1998:

داخل غرفة مشرحة الجثث في إحدى مستشفيات المدينة: وقف ممرض بتعابير لا تخلو من الأسى والشفقة بجانب الصبي “LEK” البالغ من العمر 12 عاما. وضع “LEK” يده فوق المنصة التي تحمل جثة والديه، فشعر ببرد جعل يده تتألم. سائلة مخاطه، ذائقا ملح دموعه الحارة قبض الصغير ذراعه اليمنى بيده اليسرى باكيا بقهر بعد رفع القماش الأبيض عن وجه والديه، ورؤية ملامح وجههما التي يصعب تفسيرها.

بغمة، شهقة وراء شهقة ردد “LEK”:

– لماذا… لماذا… لماذا توجب عليكما الرحيل؟ لماذا تركتماني بمفردي مع هذا الثقل؟ أنى لي الآن العيش دونكما… أنى لي…

أخذ يصرخ باكيا مع آخر كلمتين. حاول الممرض تهدئته لكن ذلك كان دون جدوى. امسك “LEK” يد الممرض، قابضا إياه بقوة قال:

– لماذا توفيا؟ لماذا؟ لماذا؟ كيف حدث ذلك لهما؟ لماذا هما من بين الجميع؟ ما الذي سأفعله الآن دونهما؟ كيف… كيف سأعيش سعيدا…

سقط أرضا على قدميه وهو لا يزال يردد:

– حتى وإن كنت أكرههما فهما لا يزالان والداي، ولم أرد أن أعيش دونهما…

إنني أكره كل هذا… أكره نفسي… إنني آسف يا رفاق… “MEL” و “DO” أرجوكما سامحاني.

……..

– إنني أرسل إليك رسالة… لا، بل منذ البداية كانت تصلك رسائل لتيقظك من غفلتك لكنك لم تتقبلها واستمريت بتجاهلها. تجاهلك للأمور سيعذبك ويقتلك مئات المرات في اليوم و سيغرقك أكثر و أكثر في الدوامة التي محبوس بداخلها. لم يتبقى الكثير من الوقت عليك أن تستيقظ من سباتك قبل أن يفوت الأوان وتخسر بذلك كل شيء يا “DO”. أعلم بأنك لا تفهم ما أحاول إخبارك به، لكنني متأكد بأن في أعماقك تعلم ما أقصده لذلك فكر جيدا. عد حيث البداية الوسطية كي تصل إلى بداية النهاية من أجل معرفة البداية الحقيقية لحياتك. قد تكون هذه النهاية الظاهرية الأن لكنها في الحقيقة إنها بداية البداية التي ستبدأ بعد أن تنتهي هذه النهاية البدائية.

إذا أيها المحقق “DO” حان وقت الوداع، أتمنى أن يتم لم شملكم قريبا.

كلمات القاتل المتسلسل “RAV” الأخيرة قبل انتحاره، وتفجير نفسه بعدها أمام “DO” جعلت أفكار الأخير تتشابك وتتعقد لتصل إلى المقصود من مغزى كلام القاتل. البداية الوسطية التي كان يقصدها هو اليوم الثامن من الشهر الثامن حيث وقع الضحية الثانية من ضحايا سلسلة قتله، والتي كان يُعتقد في بادئ الأمر أنه أول ضحية للسلسلة. سلسلة “BN8” بكل ما فيها من تحركات وضحايا، كانت رسالة أوصلها القاتل المأجور “RAV” من متبوعه، إلى “DO”. والرسالة مفهومها كان في أسماء الضحايا، فترتيب حروف أسمائهم من البداية يكون جملة ناقصة

” LAC NOTE” إضافة الحرف الناقص في البداية “B” والحرف الناقص الآخر في النهاية ” K ” سيجعل المعنى واضحا وستعني “BLACK NOTE”

الشيفرة “BN8″ كانت اختصار لـ”BLACK NOTE” “المذكرة السوداء” التي أرسلت عبر البريد إلى “DO” في الأول من الشهر السادس. الرقم 8 كان يرمز إلى العديد من الأمور، منها التي لم يُتوصل إلى معناها بعد.

منذ بادئ الأمر كان “DO” متيقنا من أن عدد الضحايا سيكونون 8 لكنه لم يكن متأكدا ما إذا وقعت بعد أم ستقع لاحقا، بسبب انتحار “RAV”. بعد تركيب الأحجيات ببعض أكد أن “E” ليس الضحية السابعة بل، الضحية الثامنة والأخيرة للسلسلة. أما الضحية الأولى فقد وقع قبل 8 أيام من وقع الضحية الثانية، أي في اليوم الأول من الشهر. لذا بمساعدة “FER” منذ ذلك الوقت – يوم انتحار “RAV” – لم يوقف البحث عن من لديهم علاقة بـ”RAV” واختفوا قبيل أو في اليوم الأول من الشهر الثامن. بدأ من كل خطوة وحركة في سلسلة القتل وصولا إلى انتحار “RAV” يؤكد أن كل شيء مخطط له من قبل احدهم، وهو الذي من كان يتحكم بتحركات “RAV” وتابعيه من القتلة المأجورين. لذا من المحتمل أن الأعضاء الجسدية للضحايا السبعة لم يجثها “RAV” وفقا لانتقامه فقط، بل هي حركة حُططت من طرف متبوعه وبطبيعة الحال هي الآن معه. لكن لماذا؟ ما الفائدة الكبرى التي سيجنيها الجاني الحقيقي من إبقاء أعضاء بشرية لديه؟ هذا ما كان يشغل “DO” في الكثير من الأحيان. بعد إيجاده للهيكل العظمي انشغل “DO” بتلك القضية، لكن مجرى الأمور أخذت منعطفا آخر متصلا بالسلسلة “BN8″عندما وجد ترابط المنظمة “DAZ” قاتلة “RES” بمرض غامض يخفي حقائق عظيمة، بجانب ترابطها مع الصبي المدعو “DO” والتي تستمر ذكرياته بالظهور في نوبات صرع “DO”. وجود الصبي في مؤامرة المنظمة كان له دورا يسبب لهم التهديد لذا حتم عليه بالموت. الذي أمر بقتله هو “REWE” قائد المنظمة وصادف أنه هو الضحية الأولى لسلسلة “BN8”. وعلى غير المتوقع عُثر على المحقق “DS” والذي له علاقة غامضة أيضا بالصبي “DO” مقتولا بجانب جثة “REWE”، بالخنجر الذي استعمله “RAV” لقتل ضحاياه.

رأس “REWE” مجث العينين، الأذنين، اللسان كان داخل صندوق متوسط الحجم، أسود عتيق اللون جانب جثة المحقق “DS” مع ملاحظ ورقية سوداء، كالتالي ” كل واقع نتيجة وقع العديد من الأخطاء، هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه هو مثال حي لذلك. في معركة البقاء على قيد الحياة سيكون الذي يعثر على حقيقة الحقائق أولا هو المنتصر”

رؤية “DO” للرأس داخل الصندوق لم يمنع شكه الأكيد من أن جثة “REWE” مدفونة منذ اليوم الأول من الشهر الثامن تحت الأرض، تحديدا تحت الأرض التي قُتل فيها “RES” قبل 20 عاما. زاد عجبا عندما رأى رأس “L” ثاني ضحية لـ”RAV” يتخذ مكان الرأس الأصلي لمالك الجسد – “REWE” – بوضوح خيط أسود اللون يتخذ شكل غرز خياطية في الرقبة، وبقعا أخرى من جسد “REWE” العاري… أدرك “DO” فورا أن ذلك دليل على شق، لتؤخذ أعضاء الجسد الأصلي وتستبدل بأعضاء أخرى وهي بالتأكيد أعضاء ضحايا “RAV”… بجانب رأس “L” كان قلب “A”، قدما “T” و يدا “E” تتخذ المكان الأصلي في جسد “REWE”.

خرج من الحفرة ليتأكد من الأعضاء التي في رأس “REWE” ما إن كانت استبدلت أيضا، فعلى عكس الغرز في الجسد لم تكن هناك غرز في الرأس، لذا أخذ وقتا حتى تأكد “DO” من احتلال بقع الأعضاء المجثة لرأس “REWE”، أعضاء بقية ضحايا “RAV”…

عينا مهندس النظافة “C”، لسان رئيس التحرير “N”، وأخيرا أذنا معلم الفنون “O” استبدلوا بأعضاء الأصل لذلك الرأس.

هكذا عُثر على الأعضاء الجسدية التي كان يبحث عنها منذ بداية بدأ قضية “BN8”. وكما قال “DO” مسرا لنفسه: أن الأمر لم ينتهي بهذا، لأنه سيبدأ البحث مجددا عن أعضاء جسدية أخرى لكن هذه المرة سيبحث عن أعضاء شخص واحد فقط، أعضاء الضحية “REWE” الذي بدأ بمقتله أول سلسلة قتل وأنهاها، ليبدأ سلسلة قتل جديدة مرة أخرى. وما يدعم هذا، هي الملاحظة التي كتبت بدمائه في لوح التابوت ” إنها بداية النهاية، من الأن فصاعدا ستبدأ معركة البقاء على قيد الحياة “

……..

تجمع من قادة أقسام “HXH” و أعضاء القسم السابع، بجنازة المحقق “DS” كان على مقربة الساعة السادسة مساء، في أرض ضراحي قوى “OH”.

بعد وفاة المحقق “DS” قائد القسم السابع، تحول منصبه إلى المحققة “ER” البالغة من العمر 27 عاما، لتكون القائد الجديد للقسم. نظرا لذلك، بعد انتهاء مراسم الدفن وقفت المحققة “ER” في المقدمة أمام الضريح وخلفها بقية الحضور. لتلقي التحية العسكرية الخاصة بقوى “OH” تكريما لروح المحقق الذي كان جزء فعالا منها. بعد إلقائها للتحية، أخذ الحضور خلفها بالدور فعل المثل. التفتت المحققة للخلف حيث يقف أعضاء قسمها المحقق “LV” و “MEL” ومحقق آخر. بينما تلقي التحية العسكرية لهم كما العادات عند التنصيب، قالت مبتسمة بحزن:

– من هذه اللحظة سأعهد نفسي و أكرسها لقيادة القسم السابع بأكمل وجه، لتقود قوانا، قوى “OH” نحو عالم أفضل.

بادلها الأعضاء التحية، بابتسامة رضا يملؤها الأسى. كانت “MEL” تتذكر كل اللحظات التي وقف فيها المحقق “DS” معها وساندها. شعرت بالغصة، أرادت أن تعرف كيف توفي ومن ذا الذي قتله. سمعت في الإشاعات أن الشخص الذي عثر على جثته هو الرئيس ومساعدته المحققة “FER” لذا كانت تنتظر انتهاء الجنازة لتسألها عن الكثير. بدورها كانت “FER” من ضمن حضور الجنازة، تقف في الخلف وبجانبها المحقق “EKE”. قالت له حنقا بينما ناظريها تراقب الحدث باهتمام لرصد ما هو منافي للقوانين:

– ألم تكفك هذه الأرض الواسعة، لتأتي وتقف بجانبي أيها المحقق.

ابتسم “EKE” كالعادة بلطف، ليقول:

– لا أفهم لماذا أنت غاضبة من وقوفي بجانبك إلى هذه الدرجة

– رؤية جزء بسيط منك فقط لوحده، يشعرني بالمرض

قال مازحا:

– أوه، أوه! هل أنا فايروس ما؟

حملقت فيه ببغض من تحت نظاراتها، قائلة:

– أتسخر الآن؟

رفع “EKE” كفيه في الهواء وهو يقول:

– تفسير الأمر عائد إليك أيتها المحققة “FER”

تنهدت “FER” وأخذت بالسير للأمام، لتضع الورد الأسود الذي بيدها فوق ضريح المحقق “DS”. بينما كان المحقق “EKE” يسير معها ليضع الورد الذي معه أيضا، قال:

– لماذا لم يحضر “DO” الجنازة؟

تجاهلته “FER” واستمرت بالسير. سأل “EKE” سؤالا آخر:

– هل إشاعات أنكما من وجدتما جثته صحيحة؟

تجاهلته مرة أخرى، ليستمر في الحديث:

– هل لمقتله علاقة بقضية الهيكل العظمي؟

المزيد والمزيد من الأسئلة التي لم يحصل على إجابتها بسبب تجاهل “FER” له. وصلت حيث الضريح، رآها أعضاء القسم السابع فألقوا التحية العسكرية لها وللمحقق “EKE” نظرا لأنهما ذا منصب عال في “OH”. بينما يضعان الورد، قال “EKE” شيئا جعل المحققة تتحدث:

– أرغب برؤية “DO” لأتحدث معه عن هذه الحادثة، لكنني لست قادرا على التواصل معه. فمنذ الأمس لم يفتح لي باب طابقه كلما ذهبت لأراه.

حدق مبتسما لثوان نحو “FER” ثم أردف:

– أتساءل عن السبب.

– كنت جزءا في قضية الهيكل العظمي وبما أننا وجدنا القاتل وحكمنا عليه، فدورك ينتهي هنا. بهذا لا تملك سببا لتقابل الرئيس، لذا أعدت تعرف المستشعر على هويتك كشخص غريب.

– هل هذه أوامر “DO”؟

– أوامره كانت تقتصر على توصيل رسالة انتهاء عملك في القضية، أما الأخيرة فذلك كان واجبي لحماية الرئيس.

قهقه “EKE” وهو يقول:

– أنت قاسية بعض الشيء أتعلمين هذا؟

– أشكرك على الإطراء والأن اعذرني فلدي طن من الأعمال التي علي الانشغال بها.

بينما تسير “FER” نحو بوابة الخروج، من أرض الضرائح، أوقفتها “MEL” ممسكة بذراعها وهي تتنفس بعناء. وضح على ملامح “FER” الغضب البارد لتقول:

– أكنت تركضين خلفي أيتها المساعدة؟

بينما تحاول التقاط أنفاسها، قالت بصعوبة:

– لماذا تمشين بسرعة هكذا؟

– بإمكانك ترك ذراعي الأن

– آسفة…

– إذا ما الذي تريدينه؟

لحظات بعد التقاط ما يكفي من الهواء، قالت “MEL”:

– المحقق “DS”… أتعرفين من الذي فعل له ذلك؟

تنهدت “FER” مسرة لنفسها ” كنت أعلم أن هذا ما ستتحدث عنه ” لتقول بنبرة قاسية:

– وماذا إن كنت أعرف؟ ما الذي ستفعلينه؟

– أريد أن أعرف لماذا قُتل قائد قسمي

– وماذا بعد ذلك؟

– ما الذي تقصدينه ببعد ذلك… أليس من الطبيعي أن أعرف؟

– بصفتك من؟

شعرت “MEL” بالغضب لتقول:

– بصفتي من؟ ألا يكفي أنه قائد قسمي!!!

حدقت فيها “FER” لثوان، ثم قدمت نحوها. ربتت على كتفها بظهر كفها بملامح وجهها الجادة. وبأسلوب حديث أشد قسوة قالت لها:

– متى ما وضعت عواطفك خارج الأمر، وأتيت لي بسبب مقنع حينها سأفكر بالذي سأخبرك به. أما الآن فسأذهب لقد ضاع ما يكفي من وقتي بسبب ملاحقة العديد لي، يا للإزعاج.

تركتها “FER” وسارت نحو وجهتها، لتبقى الأخيرة في بقعتها والغضب يشعلها. قالت بصوت عال دون أن تشعر بذلك:

– أكرهها… إنني حقا أكرهها… تلك المحققة المتعجرفة… أرغب بصفعها.

– متعجرفة… هممم… لا استطيع إنكار ذلك.

فجعت “MEL” من سماع همس تلك الجملة خلفها، التفتت بهلع فوجدت ابتسامة “EKE” تقابلها. قالت:

– أيها المحقق ما الذي… انتظر… هل سمعت ما قلته؟ هل قلت ذلك بصوت واضح!

أجاب مبتسما:

– عادتك بنطق أفكارك علنا، تكون سيئة أحيانا.

– منذ متى كنت هنا؟

– حتى ذهابها.

– هذا يعني أنك سمعت كل ما دار بيننا…

ابتسم مؤيدا، لتردف “MEL”:

– لقد رأيت عدة مرات تصرفها القاس تجاهك، ألا يزعجك ذلك؟

– حسنا… ربما وربما لا. قد تكون هكذا بسبب ظروف حياتها القاسية فيما سبق، لكن في الحقيقة هي لديها قلب طيب.

– المحققة “FER”!

قهقهت “MEL” بسخرية، ثم صمتت عندما فهمت المعنى من جملة المحقق، كاملا. قالت بحيرة:

– هل كان للمحققة “FER” ماض مؤلم؟ هذا غير متوقع من شخصيتها

– عائلتها وجميع أقاربها لقوا حتفهم في زلزال، دمر قريتها. تضررت هي وشُخصت بورم خبيث. لم تكن تملك المال الكافي للعلاج. ظهر منقذ من العدم وعرض المساعدة، مع ذلك رفضت إجراء العملية الطارئة لاستئصاله. لا أعرف ما الذي حدث لكنها أجرت العملية لاحقا وتماثلت للشفاء. حسنا استطيع القول أن حياتها كانت فوضوية.

انزاح الغضب إثر شعور “MEL” بالفضول حول المزيد، لتسأل:

– هل أخبرتك هي بذلك عندما كنتما زملاء في السابق؟

صمت لبرهة ثم قال:

– هل هي من أخبرتني بذلك؟… أعتقد أنها فعلت لكنني لماذا لا استطيع تذكر ذلك.

– لا تستطيع تذكر ذلك؟ ما الذي تقصده؟

– أذكر أنها هي من أخبرتني بالأمر، لكن باسترجاع تلك الذكرى يصبح عقلي فارغا كما لو أن لا وجود لذكرى كتلك.

قالت “MEL” مازحة:

– يبدو بأنك تتقدم في العمر أيها المحقق “EKE”.

– ربما.

……..

في مكتب تحقيقات “DO”: كانت “FER” بضيق، تراجع تقارير مقتل المحقق “DS”.

شعر “DO” الذي يقف أمام الحائط الذي يضم، و ضم المزيد من الملخصات حول القضايا الأخيرة، بشيء يزعجها. سألها بينما عينيه تنتقل من ورقة إلى أخرى:

– هل حدث شيء ما في الجنازة؟

– لا شيء يذكر.

– حسنا، إن كان هذا ما تقولينه.

تنهدت “FER” مغلقة الملف الذي بين يديها، قائلة بعد دقائق بغضب هادئ:

– أيها الرئيس… ألا يمكنك طرد المحقق “EKE” من “HXH”.

شعوره بأن ما يزعجها كان يتعلق بـ”EKE” كان في محله، ليقول:

– هل فعل شيئا ما؟

– ليس الأمر في ذلك… بل… إنني اشعر بعدم الراحة بوجوده خاصة في الفترة الأخيرة التي أصبح يقترب فيها منك. أخشى…

ظهرت لها ذكرى اليوم الذي أطلق فيه “EKE” النار على “DO”. لتكمل قائلة بقلق:

– أخشى أنه سيؤذيك مجددا… قد لا تذكر ذلك بعد. لكن محاولة قتله لك بدون سبب واضح للعلن يدل أن لديه نوايا خفية وبما أنه لم يحقق مراده بقتلك فهذا يعني أنه سيكرر الأمر مجددا، حتى يحصل على ما يريده.

– يريد قتلي، ليحقق مراده… هذا سبب جيد وكاف لأدعه يستمر في العمل

ابتسم بمكر، لتقول “FER” معارضة:

– أيها الرئيس! ألا يمكنك التفكير في الأمر بجدية! إن حياتك هي التي نتحدث عنها هنا… وهي ليست كأي حياة عادية، بل حياة رئيس قوى “OH”!

– لا تقلقِ. المحقق “EKE” لا يرغب بقتلي. لو أراد لفعل ذلك منذ دخوله لـ”HXH”. وكما الحال لا أتذكر ذلك بعد لكن بالتأكيد كنت أملك سببا كافيا لدعوته في العمل تحت ظلي.

– إذا بماذا تفسر محاولته الأولى؟

– حسنا لا أعرف ذلك، عندما يحين الوقت الملائم ربما سأستخرج منه الحقيقة.

الصيغة التي ردد فيها “DO” جملته السابقة كانت تدل على الويل. والقسوة في طريقة المعرفة التي سيدرك منها حقيقة فعلة “EKE”. ذلك أراح “FER” قليلا. تنهدت وعادت إلى ما كانت تفعله. بعد دقائق توجهت، لتقف حيث “DO”. نظرت إلى الملخصات الجديدة، فلفت انتباهها ورقة كتب عليها ” بداية النهاية هي معركة بين أطراف مجهولة ” تساءلت عن الذي تعنيه، لكنها تركت سؤال ذلك لاحقا، مستبدلته بما هو أهم:

– صدرت نتائج التحليل من الطب الشرعي، الأعضاء التي في جسد “REWE”

-الرأس، القلب، القدمين، اليدين- والأعضاء التي غرزت في رأسه – العينين، الأذنين، اللسان- هي أعضاء ضحايا “RAV” المجثة، كما قلت ذلك في تلك الليلة. لكنني زلت لا أفهم لماذا جث أعضاء “REWE” الجسدية، ليستبدلها بالسابقة! والذي يصيبني بالصداع هو أنه جث ذات الأعضاء التي كان قد جثها “RAV” من ضحاياه، وكما الحال أخذها القاتل معه.

يقول “DO”:

– إنها رسالة

– رسالة!

– جثه لأعضاء بشرية معينة، لأكثر من مرة يدل على أنها رسالة لها علاقة غامضة به – “B8” – .

– ذكرت سابقا أنك بانتظار أمر لتؤكد صحة شكوك، هل كانت مرتبطة بوفاة المحقق “DS”؟

– وفاة المحقق المسن ذاك كانت مفاجأة غير متوقعة. ما كنت انتظره هو تحرك القاتل الحقيقي “B8″، لا…

حدق “DO” بحدة في ملاحظة كتب عليها جزء مما قاله له القاتل “”RAV ” عد حيث البداية الوسطية كي تصل إلى بداية النهاية من أجل معرفة البداية الحقيقية لحياتك ” ثم قال:

– بل “B8” هو من كان ينتظرني لكي أصل إلى جسد أول ضحية، ليبدأ تحركاته أو كما قال عنها في الملاحظة، معركته. وأول بداية لمعركته كان مقتل المحقق “DS”

قالت “FER”:

– سلسلة “BN8” لم تنتهي بموت “RAV” بل انتهت يوم أمس بعدما وجدنا جثة “REWE” وكما الحال استنادا إلى ملاحظات “B8″ ونهب أعضاء جسد قائد المنظمة، فهو الأن سيبدأ بالقتل مجددا. السؤال الذي كنت انتظر جوابه منذ وقت طويل، هو هل لـ”B8” علاقة بك؟ هل أكدت أنه هو الإنسان بجانب الكيان الغامض الذي يتحكم بذكرياتك ويظهر ذكريات شخص آخر؟

توجه “DO” نحو طاولة الاجتماع، أخذ صندوق خشبي بني اللون كان فوقها، ليفتحها بعد أن عاد إلى بقعته السابقة، مخرجا منها ظرفا أسودا يضم بداخله مذكرة سوداء. قال بينما يؤشر بالمذكرة نحو أول ملاحظة استنتاج كتبها وألصقها في الحائط، وصولا إلى آخرها مع حديثه:

– اليوم الثاني من الشهر الخامس هو اليوم الذي بدأت فيه بعدم نسيان ذكريات ما يحدث في اليوم السابق، بعد شهر واحد فقط وصلني بريد يحمل هذه…

يحرك “DO” المذكرة في الهواء كإشارة لها، ثم يكمل:

– هذه المذكرة ختمت بالشمع مع لقب المرسل “BLACK8”. بصراحة لم أهتم لمحتواها لأنها كانت تبدو محظ جمل كتبها طفل في الثامنة من عمره. لكن في ذات اليوم عندما ارتطمت صدفة بالمساعدة “MEL” في الشارع، سقط من يديها ما تحمله من أوراق وظرف مختوم الشمع بـ”BLACK8″. كنت متعجبا من سبب امتلاكها لمثل ما وصلني اليوم – الظرف الأسود -. اختلست النظر إلى الأوراق التي أسقطتها لأعرف ما الذي تحمله مع ذلك الظرف، لكن لم يكن كما توقعت. كانت أوراق تقديمها لأعمال مختلفة. كان اسمها مكتوبا لذا فور قراءتي له بدأت النوبة البؤرية بالحدوث، كما أخبرتك بذلك سابقا كان ذلك أول يوم تبدأ فيه بالظهور.

– أذكر فاجأتك عندما قدم لك المحقق “EKE” سجل تقديم أحدهم للعمل وكانت هي. أراهن أن المساعدة “MEL” ستتفاجأ ما إذا علمت أن سبب قبولك لها لتعمل في “HXH” دون مؤهلات هو لسبب شخصي.

أكمل “DO”:

– بعد ذلك اليوم، لم تتوقف النوبات عن عدم الحدوث، وبعد تقرير الطبيب أنني لن استعيد ذكرياتي شككت بمحتوى المذكرة السوداء.

باستمرار تحديقه للملخصات قال “DO” جزء مما ذُكر في المذكرة السوداء:

– “هل أنت راض عن ما يحدث يا “DO”؟ تعيش حياة لا تعرف بدايتها من نهايتها، وهذا ما يجعلك غافلا عن الأسرار السحيقة والحقائق المكنونة التي قلبت عالمكم رأسا على عقب.”

هذا الجزء يصف ما أنا عليه من فقداني لذكرياتي كل يوم قبل الشهر الخامس، وصولا إلى عدم قدرتي إلى استرجاع ذكرياتي المفقودة أبدا. الشخص الذي أرسل لي هذه المذكرة يعرفني جيدا ويعرف لماذا أنا مصاب بصرع الفص الصدغي. اعتقدت أن المساعدة “MEL” تعرف شيئا يخص الأمر لذا قبلتها للعمل في “HXH”، لأراقبها واكتشف علاقتها بالمرسل، لكني اكتشفت مؤخرا أنها لم تكن على علاقة بالأمر. على كل بدأت سلسلة جرائم “RAV” مع الشيفرة “BN8” كنت متيقنا أن ضحاياه سيكونون 8، لكنه انتحر بعد قتل 7 ضحايا فقط! لم يكن هذا ليوقف يقيني -عدد الضحايا 8- أبدا. كنت حائرا بين أن الضحية المفقود قد قتل بالفعل منذ مدة، أو أنه سيقتل لاحقا…

– والذي سيقتله لاحقا هو “B8”

أومأ “DO” برأسه مؤيدا، ليقول:

” إنني أرسل إليك رسالة… لا، بل منذ البداية كانت تصلك رسائل لتيقظك من غفلتك لكنك لم تتقبلها واستمريت بتجاهلها. تجاهلك للأمور سيعذبك ويقتلك مئات المرات في اليوم و سيغرقك أكثر و أكثر في الدوامة التي محبوس بداخلها “

ما قاله “RAV” في هذه النقطة يقصد بها تجاهلي لمحتوى المذكرة السوداء التي أرسلها متبوعه لي، وعدم تقبلي لها. وما إذا استمريت بذلك سأعاني وأغرق أكثر بعمق الدوامة التي أنا محبوس فيها… كان المعنى الأخير مبهما ومازال كذلك… ما زلت إلى الآن لم أفهم ما الذي يقصده بأنني سأغرق أكثر داخل دوامة أنا محبوس فيها وما تكون تلك الدوامة. لكن ما أدركته حينها أن الشيء الذي سأعاني منه هو عدم استعادة ذكرياتي المفقودة. قد يبدو محقا في هذه النقطة، لكنني ما زلت أيضا لا أفهم لماذا سيجعلني ذلك أعاني. أليس من الطبيعي أن يفقد البشر ذكرياتهم؟ وأنا لست الوحيد الذي فقد ذكرياته إذا لماذا، ما الذي يرغب به القاتل؟ بينما أفكر بذلك… لمع فكر في عقلي بعد فهم هذه الجملة التي قالها “RAV”

” أعلم بأنك لا تفهم ما أحاول إخبارك به، لكنني متأكد بأن في أعماقك تعلم ما أقصده لذلك فكر جيدا. عد حيث البداية الوسطية كي تصل إلى بداية النهاية من أجل معرفة البداية الحقيقية لحياتك. قد تكون هذه النهاية الظاهرية الأن لكنها في الحقيقة إنها بداية البداية التي ستبدأ بعد أن تنتهي هذه النهاية البدائية “

إن كانت هناك بداية وسطية فهذا يعني وجود بداية قبل هذا الوسط، وبوجود البداية والوسط سيكون هناك نهاية. بعد النهاية ستكون هناك بداية أخرى، وتلك البداية ستقود إلى البداية الحقيقية…

– انتظر، انتظر، انتظر!!

شعرت المحققة “FER” بالضياع، حاولت تركيب المفهوم لبرهة، بعد فهمها للأمر قالت:

– أول ظهور لسلسلة “BN8” كان في اليوم الثامن من الشهر الثامن، وهذا بطبيعة الحال يعتبر بداية، لكن إن كانت هناك بداية البداية قبل هذه البداية، فذلك يعني أن اليوم الثامن هو بداية الوسط. وبداية البداية قبل هذا اليوم سيكون… انتظر! كيف استنتجت أنها ستكون بداية الشهر الثامن! وليست بداية الشهر السادس حيث وصلتك المذكرة السوداء!

– تفكيك معنى الشيفرة هو “BLACK NOTE” ” مذكرة سوداء” وبما أن ذلك يدل على المذكرة التي لدي فاعتقدت أن بداية البداية هو الشهر السادس، رغم أن ذلك يبدو منطقيا أيضا فهذا معنى آخر له وليس المعنى الذي نريده -بداية البداية-… انتحر “RAV” في اليوم الـ20 من الشهر الـ9. جمع عدد ضحاياه الظاهرين للعلن – 7 ضحايا- مع الرقم 2 من يوم 20 سيساوي 9. إذا قمنا بضرب هذا الناتج 9 في رقم الشهر الذي انتحر فيه – الشهر التاسع – فستظهر المعادلة، الناتج 81…

ذُهلت “FER” لتقول:

– وهذا يعني أنه اليوم الأول من الشهر الثامن بلغة القاتل… لم أتوقع أبدا أنك توصلت إلى هذا الاستنتاج من التواريخ!

– حتى قبل يوم الأمس عدد الضحايا الذين عثرنا عليهم كانوا 7. ليكتمل العدد بـ8 ضحايا كان علينا إيجاد الضحية الذي سيكمل العدد. بعد تفكيك التواريخ والتوصل إلى أن بداية البداية هو الأول من الشهر الثامن فهذا يدل حتما على أن الضحية المفقودة قُتل في ذلك اليوم، لأنه اليوم قبيل مقتل الضحية الثانية بثمان أيام. إيجاد الضحية الأولى ينهي سلسلة “BN8” وفي الآن ذاته يبدأ سلسلة جرائم قتل جديدة وهذه هي بداية البداية نحو النهاية التي ذكرها “RAV”

” قد تكون هذه النهاية الظاهرية الأن لكنها في الحقيقة إنها بداية البداية التي ستبدأ بعد أن تنتهي هذه النهاية البدائية”.

قال أيضا أن البداية النهائية التي ستبدأ عند إيجادي للضحية الأولى، لها علاقة بالبداية الحقيقية لحياتي.

– أفهم من هذا أنه يقصد مرضك – صرع الفص الصدغي-، ومتى فقدت ذكرياتك ولماذا، أليس كذلك؟

– من المحتمل أن يكون كذلك… لكن حدسي يخبرني أنه ليس هذا فقط، بل هناك شيء أكبر وأخفى وأخطر، ما أثبت لي هذا هو أن أحداث النوبة البؤرية حقيقية.

– بدلا من أن تسترجع وترى ذكرياتك، ترى ذكريات شخص آخر… ما يخبرك به حدسك قد يبدو معقولا.

تنهد “DO” بغمة، ليردف:

– الفضل يعود لأحداث النوبة وذكريات الصبي أننا استطعنا الوصول إلى الضحية الأولى لسلسلة “BN8”.

– هل هذا جعلك تستنتج أن الضحية مدفون في البقعة التي قُتل فيها “RES” قبل 20 عاما؟

استمر “DO” بالتأشير على ملخصاته التي تضم القضايا الجديدة – الهيكل العظمي، مقتل الزوجين ELE- في الحائط قائلا:

– كل شيء حدث قبل 20 عام: ارتباط صبي صغير برجل من منظمة خطرة – RES -. منظمة صنعت مرض يهدد مستقبل البشرية – LPHAZOMB – بعد تجربته على 10 من أعضائها، أعلنت تفككها لسبب غامض يهددهم. قتلت “RES” والصبي “DO” والزوجين “ELE” حتى بعد 12 عاما، لتورطهم في الأمر. ذكريات ذلك الصبي المتعلقة بهذه الحادثة ظهرت لي بعد قدرتي في السيطرة على النوبة. هذه ليست مصادفة، إنه كما لو أن روح الصبي تريدني أن أعثر على سبب مقتله وذلك السبب، لسبب غامض يشعرني أن له علاقة بي أيضا… استنادا إلى ما هو مذكور في المذكرة السوداء ” هذا ما يجعلك غافلا عن الأسرار السحيقة والحقائق المكنونة التي قلبت عالمكم رأسا على عقب “

يثبت أن لي علاقة ليس بالصبي “DO” فقط بل بكل أحداث عام 1998، وهو يريد مني -الجاني الحقيقي- أن أكشف ذلك. لذا ليقر أن مقتل “RES” هي النقطة التي تربطني بالأمر كان عليه أن يترك رسالة، وتلك كانت دفن الضحية الأولى لسلسلة “BN8” في البقعة التي قُتل فيها “RES” قبل 20 عاما. في ذلك الوقت الذي توصلت إليه لهذه الفكرة، اعترف “HJ” أن قائده “REWE” الوحيد الذي يعلم سبب إخفاء حقيقة تفكك منظمته، والمفاجأة كانت أنه اختفى في اليوم الأول من الشهر الثامن، آخر وجهة له كانت الغابة الشرقية بعد اتصال هاتفي من “RAV”. بهذا ثبتت كل شكوكي.

– فهمت كل شيء، لكنني لا أفهم لماذا يريد منك “B8” أن تصل إلى حقائق ما حدث قبل 20 عاما، من خلال قتله للعديد؟ ولما قتل “REWE” بالتحديد؟

– لأنه مرتبط أيضا بذلك العام ويريد مني أصل إلى الحقيقة لسبب لا أعرفه بعد… ربما أن مقتل “REWE” له علاقة بمجريات الأمر.

– أتساءل ما هي علاقتك بكل تلك الأحداث!

ابتسم بثقل، ليردد:

– حسنا أنا أيضا أتساءل، البحث عن تلك الحقائق سيكون مثيرا.

– إن كان كل شيء في هذه القضية مرتبط بما حدث قبل 20 عاما، فهذا يعني أن المحقق “DS” الضحية الأولى لسلسلة القتل الجديدة، متورط أيضا.

عاد “DO” إلى منتصف الغرفة، ليجلس في إحدى مقاعد طاولة الاجتماع الدائرية، متوسطة الحجم. قال بعد تفكير دام لدقيقة:

– بالتفكير في الأمر… لطالما ذكر ذلك المسن “DS” أنه سيفعل المستحيل من أجل الصبي “DO” لأن ذلك سيجعله يكفر عن ذنوبه تجاهه… من المحتمل أن تلك الذنوب التي ارتكبها بحق الصبي كانت قاسية جدا، لذا “B8” قتله…

أخذ يتمتم بين نفسه:

– قتله… قتله… قتله… لماذا… يقتل “B8” شخص له علاقة بالصبي “DO”…

بينما يتمتم بين نفسه، جلست المحققة “FER” أمامه، تنظر إليه بحيرة فور نطقها لحرف واحد، قاطعها “DO” دون أن يشعر بذلك، قائلا بعد تركيب الأحجية:

– الصبي “DO” تربطه علاقة قوية بـ”B8″! ربما أن هناك سبب آخر، لكن هذا السبب هو ما سنسير عليه إلى الآن.

– ماذا عن الملاحظات التي تركها عند الجثث؟ هل استطعت الوصول إلى معناها؟

– ليس بعد… إنني متعب جدا الآن…

نهض من مقعده، مردفا:

– أرغب بالراحة لذا سأعود إلى منزلي اليوم.

ألقى نظرة سريعة على الحائط، ثم خرج من الغرفة.

………

مساء اليوم، في منزله: بعد أخذ حمام استحمام ساخن، كان “DO” يجلس في حديقة منزله الداخلية وسط زهوره المفضلة، مسترخيا بشرب قهوته. بينما ينظر إلى انعكاس صورة ملامحه الخالية من أي تعبير، عبر كوب قهوته. ظل يفكر بين مسرة نفسه:

” هل هذا يشعرني بالاسترخاء حقا، هل هذا كيف ما يشعر به الشخص الطبيعي… إنها لحظة لا تدوم حتى لدقائق مع ذلك هي تشعرني بالراحة لدرجة ترغبني بأن يتوقف الزمن عندها. وجهي… يبدو غريبا حتى في هذه اللحظة التي من المفترض أن تكون كالبشر الطبيعي. ما الذي يجعلني هكذا؟ ماهو الشيء الذي لا يشعرني أنني بشري. الشعور الذي يخالني مختلفا عن بقية البشر هل هو مميز… ما المميز فيه؟ ما الذي يميزني عن غيري؟ هل هو كوني مؤسس “OH” العظيمة؟ ما العظيم في ذلك؟ أعلم… “

في ذلك الوقت لم يفهم “DO” لماذا شعر بغصة مفاجأة في صدره. وضع الكوب فوق الطاولة جانبه، ثم أخذ يحدق في نفسه عبر انعكاس مرأة النافذة بجانبه الآخر. مستمرا في التفكير بين مسرة نفسه:

” أعلم أن عدم معرفتي لكيفية تأسيسي لقوة يعتبرها الجميع عظيمة، تزعجني جدا. أعلم أن ظهور ذكريات الصبي ذاك، دون ذكرياتي تزعجني أيضا. أعلم أن التعامل مع كل شيء بروح فارغة مزعج بشكل لا يطاق. أعلم أنني فارغ… داخلي فارغ من كل شيء وذلك الفراغ يجعلني لا اشعر بمدى سوء الفراغ الذي يمتلكني.”

لم يشعر بنفسه وهو يردد بصوت عال:

– هذا مزعج، مزعج، مزعج جدا

نهض من مقعده بشعور امتلكه بين الامتعاض والتعسف، متوجها نحو بركة الماء الصغيرة في الجنوب من الحديقة. وقف يتأمل أزهار اللوتس الملونة، في البركة مسرا لنفسه:

” أعلم أن كل ذلك مزعج، لكنني لا أعلم هل هذا لأنني فاقد لذكرياتي… أم أن هذا لأن أحدهم يعرف حياتي التي لا أعرفها – “B8” – إن كانت هناك حقائق يريد مني إظهارها لأنها متعلقة بحياتي التي لا أعرف عنها أي شيء، هذا يرمز إلى شيئين… الأول أنه يريد مصلحتي، الثاني… يفعل ذلك من أجل مصلحته. ما الذي سيجنيه “B8″ من استرجاعي لذكرياتي… ما هذا الشعور الغريب…”

……..

السابع من شهر نوفمبر، 8 أيام بعد مقتل المحقق “DS”:

دخلت المحققة “FER” بعجلة إلى مكتب “DO” مع آخر الأخبار:

– أيها الرئيس، لقد تحرك “B8” مجددا… رجل في بداية عقده السادس وجد مقتولا في محطة القطار السريع، بجانبه صندوق مطابق للصندوق الذي كان بجانب جثة الضحيتين السابقتين، وما يحتويه كان مطابقا أيضا… قدما “REWE” مع ملاحظة سوداء.

تعطيه الملاحظة، فيقرأها “DO”:

” العقل مثل الحقل المليء بالمفاجآت، إن لم يكن يرغب مالكها بالوقوع في حفر فخها فعليه أن يبدئ بحصد المحاصيل وزرع كل بذرة في بقعتها الملائمة بالتعاون مع بقية المزراعين “

كانت هذه الجريمة الثالثة من جرائم سلسلة القتل الجديدة التي وضع عليها “DO” اسم “BM8” والتي تعني الرسائل السوداء للجاني الخفي “BLACK8” كما الاسم عند كل جثة من جثث ضحاياه، يضع صندوق متوسط الحجم، أسود عتيق اللون داخله إحدى أعضاء “REWE” المجثة، قائد عصابة “DAZ” مع ملاحظة سوداء، تحمل بين سطورها القصيرة رسائل عميقة. الضحية الثانية كان رجل في الـ85 من العمر، وجد مقتولا في منزله مساء اليوم الثاني من شهر نوفمبر. بعد مقتل المحقق “DS” وقبل مقتل الضحية الجديدة، بأربع أيام. كانت الملاحظة التي داخل الصندوق بجانب يدا “REWE” هي:

” بذرة واحدة تغرس في الأرض، لتنمي جذوع متصلة ببعضها. تلك الجذوع تكون وسيلة لظهور روح جديدة في الحياة. العناية بها أم لا هو من يقرر بقائها على قيد الحياة “

بعد الانتهاء من قراءة الملاحظة وسماع تقارير المحققة عن الجريمة، قال “DO” متنهدا بخفة:

– باختصار لا أثر تركه القاتل خلفه.

– مع الأسف… إنه دقيق كـ”RAV”… لا بل هذا القاتل أشد دقة من السابق. فكما ترى الضحايا الثلاثة قتلهم في أماكن جميع الأعين متسلطة عليها دون أن يخلف وراءه ذرة واحدة. المختصون يحاولون استرجاع لقطات تسجيلات الكاميرا المحذوفة و المتلاعب فيها لكن أنت تعلم أن ذلك دون جدوى.

بقي “DO” صامتا ولم يجب، لتردف المحققة:

– ساعات ووقت القتل عشوائية، لكن المؤكد فيها أنهم جميعا قتلوا بعد الساعة الثامنة مساء. طريقة القتل ذاتها: 3 طعنات عنيفة في القلب بالخنجر المعتاد. 4 أيام بعد كل ضحية. حتى الآن من المحتمل أن اختياره للضحايا يقع على الذكور المسنين. يترك إحدى أعضاء “REWE” المجثة عند كل ضحية مع ملاحظة سوداء. غير هذا لا توجد رابطة بين الضحايا. بحثت عن أصل الخنجر ووجدت أنه صنع من قبل شركة “FADS” المختصة بصنع وبيع السيوف الحربية قبل 80 عاما. لكنها أفلست بحلول عام 1888 لذا أغلقت أبوابها. ذهبت لألقي نظرة على المكان ولم أجد سوى الدمار والفراغ. أليس من الغريب ألا تزال أرضية الشركة غير قابلة للهدم أو إعادة استعمالها؟

– هل تحققت من ذلك؟

– بالتأكيد. مما التقطته أن الأرض أصبحت ملك للدولة منذ لحظة إفلاس الشركة لذا هذا غريب. لماذا لا تستعملها الدولة؟

– لن يستخدم “B8” شيء عبثا، إنه يرسل رسالة أخرى تدل على تعلق تلك الشركة والدولة بالحقائق التي حصلت قبل 20 عاما.

– على ذكر الرسائل… هل دلتك تلك الملاحظات على شيء ما؟

– مع تابعيه وحتى في ملاحظاته إنه يستمر بذكر عالم مزيف، وهمي. وقت، ميعاد، انتهاء لكن ما يزعجني أكثر هو صيغة الجمع في رسائله.

– لقد لاحظت ذلك أيضا، هل هذا يعني أنك لست الوحيد في الأمر؟

– أجل، وهو يريدني أن أعمل معهم لنتوصل إلى الحقائق معا.

– ماذا!

– ” كل واقع نتيجة وقع العديد من الأخطاء، هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه هو مثال حي لذلك. في معركة البقاء على قيد الحياة سيكون الذي يعثر على حقيقة الحقائق أولا هو المنتصر ” ” بذرة واحدة تغرس في الأرض، لتنمي جذوع متصلة ببعضها. تلك الجذوع تكون وسيلة لظهور روح جديدة في الحياة. العناية بها أم لا هو من يقرر بقائها على قيد الحياة ” “” العقل مثل الحقل المليء بالمفاجآت، إن لم يكن يرغب مالكها بالوقوع في حفر فخها فعليه أن يبدئ بحصد المحاصيل وزرع كل بذرة في بقعتها الملائمة بالتعاون مع مزارعيه “

بعد قراءة “DO” للملاحظات السوداء الثلاثة، قال:

– إذا ربطنا مفهوم الرسائل الثلاثة معا، فسيظهر المعنى معكوسا، من الأجد إلى الأقدم أي من آخر ملاحظة إلى أول ملاحظة. تشبيه العقل بالحقل، هي أفكارنا المليئة بالحقائق المجهولة عن حياتنا ما لم نعثر على تلك الحقائق بمساعدة و مشاركة أفكارنا معا ووضع كل شيء في نصابه فهناك شيء سيجعلنا نقع في مأزق كبير. مشاركة فكرة واحدة معا تنمي بقية أفكارنا وتجعلها تترابط حتى تخرج بحقيقة واحدة، وهكذا الأمر كلما شاركنا فكرة واحدة، ستتشارك معها أفكارنا حتى تنمو فكرة أخرى جديدة. تلك الأفكار ستقودنا إلى كل الحقائق، وإلى الحقيقة الكبرى من تكوين تلك الحقائق. إذا وصلنا إلى هذا الحد قبل الميعاد فسننتصر في المعركة ضد “B8”. انتصارنا ضده سيظهر ما الذي يعنيه بالعالم المزيف الذي نعيش فيه… لست متأكدا من هذه النقطة بعد، لذا لا استطيع التثبت بها.

– هذا كله يدل باختصار على أنك لن تستطيع العمل بمفردك في هذه القضية.

– وهذا ما يزعجني

– إذا الذين سيشاركونك في هذا الأمر هم أشخاص لديهم علاقة بما حدث قبل 20 عاما. هل لعددهم حد معين؟ لماذا لم يذكر معاييرهم

– هذا لأنه يعلم أنني أشك بأي الأشخاص سيكونون، إنهم أشخاص فارغون تماما مثلي.

– إحداهم المساعدة “MEL” التي قتلا والديها لإرتباطهم بالمنظمة. هذا بجانب أنها اختفت في عام 2014 وظهرت بعد 4 أعوام، فاقدة لذكرياتها ومن المحتمل أنها تعاني من صرع الفص الصدغي.

– أصبتِ

– إذا هل هناك غيرها؟

– لا أعلم بعد، لكن الذي أكيد من هو أن هناك شخص واحد فقط غيرها والأخير الذي سيكمل اللاعبين في ساحة المعركة هو “B8”.

– كيف استنتجت هذا؟

– في سلسلة “BM8” الزمن الفاصل بين كل ضحية، أربع أيام. أربع أيام تساوي أربع لاعبين في الحلبة.

– إذا خطوتك القادمة؟

– حان الوقت لنكشف الستار عن كل شيء لمن تملك عقل الدمى.

…….

– إذا هذا هو السبب الذي جعل شخص بلا مؤهلات مثلي، يعمل في “HXH”!

بعد كل ما سمعته من المحققة “FER”، في غرفة اجتماعات “DO”، أخذت “MEL” تقهقه بخفة جراء صدمة الوقائع. حدقت إلى “DO” ثم قالت:

– بعد ذلك اليوم الذي أخبرتني به عن تلك الجمل المبهمة، لم أنفك عن التفكير في سبب قولك لذلك. كانت لدي شكوكي التي تدعم أنك تعاني من صرع الفص الصدغي، وتراودك نوبات تحمل أحداث لا تعرف لمن هي. لأنني مثلك… تلك التواريخ والمصطلحات التي ذكرتها، أعرفها جيدا. حاولت الوصول إليك كثيرا لأسألك العديد من الأسئلة لكنني لم استطع. اعتقد أن الوقت حان لذلك.

قال “DO”، بعد أخذ رشفة من قهوته:

– بعد سماع الشرح المفصل من المحققة “FER” لا اعتقد أن هناك المزيد لتسمعيه

– بلى يوجد!

– إذا؟

بقبضة قلق على يديها، قالت:

– هل أنت متأكد من أن ما تراه من أحداث في النوبة هي ليست ذكرياتك؟

– أتملكين أراء أخرى؟

– حسنا… تستطيع سماع إجابة هذا السؤال منه

– منه؟

– الشخص الثالث الذي سيكمل معنا ساحة المعركة

– ومن هو؟

– إنه شخص تعرفه جيدا.

نهاية الفصل الخامس عشر…



P.16. مجاهيل في عالم مجهول

اليوم الثاني من الشهر الخامس، سنة 1998:

بعد وفاة والديهما بوقت متقارب انتقل “LEK” و “MEL” للعيش في ميتم “MARIA” مع صديقهما “DO” الذي يقنط في ذلك المكان منذ سنين، عقب خسارته لوالديه بطريقة قاسية عندما كان في التاسعة من عمره.

كان الثلاثة يجلسون في حديقة الميتم، تحت ظل إحدى أشجارها الضخمة. يحدقون بصمت مبتئس إلى صفاء السماء. حاول “DO” تلطيف الجو بقول نكاته السخيفة. عندما لم يرى ردا منهما توقف. بينما تداعب العشب قالت “MEL”:

– لا تقلق يا “DO”… فكما استطعت أنت التحمل و البقاء قويا، سنفعل نحن أيضا.

بشهقة قال “LEK”:

– اخبرني يا “DO” هل حقا سنجتاز هذا مع مرور الزمن؟ هل سيكون كل شيء على ما يرام كما قالت “MEL”؟ هل سنكون قادرين على العيش بسعادة؟

لم يتوقع “DO” الصغير أن يأتي يوم يخبر فيه أحدهم بكلمات شخص آخر، كلمات كانت قد غيرت حياته للأفضل. ابتسم بلطف يقول:

– الحياة لن تتوقف بموت أحدهم. إنها مستمرة وستستمر حتى بقاء آخر بشري في الأرض. ما يتوقف هو حياتنا نحن… إذا قيدنا أنفسنا في ظلام هذا العالم فسيسحبنا التيار لعمق لا بداية ولا نهاية له. سنُحتجز هناك ولن يكون لدينا مخرج للهروب. في هذا العالم لا يوجد شخص لم يفقد شخص عزيز عليه، لا يوجد من يملك كل شيء، لا يوجد شخص سعيد، لا يوجد أحدا خال من الجراح لكن هناك أشخاص حولوا ويستطيعون تحويل ظلام حياتهم إلى نور يساعدهم على البقاء. أتعلمان لماذا؟ لأنهم يعلمون أن العيش في هذا العالم فرصة، فرصة يجب عليهم استغلالها، لأنها ثمينة… لأنها هي من تثبت ذواتنا وتجعلنا نشع إذا تمسكنا بها.

عدم الاستسلام، محاربة العواصف والصعاب التي في حياتنا، وشق دربنا إلى نصفين سيجعلنا نسير نحو القمة ببساط وسلس. عندما نقف في أعلى القمة وننظر إلى الأسفل حينها سنندرك كم أن تلك الأيام لا تستحق ذبولنا، ابتئاسنا، حزننا وتدمير الفرصة الثمينة. سندرك أن تلك الرحلة القصيرة علمتنا من نكون، وكيف سنكون ولأجل ماذا نكون. علمتنا أننا أقوياء ونستحق العيش لأننا خلقنا لنستمر في المضي.

بعد إنهاء حديثه التفت “DO” إلى صديقيه، لم يكد يرمش حتى أندفع “LEK” نحوه يعانقه بقوة، باكيا بسعادة. شعر “DO” بالاختناق، ليقول:

– ما… ما الذي… تفعله. إنني اختنق.

مسحت “MEL” دموعها، وقدمت تشاركهما العناق. ليستمر “”DO قائلا:

– توقفا عن هذا…

كان “DO” يكره العناق، رغم ذلك شعر بالسعادة من أن كلماته أزاحت القليل عن كهل صديقيه. أخرج ذراعيه المحبوسة تحت أحضان صديقيه، ليأخذهما هو تحت ذراعيه الصغيرة.

قال “LEK” مبتسما وسط دموعه:

– شكرا لكما يا رفاق… لأنكما عائلتي… بوجودكما في حياتي لن اشعر أنني ورقة وحيدة في شجرة سقطت كل أوراقها.

قالت “MEL”:

– في حياتنا القادمة أتمنى أن نتقابل ونصبح أصدقاء مجددا.

بابتسامة دافئة، وسط حضن جماعي دافئ، قال “DO” كلمات دافئة:

– في هذه الحياة، وعندما نتقابل في الحياة الأخرى والتي تليها… سأحميكما دائما، سأفعل أي شيء يجعلنا سعداء، سأحقق دائما ما هو الأفضل لنا. حتى وإن تطلب الأمر مني أن أضحي بالعالم أو بنفسي… فسأفعل.

………

الثامن من شهر نوفمبر، سنة 2018:

مرخيا ظهره على الأريكة، كانت قدميه فوق بعضها. جامع يديه استمر “DO” يحدق بنظرات لاذعة إلى الشخص الذي يجلس أمامه في الأريكة الأخرى. بدوره كان “LEK” يشعر بالتهديد من تلك الهالة المحيطة بـ”DO”. التفت إلى يمينه حيث “MEL”، أشارت الأخيرة بنظراتها له أن لا يتفوه بأمور لا داع لها. أعاد “LEK” ناظريه حيث المحقق، بلع ريقه ثم قال:

– أخبرتني “MEL” عن سبب هذا اللقاء ولم أتردد بالقدوم… بل كنت أنتظر هذا اليوم بشدة.

تعجبت “FER” التي كانت تجلس بجانب “DO”، قائلة:

– كنت تنتظر هذا اليوم؟

– أجل… بعد غيبوبة دامت 4 سنين، استيقظت لأجد نفسي كما لو أنني ولدت من جديد. كل سجلاتي بما فيها هويتي جُددت في ذلك اليوم، اليوم الثاني من الشهر الخامس حيث استيقظت. كنت أعيش كما لو أنني اعتدت على عيش هذه الحياة، حياة المدير العبقري المليء بالإنجازات “LEK”. لم أفكر لماذا تعرضت للحادث ولماذا سجلاتي جديدة، جُل ما كنت أفكر به هو المستقبل. سألني أحدهم عن والداي حينها بدأ كل شيء يتخذ منحنى آخر… أدركت أنني فقدت ذكرياتي وأن والداي توفيا قبل 3 أعوام بعد إصابتهما بفايروس قاتل. لكن أتعلم ما هو الغريب؟ أنه حتى بعد إدراكي لهذه الحقائق لم أشعر بالفراغ في عقلي، لم اشعر أنني فاقد لذكرياتي لماذا؟ لأنني كنت أعيش حياة تعكس تلك الحقيقة. لكن… ذلك لم يستمر طويلا…

نظر إلى “MEL” لثانية ثم أكمل:

– بعد لقائي بـ”MEL” وسماع اسمها بدأت النوبات البؤرية بالحدوث. كانت في البداية تظهر أحداث غير واضحة حتى قابلتك عندما استجوبت فريقي بخصوص قضية “H”. مثلما شعرت بشعور مألوف عندما سمعت اسم “MEL” شعرت بذلك عندما سمعت اسمك أيها المحقق “DO”. أحداث النوبات المشوشة بعد ذلك اليوم أصبحت واضحة وتظهر بصورة أحلام أيضا. كما أخبرتني الطبيبة النفسية أن هذه حالة عصبية وهي نوع نادر من مرض الصرع، يدعى بصرع الفص الصدغي. يمكن أن يحدث لأسباب عضوية أو لا. فحوصاتي جميعها أكدت أنني بخير ما يرام، لذا ما تبقى من خيار هو أنه يحدث بدون سبب.

قاطعته “FER” قائلة:

– تعرضت لحادث سير، بقيت غائبا عن الوعي لأربع سنين مع ذلك الفحوصات أظهرت أنك بخير؟

– أجل أو ليس هذا غريبا؟ لم أجد إجابة لهذا بعد. لكنني كنت متيقنا من أن عدم وجود سبب له سبب، لذا بحثت عن السبب الذي لاوجود له، لإصابتي بهذا المرض.

سألت “FER” مجددا:

– مما تقوله يدل على أنك كنت يائسا لإجادة السبب، لماذا؟

عض “LEK” شفتيه بخفة ثم قال:

– قبل النوبات البؤرية لم اشعر بالفراغ رغم إدراكي لحقيقة فراغي -فقد ذكرياته- لكن بعد النوبات و رؤية أحداث وذكريات لا أعرف لمن تكون، أصبحت أشعر أنني فارغ وبائس. أصبحت معرفتي لفقدان ذكرياتي لها قيمة. هذا بجانب أن الألم الذي تسببه النوبة وألم الذكريات الحزينة التي أراها تشعرني بالكربة، الضيق والغم لذا أردت التخلص من هذا الثقل… أردت التحرر من عذاب تلك الذكريات. وما وجدته كان عند عراف دلني عليه زميلي. أخبرني أن ذلك يحدث للأشخاص الذين يتم ولادتهم من جديد بروح حياتهم السابقة. و النوبات التي تُظهر صور مشوشة، أصوات مقطعة هي من ذكريات حياتهم تلك. سبب ولادتهم من جديد يكون لإحدى الأمرين. الأول: أنه اقترف ذنبا/ خطأ كبيرا أدى بذلك إلى ضرر غيره. الثاني: ليحقق أمنيته التي لم تتحقق. للتخلص من العذاب الذي يلحق بهذه الحالة النادرة يجب على الشخص أن يصلح الخطأ الذي اقترفه في حياته السابقة. كما الحال مع الأمر الآخر، عليه أن يحقق أمنيته. لكن المشكلة ليست هنا، بل في أن المريض لا يعرف كيف عاشت روحه في ذلك الزمن، ولا يتذكر ذكرياتها ليصلح أو ينفذ ما يوجب عليه. ليتذكر أو لتوضح رؤية النوبات البصرية، السمعية عليه أن يجد الأشخاص الذين كانوا معه في تلك الحياة. الأشخاص الذين بهذه الحالة لا يولدوا في حياة أخرى لوحدهم، بل يولد معه أشخاص تجمعهم رابطة قديمة. وكما الحالة التي يعاني منها، سيكونون هم أيضا يعانوا مثله. هذه هي الميزة الوحيدة الجيدة في الأمر، برؤية وضع شخص بمثل وضعك ستدرك فورا أنه الذي تبحث عنه. لم تبدأ النوبات بالظهور حتى قابلت “MEL” ولم توضح حتى قابلتك أيها المحقق. ليس هذا فحسب بل الأحداث في النوبات التي أراها، تظهر صبية يحملون ذات أسمائنا وهذه بالتأكيد ليست صدفة، بل هي كما قال العراف.

نظرت “FER” إلى “MEL” لتقول بشك واضح:

– وأنتِ ما هي قصتك؟

أجابت “MEL”:

– لأسباب مبهمة اختفيت في عام 2014، بعد 4 سنين وجدتني شقيقتي فاقدة الوعي أمام المنزل، في الثاني من الشهر الثالث لهذا العام. على عكس “LEK” الذي استيقظ مباشرة في اليوم الثاني من الشهر الخامس ولم يشعر بعذاب فقدان ذكريات اليوم الفائت، كنت أنا منذ عودتي حتى ذلك الوقت أفقد ذكريات ما يحدث في اليوم السابق و لولا إخبار شقيقتي لي بذلك لما كنت سأدرك الأمر أبدا. لأنني لم أفكر أن أفكر سوى باليوم الحاضر. لكن بعد الثاني من الشهر الخامس بدأت الذكريات لا تمحى وعلى عكس ما كنت عليه قبل هذا التاريخ، كنت أفكر بالمستقبل فقط. رغم إدراكي لفقدان ذكرياتي… كان شعوري مثل ما وصفه “LEK”.

حتى قابلته وسمعت باسمه، حينها كان أول ظهور للنوبة… لا أذكر ما إذا كانت واضحة أم مشوشة، لأنني على عكس “LEK” لم أكن استطع السيطرة على ظهروها، لذا كنت أفقد وعيَ وأنسى ما يظهر فيها. بعد مقابلتي للرئيس استطعت أن احتفظ بالذكرى الصوتية التي تردد في النوبات، رغم عدم مقدرتي للبقاء واعية. كنت أحاول جاهدة أن أسيطر عليها وأبقى واعية لكي أتذكر الأحداث التي تظهر لأنني كنت أعتقد أنها ذكرياتي، لكنني لم استطع… بعد فترة من المحاولات للسيطرة على النوبة، بدأت الأحلام بالظهور بوضوح، بعد تلك الأحلام، استطعت السيطرة على النوبة متى ما تظهر. لذا أدركت أن تلك الأحداث تحدث في عام 1998 وهي متعلقة بثلاث أصدقاء يحملون ذات أسمائنا. ولم أشعر أبدا أنها ذكرياتي والأحداث التي برزت تنافي ذلك أيضا، لذا كنت أشك بما قاله “LEK” عن ما يتعلق بالولادة مع روح حياتنا السابقة… وكنت أشك أن الرئيس يعاني من النوبة البؤرية بحسب ما قاله العراف لـ”LEK” عن تقارب الأشخاص الذين ولدوا من جديد…

بينما تحدق في “DO” أكملت:

– بعد ذلك اليوم الذي أخبرتني فيه، عن التواريخ والمصطلحات تأكدت شكوكي من أنك أيضا تعاني كما نعاني نحن، وبدأت أخذ ما قاله “LEK” على محمل الجد. لكنني لم أتوقع أن هذا كله له علاقة بجرائم قتل متسلسلة!

تعجب “LEK” وهو يقول:

– ما الذي تقصدينه بذلك؟

– أنت…

سبب الخوف لـ”LEK” من تلك الكلمة ارتعادا، حينما قالها “DO” وهو ينهض من مقعده. أكمل الأخير بينما يسير نحو النافذة جنوب مكتبه الطاولي، يسار الأريكة التي يجلس فيها:

– ” هل تعلم يا “DO” أنك شخص يثير غضبي جدا؟ أتعرف كم أتمنى لو أنني استطيع تحطيمك بيدي… لكن عدم مقدرتي لذلك يجعل غضبي يتفاقم. “

شخص ما هددني بهذا، باعتقادك ما الجزاء الذي يستحقه؟

تعجب الثلاثة، أجاب الذي طُرح عليه السؤال كأي رد طبيعي:

– من يجرؤ على ذلك! تهديد المحقق “DO” لا… بل تهديد عظيم “OH” هل ذلك الشخص احمق؟ بالتأكيد يستحق أسوأ عقاب!

اتكأ “DO” على زجاج النافذة مبتسما نصف ابتسامة متكلفة. كان يضع احتمالا لكل الردود التي سيتلقاها من “LEK” وهذا الرد أثبت له شيء كان يشك به منذ وقت طويل.

سألت “MEL”:

– عذرا لتطفلي لكن ما سبب هذا السؤال فجأة؟

– لا داع لتعلموا ذلك.

بينما يحدق “DO” إلى “LEK” سأله مجددا:

– في الأول من الشهر السادس ألم تستلم بريدا من مجهول؟

أجاب “LEK” متمتما بتفكير:

– الأول من الشهر السادس… هممم… لا أعتقد أنني حصلت على شيء… أجل لا شيء.

– غير ذلك اليوم، ألم يصلك أي ظرف غريب؟

– لا

– ما الذي كنت تفعله في الأول من الشهر السادس؟

– بما أنه كان يوم إلقاء خطبة إظهار عملي الابتكاري الجديد في الأسواق لأول مرة، فأذكر ذلك اليوم جيدا. ألقيت الخطبة، التقيت بالمستثمرين وشركاء العمل حتى نهاية اليوم عدت إلى منزلي.

– أهذا كل شيء؟

– بالتأكيد، إن لم تكن ترد سماع التفاصيل المملة.

تنهد “DO” خفة، بينما يسر لنفسه:

” إذا أنا والمساعدة “MEL” فقط من حصلنا على مذكرة سوداء “

في تلك الأثناء ورد اتصال هاتفي للمحققة “FER”، أخبرت “DO” بالمتصل قائلة

– إنه الاتصال الذي كنا ننتظره، سأذهب الآن.

أومأ “DO” موافقة، فخرجت المحققة من الغرفة، ليقول “LEK” على فوره:

– المحقق “DO” ألن تخبرنا أنت أيضا بقصتك؟ فليس من العدل أن لا نسمعها

– وهل أخبرتك بأنني لن أتحدث عنها؟

– الأمر وما…

قُطع حديثه عندما قال “DO”:

– ما لدي لا يختلف عن ما لديكما كثيرا. كنت أفقد ذكريات اليوم السابق حتى الثاني من الشهر الخامس. قابلت المساعدة “MEL” في الأول من الشهر السادس صدفة، ومنذ ذلك اليوم بدأت النوبة البؤرية بالحدوث. قبل ذلك لم أشعر أنني فاقد لذكرياتي لذات الأسباب التي قمتما بذكرها قبل قليل. استطعت السيطرة على النوبة بطريقة ما وبدأت أرى أحداث متعلقة بصبي يدعى بـ”DO”. الفضل لتورطه بإحدى الجرائم في ذلك الوقت، أثبت لي أن الأحداث التي تظهر في النوبات حقيقية. وهي ليست ذكرياتي التي كنت أعتقد أنها كذلك في بادئ الأمر.

على عكس “MEL” التي أدركت عن كل ما يخص القضايا، لم يكن “LEK” يدرك أي شيء، لذا سأل فضولا عندما شعر بألوفة موقف الصبي:

– هل تلك القضية كانت متعلقة باختفاء والد فتاة تدعى بـ”EMMA” وهو كان شاهد لرؤية مقتله في الغابة!

أومأ “DO” برأسه مؤيدا، ليكمل “LEK” قائلا:

– أحداث كثيرة متعلقة بهذه المواقف ظهرت لي من ذكريات الصبي الذي يملك ذات اسمي “LEK”. الصبي “DO” كان يساعد محقق اسمه “DS” ثم توقف عن ذلك بعد أسبوع. كانت إحدى الأحداث تظهر حديث “DO” مع صديقيه “LEK” و “MEL” يقول فيه: أنه يتمنى أن يكون والد “EMMA” حيا ليسأله أمرا يتعلق بوالده.

بحدة صوته، سأل “DO” مندفعا:

– هل أنت متأكد من ذلك؟

– بالتأكيد

– أي شيء آخر يخص هذا الموضوع؟

– حسنا… لم يجدوا الرجل لذا كان الصبي”DO” يائسا جدا. لا شيء آخر.

أخذ “DO” يفكر مسرا لنفسه:

” إذا كان يبحث عن “RES” من أجل شيء يتعلق بوالده “

بينما “MEL” كانت تخبر “LEK” موضحة ما لا يعرفه بعد:

– وجد الرئيس بفضل أحداث النوبات، جثة والد الفتاة “EMMA” مدفونا في أعماق الغابة الشرقية.

– ماذا!!

– وأيضا ذلك المحقق الذي كان مسؤولا عن القضية في ذلك الوقت، كان محققا في الـ”HXH” وقائد قسمي…

– ما الذي تقصدينه بكان؟

– لقد توفي منذ وقت قريب.

– إن كانت الأحداث حقيقية إذا هل هذا له علاقة بمرضنا الغامض؟

– حتى الآن بطريقة ما، أجل… جمعنا الرئيس لنتشارك الأفكار والأحداث التي رأينها وسنراها في النوبة. غير هذا…

حدقت في “DO” ثم قالت:

– أعتقد أنه من الأفضل أن يكمل الرئيس الباقي.

عاد “DO” إلى مقعده، واضعا قدميه فوق بعضها قال ساخرا:

– إذا أيها المدير “LEK” أنت تعتقد أن ما نراه هي ذكريات حياتنا السابقة أليس كذلك؟

– أجل

– إذا ما تفسير أن الأحداث الحقيقية للنوبة تحدث قبل 20 عاما؟

– هذا…

فكر للحظة لكن ضرب الحقيقة التي لم يفكر بها مسبقا، جعله لا يستطيع الرد. فتنهد “DO” قائلا:

– الأحداث حتما حقيقية ولا يوجد أي شيء يثبت عكس هذه الحقيقة. الأمر ليس وكأنني لا أصدق وجود أمر كالولادة من جديد مع روح أو ذكريات الحياة السابقة، لأنني أؤمن بوجود أمور غير منطقية أكبر من هذه. لكن الأدلة التي معي هي من تنفي الأمر. إن كانت تلك الأحداث حقيقية ولكنها من ذكريات حياتنا السابقة فسأسأل: لماذا الوقت متقارب جدا بين الزمن الذي يظهر الذكريات ووقتنا الحالي؟ 20 عاما هذا زمن قصير جدا لنولد من جديد. في عام 1998 حيث تظهر الذكريات…

لاحظ الحيرة في عينيهما المتحمسة، فأوضح “DO” متنهدا كي لا يفهموا الأمر بشكل خاطئ:

– أتحدث الآن ما إذا كنا سنأخذ خيار أن تلك ذكريات حياتنا السابقة… كنا في الـ12 من العمر والآن في عام 2018 إننا في 32. هذا إن دل على شيء فسيدل على أننا مستمرين في العيش لذا سيكون من المنطقي إن قلنا أن تلك الذكريات هي ذكرياتنا المفقودة، لا ذكريات حياتنا السابقة.

قالت “MEL” لتؤكد صحة فهمها:

– أنت تقصد أنه إذا كانت تلك الذكريات هي ذكريات حياتنا السابقة، فلن يكون الزمن متقارب جدا، إضافة إلى أن العمر أيضا لن يكون كذلك… لأننا سنكون أصغر سنا من سننا الحالي بكثير.

– أجل.

قال “LEK” منفعلا:

– إن لم تكن ذكريات حياتنا السابقة… إن كان الوقت الفاصل بين الذكريات ووقتنا الحالي هو 20 عاما… إن كان عمرنا متطابقا مع مرور الزمن إذا أليس من المعقول أن تكون تلك ذكرياتنا المفقودة؟

قالت “MEL” بحيرة مما سمعته من “LEK”:

– أليس أنت من قال سابقا أنها ليست ذكرياتنا المفقودة لأنها تنافي حقيقة ما نعيشه! وأيضا… الصبي “DO” توفي قبل 20 عاما بحادث سير.

صُدم “LEK” بشدة، ليقول برجفة في شفتيه:

– ما… مااا الذي… تقصدينه…

صمتت “MEL” وصمت الجميع، كما لو أن تلك الحقيقة تؤلمهم بطريقة غير مباشرة لسبب لا يعلمونه. قال “LEK” بعد برهة:

– أنت محقة… رغم أن الدليل الصغير هذا لا يساوي شيئا أمام الأدلة القوية التي تثبت أنها ليست ذكرياتنا، لكن… أحداث النوبات حقيقية وهي حصلت قبل 20 عاما فقط! لذا…

شد “LEK” ركبتيه معتصرا من الداخل، ثم أكمل بضيق:

– لذا إن لم تكن ذكرياتنا المفقودة، وليست ذكريات حياتنا السابقة فماذا تكون!

قال “DO”:

– هذه مؤامرة مخطط لها منذ أمد بدقة كبيرة، جانيها شخص يعرفنا جيدا ويريد منا أن نكشف الستار عن حقائق ما حصل في عام 1998 لذا بتحكمه في ذكرياتنا والتلاعب بها، ورطنا في مؤامرته كي لا نستطيع الفرار منها. منذ اليوم الذي قُرر أن نكون فيه من لاعبين معركته، لم نعد نملك خيارا للخروج من الحلبة سوى بالانتصار. انتصارنا سيحقق إذا عرفنا ما حدث في ذلك العام، لأننا كنا متواجدون فيه بجانب أولئك الصبية وهذه إحدى الأسباب التي تجعل ذكرياتهم تظهر لنا. كل منا تظهر له ذكريات الشخص الذي يحمل ذات اسمه، لذا برؤية ما ظهر في النوبة من ذكريات الصبي “DO” أجزم أن حياته كانت بائسة. ربما ظهر ذات الشيء لكما أيضا عن ما يخص الصبيان الأخران… لذا يرغب منا الجاني أن ننتقم لهم.

قال “LEK”:

– لا أفهم ما علاقة كل هذا بأن نفقد ذكرياتنا! إن كان الجاني مهتما جدا بأولئك الصغار لماذا لا ينتقم لهم بنفسه؟ لماذا يورطنا في الأمر بهذه الطريقة المعقدة؟ بل ما لا افهمه هو كيف يتحكم بذكرياتنا! وإن أراد منا أن نكشف ما حصل قبل 20 عاما إذا لماذا أفقدنا ذكرياتنا!

– صحيح أنه يتحكم بذكرياتنا بطريقة ما، ويظهر ذكريات أشخاص آخرين، لكنه ليس من جعلنا نفقد ذكرياتنا… إنه ليس الوحيد الذي يتحكم بنا. هناك غيره وقد لا يكون إنسانا عاديا… لا استطيع أن أثبت ما يكون وما هو أصل تكوينه الحقيقي بعد لكني متأكد من أنه ليس من فعل إنسان…

سألت “MEL”:

– ما الذي تقصده؟

– لا زلت حائرا في هذه النقطة لذا لا استطيع الجواب.

– ما الذي سيحدث إن لم ننتصر في المعركة؟

– إذا أخذنا في عين الاعتبار كل ما قاله، فسننفى من حياة البشر

قال “LEK” عاجبا بشيء من الخوف:

– ننفى من حياة البشر… ما الذي يعنيه ذلك؟

– لا أعرف… لا شيء أكيد بعد.

قالت “MEL”:

– قد يحدث لنا شيئا ما إذا لم ننتصر خلال مدة محددة، لكنني لا اعتقد أن هذا هو الأمر الوحيد… أنظرا إلى حالنا الآن…

كانت تشعر بالضيق القاتل و هي تتحدث:

– ألسنا نعاني بالفعل؟ الفراغ الذي نشعر به، الوحدة التي تحاصرنا، غمة جهل من نكون وسبب تورطنا في كل هذا. بل رؤية ذكريات حياة أطفال كانت بائسة وتعيسة… إنه مؤلم، حانق… لا أعرف كيف أصف هذا الشعور… إنني لا أشعر بأنني حية، لا أشعر أنني بشرية كبقية البشر. هناك حاجز خفي يشعرني بتميز خانق ضد الجميع. أشعر كما لو أنني أعيش في هذا العالم بمفردي، عالم فارغ من كل شيء، فوق ذلك أنا فارغة من الداخل أيضا. هذا الشعور يجعلني أفقد صوابي كل يوم. إنه يرهقني، يتعبني، يؤلمني ويرغبني بالتحرر منه مهما كانت الطريقة… حتى و إن عنى ذلك الموت. ألستما هكذا أيضا؟

بعد ما قالته “MEL” فهم “DO” معنى الشعور الغريب الذي يخاله دائما. ذلك الشعور الذي يجعله لا يعرف حقيقته. إنه إنسان كما الظاهر، لكنه لا يشعر بذلك، لذا ماذا يكون؟ يستمر البشر بالعيش في الحياة لأنهم يدركون من يكونون، ولماذا يعيشون، ولأجل ماذا، لكن أولئك الثلاثة ليسوا كذلك…

تمتم “DO” بصوت منخفض دون أن يشعر بذلك:

– حارس مدرسة “ARF” الثانوية “OZ” عندما هاجم المحققة “FER” قال: أنا لست سوى شخصا واحدا من بين العديد من الأشخاص الذين سيختفون قريبا من هذا العالم الافتراضي. والحارس الآخر قبل انتحاره قال: ” سأغلق عينيا في عالم وهمي، سأفتحهما في العالم الحقيقي “. المجرم “POL” قال ذات الشيء قبل انتحاره. و “RAV” قال شيئا مشابها ” أنتم لا تعرفون أي شيء عن حقيقة حياتكم وعن حقيقة هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه بجهل. مهمتي كانت أن أجعلكم تستيقظون من سباتكم قبل انتهاء الوقت. ” وأخيرا في المذكرة السوداء ” عندما تلتقي النفس الناكرة مع ظليم الحقيقة في صندوق أشد ظلمة، ذلك الصندوق هو عالمكم المزيف الوهمي . العيش كبقية البشر أو النفي من حياة البشر للأبد” و الملاحظة التي تركها “B8” مع أول ضحايا سلسلة “BM8″: كل واقع نتيجة وقع العديد من الأخطاء، هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه هو مثال حي لذلك…”

بعد ترتيب أفكاره خلال دقائق معدودة، لمعت حقيقة في ذهنه، حدق بعينين متسعتين إلى “LEK” و “MEL” ليقول بغموض مريب:

– لا نشعر أننا كبقية البشر لأننا…  لم نكن نعش في عالم البشر الحقيقي. العالم الذي كنا نعيشه هو عالم مزيف!

نهاية الفصل السادس عشر… 



P.17. المذكرة السوداء “TBN”

داخل ظرف أسود مصمم بنقش كلاسيكي فريد، و لقب “BLACK8” الذي ختم بالشمع الظرف، وجدت مذكرة سوداء ورق اللون، بيضاء الخط مع كلمات وقع مفهومها مبهم. الشخصان اللذان استلما مثل هذه المذكرة الفريدة كانا “DO” و “MEL”.

محتوى المذكرة السوداء الخاصة بـ”DO” كانت:

” أتعلم متى تفتح أبواب اللانهاية من الجحيم؟ عندما تلتقي النفس الناكرة مع ظليم الحقيقة في صندوق أشد ظلمة، ذلك الصندوق هو عالمكم المزيف الوهمي. هل أنت راض عن ما يحدث يا “DO”؟ تعيش حياة لا تعرف بدايتها من نهايتها، وهذا ما يجعلك غافلا عن الأسرار السحيقة والحقائق المكنونة التي قلبت عالمكم رأسا على عقب. التحرر من القيود وإعادة كل شيء قبل الميعاد إلى نصابه متروك بين يديكم، إما العيش كبقية البشر أو النفي من حياة البشر للأبد. “

“BLACK8”

….

محتوى المذكرة السوداء الخاصة بـ”MEL”:

” الطمع والأوهام الزائفة للبشر هو ما يجعلهم سيئين، منذ القدم وحتى الآن وإلى الأبد سيستمر السوء إلى ما هو أسوء، نحن أيضا لسنا متخلفين عن ذلك، لقد تحولنا من السيء إلى الأسوء. أتساءل ما الذي سيفعله نصفكم الآخر عندما يرون هذا التحول حدث لهم/ لكم، هل سيتقبلون أم علي القول هل أنتم ستتقبلون ذلك؟ هم، أم أنتم، أم أنا، أم هي من الذي سينتصر في هذه المعركة؟ هذا ما سيحدده الوقت الذي أوشك على الانتهاء. إن لم تكوني راغبة بأن يبتلعك الندم كما حدث في ذلك الوقت، عندما اتبعت خطاه ووثقت به عليك أن تتصرفي بحكمة في اتخاذ القرار الحاسم في هذا العالم، يا “MEL”. “

“BLACK8”

……..

– ما الذي تقصده بعالم مزيف أيها المحقق…

نهض “LEK” من مقعده يكمل مندفعا:

– و هل هذا الجنون معقول!

هدأته “MEL” طالبة منه الجلوس والتحدث بهدوء، ثم قالت لـ”DO”:

– عالم وهمي/مزيف… لقد سمعت هذا في قضية “BN8” والآن في القضايا الأخيرة هل لك أيها الرئيس أن تشرح ما الذي يستقصيه الأمر؟

توجه “DO” نحو مكتبه الطاولي، فتح إحدى الأدراج التي وضع فيها صندوق خشبي صغير، يخفي المذكرة السوداء الخاصة به وبـ”MEL”. حدق إليهما لدقائق وهو يفكر إن كان إظهارهما لـ”LEK” وإخباره بكل ما يتعلق بالقضايا الأخيرة سيكون جيدا أم لا. في النهاية توصلت أفكاره إلى إخباره بكل ما يتعلق بمجرى الأمر. وضع المذكرتين أمامه، طالبا من “MEL” أن تشرح له كل شيء.

بعد علمه لكل الأحداث، وقراءة المذكرتين، بصوت مرتعش صاخب، استمر “LEK” بالحديث دون كلفة:

– هل… كنت… تتعامل… دوما مع أشخاص كهؤلاء! هل حقا نحن مرتبطون بقاتل عديم الرحمة كهذا… أيضا… المذكرتين ما الذي يقصده فيها… لماذا أنا الوحيد الذي لم يرسل لي شيء كهذا؟ ما الذي يميزني عنكما؟ هل كل هذا واقعي بحد ذاته!! ولماذا لما تخبرانني بكل هذا مسبقا أكنتما تخططان لإخفاء الأمور عني!!

بينما يحتسي من القهوة التي أحضرها لهم حارسه الشخصي قبل دقائق، قال “DO” ببرود عادته:

– وجودك بحد ذاته أمامي يزعجني، لذا لن أتحمل رؤية وسماع نحيب انفعالك أيضا. احتسي قهوتك وأهدأ قبل أن أقوم بشيء لا يسرك.

نظر “LEK” إلى “MEL” يسترجي منها قول شيئا ما، لكنها تجاهلته واستمرت باحتساء قهوتها بهدوء. عاد ليجلس في مقعده بغضب. بعد دقائق قليلة قال “DO” وهو ينظر إلى انعكاسه عبر القهوة:

– سأفسر الأمور مرة أخرى ولأخر مرة، لذا انصتا جيدا. عام 2014 اختفيت أنا والمساعدة “MEL” لأسباب غامضة وأنت أيها المدير “LEK” تعرضت لحادث سير وبقيت في الغيبوبة لـ4 أعوام، هذا ما كنت تعتقده…

قالت “MEL” بحيرة:

– هذا ما كان يعتقده؟

شرح ما لا يخصه يزعجه، لذا ترك “DO” الفرصة لـ”LEK” لتفسير الأمر، ليقول الأخير:

– أنا هو واجهة صندوق، ما بداخله من خفاء هو أنتما… اختفيتما فجأة لمكان لا أحد يعمله حتى أنتما، لأنكما كنتما تفقدان ذكريات الأيام السابقة، في اليوم التالي. أنا أيضا لا أختلف عنكما كثيرا… كانت عائلتي تبحث عني في الوقت الذي كنت فيه بعمق غيبوبة بعد تعرضي للحادث. لم تتصل الشرطة أو المستشفى بعائلتي لتخبرهم بوضعي… لأن سجلاتي لم تكن مسجلة تحت أي نطاق في الدولة، الأمر كما لو أنني كنت مجهولا… منذ وقت قريب ذهبت إلى المستشفى لألقي نظرة على تقاريري الطبية، لكن المفاجأة كانت أن شخص مثلي لم يكن متواجدا عندهم، لم يسجل على أنني تعرضت لحادث سير وأدخلت للغيبوبة. أنا نفسي لا أذكر تعرضي للحادث، الأطباء، المسعفين، الشرطة جميعهم لا يتذكرونني، لا يتذكرون وجود شخص مثلي لا… بل هم ينكرون وجودي… رغم وجودي إلا أنني كنت مختفيا كما لو أنني شبح. والأمر ذاته ينطبق عليكما… لو تواجدتما في مكان عام، بين الناس سيذكرون في البداية أنهم كانوا معكما، لاحقا لن يتذكرونكما، من الأفضل قول سينكرون تواجدكما وهذا من المحتمل جدا ما يعنيه أننا اختفينا.

بهمهمة قالت “MEL”:

– تعرضك للحادث غطاء لاختفائك، لكي لا يظهر أنك كنت مختفيا

– هذه ملاحظة جيدة، وجديدة لم أفكر بها من قبل.

رأي “DO” عن استنتاج “MEL” المفاجئ كان مشابها لفكر “LEK”. ترك التفكير بذلك لاحقا، ليكمل قائلا حيث توقف مسبقا:

– يوم اختفائنا كان يوافق الثاني من الشهر الخامس لعام 2014. الثاني من الشهر الثالث لعام 2018 هو اليوم الذي ظهرت فيه المساعدة “MEL” أمام منزلها، واليوم الذي استدعيت فيه لمقابلة المحققين “FER” و “EKE”. بينما أنت كنت لا تزال في غيبوبتك. الثاني من الشهر الخامس لعامنا هذا، هو اليوم الذي استيقظت فيه من سبات دام لأربع أعوام، واليوم الذي لم نعد نفقد فيه أنا والمساعدة “MEL” ذكريات ما يحدث في اليوم السابق. سجلات هوياتنا وغيرها جُددت في ذلك اليوم كما لو أننا عدنا إلى الحياة مرة أخرى وربما هذا هو سبب لماذا نشعر أننا مختلفون عن بقية البشر.

قالت “MEL”:

– هذا… هل من المحتمل أن ذلك يعني… عندما اختفينا، اختفينا من عالم البشر تماما كأشخاص و ذكرى؟ عدنا مجددا للعالم في اليوم الثاني من الشهر الخامس، هذا تفسير لما سجلات هويتنا وغيرها جُددت في ذلك اليوم… إن كان هذا صحيحا فما تفسير وجودنا أنا والرئيس منذ الشهر الثالث؟ و لماذا لم ينسونا الأشخاص الذين كانوا معنا منذ ذلك الوقت…. انتظر!!

نهضت بانفعال، تضرب الطاولة أمامها، محدقة باتساع بؤبؤ عينيها إلى “DO”، قائلة:

– الثاني من الشهر الثالث وُجدت أنا أمام منزلي، أنت قابلت المحققين “EKE” و “FER” هذا أول اتصال كان لنا مع البشر بعدما كنا مفقودين لأربع أعوام. خلال تلك الفترة حتى الثاني من الشهر الخامس كنا نعتقد أننا نفقد ذكرياتنا للأيام الفائتة لكن الحقيقة هي أننا لم نكن في العالم لنبني ذكريات ونتذكرها!

شعرت بالراحة عندما رأت ابتسامة جانبية من “DO”، ابتسامة تدل على صحة ما قالته. جلست في مقعدها ثم قالت:

– العالم المزيف الذي قصده “B8” هو ما قبل اليوم الثاني من الشهر الخامس 2018… كنا نعيش بوهم مزيف وجميع من حولنا كانوا مزيفين لذا هم لم يتعرفوا علينا وبطبيعة الحال نحن أيضا.

قال “LEK” ناكرا:

– إذا ما تفسير أن جميع العالم يعرف أن المحقق “DO” مؤسس قوى “OH”؟

أجابت “MEL” بثقة:

– يعرفون ذلك فقط لأنهم لم يرونه بعينيهم… أقرب مثال لهذا هم الموظفين في “OH” لا أحد منهم رأى الرئيس على عكس المحققة “FER” التي الجميع رأوها ويعرفون من تكون… منذ اليوم الحقيقي لعيشنا في العالم الحقيقي أصبح الموظفين القليل منهم يرون الرئيس

– إذا ما تفسير تذكر المحققة “FER” له، وتذكر شقيقتك لك؟

– هذا لأنه…

توقفت وتلاشى شعور الثقة عندما لم تفكر بما قاله “LEK” مسبقا. نظرت إلى “DO” مستنتجة أفكاره حول هذه المعضلة. قال الأخير:

– ربما يتذكروننا الآن، لكنهم سينسوننا بعد مدة

قالت “MEL” بحماسة عندما تذكرت محادثتها مع المحقق “EKE”:

– أخبرني المحقق “EKE” في يوم جنازة المحقق “DS” أنه يعلم أن المحققة “FER” هي من أخبرته عن ماضيها عندما كانا زملاء قبل أكثر من خمس أعوام، لكن باسترجاع تلك الذكرى يصبح عقله فارغا، كما لو أن لا وجود لها.

قال “LEK” متسائلا:

– ليس 4 أعوام بل 5 وأكثر… المحقق “EKE” لا يتذكر ما يتعلق بالمحققة “FER” على الرغم من أنها ليست مثلنا…

بتعابير متقلبة، قال:

– هل من الممكن أن المحققة “FER” هي الشخص الرابع الذي في حلبة المعركة… هل هي الجاني “B8”!!

قال “DO”:

– قبل 12 عاما قابلت المحققة “FER” صدفة في المستشفى التي أدخلت فيها بعد إنقاذها من تحت أنقاض خلفه زلزال. قدمت تبرعا لها لتجري عملية جراحية طارئة لم تكن تملك نفقتها.

قاطعته “MEL” قائلة:

– هل كنتما تعرفان بعضكما منذ وقت طويل!!

– هذا ما أخبرتني به المحققة “FER” بعد فراقنا ولقائنا مجددا كزملاء عمل في مركز شرطة “روز”.

أسرت “MEL” لنفسها: ” إذا هما يعرفان بعضهما منذ أمد، هذا سبب قربهما! “

بينما تسر “MEL” لنفسها، كان “DO” يكمل حديثه:

– في ذلك الوقت، تعرفت المحققة “FER” علي فورا، لكنني لم استطع ونكرت أنني أعرفها. ذهبت المحققة للمستشفى التي أدخلت فيها قبل أعوام لتتأكد من أنني كنت الشخص الذي تبرع لها. وكان الرد أنهم لم يعالجوا مريض باسم المحققة، ولم يتلقوا تبرعا من محققا مثلي. الأمر مشابه لما حدث مع المدير “LEK”. ثم في عام 2014 اختفيت وعندما قابلتها مجددا مع المحقق “EKE” في عام 2018 لم أتعرف عليهما. قبل شهر واحد ذهبت إلى “روز” لعمل أحتاجه هناك، على الرغم من أنني كنت محققا من النخبة يعمل في المكان، لم يتعرف علي أي أحد ناكرين وجود محقق مثلي. إن أصغت الأمر فسأصيغه على أن الأشخاص المقربون منا ستمحى ذكرياتهم من ذكريات الأخرين. 

قال “LEK”:

– إذا نحن الثلاثة بجانب الجاني فقط من كنا نعيش في عالم وهمي حتى ما قبل أربع أعوام… والسبب مازال مجهولا أليس كذلك؟

سمع إجابته من الصمت، تنهد بثقل. ليقول “DO” بعد برهة:

– بعد شهر واحد من تواجدنا في العالم الحقيقي… الأول من الشهر السادس وصلتنا هذه المذكرة السوداء كما لو أنها تتنبأ بين سطورها ما سيحدث في المستقبل. إضافة إلى ورود اسمينا بشكل واضح.

فهمت “MEL” ما يقصده، قالت عندما كان يأخذ رشفة من قهوته:

– تعني أن الشخص بل… “B8” يعرفنا منذ وقت طويل جدا، ويعرف لماذا كنا نحن الأربعة نعيش في عالم مزيف. إضافة لسبب ظهور ذكريات أولئك الصبية الثلاثة في نوباتنا البؤرية.

سأل “LEK”:

– من هو “B8″؟

– إنه “BLACK8” الشخص الذي ارسل المذكرة السوداء، والجاني خلف سلاسل القتل.

– فهمت إنه اختصار إذا!

– أجل.

وضع “DO” كوب القهوة، بعد الانتهاء منها فوق الطاولة، ثم أكمل حديثه:

– الدقة في التواريخ للأحداث السابقة ليست مصادفة إنها ترمز إلى شيء ما لذا كل ما قاله “B8″ وتبعه ليس عبثا أيضا. يُذكر في المذكرة التي أرسلها لي: أن عدم تقبلنا للحقيقة المظلمة هو من جعل أبواب الجحيم تفتح. الجحيم الذي يقصده هنا هو أننا كنا نعيش في عالم مزيف. الكثير من الأشخاص الذين لهم علاقة بـ”B8” ذكروا أمر أنهم في عالم مزيف أو وهمي ولم يترددوا بقتل نفسهم أو التضحية بها من أجل “B8” بعذر أنهم بعد الموت سيعودون للعيش في العالم الحقيقي.

قال “LEK”:

– يعودون للعيش في العالم الحقيقي!

قالت “MEL”:

– لأنهم كانوا مرتبطون بطريقة ما مع “B8”

قال “DO”:

– أو أنه قام بخداعهم. على كل حال إن كان هذا الأمر واقعيا كون عيشنا في عالم مزيف، فالحقائق التي حدثت في عام 1998 مرتبطة به بالتأكيد. بطبيعة الحال توصيل هذه الحقيقة لنا برسائل مشفرة يعني أن “B8” يرغب بأن نكتشف السبب بأنفسنا. لأن ذلك السبب ربما يكون الحقيقة الحقيقية لكل الحقائق.

قالت “MEL”:

– ما الذي سيستفيد منه، إذا اكتشفنا الأمر؟

– سؤال جيد… لكنني لا أعرف الإجابة. ما أعرفه هو أنه لا يفعل هذا من أجلنا، بل من أجل إحدى مصالحه. استمر بذكر الوقت، وانتهائه ربما أنه يريد منا أن نستعيد ذكرياتنا لأننا نعرف شيئا لا يعرفه هو ومالم يحصل ذلك خلال وقت محدد فسيقع أمرا كارثيا.

قال “LEK”:

– وهو أن ننفى من الحياة؟

– ربما شيء أكبر من هذا.

قالت “MEL”:

– يقول في مذكرتي: أن الطمع والأوهام الزائفة للبشر هو من حول كل شيء للأسوأ… هل هذا تلميح لمجرى ما حدث قبل 20 عاما؟ هل تفكك منظمة “DAZ” يتعلق بهذا التلميح؟

قال “LEK”:

– انتظري! أفهم أن هذا تلميح لكن لماذا المنظمة التي تدعى بـ”DAZ” متعلقة بالأمر بل ما لا أفهمه ما علاقة تلك المنظمة بمجرى كل الأمور والصبية الثلاثة!

أجابت:

– المنظمة بلى أدنى شك قتلت الصبي الذي يحمل ذات اسم الرئيس. وكما رأيت أنت وأنا في النوبات أن والدا “MEL” و “LEK” توفيا لأسباب غير منطقية يرجح أن السبب في ذلك أن المنظمة من قتلتهم. غير هذا… هي قتلت والداي أيضا قبل 8 أعوام. لأن جميعهم كانوا يدركون حقيقة أرادت “DAZ” إخفائها عن العالم. لم نرى بعد أكثر من هذه الذكريات المتعلقة بهم، لكن من المحتمل أن “LEK” و “MEL” قُتلا أيضا على يد المنظمة.

– لماذا تضعين هذا الاحتمال! صحيح أن الصبي “DO” توفي… لكننا لا نعلم بعد ما إذا الصبيان الأخران توفيا أم لا! إذا لا يزال على قيد الحياة فسنعلم الحقيقة التي كانوا يدركونها أليس كذلك؟

قالت “MEL”:

– إن كانا لا يزالان على قيد الحياة، فكل ما فعله “B8” سيكون دون معنى

– ما الذي تقصدينه!

– هو يريد منا أن نسترجع ذكرياتنا لنكشف ما حدث قبل 20 عاما، ذلك العام حيث وقعت أمور مأساوية للصبية الثلاثة. هناك هدفين لدافعه: الأول، أنه يفعل ذلك لإحدى مصالحه كما قال الرئيس. الثاني، لأنه يريد الانتقام للصبية باستخدامنا وربما… كلاهما.

اختلست النظر إلى “DO” لترى رد فعله، لكنه كما العادة كان ساكنا، خاليا من أي تعبير يصف ما يشعر به.

قال “LEK” بضيق:

– إذا تقولين أن “MEL” و “LEK” توفيا أيضا… و موتهما لم يكن طبيعيا…

أغلق وجهه بيديه الكبيرة، ضيقا لسبب لا يدركه. بدى أنه يذرف الدموع أيضا.

تنهدت “MEL” قائلة، بينما تربت في كتف “LEK”:

– في مذكرتي، ذُكر ” إن لم تكوني راغبة بأن يبتلعك الندم كما حدث في ذلك الوقت، عندما اتبعت خطاه ووثقت به عليك أن تتصرفي بحكمة في اتخاذ القرار الحاسم في هذا العالم، يا “MEL”. ” بشكل واضح جدا، هو يقصد قرار حدث وسبق اتخذته في الماضي. ربما ذلك القرار كان مرتبطا بحياة الفتاة التي تحمل ذات اسمي، أو بصديقيها. وهذا يثبت أن لدينا علاقة تربطنا بأولئك الصبية… ماذا إذا كنا نحن السبب في ما جرى لهم؟ وهذا لماذا يريد منا “B8” أن نسترجع ذكرياتنا. كيف أصف ذلك… إنه كما لو أنه يرغب بمعاقبتنا.

رفع “LEK” رأسه، محدقا بدموع عينيه إلى “MEL” بصمت متحير. بينما “DO” قال بهدوء في نبرة صوته، جعل الاثنين يرتعشا:

– ماذا لو… كان يعتقد “B8” أن أولئك الصبية هم نحن.

شعرا “LEK” و “MEL” بالخوف أكثر مما يتعجبا لما سمعاه، عندما نهض “DO” من مقعده ووقف أمام النافذة، يتحدث بشكل جاد مرعب مع نفسه بصوت مسموع:

– كيف لم أفكر بذلك… بل ما الذي منعني من التفكير بذلك… نحن و أولئك الصبية بذات العمر… قبل 20 عاما سنكون بالـ12 ما الذي يستطيع صبية بهذا العمر فعله لكي يؤذوا غيرهم؟ لا شيء بالتأكيد… ما الذي يجعلنا شاهدين لما حدث لهم ونحن بذلك العمر؟ لا شيء بالتأكيد… إن حدث وكنا مرتبطين بالصبية فهذا الارتباط سيكون كصداقة بيننا، لكن الذكريات لا تظهر وجود أصدقاء لهم سوى بعضهم. إذا العلاقة التي ستربطنا بهم خارج هذا الإطار لا وجود لها، لأننا كنا صغار ولا نستطيع فعل أي شيء سوى اللعب. الرسائل في المذكرة والملاحظات السوداء، لا ترمز إلى أننا كنا كشهداء لما حدث في عام 1998، بل هي ترمز إلى أننا كنا نحن الضحايا! كل شيء يرمز إلى أننا نحن من تدمرنا وليس أولئك الصبية… هذا يصبح معقولا الآن… لماذا يرغب بأن نستعيد ذكرياتنا، ونكشف ما حدث قبل 20 عاما… ليس من أجل الصبية، بل من أجلنا نحن لأنه يعتقد أن أولئك الصبية هم نحن. ربما تشابه أسمائنا وأعمارنا جعله يعتقد ذلك أم ربما… هناك أمر آخر غير هذا…

لم يشعر “DO” بما يحدث حوله، عندما انغمس في التفكير حتى وقف “LEK” خلفه يتمتم بأجزاء مما قاله “DO”. شعر الأخير بوجود أحد خلفه، التفت فرأى “LEK” يضع يده في ذقنه مفكرا. قال له “DO”:

– ما الذي تفعله هنا؟

أجاب “LEK” بحماقة متقصدة:

– أقلدك في التفكير

ارتعب “LEK” من نظرات “DO” فأوضح الأمر مفسرا بابتسامة متكلفة:

– أقصد… لقد كنت تحدث نفسك بصوت عال بينما تفكر، لذا أردت أن أجرب كيف يكون شعور فعل ذلك.

استمر “DO” يحدق فيه بنظرات حادة، ليكمل “LEK” متهربا:

– لقد سمعنا كل ما قلته… وبدى أن ذلك منطقي جدا، أليس كذلك يا “MEL”؟

نظر إلى “MEL” بنظرات يسترجي فيها إنقاذه من الموقف. تنهدت “MEL” وهي تتوجه نحوهما، لتقول:

– إن كان “B8” يعتقد أن أولئك الصبية هم نحن، هل لدينا الفرصة لنثبت عكس ذلك التوقع؟

قال”LEK”:

– صحيح إذا أثبتنا أنهم ليسوا نحن، فسنستطيع…

قُطع حديثه عندما قال “DO” بنبرة حانقة:

– نحن حتى لا نتذكر من نكون إذا كيف سنثبت الأمر، وماذا إن أثبتنا من نكون ما الذي سيحدث بعدها.

صحيح لن يُضمن ما سيحدث لأن أهداف “B8” لا تزال مبهمة، واستنتاج “DO” الأخير أيضا ليس مؤكدا. بعد استيعاب هذا، لم يملكا “MEL” و “LEK” شيئا لقوله مقابل الرد على “DO”. ليقول الأخير:

– سواء أعتقد “B8” أن أولئك الصبية هم نحن، أم لا… هذا لا ينفي حقيقة أنه يملك الجواب الذي ابحث عنه.

سأل “LEK”:

– الجواب الذي تبحث عنه؟

– الحقيقة الحقيقية…

قبل أن يكمل حديثه، شعر باهتزاز هاتفه في جيب بنطاله. كان اتصالا من المحققة “FER” حول التقرير الذي طال انتظاره.

” لقد عثرت عليهم “MEL AL””LEK RO” و “DO EVE” الأصدقاء الثلاثة، قبل 20 عاما في اليوم الثامن من الشهر 12 عام 1998 لقوا حتفهم في نفس الوقت، تمام الساعة الـ8 مساء “

نهاية الفصل السابع عشر



P.18. نقطة التحول

قبل 20 عاما، سنة 1998 في ميتم “MARIA”:

صمت غريب يأخذ دورا غير متوقع فوق مائدة الطعام الجماعية للميتم. تنقلت ناظري “DO” القلقة من صديقيه “MEL” و “LEK” اللذين يجلسان أمامه يتناولان الطعام بملامح جامدة، إلى صديقه الذي يجلس بجانبه مبتسما. أسر قائلا لنفسه:

” ما هذا الجو الذي لم أتوقع حدوثه. لطالما أردت أن أعرفهم على بعضهم متيقنا من أننا سنصبح جميعا أصدقاء… لكن هذا الموقف يشعرني أنهم لا يطيقون بعضهم”

وضع ملعقته فوق الطاولة، حمحم مشيرا إلى الذي بجانبه وهو يقول:

– سأعرفكم على بعض… “LEK”، “MEL” هذا هو صديقي “K” الذي حدثتكما عنه.

أشار بيده على صديقيه، مكملا:

– هذان صديقاي “MEL” و “LEK”

بابتسامته التي لم تنفك عن شفتيه، قال “K” بنبرة هدوء صوته الرقيق:

– مرحبا… لقد حدثني “DO” عنكما كثيرا، لذا رغبت دوما بمقابلتكما. إنني الأكبر هنا لذا إذا واجهتما أي مشكلة لا تترددوا بسؤالي.

عض “LEK” على شفتيه قائلا بغضب لم يستطع إخفائه:

– إذا أنت هو الصديق الذي يعتبره “DO” عائلته العزيزة.

رفع “K” حاجبيه متعجبا بينما تتقلب نظراته من “DO” إلى “LEK”. ليقول:

– حقا؟ إنني سعيد لسماع هذا.

زاد حنق “LEK” ليقف قائلا بصوت عال:

– بسببك أنت لا نتسكع كثيرا معه… إنه يفضلك علينا!!

شعرت “MEL” بالخجل مما قاله “LEK”، فسحبته ليجلس. همست في أذنه:

– أيها الأحمق ما الذي قلته الآن؟ ألم تقل أنك إذا رأيته ستشكره لبقائه مع “DO” دوما!

تذكر “LKE” ذلك، لم يفهم سبب غضبه على سبب تافه. حدق بخجل إلى الشخصين الذين ينتظران تفسيرا أمامه. قال متمتا بلطف:

– إنني آسف… في الفترة الأخيرة كان “DO” لا يقضي الكثير من الوقت معنا لذا شعرت بالغضب منك…

قال “DO” ساخرا:

– هل تقول أنك كنت تفتقدني إذا؟ يا الهي! لو كنت أعرف ذلك لما تركتكما بمفردكما أبدا.

– أتسخر الآن!

– أقول الحقيقة فقط

– أسحب كل ما قلته!! لا شيء من ذلك صحيح أأنت سعيد الآن!

قهقه “K” ليقول بحسن أسلوب حديثه:

– إن “DO” محظوظ لامتلاكه صديقين مثلكما.

– هل علي أن اعتبر هذا حظا، أم سوءا كون هذا القاتل صديق لكم

حدق الجميع بحيرة واضحة، إلى الفتى الذي أشار بحديثه واقفا وهو يضم “DO” حول كتفيه مع ابتسامة كريهة. بدى الفتى أكبر منهم في العمر، ضخم البنية طويلا، لون صبغة شعره زرقاء فاقعة، مع ملامح أجنبية. بدى جامحا.

يعض على شفتيه، يعصر بيديه المرتعشتين بنطاله… لاحظ “K” ذلك في “DO” وأدرك أنه غير مرتاح بوجوده بين ذراع ذلك الفتى. قبل أن يتفوه بكملة واحدة، قالت “MEL” بغضب للفتى بعد أن شاهدت وأدركت هي أيضا موقف “DO”:

– أنت أيها الغوريلا أبعد يديك عن كتف صديقي.

قبض الفتى بكف ذراعه التي حول كتف “DO” أكثر، قائلا بجلف:

– وماذا إن لم أفعل يا صغيرتي المحبوبة، ما الذي ستفعلينه؟

اشتعل “LEK” غضبا، ضرب الطاولة بقوة يديه، قائلا:

– قبل أن تفعل هي أي شيء لرأسك الكبير هذا، سأقوم أنا بتحويلك إلى كرة قدم وألعب بها كل يوم.

بصوته الثقيل المزعج، قهقه الفتى قائلا:

– هل تفعلان هذا كله من أجل هذا المجرم، سيء الحظ؟

عصر بذراعه رقبة “DO”، ثم أكمل مقمتا:

– يبدو أنكما لا تدركان بعد أن صديقكما هذا هو من قتل والديه…

قبل أن يكمل جملته تلقى وجهه لقمة قوية من “K”، فسقط أرضا.

فجع جميع الأطفال الذين كانوا يتناولون طعامهم بسلام، عندما بدأ شجارا عنيفا بين الفتى الجامح و “K”. بعد سقوطه للأرض من لكمة واحدة، شعر الفتى بالخزي فنهض غاضبا يهاجم “K”. تلقى الأخير عدة ضربات قوية من منافسه، في المقابل أسداه هو أيضا أكثر مما كان يتلقاه. بينما يوجهه لكماته لـ”K” كان الفتى الجامح يردد بخبث:

– هل أنت الحارس الشخصي لذلك اللعين… لماذا تستمر بحمايته دوما…

تفادى إحدى لكمات “K”، ابتسم ليردف:

– لا أفهم لماذا لا زلت تحاول جاهدا إبقاء هويتك سرا عن الجميع وعن الشخص الذي تعزه كثيرا – DO- هذا يوحي لي بأنك قد لا تختلف عنه كثيرا… كلاكما قد تكونان قاتلان…

لم يستطع “K” التحكم بغضبه وبمشاعر الكره ضد الفتى. أسداه ركلة قوية في معدته فسقط أرضا مجددا. بهالة مرعبة اقترب منه “K” ودون توقف استمر بلكمه مرارا.

حاولا “LEK” و “MEL” إيقاف “K” عندما شعرا أن الفتى الجامح على وشك أن يفقد وعيه، لكنهما لم يستطيعا. الأكثر من ذلك كان يقلقهما “DO” الذي لم يحرك ساكنا. ملامحه تبدو شاحبة أكثر من المعتاد، جسده كان يرتعش. رغم ما يحدث من ضجة حوله، كان يجلس قابضا على ركبتيه. رأت “MEL” ارتعاش قدمه بشكل مفجع، تركت إيقاف “K” وتوجهت نحو “DO” بقلق. أمسكت كتفيه تقول:

– ما… “DO”… هل أنت بخير… ما الذي يحدث…

ازدادت قلقا عندما رأته يذرف الدموع بصمت بارد، بشفتين مرتعشتين.

– أنت… لماذا… تبكي…

سمع “LEK” ذلك، توجه نحوهما، فرأى شيئا لم يراه مسبقا في حياته مما جعله يثار حزنا وحنقا ليذهب ويشارك “K” في ضرب الفتى الجامح. كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها “LEK” و “MEL” صديقهما “DO” الذي تجري في عروقه كتل من الثليج، يذرف الدموع بشكل هادئ. رغم حزنها لم تستطع “MEL” فعل أي شيء له، سوى أن تقوم بضمه وهو جالس. بعد ثوان أزاح “DO” يديها من حوله، مسح دموعه و بملامح وجهه الشاحبة والباردة توجه نحو صديقيه. قبض على يديه وهو يقول بنبرة مبحوحة:

– توقفا…

لم يُنصت له لذا صرخ قائلا:

– قلت لكما هذا يكفي!

توقفا بعد تلك الصرخة، حدقا بحنق غاضب إلى الفتى الجامح ثم نهضا. فتقابلت عينيهما بعيني “DO” الفارغة. قال الأخير:

– هذا يكفي… لقد فعلتما ما يكفي… لذا…

أصبح كل شيء حوله، يدور. شعر بالثقل عندما مرت تلك الذكرى أمامه. لم يستطع التحمل، لم يستطع الشعور بقدميه وبنفسه. الثقل الذي في صدره جعل الهواء ينقطع عن الدخول إلى جسده، لم يستطع التنفس… حتى سقط مغشيا عليه.

في عيادة الميتم:

فتح “DO” عينيه ليجد نفسه ممدا فوق سرير العيادة، بجانبه إحدى عاملات الميتم التي تعامله كوالدته دوما، تمسك بيده. قالت عندما رأته مستيقظا:

– صغيري “DO” هل أنت بخير الأن؟ كيف تشعر؟ أتستطيع التنفس جيدا؟

أجاب بثقل كلمات خرجت بصعوبة:

– أشعر بالاختناق…

نهضت المرأة من مقعدها فورا، لتفتح النافذة. عادت تمسك يده قائلة بقلق:

– هذا لا يصلح… علينا أن نذهب إلى المستشفى.

بوضعه السابق أجاب:

– لا… لا داع… لذلك… سيفي البخاخ بالغرض.

تنهدت بقلة حيلة، حزنا وهي تساعده في أخذ نفسا من بخاخ الربو. بعد لحظات قال “DO”:

– أين هم أصدقائي؟

– يتلقون توبيخا من الأم الكبرى.

– لكن…

سعل بألم، ثم قال:

– لا ذنب لهم بما حصل… إن “SERL” هو من بدأ الشجار كالعادة.

– أعلم أن ذلك الشقي هو من افتعل الأمر، لكن أصدقائك اقترفوا خطأ أيضا.

استلقى “DO”، مغلقا عينيه بذراعه قال بحرقة:

– لماذا عندما أحاول جاهدا أن أنسى ما حدث… تستمر المواقف تذكرني بذلك اليوم. حاولت أن ابقى قويا من أجل أمي وأبي… اعتقدت أنني سأكون كذلك عندما انسى تلك الذكريات المؤلمة. لكن الحياة تخبرني دوما أن لا مفر من ذلك. فقط…

صمت ليخفي صوت تغير صوته عندما أخذ يبكي بصمت تحت ذراعه. شهق، شهقة ثم أكمل:

– فقط ما الذي علي فعله… أشعر بالسوء لأنني أردت أن أنسى ما حدث لوالداي، على الرغم من أنني كنت أنا من… إنني ابن سيء…

صمت يبكي بهدوء لا يسمع. كانت المرأة تبكي حزنا معه أيضا على القدر الذي كتب له. شهدت على طفولته البائسة والمليئة بالحزن والألم، بقيت بجانبه ترعاه وتحاول ما في وسعها لتنسيه ذكرياته السيئة، وتجعله يبني الجديدة السعيدة منها. رؤيته يعاني مجددا كان يؤلمها جدا. مسحت دموعها قائلة بدفء:

– أنت أفضل ابن في العالم يا “DO”… لأنك ما زلت على قيد الحياة، لأنك تتنفس، لأنك تشعر بهواء هذا العالم. محاولة نسيان الذكريات السيئة وبدأ حياة جديدة هذا ما يريدانه لك. لأنك حاربت كل شيء وبقيت قويا هذا يكفي ليُشعر والداك اللذان ينظران إليك من السماء، بالفخر والسعادة. لذا… لا تلقي على نفسك أمرا لم تكن أنت السبب فيه. عليك أن لا تنسى الوعد الذي قطعته لهما.

خارج غرفة العيادة، أمام الباب الذي لم يكن مؤصدا بالكامل سمع كل من الثلاثة “MEL” “LEK” “K” ما قيل في الداخل. مسح “LEK” دموعه، حدق إلى عيني “MEL” المنتفخة وقبل أن يصدر قولا، امسكهما “K” من يديهما وسار بهما بعيدا عن العيادة. أدخلهما إلى إحدى الغرف الفارغة فقال “LEK” على الفور:

– لماذا سحبتنا هكذا!

– إن شعر “DO” بوجودنا خلف الباب… لن يكون ذلك جيدا.

سألت “MEL”:

– هل تعرف ماضي “DO”؟

أجاب “K” متنهدا بثقل:

– إذا لم يخبركما “DO” فلا استطيع أنا فعل ذلك… إنه شيء يخصه هو.

عض “LEK” على شفتيه حزنا، ليقول:

– لماذا… لماذا لا يحدثنا “DO” بأي شيء يخصه… لماذا يخفي عنا الكثير… إنه صديقنا المقرب لكن لماذا… لماذا اشعر أنه يبعد نفسه عنا دائما؟ ألا يعتبرنا كما نعتبره؟ هل وجودنا بجانبه يزعجه؟ وهل…

قبض على يديه بقوة، ليردف:

– يخفي عن ماضيه لأن ما قاله ذلك الفتى صحيح…

– توقف عن هذا يا “LEK”!

صرخت به “MEL” بينما تمسك كتفيه، تحدق إلى عينيه بشرار. أكملت:

– لا تملك الحق لقول مثل هذا الشيء… إن “DO” هو صديقنا علينا أن نثق به فقط. متأكدة من أن لديه أسبابه الخاصة التي تجعله لا يتحدث عن ماضيه ونفسه.

تنهد “K” من سماع أحاديث الأطفال، ليقول:

– أن تثقا به أم لا، أن تبقا معه أم لا… هذا كله لا يهمني. لكن إن قمتما بأذيته عندها لن أسامحكما مهما كنتما تعنيان الكثير له. وأيضا… أنتما لا يجب عليكما إخباره بالعقوبة التي فُرضت علينا، هذا إن كنتما حقا أصدقائه كما تعنيان.

خرج من الغرفة بعد ترك كلماته الأخيرة القاسية. شعر “LEK” بألم في جسده كان قد نسيه بعد سماع حديث “DO” في الغرفة. امسك بذراعه يأن متألما. لم يكن ألم “MEL” يختلف كثيرا، لكنها لم تظهر ذلك وأخذت في المقابل تواسي صديقها.

– أعلم أن ذلك كان مؤلما جدا… لكن علينا أن نبقي ما جرى قيد الكتمان عن الجميع لا سيما “DO”… إن لم نفعل… تعلم ما الذي سيحدث صحيح…

قال “LEK” متألما:

– لست مغفلا لألحق ضررا بالجميع، لذا لا تقلقي.

بابتسامة بائسة قالت:

– سيكون من الصعب فعل ذلك لكن علينا أن لا نظهر تألمنا أمامه.

– هذا مؤكد…

في مساء اليوم حيث وقت النوم. كالعادة تسلل “DO” وصديقيه “MEL” و “LEK” من غرفهم إلى سطح المبنى. فوق طاولة صغيرة، جلس الثلاثة بجانب بعضهم يتأملون القمر المكتمل. قالت “MEL”:

– إن “K” لطيف جدا، وذكي يحسن جيدا اختيار كلامه. لا أصدق أنه يكبرنا بـ4 أعوام. يبدو ناضجا وأكبر بكثير من عمره.

ابتسم “LEK” بمكر عندما أخذ يضايقها بسخرية، قائلا:

– هل وقعت عزيزتنا “MEL” بغرام “K”

تلقى ضربة قوية في ظهره منها، بينما تقول:

– تفوه بالمزيد من الهراء حينها سأقوم برميك من هنا.

– حسنا… آسف يا آنستي الجميلة أعدك أن لا أقول شيئا غبيا كهذا مجددا.

قالت لـ”DO”:

– لقد قلت سابقا أنه أتى للميتم قبلك بعامين لكنك لم تخبرنا بالسبب. ككيف أصبح يتيما.

قال “DO”:

– لا أعرف… لم يخبرني بماضيه أبدا لذا اعتقدت أن سؤاله سيسبب له الألم.

– اتضح أن بومتنا مراعي!

– أترغبين بتلقي ضربة أنتِ الأخرى؟

– حسنا يا سيدي أعتذر.

قهقه الثلاثة على حماقتهم. بعد دقائق قال “DO” حاذرا:

– لقد سمعت أن الأم الكبرى قامت بمعاقبتكم… آسف يا رفاق… كان ذلك خطأي…

أحاط به “LEK” بين ذراعيه، قائلا بابتسامته الساذجة:

– تلقى ذلك الجامح عقابا أقسى منا. كم ذلك كان رائعا ويستحق ما أخذه. بالنسبة لنا فقط شاركنا قليلا لذا لم نعاقب مثل ذلك الأحمق.

– هذا جيد…

– هل… هل يقوم ذلك الفاشل دوما بإزعاجك؟

صمت “DO” للحظة، ثم أكمل:

– لا… نحن لا نتقابل كثيرا، لكنا عندما نفعل يلقي بنوبة غضبه المكتومة علي

– أنت معروف بكونك الشخص الذي يهابه الجميع في المدرسة، لا أفهم لماذا لا تظهر تلك القوة أمامه!

– أنا نفسي لا أعلم ذلك… أشعر بأنني مقيد عندما أراه…

كان على وشك سؤاله عن ما قصده الفتى الجامح فيما سبق، لكن بعد نظرات “MEL” إليه وتحريك رأسها يمينا ويسارا، دلالة على عدم التحدث حول الأمر تذكر “LEK” أنه لا يجب عليه فعل ذلك، فقال مازحا:

– أنتظر يا صديقي! لقد واجهنا الشخص الوحيد الذي لا تستطيع مواجهته، لذا عليك أن تدفع ثمن ذلك…

– كيف؟

– بشراء وجبة لنا، غدا في المدرسة.

– أهذا فقط!

أومأ “LEK” برأسه إيجابا، فأردف “DO” مبتسما:

– حسنا لا بأس بذلك.

حدق “DO” إلى “MEL” بحيرة، عندما شعر بأنها ليست على ما يرام، ليقول:

– هل أنتِ بخير يا “MEL”؟

ارتبكت “MEL” قائلة بلعثمة:

– م… ما… ما الذي… تقصده…

– وجهك شاحب جدا، أتشعرين بالمرض؟

نظر إليها “LEK” بقلق، لتقول نافية شكوك الآخر بابتسامة:

– لا… الأمر وما فيه هو أنني أشعر بالنعاس.

– هل أنتِ متأكدة؟

حوصرت “MEL” بين شكوك “DO” التي لا مفر منها بسهولة. وضعت هي الأخرى ذراعها حول “LEK” قائلة بتهرب مع ابتسامة ثقيلة:

– إذا يا عزيزي “LEK” ما الذي ستفعله بممتلكات والديك؟ إنها تشغل ثروة كبيرة

لينقذها من شكوك “DO”، وقف “LEK” فوق الطاولة، قائلا بحماسة:

– لقد انتظرت الفرصة المناسبة لأخبركما بقراري الجديد… لقد قررت أن اتبع خطى أمي وأبي لأصبح مثلهما مخترعا وعالما عظيما يصنع العديد من الاختراعات ويبتكر صناعات مذهلة. لذا بطبيعة الحال لن أدع مختبرهما ومنزلنا يُعرض للبيع. عندما أصبح راشدا سأقود ذلك المكان نحو الأفضل بالعقل المذهل الذي امتلكه.

بينما الثقة تملئه وهو يردد بقراره، كانا “MEL” و “DO” يقهقهان سخرية كالعادة. ليقول الأخير:

– أنت “LEK”؟ ستصبح مخترعا وعالما؟

أكلمت “MEL”:

– برأس فارغ؟

أخذا يقهقهان دون توقف، مثيرين بذلك غضب صديقهما. قفز الأخير من فوق الطاولة، شعر حينها بالألم اللاذع في جسده، لكنه سرعان ما حاول إخفاء تعابيره متصنعا ملامح الغضب. بينما يقف أمامهما يقول بغضب مزيف:

– ها أنتما ذا مجددا تسخران مني!! ألا تستطيعان الاعتراف بقدراتي فقط! هل هذا صعب جدا؟ أم أنكما تحبان رؤيتي غاضب! وأيضا أنا لم أمزح عندما قلت ذلك… سأصبح مخترعا عظيما وسأصنع أمورا لا تستطيعان تخيلها حتى!

ربتت “MEL” على كتفه قائلة:

– حسنا، حسنا سننتظر المستقبل ونرى ذلك

– أتسخرين مجددا!

– لك أن تفسره كيفما تشاء يا عزيزي

– أنت تسخرين!!!

قال “DO” وهو ينظر إلى باب السطح قلقا:

– أخفضا صوتيكما، أتريدا أن يمسك بنا من قبل الأم الكبيرة!

هدأ الأثنان، لتقول “MEL” بنبرة جادة:

– إذا أيها المخترع العبقري، هل ستأخذنا لرؤية مختبر والديك يوما ما؟

قال بسعادة:

– حقا! أتريدان رؤيته؟

– لما لا…

بعد تذكره لأمر ما، قال “DO” بحماس:

– صحيح يا “LEK” أتذكر ذلك الجهاز الذي أرانا إياه والدك قائلا أنه سيجعل من ذلك الشيء الصغير، شيئا كبيرا عظيما؟

– أه! أجل أتذكره… لقد كانا والداي يعملان عليه طوال حياتهما

– ماذا حدث له؟ هل انهياه؟

سألت “MEL” فضولا:

– وماذا يكون؟

صمت “LEK”، شعر “DO” بالحزن في ملامح صديقه فآنبه ذكر أمور تتعلق بوالديه لا سيما بأنه لم يمر وقت طويل منذ وفاتهما.

– إنني آسف يا “LEK”… لم أقصد…

قاطعه “LEK” مبتسما:

– أخبرني أبي أنه متى ما سينهي عمله هو وأمي على الجهاز سيخبرني بما يكون.

قالت “MEL” بشيء من المواساة:

– إذا أيها العبقري إننا نتطلع أن تقوم بإنهاء ما لم يستطع والداك إنهائه، ففي النهاية أنت تملك عقلا مذهلا أليس كذلك؟

ابتسم “LEK” برضا، قائلا:

– ها أنت ذا تجدين التحدث لأول مرة يا من تملك عقل الدمى.

نهض “DO” من مقعده، امسك بكتفي صديقيه ليقول بحماس مشجع:

– إذا ما رأيكما بأن نذهب إلى رؤية ذلك الجهاز قريبا؟

قال “LEK”:

– إنه مخبأ في مكان سري

سألت “MEL”:

– أليس في المختبر؟

– لا أعلم

قال “DO”:

– لا يهم ذلك، لأننا سنجده إذا بحثنا عنه.

صرخ بعدها بحماس وهو يكمل قائلا:

– لنذهب لزيارة المكان السري يا من تملك عقل الدمى، و يا حبة الفول

لنذهب لنكتشف ما يكون ذلك الجهاز.

نهاية الفصل الثامن عشر…



P.19. عقاب من الإله

قبل 24 عاما، سنة 1994 انتقل الصبي “DO EVE” إلى ميتم “MARIA” عقب وفاة والديه. سنة 1998 في اليوم الثاني من الشهر الثالث انتقل “LEK RO” و “MEL AL” للميتم أيضا بعد وفاة والديهما بوقت متقارب جدا. كان والد “MEL” طبيبا و والدتها ممرضته المساعدة، توفيا الزوجين عندما شب حريق في منزلهما. بعد 8 أيام تعرض العالمين المخترعين والدا “LEK” لحادث سير وتوفيا. تم تبني “DO” من قبل عائلة ثرية، و في اليوم الذي كان ذاهب به معهما إلى منزله الجديد، تعرضت الأسرة لحادث سير وتوفوا جميعا. لا أعرف إن كانت هذه مصادفة أم لا… لكن “MEL” و “LEK” توفيا أيضا في ذات اليوم، كانا في إحدى المباني التجارية التسويقية التي تعرضت للدمار عندما وقع زلزال عام 1998 الساحق في اليوم الثامن من الشهر الثاني عشر. قبل 10 سنين أغلق الميتم أبوابه. أُرسل الأطفال الذين تحت السن القانوني إلى ميتم آخر. اشترى الأرض إحدى فاحشي الثراء فور عرضه للبيع. لذا لم يجد مساعدي سوى شخص واحد، كان يعمل في الميتم كطباخ وهذه هي المعلومات التي يعرفها فقط. ما زال مساعدي يبحث عن المزيد من الأشخاص عندما نجد أحدهم سأوافيك بالأخبار.

بعد سماع تقرير “FER” والتحدث بالقليل عنه، خرجا “LEK” و “MEL” من مكتب “DO”. فور خروجهما رأيا حارس “DO” الشخصي الجديد يقف أمام الباب. طويل القامة، ضخم البنية، شعره الأشقر مع ملامح وجهه الفريدة الحادة، إضافة إلى هالته التي تبعث بالرعب البارد، جعل “MEL” تشعر بالغرابة. قال لهما الحارس بنبرة صوته الضخمة بملامح لا تخلو من الجدية المرعبة:

– تفضلا من هنا، سأرشدكما إلى طريق الخروج.

قال “LEK” متعجبا:

– نستطيع الذهاب لوحدنا فهذه ليست المرة الأولى التي نأتي فيها إلى هنا

شعرا بالارتعاش عندما لاحظا الحدة في صوته وهو يردد:

– اتبعاني من فضلكما.

لم يستطيعان الرفض وأخذا يسيرين خلفه للخروج من الطابق. همس “LEK” قائلا إلى “MEL”:

– من هذا الرجل المخيف؟

– يبدو أنه الحارس الشخصي للرئيس… لكن لماذا أشعر أنني رأيته من قبل في مكان ما. يبدو مألوفا جدا.

– لقد شعرت بذلك أيضا.

لم يتحدثا بالمزيد حتى وجدا الحارس يشير لهما بيده نحو باب الخروج. بعد خروجهما أطلق “LEK” تنهيدة عالية وهو يقول:

– لم أستطع أن أتنفس جيدا بسبب ذلك الرجل

– هذا غريب…

– ما هو؟

– لماذا اتخذ الرئيس حارسا شخصيا فجأة!

قال “LEK” ساخرا بجد:

– يا عزيزتي الغريب كان هو ألا يملك مؤسس قوى “OH” العظيمة أي حراس شخصيَن. إنه الآن يملك واحدا ما الغريب في هذا الشأن. وأيضا… ذلك الرجل يبدو مناسبا لهذه الوظيفة.

– أنت محق… لكن هالته تلك لا تزال تشعرني بالحيرة. أشعر أنني رأيته كثيرا.

………..

في مكتب القسم السابع:

كانت المحققة “ER” تعاني من وقت عصيب بسبب منصبها الجديد. جلست بغمة في ردهة الاستراحة لطابق قسمها، تفكر حول ثقل المسؤولية التي على كاهلها. تذكرت أول يوم عمل لها في القسم، مع المحقق “LV” استقبلهما المحقق “DS” بلطف وعاملهما دوما كإحدى أبنائه. بعد وفاته أرادت أن تعرف سبب مقتله لكنها لم تستطع الوصول إلى الشخص الذي عثر على جثته – الرئيس ومساعدته اليمنى-. كان عدم فعل شيء يشعرها بالضيق والذنب، لذا فكرت ما إذا أخذت تبحث عن الجاني بمفردها.

– هل تخططين للعثور على قاتل القائد السابق؟

فجعت عندما رأت المحقق “LV” يردد بالجملة السابقة، بعد وضع كوب من القهوة أمامها، فوق الطاولة. جلس في الكرسي مقابلها. عندما لم يسمع ردا، أكمل قائلا:

– تعلمين أن هذا ليس من ضمن نطاق مسؤولياتنا

أخذت المحققة “ER” الكوب، بينما تحيطه بين يديها، قالت بضيق:

– فور ولادتي توفيت أمي بسبب خطأ طبي. مع ذلك لم يأخذ الطبيب مسؤولية خطأه على عاتقه ولأنه كان ذا نفوذ، نفذ من الحكم. عندما كنت في الـ15 فقدت أبي بسبب شخص مخمور كان يقود سيارته بتهور. المحكمة حكمت عليه بالسجن لستة أشهر بعذر أنه لم يكن واعيا… أتعلم…

قبضت بقوة على الكوب، رادفة:

– أتعلم ما الذي فعله الجاني؟ خرج من قاعة المحكمة مبتسما بخبث… لم يشعر بالسوء حتى لما فعله… لقد كان سعيدا… إلى يومنا هذا، لا استطيع نسيان ابتسامته الخبيثة وملامح وجهه القبيحة وهو يقول مستفزا:

” قتلت والدك لكنني لم أعاقب كما يجب، أتعتقدين أن ذلك فقط لأنني كنت مخمورا؟ أنت مخطئة يا صغيرة. لقد قمت برشوتهم. هذه هي الحياة. الأغنياء هم الذين يعيشون، الفقراء من يموتون. لقد استحق الموت ذلك الرجل العجوز البائس.”

لم تستطع المحققة “ER” كبح دموعها، أكملت بغصة في صوتها:

-أليس هذا قاسيا؟ يعيش أولئك الأشخاص حياتهم كما العادة بعد أن أخذوا حياة من هم عزيزين علي… كرهت هذه الدولة و قوانينها. كرهت كل البشر… كنت أفكر إلى متى سيستمر هذا الظلم؟ هل هذه هي العدالة؟ أن يُسحق الفقراء فقط لأنهم فقراء؟ ويعيش الأغنياء حياة سعيدة فقط لأنهم يملكون أوراق قذرة؟ بعد عدة سنين سمعت بوجود قوى عسكرية خاصة. قوى حيث هي مركز العدالة الحقيقية. كنت أفكر هل يوجد شيء كهذا؟ أردت أن أكتشف حقيقة الأمر بعيني، لذا حاولت جاهدة لألتحق وأكون جزءا منها. بعد عناء دام سنين لأعمل في هذا المكان الذي يقول الجميع عنه أعظم شيء حدث في العالم، اجتزت كل الاختبارات وعينت كمحققة في القسم السابع. بعد العمل لفترة قصيرة أدركت أن المكان الذي أنا فيه لم يكن عاديا. إنه أسطورة حقيقية. الجاني يعاقب على جريمته مهما كانت ظروفه و منصبه. لا انحياز هنا، الجميع بذات المستوى. لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي وكلت فيه بقضية حادث سير تحت تأثير الكحول. أتعرف ما الجزاء الذي تلقاه الجاني وفقا لقوانين “OH”؟ ضريبة مالية 10 أضعاف بالمئة و السجن ضعفا، وفقا لنسبة الكحول في دمه أثناء ارتكاب جريمته. كانت نسبة الكحول في دم الجاني حينها 0.08 % لذا حكم عليه بالسجن لـ16 عاما. تمنيت لو أنني أصدرت ذلك الحكم على الشخص الذي قتل والدي…

مسحت دموعها، ابتسمت بعدها قائلة:

– أحيانا أفكر ما الذي فعلته في حياتي لأستحق نيل السعادة والشرف بعملي في “HXH” وشعور امتلاكي لرفقة مميزون… “LV” إنني ممتنة لتشجعيك لي دوما، ممتنة للقائد “DS” لمعاملته لي كابنته، ممتنة لرفقائي في الفريق. إنني ممتنة أكثر للرئيس “DO LEO” لتأسيس قوى كـ”OH”.

ابتسم المحقق “LV” عندما استرجع ذكريات تلك الأيام التي كان يتدرب فيها مع المحققة “ER” للعمل في “HXH”. قال:

– بعد تلك الصعوبات اصبحنا نعمل معا في ذات الفريق. إنه كالحلم الذي لم أتوقع بحلمه أبدا. دربنا المحقق “DS” وارشدنا لنصبح أفضل. لقد كان أقرب إلينا أكثر من كونه محقق نعمل تحت أوامره. لذا حقيقة أنه قُتل تغضبني ولا استطيع قول شيء يسيء للرئيس والمحققة “FER”، إنهما أعلم بما يفعلانه. لهذا أريد منك ألا تتصرفين بطيش يهدد موقعك.

صمت وهو يحدق في المحققة بقلق مما ستقوله. قالت الأخيرة:

– أنك محق يا “LV”… لكنني لا استطيع أن انتظر دون فعل أي شيء. أريد على الأقل أن أعرف لماذا ومن ذا الذي قتل القائد…

– إذا ما رأيك بمقابلة المحققة “FER”؟

ابتسمت نصف ابتسامة قائلة بسخرة:

– وهل تعتقد بأنها ستجيبني؟ لقد دفعت المساعدة “MEL” بعيدا عندما سألتها عن ذات الأمر.

– هذا معقول… لكن المحاولة أفضل من عدمها، أليس كذلك؟

– لا… لقد قررت بالفعل، سأجد القاتل بنفسي قبل أن يفعل ذلك الرئيس.

– من المؤكد أن الرئيس يبحث عن قاتل القائد “DS”، لذا لا أفهم لماذا تتكبدين عناء خسارة كبيرة ستلحق بك لاحقا!

– أعلم ذلك… أعلم أن الرئيس يحقق في القضية وإيجاده للقاتل سيكون ثأرنا أيضا…

عندما صمتت، قال “LV” حائرا:

– إذا لماذا!!

تنهدت “ER” بينما تنهض من مقعدها، اتكأت على الحائط يمين الكرسي لتقول:

– لدي هدف أريد أن أحققه وها ذي الفرصة أتيحت لي، لذا أرغب باستغلالها.

– وماذا يكون هدفك؟

– الشخص الذي حول هذا العالم للأفضل… أريد أن أبقى بجانبه.

……..

مساء اليوم، في مصنع “FADS”:

بينما “SERL” الحارس الشخصي لـ”DO” في المقدمة يضيء بمصباح يدوي متوسط الحجم، طريق الممر الذي يسيرون فيه. كانت المحققة “FER” خلفه مع “DO” تقول ما لديها من أخبار جديدة:

– هناك عاملة أخبرني الطباخ الذي قابلته، أنها تعرف شخصا كان مقربا من إحدى الأصدقاء الثلاثة. ما زلت أبحث عنها، يبدو أنها خارج البلاد.

– عمل جيد

– إذا لماذا أردت القدوم إلى المصنع؟

– علي أن أكتشف المكان، لأرى ما إذا كان هناك شيء سيفيد التحقيق

– أردت أن أسأل شيئا يشغلني منذ مدة.

التزمت “FER” الصمت عندما قال “DO” قاصدا الحارس لحظة مرورهم من جانب غرفة التخزين للمصنع:

– توقف هنا

دخل الحارس مضيئا المكان، ليدخل بعده من تبقى خلفه. بينما يستكشفان المكان الواسع المليء بمخزونات قديمة، أكملت “FER” تقول:

– من هو الشخص الذي هددك؟ ولماذا طرحت ذلك السؤال على “LEK”؟

– إنه “LEK”

– هل هو من قام بتهديدك! كيف يجرؤ!

عندما صرخت “FER” بكلماتها، التفت إليهما “SERL” عاقدا حاجبيه بغضب يقول بجدية ملامحه:

– أرجوك دعني أعاقب من تجرء على تهديدك يا سيدي

ببرود غير مبال، قال “DO” بينما يلقي نظرة على إحدى الصناديق:

– لماذا ستفعل ذلك

– لأنه هدد حياتك

– وماذا إذا؟

– ما الذي تعنيه بهذا

رمقه “DO” بنظرة فارغة، لكنها جعلت “SERL” يشعر بالتهديد منها. ثم قال:

– لو أردت لجعلته يحفر قبره بنفسه في ذلك الوقت، كما الأمر ذاته معك أيضا

تنهدت “FER” بخفة قائلة:

– لم يدرك أنه هو الشخص الذي هددك بذلك، لم يبد عليه الكذب أو إخفاء الأمر… هل من الممكن أنك كنت تختبره، لتثبت إحدى شكوك نحوه؟

رفع “DO” إحدى حاجبيه مؤيدا، ثم توجه نحو صندوق حديدي ضخم، لفت انتباهه.

فتحه “SERL”، فكان ما يحتويه حزمة كبيرة من الخناجر. قالت “FER”:

– إنها ذات الخناجر التي يستعملها الجاني

سأل “DO”:

– ألم تقومي بتمشيط المكان منذ مدة؟

– أجل، لكنني لم أفتح الصناديق التي كانت هنا.

– إذا قاتلنا كان يأخذ الخناجر من هنا. هذا يبعث لي بشعور جيد

– لأجل ماذا؟

– أرض قيمة تملكها الدولة لكنها حتى الآن لم تخطط لأي مشروع لها، يستخدم أحدهم منتج مدفون في مكان مهجور… هذا المكان بالتأكيد يرتبط بالقاتل

– هل تعتقد أن “B8” شخص متصل بالدولة؟

– لا

– إذا لماذا؟

– استخدام الخنجر كسلاح جريمة في جرائمه، يدل على أن ذلك السلاح دليل، الدليل ذلك قادنا إلى هذا المصنع. وهذا المصنع سيقودنا إلى إحدى أهداف، أفكار الجاني التالية

– هو يخاطر بهذا لكي يجعلنا نكشف حقيقة دفنت هنا منذ وقت طويل

– أصبتِ

– أتساءل ما الذي حدث هنا…

– أريدك أن تقومي بتمشيط المصنع مجددا، دون ترك أي زاوية

– كما تأمر

– و أنت

حدق بحدة إلى “SERL” ليكمل:

– أحضر لي تقريرا عن اليوم الذي ذهب فيه “LEK” لمقابلة العراف.

……..

في منزل شعبي أعلى قمة جبل يبعد عن العاصمة ساعة واحدة:

أوقف “SERL” سيارته وأخذ يطرق باب المنزل. دقائق معدودة حتى استقبله عجوز يكاد يقف بصعوبة بسبب سنه. اكرم العجوز، ضيفه بكوب عصير ثم جلس أمامه يتحدث بالكاد:

– إذا أنت… من ذلك المكان… الذي يدعى “OH”… أتساءل ما الذي يريده شخص من ذلك المكان، مني أنا الذي لا يملك شيئا في هذه الحياة.

– هل تذكر زيارة شخص لك يدعى بـ”LEK”؟

لاحظ “SERL” الحيرة في ملامح العجوز، فأضاف قائلا:

– رجل في بداية عقده الثالث، متوسط الطول، ملامح وجهه تبدو غير راضية…

– آه! هل تقصد ذلك المدير الثري جدا! لقد عرفته. زارني قبل أكثر من شهر ليسألني عن شيء ما

– ماذا كان؟

– إن كنت أعرفه…

– إن كنت تعرفه؟ ما الذي تقصده؟

تغيرت ملامح العجوز وهو يحاول التذكر بجدية. تنهد “SERL” عندما رأى ذلك. فإحدى المعلومات التي يدركها بعد بحثه عن حياة العجوز قبل زيارته، كانت أنه يعاني من الزهايمر. قال “SERL” بعد برهة من الوقت:

– هل أخبرته عن الولادة من جديد مع روح الحياة السابقة؟

ارتعش العجوز، كان ذلك واضحا تماما. قطب “SERL” حاجبيه يسأل:

– هل أخبرته بذلك؟

شفتيه المرتعشتين لم تساعده على النطق. تغير لون وجهه. نهض من مقعده مندفعا بقلق نحو باب الخروج من الغرفة. كل ذلك جعل “SERL” يدرك أن هناك شيء يخفيه العجوز، فلحق به ممسكا قبضة يده بقوة.

– ما الذي تخفيه يا سيد؟

أجاب العجوز برجفة في شفتيه، دون أن ينظر إلى ضيفه:

– لا… لا… لا أخفي شيئا.

” بدلا من قول لا أتذكر، ما الذي تتحدث عنه… هو قال أنه لا يخفي شيئا! “

قبض “SERL” على ياقة ملابس العجوز، مرددا بنبرة تهديدية:

– إن لم تخبرني الأن بما تعرفه، سألقي بك في سجن المكان الذي أتيت منه

ارتعش العجوز أكثر من تلك الفكرة، شاعرا بالخوف من ملامح الرجل الذي أمامه. بينما يحاول السيطرة على ما اجتاحه من شعور، قال:

– أجل… أخبرته… بذلك و كثيرا جدا… لذا يعاقبني الرب الآن على ذلك

– لماذا؟

عندما صمت العجوز، شد “SERL” بقبضته أكثر، قائلا بحدة:

– لماذا! أخبرني الآن؟

– كنت واحد منهم… من… الذين قاموا… بتحويل حياته إلى جحيم

– هل تقصد بذلك حياة “LEK”؟ و من هم الذين كانوا معك؟ ما الذي فعلتموه؟

– سيعود… سيعود… سيعود مجددا للثأر… إنه قريب…

أخذ العجوز يردد كلماته بحالة من الهيجان القلق، لم يشعر بقدميه من شدة الضغط على نفسه فسقط أرضا. يقول بينما عينيه على وشك الخروج من بقعتهما:

– ليس هو… ليس ذلك الثري… إن ذلك الشخص منذ عام 1992 إنه يكون…

قبل أن يكمل حديثه انقطعت الكهرباء فجأة، و دوى صوت انفجار شيء ما في الغرفة المجاورة. أخرج “SERL” مسدسه وأضاء طريقه نحو الغرفة بمصباح هاتفه، بحذر. عابرا من خلال الدخان دخل إلى الغرفة ليتفقد الأمر. لمح صوتا من خلفه وبحركة سريعة منه، انحنى للأسفل وأسدى ركلة قوية على قدمي الشخص الذي خلفه. سرعان ما الشخص الذي تلقى الركلة، نهض وهاجم “SERL”. لم يتعرف الأخير على هوية الشخص الذي يتعارك معه، بسبب القناع والرداء الذي يخفي نفسه بهما جيدا. بعد قتال دام دقائق، توجه الدخيل إلى الغرفة حيث العجوز بعد أن أفرغ طلقات مسدسه على “SERL”. عثر على العجوز الذي كان يختبأ خلف الأريكة. نزع قناعه وبابتسامة خبيثة قال:

– لن تستطيع الهرب بعد الآن، سأجعلك تولد من جديد بروح حياتك السابقة لأجعلك تتألم وتعاني كل يوم في حياتك الجديدة.

اقترب من أذن العجوز وهمس:

– كيف كانت هديتي؟ هل أعجبتك؟ صرخ ذلك المسكين كثيرا عندما كنت اقتلع لسناه من فمه، آه كان عليك أن تنظر إلى عينيه عندما كنت أنحت على أذنيه بمسمار من لهب.

ابتسم مرة أخرى، وبحركة بطيئة أسدى طعنة من خنجره في قلب العجوز. بينما لا يزال يبتسم بخبث، كان يحرك الخنجر ببطء وهو بداخل القلب. أخرجه ومرة أخرى أدخله بعنف أكبر عن ذي الأولى. حشرها بالداخل أكثر، استمر بتحريكها ليُشعر ضحيته بألم أكبر. بينما يفعل ذلك قال:

– كيف هو هذا الشعور؟ إنه مؤلم أليس كذلك؟ هذا بالضبط كما فعلت في ذلك اليوم.

بينما يتصبب الدم من فمه، قال العجوز بصعوبة:

– لم… لم… يكن… ذلك خطأي…

امتعض الجاني، مصرا على أسنانه أخرج الخنجر من قلب العجوز وأدخله مرة أخرى بقوة أكثر أضعاف قبلها. بعد تلك الضربة فقد العجوز حياته مباشرة. قال الجاني بغضب معتصرا ألما:

– جميعكم… قلتم ذات الشيء… لم يكن خطؤكم! إذا هو خطأ من؟ إن لم تفعلوا ذلك، لما… لما…

أرخى رأسه فوق يده التي كانت لا تزال ممسكة بالخنجر الذي توسط قلب العجوز، وأكمل بينما يذرف دموع الخسارة:

– لو لم تفعلوا ذلك… لما حدث كل هذا الأن.

كان اليوم الثاني عشر، من الشهر الحادي عشر لعام 2018، عندما تعرض “SERL” للهجوم، وقُتل العجوز. قبل أن يفقد “SERL” وعيه، أرسل إشارة النجدة إلى فريق الطوارئ في “XHX” فأُرسل فريق الإنقاذ إليه فورا.

” الظاهر دائما يخفي ما في الباطن. ما ترونه وما تعرفونه ليست الحقيقة للوصول إلى المرحلة النهائية من المعركة. مفتاح اللغز قريب جدا، أقرب إليكم، أكثر منكم “

” BLACK8″

بعد قراءة الملاحظة، ألقى “DO” نظرة إلى الصندوق الذي يحتوي على “أذنا REWE” وإلى سترة الواقي من الرصاص المجتاحة بـ6 طلقات. تنهد عندما حول ناظريه إلى “SERL” المستلقي فوق سرير العيادة.

– إذا أنت تقول أنك لم تتعرف على الجاني؟

أجاب “SERL” وفي نبرته الألم:

– آسف يا سيدي…

– هل لاحظت عليه أي شيء، من الممكن أن يدل على هويته؟

– بالتفكير في ذلك، لقد كان أقصر مني بكثير، إن لم تخني ذاكرتي أخمن أنه يبلغ من الطول 170 سم، بنية جسده كانت طبيعية بالنسبة لرجل.

– إذا يكون رجل

– أجل، وبالنظر إلى قوة هجومه ودفاعه أخمن أنه تلقى تدريبا مكثفا. ليس صغيرا ولا كبيرا في العمر، قد يكون ما بين الـ30 و45

صمت للحظة ثم أردف:

– هل تشك بأحدهم يا سيدي؟

رمقه “DO” بنظرات باردة، قائلا:

– أخمن أنه شخص أقوى من الحارس الشخصي لمؤسس قوى “OH”، حتى يستطيع هزيمته بسهولة.

– اعتذر يا سيدي، إن هذا…

– كان بإمكانه إطلاق النار على رأسك لكنه أطلق على بقعة يعلم أنها محمية بسترة واقي من الرصاص…

اقترب “DO” من “SERL” بينما يحدق إلى عينيه مباشرة قال هامسا:

– سأعيد إحيائك وأقتلك بلا رحمة إن مت بعيدا عني، لذا راقب حياتك جيدا.

خرج “DO” من العيادة وهو يشعر بالإرهاق، متوجها إلى مكتبه كان يفكر باليوم الذي قابل فيه “SERL”. تنهد بثقل مسرا لنفسه:

” هل يجب علي أن اقتله الأن فقط؟ “

……..

في شركة “ENGART”:

ماضغا العلكة بطريقة مقززة، كان “LEK” يسير بعجرفة، ينظر باشمئزاز للأشخاص الذين حوله. شهد على تجمع بسيط في الرواق فذهب ليرى ما يحدث. وقع عينه على أول شخص -امرأة- فسألها بحدة في صوته:

– أنت أيتها الصلعاء ما الذي يحدث هنا؟

التفتت إليه المرأة، قالت بنبرة حيرة أخفتها في صوتها:

– أيها المدير “LEK”… ما الذي أتى بك إلى هنا؟

صمتت وهي تشعر بالقلق عندما لم يجب عليها، مستمرا بالتحديق إليها بحدة لم يعتد أحد على رؤيتها منه. عندما لاحظته يلبس بدلة رسمية ابتسمت بزيف قائلة:

– أنت تلبس اليوم بدلة رسمية! هذه هي أول مرة أراك فيها هكذا. إنه يناسبك أكثر من البدلات الرياضية

أسلوبه الحاد في الحديث، سبب للمرأة ارتعادا عندما قال:

– إذا أنت تقولين أن ما كنت ألبسه سابقا لا يلائمني

– لا… لا… لم أقصد ذلك…

فزع جميع من في الحشد عندما صرخ “LEK” يقول بعد صفعه للمرأة:

– بدلا من إجابتي على السؤال الذي طرحته تتفوهين بأمر لا داع له، هل تقللين من احترامي الأن!!!

كانت المرأة بحالة من الصدمة، لم تفهم لماذا “LEK” يتصرف بطريقة غريبة! انقذها أحدهم من الموقف، عندما وقف بينهما يقول:

– ما الذي يحدث هنا أيها المدير “LEK”؟

– هل أنت هنا لمحاسبتي؟

– كنت أريد أن أعرف ما يحدث لأساعدكما

– حقا؟

بابتسامة جانبية، خبيثة اقترب “LEK” من الرجل، ليهمس في أذنه:

– أغرب عن وجهي قبل أن أقوم بفصل رأسك عن جسدك

تجمد في بقعته بعد أن أصابته الحيرة مما سمعه، من شخص لم يكن ليقول شيء كهذا في حياته أبدا.

نظر “LEK” بعينيه المليئة بالكره إلى المرأة، وهو يردد:

– سأسأل آخر مرة ما الذي يحدث هنا؟

– إنه… يتعلق بخصوص المدير التنفيذي… هناك شائعات تتداول على أنه متورط بتهريب المخدرات.

أطلق “LEK” ضحكة خفيفة مسرا لنفسه ” إذا إنه أنتما مجددا “

……..

كانت المحققة “FER” تقوم بمراجعة ملفات القضايا في مكتبها الخاص. فتحت إحدى الأدراج لتأخذ لها غرضا ما، فسقطت صورة كانت بين حاجياتها. صورة سلفي التقطتها مع “”DO بمناسبة عيد ميلادها الـ26عندما كانا يعملان معا في “روز”. ابتسمت وهي تحدق في الصورة فتذكرت إحدى المواقف في ذلك الوقت حيث كان الفريق في مهمة للإطاحة بتجار العبيد. كان إحدى التجار يأخذ طفلا كرهينة وبخطة مبتكرة من “DO” استطاعوا إنقاذ الطفل والقبض على التاجر.

” كان الرئيس رائعا في تلك اللحظة عندما ظهر من الخلف وأطاح بالتاجر”

تهجمت ملامح وجهها، شعرت بالتصلب عندما كانت تلك الذكرى لا تُظهر صورة و وجود “DO” فيها، رغم علمها بتواجده. كانت ترى التاجر وهو يُهاجم من الخلف، لكن الذي يهاجمه ليس “DO”، بل ظل أسود تماما. حاولت التذكر مجددا، حاولت تشكيل “DO” في تلك المواقف التي كان متواجد فيها، لكن في كل مرة كان يظهر ظلا أسودا مقابل الشخص المنشود. مواقف عديدة أخرى، بل جميع اللحظات التي كان فيها “DO”، كانت خالية من وجوده تماما. تتذكر جيدا أنه هو، الموجود في جميع تلك المواقف والذكريات، لكن هيئته غير متواجدة.

نظرت إلى الصورة التي في يدها، فصرخت بفزع مسقطة الصورة، عندما كانت هي لوحدها فقط من تظهر.

” هذا مستحيل “

بيدها المرتعشة التقطت الصورة مجددا… كانت خائفة من النظر إليها، لكن شكها تأكد عندما كانت لوحدها في الصورة التي كانت التقطتها مع “DO”…

بعد تحديق دام لدقائق في الصورة، عقدت “FER” حاجبيها مسرة لنفسها:

” هذه الصورة متى التقطتها؟ “

نهاية الفصل التاسع عشر…



P.20. انعكاس مرايا

صدى خطوات أقدام “LEK” كانت تكتسح هدوء الممرات التي يسير فيها، داخل مصنع “FADS”. بعد 10 دقائق وصل إلى غرفة في نهاية الطابق الأخير من المصنع. غرفة مهجورة، قديمة يحيطها الفراغ تماما. وقف في الوسط يحدق إلى كل ركن وشبر بملامح جامدة. تنفس عميقا ثم أغلق عينيه وأخذ يحاول يستشعر المأساة التي وقعت هناك. دقائق معدودة، فتح عينيه وهو يشعر بالضيق القاتل. بدموع عينيه حدق إلى الحائط طرفه الأيمن، أصر على أسنانه بغضب حزين.

” هذا الشعور… إنه سيء جدا، بل هو أبعد مما يكون سيئا. كيف… كيف يعقل أن يفعلوا ذلك، إنهم ليسوا بشرا… إنني غاضب، غاضب جدا وأرغب الآن بأن أقضي عليهم جميعا…”

ضرب بقبضة يده الغاضبة الحائط، و أسر يكمل

” تبقى القليل علي أن انتظر حتى يحين الوقت المناسب عندها… عندها سينتهي عذابنا جميعنا، لذا أرجوك يا “DO” فقط لا تفعل أي شيء، و ضحي بنفسك من أجل الجميع، كما يفعل الجميع من أجل الجميع. “

……..

– ما كان دافع قتل “RAV” لضحاياه؟

طرح “DO” السؤال لـ”FER” بينما كان يقف أمام الحائط الذي يحتوي على المئات من الملخصات بدأ من قضية “BN8” حتى “BM8”.

نهضت “FER” التي كانت تكتب تقريرا وتوجهت لتقف بجانبه، تحدق إلى الملخصات، ثم أجابت:

– الانتقام، لماذا تسأل عن هذا فجأة؟

– نحر “RAV” رأس “L” لأنه الشخص الذي استمر بضرب رأسه وأحدث تشوها في وجهه. جث قلب “A” لأن القلب الذي زرع بداخله كان من المفترض أن يكون لشقيقته. جث عينا “C” لأنه الشخص الذي أفقده بصره، جث لسان “N” لأنه الذي أمر بتعذيبه. جث أذنا “O” لأنه عندما كان يناشد به تجاهل “O” ذلك رغم الصداقة التي كانت تربطهما. جث قدما “T” الذي سبب له الشلل وأخيرا “E” الذي جثت يديه لأنه سرق ماله. قبل أن يجث الأعضاء الجسدية عذبهم أولا بأداة صلبة حتى أفقدهم الوعي بذلك. ثم طعنهم في أرجاء مختلفة من جسدهم بالخنجر. بعد ذلك قام بتثبيتهم في الحائط على هيئة الحرف “X” بالمسامير وكل ذلك ليشعرهم بالألم، أضعاف الألم الذي شهده منهم. أجل دافعه كان الانتقام لأن سعادته سُلبت منه، وطريقة الانتقام كانت بالقتل والتعذيب لأن غريزة القتل لديه ظهرت من سباتها العميق عندما لم يستطع التحكم بها و بعواطفه و إنسانيته… إذا برأيك لماذا يُقتل الضحايا في سلسلة “BM8″؟

– جميع الأربعة قتلوا بذات الطريقة لذا من المحتمل أنه ليس من أجل الانتقام.

– لماذا تعتقدين ذلك؟

أوضحت “FER” قائلة:

– قتل “RAV” ضحاياه كل واحد منهم بذات الطريقة، لا بل أضعاف ألم الطريقة التي تلقاها منهم لينتقم. لكن قاتل هذه السلسلة يستخدم ذات الطريقة والأسلوب في القتل لكل الضحايا. إن كان دافعه الانتقام فهذا يعني أن الضحايا الأربعة، والأربعة الذين سيقعون لاحقا، الحقوا الضرر للقاتل بذات الطريقة التي قُتلوا وسيقتلون بها. طعن 3 مرات في القلب بخنجر وهذا لا يبدو صائبا لي.

– لما؟

– أعني… ليس من الممكن أن يطعن 8 أشخاص، شخص واحدا! وإن فعلوا لن تكون عدد الطعنات 3! بل أكثر بكثير حتى من عددهم

– إذا باختصار دافع القاتل ليس الانتقام

– بالتأكيد

– إذا ما دافعه؟

صمتت “FER” لبرهة ثم أجابت:

– أسلوب منظم في القتل، اختيار ليس عشوائي للضحايا، ترك ملاحظات وعضو جُث سابقا… أليست هذه رسالة تكمل الشيفرة في السلسلة السابقة؟

سأل “DO” متصنعا الجهل:

– رسالة؟ لأجل ماذا؟

– في سلسلة “BN8” اختار “B8” قاتلا يتشابه دافعه، مع دافعه الشخصي، لذا كل جريمة وقعت في السلسلة هي من تخطيط “B8″ والشيفرة التي كان يتركها هي دليل وصل للرسائل القادمة في بداية النهاية بعد نهاية البداية. مما يعني أن فك تشفير المعنى الحقيقي لـ”BN8” ستترك كرسائل من قبل قاتل تابع في هذه السلسلة أيضا لذا لن يكون من المنطقي أن الانتقام هو الدافع في كلتا الجريمتين.

– تخطيط الجريمة، اختيار الضحايا، دافع القتل في كلتا السلسلتين هو من قبل الجاني الحقيقي “B8” لذا أنتِ تقولين أن الدافع لن يتكرر مرتين بل هناك دافع وقاتل تابع آخر يتبع أوامر “B8”.

– أجل

قال “DO”:

– دافع “B8” بشكل عام حتى الآن هو أن يرسل رسائل لها علاقة بحياتنا الأربعة. دافعه الفرعي يتمثل في الجرائم التي أمرها لأتباعه القتلة. إن كان اختيار “B8” وقع على “RAV” ليكون قاتله التابع بسبب نواياه في الانتقام، إذا ما سبب اختياره للقاتل التابع في هذه السلسلة؟ هذا هو ما أسألك عنه منذ البداية

شعرت “FER” من سؤال “DO” أنه يختبرها، لذا شعرت بالقلق قليلا. قالت بينما تتبع الخيط الأسود في الحائط:

– بشكل عام الدافع هو إرسال رسائل تخص حياتكم، حتى الآن لا نعلم ما دافعه من هذا الأمر. الدافع في السلسلة الأولى هو الانتقام، يليه…

صمتت لبرهة ثم أكملت بينما تحدق في ابتسامة “DO” الخفية:

– أنت تعلمها أليس كذلك؟

نظر إليها “DO” وهو يقول مبتسما، ابتسامة لم تفهم “FER” مغزاها:

– أنتِ لا تعرفين الدافع الفرعي لهذه السلسلة أليس كذلك

ترددت عندما أيدت ما قاله، أردف “DO”:

– لذا ذكرت أن هناك قاتل تابع لهذه السلسلة

– أنت لا تقصد أن القاتل في سلسلة “BM8” هو “B8” بذاته!

قال “DO” بعد رشفة من قهوته:

– انعكاس المرآة

– انعكاس؟

– الخطيئة التي اقترفها ضحايا “BM8” هي مرآة وانعكاسها، هو ما حدث مع ضحايا “BN8”. الضوء الذي يُسلط على الغرفة التي تتواجد فيها المرأة هو حياة “B8” الراغب إشعاعها لخارج الغرفة بالرسائل التي تركها، ويتركها مستقبلا.

قالت “FER” بشك في نبرة صوتها:

– تقصد أن الرسائل التي تتعلق بحياتكم هي في الواقع ليست سوى من حياة “B8” وحقيقة أن ما حصل له من سوء هو بسبب ضحايا “BM8”! أي أنه كان ينتقم منهم وليس من ضحايا “BN8”!

– أصبتِ وهذا أيضا بالضبط ما قاله العراف المسن قبل موته لـ”SERL”

” كنت واحد منهم، من الذين حولوا حياته إلى جحيم، لذا الرب يعاقبني الآن “

– إذا ما ذنب ضحايا “BN8” بالذي فعلوه ضحايا “BM8” للجاني الحقيقي!!

قال “DO”:

– إنه ينتقم من الذين لا علاقة لهم، بالذين علاقة لهم

لم تفهم “FER” مجددا ما يقصده، وقبل أن تسأله، تحدث “DO” بينما يؤشر بيده على ورقة كان قد كتب فيها دافع “RAV” من القتل:

– السعادة… سبق و أن قلت هذا. السعادة الحقيقية للبشر هم العائلة. الأعضاء التي جثها “RAV” والتي جُثت من جسد “REWE” تمثل هذه السعادة والجاني الحقيقي سلبها لماذا؟ لأنها سُلبت منه. يضع كل عضو يمثل جزء من السعادة كاملة، جثه من جسد “REWE” أمام إحدى الضحايا في سلسلة “BM8” ما الذي يمثله هذا؟

اتخذت “FER” سبيل الصمت عندما لم تجد إجابة مناسبة، فأكمل “DO”:

– يخبرهم بهذه الطريقة أنه سلب سعادتهم أيضا كما سلبوها منه

قالت “FER” بعجب واضح:

– انتظر لحظة… أنت لا تقصد أن “REWE” تربطه علاقة سعادة بالضحايا المسنين صحيح!

– ليس بـ”REWE” بل بالأعضاء التي غُرزت بجسده

– مستحيل…

أغلقت “FER” عينيها بيدها، تضحك نتيجة صدمة الوقائع. بينما “DO” أردف:

– كنت أشعر دائما بوجود قطعة الركن ضائعة في أحجية تركيب الصور، والأن بعد أن وجدتها أعتقد أن بقية القطع ستظهر من تلقاء نفسها. تلك القطعة وجدتها بعد آخر ملاحظة مع الضحية الرابعة:

” الظاهر دائما يخفي ما في الباطن. ما ترونه وما تعرفونه ليست الحقيقة للوصول إلى المرحلة النهائية من المعركة. مفتاح اللغز قريب جدا، أقرب إليكم، أكثر منكم “

ما نراه ونعرفه هو السبب الذي جعلنا نرى الظاهر دون البحث في الباطن الخفي. الباطن الخفي هو أننا لم نربط دافع القتل في السلسلتين معا… كما قال ربما أن هذه القطعة من الباطن الخفي هي من ستقود إلى النهاية من المعركة. لكن القطعة لا تزال لغزا، واللغز هو: ما العلاقة التي تربط ضحايا “BN8” بضحايا “BM8″، ما الذي فعلوه بـ”B8″، كيف سلبوا سعادته ولماذا وأين ومتى. هذه الأجوبة قد تكون قريبة منا جدا وأقرب بكثير

– السعادة هي العائلة، سُلبت أعضاء السعادة من ضحايا “BN8” وتركت في جسد “REWE”، أعضائه هو تترك عند كل جريمة قتل في السلسلة الجديدة، مما يعني أن القاتل يظهر انتقامه الحقيقي للمسنين وهذا يعني أن ضحايا “BN8” تربطهم علاقة مقربة جدا من المسنين.

تنهدت “FER” بخفة ثم أكملت:

– لكن التحقيقات في كلتا القضيتين لا تظهر علاقة تدل على قربهم! هل هناك أدلة تثبت صحة استنتاجك هذا؟

بينما يضع “DO” يديه فوق بعضها، قال للمحققة مبتسما نصف ابتسامة متكلفة:

– هل تشكين باستنتاجي؟

لم تتردد “FER” بالإجابة:

– تنقصها الأدلة التي تدعم صحتها

بعد جلوسه في الكرسي قال “DO” مفسرا الأمر من البداية:

– إن كانت هناك سلسلة قتل أخرى بعد السلسلة الحالية لكان القاتل أخفى أعضاء “REWE” الجسدية، المجثة معه كما فعل مع ضحايا السلسلة السابقة، لكنه لم يفعل. في المقابل وضعها عند كل جثة تركها خلفه وهذا يدل على أمرين لا ثالث لهما.

الأول: هو أن هذه السلسلة هي آخر سلسلة لجرائمه وهو بذاته القاتل الفعلي لها. السلسلة الحالية تُكمل نقص مفهوم الرسالة التي يرغب بإيصالها لنا – عن حياته- وهذه النقطة هي الثانية. كونه هو القاتل الفعلي لهذه السلسلة يعني أن ضحايا “BM8″ هم من يريد منهم الانتقام، عن طريق قتل الأصدقاء السبعة. الانتقام الحقيقي للقاتل الحقيقي يكمن في هذه السلسلة الأخيرة. أما دافع الانتقام لـ”RAV” في السلسلة الأولى كان انعكاس من مرآة السلسلة القادمة -BM8-.

البدء بقتل الأصدقاء السبعة قبل المسنين له معنى يدل على أن القاتل يعذب المسنين بذلك. ما يدعم الأمر هو أعضاء السعادة من جسد “REWE” المجثة التي توضع عند كل ضحية مسنة. الضحية “L” نُحر رأسه، و وضع رأس “REWE” كبديل له عند جثة المحقق المسن “DS”. وضع جانب جثة الضحية الثانية المسن اليدين المجتثين لـ”REWE”. الضحية الثالثة وضع بجانبه القدمين، والرابع كان له الأذنين.

سألت “FER” بحيرة:

– إذا هو لا يضع العضو المجث بترتيب الأعضاء التي جثها من الأصدقاء السبعة؟

– باستثناء المحقق “DS”

– لماذا؟

– ” إنها بداية النهاية، من الأن فصاعدا ستبدأ معركة البقاء على قيد الحياة ” هذه الجملة التي تركها في غطاء تابوت “REWE” لها أكثر من معنى، المعنى الذي يُستخدم في هذا الوضع هو أن كما “REWE” كان البداية والنهاية لسلسلة “BN8″، سيكون الرأس أول عضو جُث في كلتا السلسلتين دليل على أنه البداية للنهاية، النهاية التي كانت مختومة بآخر عضو جُث في سلسلة “BN8” هما اليدين.

– بمعنى أنه عند الضحايا سيترك الأعضاء المجثة من النهاية حتى البداية وبهذا مع آخر عضو جسدي تختتم السلسلة كما اختتمت بـ”REWE”

– أصبتِ

– حسنا… هذا يبدو الآن معقولا، لكن هناك أمر لا أفهمه. قلت أن “B8″ ينتقم من المسنين بقتل الأصدقاء السبعة و وضع أعضاء السعادة عند جثثهم ليعبر عن هذا، لكن العضو الذي يوضع ليست أعضاء السبعة، بل إنها لـ”REWE” وإن كانت أعضاء السبعة هي من تترك ألا تعتقد أن ذلك لا يكفي ليشعر المسنين بألم الانتقام؟

– سؤال جيد… وسأعطيك إجابة مرضية مقابلها

نهض “DO”، توجه نحو الحائط، أشر بيده على صور التقطت لجسد “REWE” العار، قائلا:

– ضحايا “BN8” كل واحد منهم، سلب منه عضو واحد، لكن “REWE” جُثت كل أعضائه لما برأيك؟ هذا لأن “REWE” هو المسبب الحقيقي لفقد “B8” سعادته -عائلته- أما المسنين ضحايا “BM8” كانوا جزءا من عملية السلب.

– هذا يعني أن “B8” هو من قتل “REWE” بنفسه

– أجل، وبالنسبة إلى النقطة التي أوقفتك…

توجه نحو الطرف الآخر من الحائط، مؤشرا على صور جثث الضحايا الأربعة المسنين قال:

– هذه الصور التقطها الطب الشرعي مباشرة فور وصولهم لأرض الجريمة. ملامح وجه الضحايا قبل موتهم لا تدل فقط على الصدمة، بل على الخوف والحزن. لماذا الحزن برأيك؟

– لأنهم قابلوا الشخص الذي قاموا بأذيته، لكن هل هذا يعني على أنهم يشعرون بالذنب لما فعلوه!

– لم يكونوا كذلك حتى رأوا انتقام “B8” منهم عبر الأصدقاء السبعة

– باختصار المسنين أدركوا عن ما حدث في قضية “BN8” وأن الجاني ارتكب تلك الجرائم لينتقم منهم لذا شعروا بألم ما شعره “B8” وندموا على ذلك. لكن قضية “BN8” كانت سرية لا أحد يعرفها حتى عائلات الضحايا لا يعرفون أن فقيدهم كان ضحية لقاتل متسلسل، فكيف إذا أدرك المسنين أن الجاني هو شخص قاموا بأذيته وعاد لينتقم منهم؟

بابتسامة غامضة قال “DO”:

– الجاني هو بنفسه من أخبرهم بذلك

قالت “FER”:

– في اليوم الذي وقعت فيه الجريمة الرابعة، كان حارسك الشخصي يتقاتل مع الجاني، استمرت مقاتلتهما نصف ساعة و في تلك الأثناء عندما استنجد بفيلق الطوارئ الأول لـ “XHX” أفرغ عليه الجاني رصاصات مسدسه. بعد ذلك توجه إلى حيث ضحيته -العراف- بقي “SERL” فاقدا لوعيه بعد اطلاق النار عليه لمدة 15 دقيقة، عندما استيقظ توجه للغرفة فوجد العراف قد قُتل والجاني هرب. أدرك الوقت عندما نظر إلى جهاز الإرسال وكانت قد مضت فقط 15 دقيقة منذ أن أرسل نداء الاستغاثة للفيلق. لذا ما أريد قوله هو أليست 15 دقيقة قليلة جدا ليسرد الجاني ما فعله الضحية له، ويرتكب جريمته ويترك أرض الجريمة بلَ خدش!

– لذا أخبرهم القاتل من يكون وما فعلوه له، وما فعله لهم من قبل يوم الجريمة

– إن أخبرهم بذلك من قبل، إذا لما لم يقوموا بإبلاغ الشرطة؟

– ارتكبوا بحقه جريمة شنيعة، إن ابلغوا الشرطة فستحقق بذلك وتكتشف الماضي الذي قاموا بإخفائه

– إذا هم فقط انتظروا نهايتهم ببؤس

– من المحتمل ذلك، ومن المحتمل لا

– ما الذي تقصده؟

– بخلاف ضحايا “BN8” لم تكن هناك أثار تدل على أن ضحايا “BM8” قاوموا هجوم القاتل

قالت “FER”:

– لأنهم فقدوا سعادتهم لذا لم يشعروا بأن تبقى لهم أي معنى ليعيشوا

أومأ “DO” برأسه مؤيدا، فأكملت “FER” تقول:

– إذا ما هي الخطوة القادمة؟

– سأعثر على الطريقة التي أظهر فيه “B8” للمسنين من يكون، وأنتِ ابحثي مجددا عن العلاقة التي تربط بين ضحايا كلتا السلسلتين مع المساعدة “MEL”

– إذا سأوافيك بالأخبار الجديدة لاحقا.

………

– نشأ يتيما لا أقارب له، لم يتزوج أبدا، مكرسا حياته كلها لعمله كمحقق. بعد فشل العثور على جثة ضحية، اُغلقت القضية واستبعد من كونه المحقق المسؤول عنها. بعدها اعتزل مهنته واختفى من الأنظار حتى أسست قوى “OH” وقدم للعمل فيها لأنه اعتقد أن مؤسسها هو الطفل الذي وعد بالعثور على الضحية من أجله في القضية التي لم تحل. لكن الرئيس “DO” لم يكن هو ذلك الطفل الذي اعتقده. مع ذلك كان شاكرا له لتحقيق حلم ذلك الطفل رغم عدم وجود أي علاقة تربطهما. آخر قضية شارك فيها القائد “DS” كانت مع الرئيس، وبطبيعة الحال جميع قضايا الرئيس تكون سرية… من المحتمل أن مقتل القائد كان بسبب تلك القضية و بينما أبحث عنها وعن الملفات التي كان يخفيها القائد “DS” في درج مكتبه وجدت أنها ذات القضية التي لم يستطع حلها منذ 20 عاما… وبدا لي هذا غريبا جدا. أعني… قضية منذ 20 عاما لم تحل وأغلقت بسبب أوامر من الأعلى وبعد 20 عاما عندما حقق فيها القائد مجددا قُتل! ألا تجد هذا مريبا أيضا يا “LV”؟

أجاب “LV” على سؤال “ER” بينما يقلب بين صفحات قضية الهيكل العظمي التي كان يخفيها المحقق “DS” في درج مكتبه:

– نعم… إنه غريب حقا، لكن الأغرب هو أن الرئيس “DO” من أعاد فتح القضية والقائد “DS” كان جزء من فريق تحقيقه.

– لماذا… لماذا الرئيس أعاد فتح القضية مجددا!

– أتذكرين ذلك اليوم الذي حدثنا فيه القائد “DS” عن الوعد الذي قطعه للصبي؟

– أجل

– قال أنه عندما لم يستطع الإيفاء بوعده شعر بأن الذنب أصبح أثقل على كاهله وبسبب هذا الثقل لم يستطع أن يعمل كمحقق وترك العمل

– إذا؟

– بعد 20 عاما شارك في القضية مع الرئيس، وذلك من المؤكد جدا ليزيح شعور الذنب والثقل منذ السابق… كان يعلم أن القضية كانت ومازالت خطرة مع ذلك خاطر بحياته من أجل أن يفي وعده للصبي

همهمت “ER” وهي تقول:

– تقصد أن الصبي تربطه علاقة ما بالقائد “DS”؟

– أجل

– الذنب… الذنب… الذنب… ما الذي فعله القائد “DS” لذلك الصبي ليشعره بالذنب ولدرجة يقود فيها حياته إلى الهلاك ليكفر عن ذلك!!

– هذا ما علينا أن نبحث عنه الآن، إذا وجدنا ذلك الصبي فسندرك الأمر الذي أخفي منذ 20 عاما

– أذكر أن القائد ذكر أن الصبي اسمه “DO” وكان يتيما يقيم في ميتم يدعى “ماريا”

– إذا لنذهب للبحث هناك.

……..

في مكتب عمل “FER”:

كانت تراجع التقارير السابقة للضحايا، وأمامها “MEL” تفعل ذات الأمر مع الضحايا الحاليين.

حدقت “FER” في “MEL” بغموض لبرهة، ثم قالت:

– هل تعتقدين حقا أنه عندما اختفيتم قبل 4 أعوام، اختفيتم من العالم تماما؟

تعجبت “MEL” من السؤال المفاجئ:

– لما تسألين عن هذا فجأة؟

– قبل عام 2014 حيث اختفيتم، المقربون منكم كانوا يعلمون من تكونون وبعد اختفائكم حيث من المفترض انكم اختفيتم من العالم تماما كوجود وذكرى، ذكراكم كانت لا تزال موجودة…

عضت “FER” على شفتيها ثم أكلمت:

– كنت اتذكر الرئيس بوضوح، وابحث عنه في كل مكان

– إذا؟

– لذا عندما قال الرئيس أنكم اختفيتم من العالم لأربع أعوام لم أتقبل تلك الفكرة حتى…

صمتت “FER” والغم واضح في ملامح وجهها، سألت “MEL” بعدها بفضول:

– حتى ماذا؟

– حتى منذ عدة أيام اختفت ذكرياتي مع الرئيس

– ماذا!!!

– ليس ذلك فحسب، بل… ذكرياتي أنا أيضا من ذلك الوقت بدأت تختفي ولا اشعر أنني فعلا كنت افعل هذا وذاك

– منذ ذلك الوقت؟

– لا أعلم إن كان الأمر مبنيا على النسيان أم على أمر آخر، اشعر أن عقلي فارغ تماما من الذكريات سواء كانت مع الرئيس او بدونه . إنه كما لو أنني لم أعش، ولم أولد رغم أنني أعلم بوجود تلك الذكريات.

– هل تذكرين ما حدث في قريتك؟

– أجل، أذكر الذكرى ككل أما كجزء فلا أذكر شيء، إن صح القول لا اشعر أنني مررت بتلك الحادثة الشنيعة.

اتخذ الجو بينهما صمتا دام لدقائق، شعرت “FER” بأن “MEL” تخفي شيئا، لذا سألت:

– لطالما اعتدت أن تبدي رأيك حول كل ما يقال، لذا لماذا هذا الصمت الآن، هل هناك ما يقلقك؟

ترددت “MEL”، ثم قالت:

– في الحقيقة… إن شقيقتي أيضا يحدث لها ما يحدث معك

اتسعت عينا “FER” فضولا لسماع الباقي. أردفت “MEL”:

– كنت مندهشة حينما أخبرتني: ” قبل وفاة والدينا ذهبنا في رحلة سفر طويلة من الشرق إلى الغرب كانت الرحلة ممتعة جدا لكن… عند استرجاع تلك الذكريات كنت أنا و والداي من نتواجد فقط، أنت لست موجودة فيها. ليس في ذلك فقط بل في العديد من المواقف والأيام السابقة أنت لا وجود لك… أعلم أنني كنت معك، كنت معي، كنا معا نفعل كل تلك الأمور لكن وجودك لا وجود له…”

بعد ذلك أصبح الوجود الذي عالأقل تعرف به أنني كنت معها في كل ذكريات حياتها، يختفي تدريجيا، أخبرتني أنها تشعر بالخوف من أنها قد تنسى من أكون. رغم أنها لم تصل لمرحلة أن تنسى أو أن لا تشعر بذكرياتها الخاصة، إلا أنني اعتقد أن ذلك سيحصل لها قريبا. ايتها المحققة “FER”… لما برأيك يحدث هذا؟

تنهدت “FER” بعمق، أجابت بغصة:

– لا أعلم… بت لا أعلم حقا ما يحدث… كنا نعتقد أنكم الثلاثة من تختفي ذكرياتكم من حياتنا، لكن ذكرياتنا نحن أيضا الخاصة بدأت تختفي وتصبح كما لو أنها لم تقع

– اعتقد أن هذا يحدث فقط معكم

– من تقصدين؟

– الأشخاص المقربون منا نحن الثلاثة الذين لا نعلم عن حياتنا أي شيء

– هل لديك معلومة ما؟

– أجل… لأتأكد من الأمر قمت ببعض الأبحاث وسؤال من حولي عن ذكرياتهم وجميع من لا علاقة قوية لهم بنا، يذكرون ذكرياتهم.

– هذا غريب… لماذا…

سألت “MEL”:

– هل يدرك الرئيس هذا الأمر؟

– لا، لم أخبره… إنه مشغول بما يكفي ليسمع المزيد من هذا الغموض

– ألا تعتقدين أنه علينا إخباره؟ ربما سيدرك السبب

– سأخبره بعد هذه المهمة.

……..

مساء اليوم:

بخطى مسرعة، كانتا “FER” و “MEL” تهرولان في ممر الطابق السادس من مستشفى الـ”OH” الخاص، نحو غرفة التشريح التي يتواجد فيها “DO”.

عندما دخلتا وجدتا “DO” بجانب طاولة التشريح التي تحمل جثة المحقق “DS” يقوم بتشريح قلبه. وفي الطاولة المجاورة من الطاولات الثلاث المتبقية لضحايا “BM8” كان الطبيب الشرعي المسؤول يقوم بتشريح جثة العراف. شعرتا الفتاتان بجدية الوضع لذا اتخذتا الصمت والمراقبة حتى انتهاء “DO” مما يفعله وقول سبب طلب مجيئهما، واخباره بما لديهما أيضا من مستجدات مهمتهما.

همست “MEL” في أذن “FER” تسأل بفضول:

– هل درس الرئيس علم التشريح؟

– لا

حدقت بتمعن في حركات يد “DO” ثم قالت همسا، بدهشة واضحه:

– إذا كيف بإمكانه أن يفعل ذلك بهذه البراعة!

ابتسمت “FER” باغتباط:

– إنه مؤسس “OH” العظمى كما تعلمين.

– ما هذا!

تقدمت “MEL” حيث “DO” عندما لاحظته يخرج شيئا صغيرا جدا من قلب المحقق “DS”، وقفت بجانبه تنظر بفضول إلى الشيء الصغير، قالت:

– ما هذا؟

مبتسما بغموض أجاب كما لو أنه يحدث نفسه:

– ذاكرة تخزين

……..

إن كانت هناك طريقة أخبر فيها “B8” ضحاياه المسنين الأربعة بانتقامه فستكون الطريقة مرئية لهم، ليشعروا بحقيقة وألم الانتقام. لذا من المنطقي أن يكون “RAV” قد قام بتسجيل لحظة ارتكابه لجرائمه وارسلها لاحقا إلى “B8” والأخير قام بإرسالها إلى المسنين بعد أن بدأت بداية النهاية. من المحتمل أنه أرسل مقطع ارتكاب الجريمة قبل قتلهم ببضع أيام، ليرعبهم بذلك. والدليل على ذلك ما قاله العراف المسن للحارس الشخصي “SERL”:

” سيعود مجددا للثأر إنه قريب “

ووفقا أيضا لما قاله العراف أنه هو وآخرين قاموا بتحويل حياة أحدهم إلى جحيم، لذا هو عاد لينتقم منهم. الأبحاث التي أجروها الفتاتان أظهرت العلاقة التي تربط كل ضحية من سلسلة “BM8” بكل ضحية من سلسلة “BN8”.

لذا كان “DO” واثقا من أن “B8” سيترك دليلا على الطريقة التي أظهر فيها انتقامه للمسنين.

” إن كان القلب هو مركز الجريمة في هذه السلسلة، فسيكون أيضا مركز لحقيقة كبيرة من السلسلة السابقة “

وبهذا المنطق شعر “DO” أن هناك شيئا أخفاه القاتل بداخل قلب ضحاياه الأربعة المسنين. أمر بإعادة التشريح ولعدم رغبته في فقد المزيد من الوقت شارك بنفسه مع الطبيب المسؤول و كما كان يتوقع وجد في كل قلب ضحية ذاكرة تخزين. بعد الكشف عن محتواها أظهر أن هناك تسجيل كامل منذ أول دقيقة حتى آخرها تسجل جرائم قتل كل ضحية من سلسلة “BN8”.

المرآة…

انعكاس حقيقة الدافع الفرعي، للقاتل الحقيقي يظهر عبر قتل الأصدقاء السبعة الذين لهم علاقة سعادة مع المسنين. المسنين الذين ارتكبوا ذات الفعل الشنيع لسعادة “B8”. حقيقة قتلهم طعنا بالخنجر انها انعكاس أيضا لكن من خلال مرآة آخرى في غرفة قريبة.

الانتقام…

الشخص الذي ينتقم، هو الشخص الذي يعرف حقيقة كل الحقائق. الغرفة التي يختبئ فيها مشعا انعكاس المرآة، قريب، قريبا جدا ليكون منفذ أجوبة كل لغز يكمن في الباطن الخفي… في العقل الباطني لكل منهم.

نهاية الفصل العشرون…



P.21. موت منتظر

الضحية الثانية من سلسلة “BM8” يكون الشخص الذي قام برعاية “E” -الضحية الأخيرة من سلسلة “BN8”- عندما كان طفلا، لمدة 5 سنوات لذا بطبيعة الحال كان مقربا منه ويعتبره كطفله الصغير. “T” يكون الشخص الذي كان يرعى الضحية الثالثة لسلسلة “BN8” قبل مماته، لهذا اعتبره المسن شخصا مميزا. العراف يكون شقيق والدة المعلم “O”، كان العراف يحب شقيقته الصغرى الوحيدة وأطفالها لذا كان يعتبر المعلم مصدر سعادة له. بالنسبة للمحقق “DS” وعلاقته مع الضحية “L” لا تزال غير معروفة.

كانت المحققة “FER” تسير نحو مكتب “DO”، عندما وصلت رأت “SERL” يقف أمام باب المكتب. حملقت فيه لثوان بشك واضح، ثم قالت:

– أنت…

– نعم أيتها المحققة

– هل أنت متأكد من أنه لا يوجد شيء آخر لديك لتخبرنا به بخصوص ما حدث في منزل العراف؟

بجديته التامة، أجاب مباشرة:

– أخبرتكما بكل ما حدث بالفعل.

– كيف هي حال إصابتك؟

– لقد تعافيت، شكرا على قلقك

ابتسمت “FER” ابتسامة جانبية بينما خطت خطوة واحدة للأمام، توقفت، وفي أقل من ثانية حوطت بين بيديها رقبة “SERL”، دافعة إياه للحائط خلفه. تبتسم بتكلف وهي تحدق في عينيه التي كانت لا تزال كما هي، قالت ببغض:

– هل تعتقد أنني كنت قلقة عليك؟ أنا أكثر من يتمنى موتك، أكثر من الرئيس أيضا.

تحول لون وجه “SERL” للأصفر عندما شدت “FER” أكثر على رقبته. كان باستطاعة “SERL” أن يمنعها من ذلك لكنه لم يفعل، لأنه يعلم جيدا أن لا أحد يستطيع قتله بما فيه رئيسه “DO” الذي يحترمه كثيرا.

……..

في مكتب “DO”:

كانت “FER” تجلس في الأريكة وغضب ما حدث قبل عدة دقائق عند الباب، لم يُزل. تنهد “DO” الذي كان يجلس أمامها قائلا:

– لا يمكنك إيذاء حارسي الشخصي

تفاجأت “FER” مما سمعته، قالت:

– ماذا؟

– أعلم أنكِ كنت تحاولين قتل “SERL”

تنهدت بعمق قائلة:

– أيها الرئيس لماذا تثق به!!

ببرود كالعادة، أجاب:

– ولما لا أثق به؟

كانت “FER” تعلم أكثر من أي أحد آخر أن “DO” لا يثق بأي أحد وإن حدث ذلك فهي معجزة. لكنها لم تفهم إن كان وثوقه بشخص ظهر من العدم يقول أنه يعرف هويته الحقيقية -DO- معجزة أم أن هناك شيء آخر يفكر به “DO”.

قالت “FER” منفعلة:

– أيها الرئيس!! على الرغم من أنني لم أجد أمرا مثيرا للشك بعد بحثي عن خلفيته إلا إنه لا يزال شخصا غريبا، مخيفا! أعني… إن كان يعرف من تكون لماذا لا يخبرك بذلك فحسب، لماذا طلب أن يكون حارسك الشخصي في المقابل!! الأمر مربك مهما فكرت به، أشعر أنه يخطط لأمر ما سيء. لذا أرجوك انهي الأمر فحسب، اقتله… وأليس هذا للأفضل؟ ستدرك من تكون بأسرع وقت.

قبل عدة أيام في موقف سيارات “HXH” الأرضي، المخصص لسيارات “DO” فقط:

بينما كان “DO” بصدد الركوب لسيارته، استوقفه صوت ذكر ضخم من خلفه، يقول برسمية تامة، رغم مغزى سؤاله الذي لا يعكس ذلك:

– الرئيس “DO LEO” هل هذا اسمك الحقيقي؟

قطب “DO” حاجبيه عجبا من نبرة الصوت التي لا تدل على سؤال جاهل، بل على سؤال يحمل مغزى غامضا. التفت للخلف فرأى أمامه رجل ضخم في بداية عقده الرابع، اجنبي، جامد الملامح. أردف الأخير بعدها:

– لقد مضت مدة طويلة جدا منذ آخر مرة رأيتك فيها، أرى أنك حققت أمنيتك

ابتسم، ثم أكمل:

– إنني سعيد من أجلك، لكن…

اختفت ابتسامته، حينما أكمل:

– أخشى أن ذلك لن يستمر طويلا، لذا أتيت لمقابلتك

سأل “DO”:

– من أنت؟

– حسنا… أنا شخص تعرفه جيدا، وستتعرف علي عندما يحين الوقت المناسب لذلك.

بخلاف الموقف الذي هو فيه، لم يشعر “DO” بالتهديد من الرجل، قال:

– حققت أمنيتي؟ طالما أنك تعرف إلى هذا الحد، أخمن أن المعرفة التي كنا عليها، كانت عميقة

مع ابتسامة أسى، أجاب الرجل:

– لا يمكنني القول أنها كانت جيدة على الرغم من ذلك…

– ما الذي تحاول الوصول إليه؟

– إنني هنا من أجل ذلك، أنني مدين لك لذا أرغب بسد ذلك الدين

– دين؟

– قد لا تذكر ذلك، لكن بالنسبة لي ما فعلته شيء لن أنساه طالما حييت…

عض شفتيه حينما قال بشيء من الحزن:

– لقد أنقذت حياة العديد منها حياتي أيضا

بنبرة متكلفة قال “DO”:

– إنه شيء اسمعه كثيرا… ” بفضل تأسيس قوى “OH” الناس في الخارج جميعهم ممتنين لك”

على الرغم من أن ذلك لم يكن ما يقصده الرجل، إلا أنه لم يعارض أو ينفي ما قاله “DO”، ليقول في المقابل:

– ولذلك الشخص العظيم… أرغب بأن أراه سعيدا، كما فعل معي لذا…

خطى الرجل بضع خطوات للأمام، حتى أصبح بينه وبين “DO” فارق خطوتين. جثى على ركبتيه أمام “DO” قائلا بجدية ملامحه الجامدة:

– أرجوك دعني أصبح الشخص الذي يحميك…

رفع عينيه، فتقابلت مع عيني “DO” الباردة، أردف:

– دعني أصبح حارسك الشخصي

ببرود قال “DO”:

– تعلم أنني لا احتاج إلى شيء كهذا، لكنك تريد مني أن أجعلك كذلك لسد دينك تجاهي. إنه أمر لا يخصني ولا يهمني ولطالما أنني لا أتذكرك بل…

اقترب “DO” من الرجل، امسك بفكه:

– إنك تطلب مني وتخبرني بكل ما سبق بثقة تامة، متوقعا أنني سأقبل ذلك لأنك في المقابل ستعطيني شيئا أيضا… وهذا ما لا أفهمه، ما الذي لديك، لي، لأجعلك تعمل لي دون أن أتردد في ذلك.

– أملك أكثر شيء تبحث عنه

نظرات “DO” بجانب ما قاله الرجل كانت تدل على التساؤل ” بالنظر إلى هذا الرجل عن قرب هكذا، أشعر أن وجهه مألوف جدا! “

بينما يسر “DO” لنفسه، أكمل الرجل:

– أملك هويتك الحقيقية يا …”DO”، طفل المجرم الذي سلب حياة الكثير من الناس، الطفل الذي قتل والديه…

اتسع بؤبؤ عينا “DO”، يده التي كانت تمسك بفك الرجل كانت ترتعش، شعر بثقل الهواء وهو يدخل إلى جسده عندما ظهرت نغزات كهرباء في مؤخرة رأسه، تصاحبها النوبة البؤرية عن حدث يخص الصبي “DO” مع أصدقائه في صالة طعام ميتم “ماريا”، أثناء تناولهم للطعام شب شجار عنيف.

” هل علي أن اعتبر هذا حظا، أم سوءا كون هذا القاتل صديق لكم؟ يبدو أنكما لا تدركان بعد أن صديقكما هذا هو من قتل والديه “

تباطء نفس “DO” عندما كان التشابه كبيرا بين الصبي الذي كان يردد بتلك الجمل، مع الرجل الذي أمامه. قبض بيديه المرتعشتين ياقة بدلة الرجل، وبينما يتنفس بصعوبة قال بعسر:

– من… أنت… بحق الجحيم

امسك الرجل بيدا “DO” التي تقبض ياقته، قائلا:

– أنا “SERL RT” …”SERL” الشخص الذي يعرف عنك كل شيء

نوبة بؤرية مع أعراض أشد قوة، أظهرت حدث آخر:

” الصبي “DO” يقف في سطح مبنى الميتم، وأمامه مديرا لظهره يسير متجاهل له، الصبي الجامح مفتعل الشجار. ما قاله الصغير “DO” في تلك اللحظة:

– من تكون بالضبط!

أجابه الصبي الجامح بينما كان لا يزال يسير:

– أنا شخص يعرفك جيدا، أنا “SERL RT” …”SERL”

بسرعة لم يتوقعها الصبي “DO” ركض الفتى الجامح “SERL” نحوه، حتى أصبح أمامه مباشرة. سقط “DO” أرضا على ظهره، عندما حُوطت رقبته بين يدي “SERL”. قال الأخير:

– أنت… شخص بائس مثلك سبب كل ما يشهده الأطفال من عذاب هنا، بسببك…

كان “SERL” يبكي وهو يردد جمله بحزن:

– بسببك جميعنا سنموت… هل تقول أنك سعيد؟ سعيد بتدمير سعادة الآخرين؟ هل ستكون سعيدا أيضا إذا قتلت أصدقائك؟ أجبني!!!

صرخ بالكلمة الأخيرة، شادا أكثر على رقبة “DO” “

بعد آخر لحظة من حدث النوبة، ترك “DO” ياقة “SERL”، ليمسك بقلبه الذي يوشك على التوقف بسبب انقطاع الأكسجين عن الدخول إلى جسده. كان يختنق، لم يعلم إن كان ذلك بسبب انقطاع الهواء أم أنه شعر بنفسه وهو بموقف الصبي “DO”.

بفزع زحف “SERL” على ركبتيه نحو “DO” الذي سقط مغشيا عليه. ضرب على وجهه وهو يقول بقلق:

–  انهض يا “DO”!!

قام “SERL” بنقل “DO” إلى إحد مستشفيات الدولة. بعد الإجراءات اللازمة استيقظ “DO” فرأى “SERL” يقف بجانبه. لم تكن لديه الطاقة ليواجهه لذا قال:

– أرى أنك حذر جدا بعدم نقلي إلى مستشفى “OH”، ما الذي ترغب به.

– آسف جدا يا سيدي…

تنهد “DO” وقبل أن يتحدث، قال “SERL”:

– في الواقع لست متأكدا بعد من شكي حول هويتك الحقيقية لذا عندما أصبح حارسك الشخصي سيساعدني ذلك على معرفتك أكثر وتأكيد أي الأشخاص الذين أعرفهم تكون. وعندما يحين الوقت المناسب بعد تأكدي سأخبرك بهويتك الحقيقية.

– الوقت المناسب؟

– عندما أكون ساحتضر، في تلك اللحظة سأخبرك

– وما الذي سيضمن لي أنك لن تعيش لفترة قصيرة، إبقاء شخص غريب مثلك يعمل تحت ظلي إنه أمر مزعج.

– لا تقلق… فكما حياة مؤسس “OH” مهددة دائما، حياة حارسه الشخصي لا تختلف عنه.

نهض “DO”، وبينما يلبس معطفه قال:

– عندما لا يحين الوقت المناسب بسرعة، سأتخلص منك بنفسي وبأبشع طريقة قد لا تتخيلها، لذا لنرى إلى متى ستستمر بالعيش يا “SERL RT”

……..

في الوقت الحالي:

أمام النافذة خلف مكتبه الطاولي، كان “DO” يحدق إلى ما بعدها قائلا:

– أعرف أنه يعرف أنني أعرف بأني لن اقتله بنفسي ليخبرني بهويتي، لأن الهدف ليس فقط بأن أعرف من أكون بل بالذي يُستعد تحضيره الآن حتى يحين وقت انتهائه وعرضه

– وذلك هو الوقت المناسب واليوم الذي سيموت فيه “SERL”… هذا يعني أن منذ لحظة ظهوره أمامك وحتى اليوم الذي سيموت فيه، مخطط له! وهذا بالفعل يدل على أنه شخص خطير!

– إنه كاذب صدوق

– كذاب، صدوق؟

– يعتقد أنني “DO EVE”، ما قاله لي يطابق ما قاله للصبي قبل 20 عاما وهذا دليل يكفي لأثبت صحة المعلومة. ما قاله بشأن التأكد من هويتي مجرد كذبة، ليكسب الوقت حتى يتم تحضير ما خُطط له، بالبقاء جانبي وحمايتي بعذر سد دينه

– إذا كيف يكون صادقا؟

– ربما بالفعل يريد أن يسد دينه، دون أن يعرف أنني لست الشخص الذي يظنه.

– في النوبة ظهر أنه كان يكره “DO EVE” وحاول قتله، وأنه سبب عذاب ما يعيشه هو و الأطفال الذين في الميتم وسيموتون بسببه، لكنه الآن يقول أنك قمت بإنقاذ حياته وحياة الكثير ربما كان يقصد بذلك الأطفال اليتامى… كلامه مليء بالتناقض… ربما بالفعل هو يريد إثبات شكه حول هويتك الحقيقية، ربما يظنك “DO EVE” وربما لا!

– اعتقدت ذلك أيضا، لولا نبرة صوته المثيرة للشك عندما سألني إن كنت “DO LEO”. كان سؤاله يدل على النفي. إنه يعتقد اني “DO EVE” حتما، لكن هل هو “DO” السيء الذي كان سبب عيشه بعذاب -كما يعتقد SERL- أم “DO” الذي بدى عليه الصلاح عندما انقذهم، هذا هو موضع شكه الذي يريد إثباته.

– هذا يربكني… يظهر بحثي أنه كان يعيش مع والدايه حتى سن البلوغ، ثم استقل عنهما وعاش وحيدا في بلدة بعيدة وظهر مؤخرا في العاصمة. لا توجد أي معلومات تدل على أنه كان يعيش في أي ميتم لاسيما “ماريا”!

– من المؤكد أنه قام بإخفاء ذلك

– لن يستطيع فعل ذلك دون قوة كبيرة تدعمه من الخلف!

– هذا ما أرغب بالوصول إليه

– ما الذي تقصده؟

– إن كان شخص آخر غير “B8” يعرفني، وينتظر الوقت المناسب لإظهار شيئا ما، ويملك قوة تدعمه، هذا يعني أنه جزء من معركة “B8”

تنهدت “FER” بحنق وهي تقول:

– مجددا “B8”! ما الذي يريده مع إدراج تخطيط مرحلة كهذه في المعركة الطفولية خاصته!

– ربما هي مرحلة ستؤدي إلى نهائيات المعركة

صمت “DO” لبرهة، ثم أردف:

– ماذا عن آخر المستجدات؟

– ما زلت أبحث عن تلك المرأة التي كانت مقربة من إحدى الصبية الثلاثة. غير هذا اعتقد أنني وجدت شيئا مثيرا للاهتمام لذا أتيت مسرعة إلى هنا

– إذا؟

– الصبي “DO” أتعرف كيف فقد والديه؟

عاد “DO” ليجلس في الأريكة مقابل “FER”، أردفت الأخيرة:

– قُتلا والدايه من قبل قاتل لا تزال هويته مجهولة حتى الآن. حدثت الجريمة في عام 1994: كان من العصيب أن أجد التقارير المتعلقة بالقضية نظرا لأنها قديمة، كانت تقول أن الصبي خُطف عندما كان في الثامنة من عمره لكن الخاطف لم يطلب فدية أو أي شيء آخر بل ما كان يريده هو لقاء والديه. لذا بطبيعة الحال لينقذا الوالدين، طفلهما ذهبا للقاء الجاني؛ عندها وقعت الجريمة.

– تفاصيلها؟

– حسنا… هذا يبدو مقلقا بعض الشيء، الجاني قتل الوالدين بلا رحمة أمام ناظري ابنهما الصغير ثم ترك جثتهما داخل كيس قماشي وألقى بهما في النهر.

– ألم يذكر سبب الوفاة؟

– لا

– هذا غريب

– إنه بالفعل كذلك، لكن الغريب أكثر هو أن الطفل نجى من الجاني ولم يذكر كيف. جاني خطف طفل مقابل لا شيء، قتل والداه أمامه أتعتقد أنه سيتركه حيا بعدها؟ بالتأكيد لا، لذا أمر نجاة الطفل مشكوك بعض الشيء.

– ألا توجد تقارير عنه؟

– وجدته الشرطة في منزله بعد ثلاث أيام من وقوع جريمة مقتل والديه، كان يحبس نفسه في القبو وعندما خاض للاستجواب لم يتفوه بكلمة واحدة، كان تحت تأثير صدمة قوية. لم يكن لديه أقارب ليتكفلوا به، لذا نُقل ليعيش في ميتم “ماريا”

– أتساءل كيف كانت حياته هناك…

شعرت “FER” بالفضول الغامض في نبرة “DO” السابقة، لذا سألت:

– لماذا؟

– طفل شهد على مقتل والديه أمام ناظريه، برأيك هل تعتقدين أنه سيعيش حياته كما كان يعيشها من قبل

– ما الذي…

– قتلا والديه على يد شخص لم يقبض عليه، بعد أربع أعوام تعرض الصبي هو وعائلته بالتبني على حادث سير من المؤكد أنه معتمد، الفاعل يرجح أنهم منظمة “DAZ”. ربما العلاقة التي وضعنا احتمال انها ترتبط بالصبي، قد تكون مرتبطة بوالديه. أريدك أن تجدي تفاصيل أكثر للجريمة ولعائلة “EVE”.

– أتساءل لماذا قال “SERL” أن “DO EVE” هو من قتل والديه… ولماذا أشعر أنني بمجرد معرفة كل ما حدث مع “DO EVE” وأصدقائه سيغشى علي

– هل هو بسبب الراحة بعد إرهاق هذه القضايا، أم من الحزن؟

– ربما كلاهما

أرخى “DO” رأسه على الأريكة، محدقا في السقف قال:

– أشعر بالفضول لمعرفة كم يشبهني “DO EVE” ليعتقد الجميع أنني هو…

صمتت “FER” عندما كانت على وشك قول شيئا ما، قلقة من أن قول ما لديها سيسبب الإزعاج لـ”DO”، بعد تفكير دام ثوان قالت مترددة:

– أيها الرئيس… أريد فقط أن أضع احتمالا واحدا صغيرا جدا

– ماذا؟

– ماذا لو كنت أنت حقا هو “DO EVE”؟

كانت قلقة من رده. عندما تلقت الصمت في المقابل شعرت بالحيرة، والغرابة أكثر من ملامح وجه “DO” غير المفهوم ماهيتها.

– أيها الرئيس…

قبل أن تكمل، قال “DO”:

– لا أحب الاعتراف بهذا لكن “B8” شخص ذكي جدا، حركاته، خططه كلها مدروسة بدقة ولها تفسيرات عديدة، تلك التفسيرات التي حركاتها تعتمد على فكرة واحدة فقط، فكرة أن أولئك الصبية من الميتم هم نحن الآن… لذا أنا أيضا كنت أشك بما قلتِه

شعرت “FER” بالدهشة، لم يكن أمامها خيار سوى أن تستمع للباقي. أكمل “DO”:

– يعتقد أننا الثلاثة هم نحن الصبية من الميتم، بمفهومه وتفسيراته الخاصة التي لا توجد أمامنا أدلة تثبت صحتها، وأكبر دليل على تفسيره الخاطئ نحونا هو أننا بذاتنا نعرف أن تلك الذكريات الخاصة بالصبية ليست ذكرياتنا. الاهم من ذلك هو أن تفسير ما سبق هو من استنتاجي الخاص، وليس ما قاله “B8”

– إن كان يعرف أنكم لستم الصبية من الميتم، إذا كيف يعرفكم، لا، لا في كلتا الحالتين سواء كنتم الصبية أم لا… كيف يعرفكم!!

– السؤال الذي يجب طرحه أولا هو ما علاقتنا بما حدث في عام 1998، أما السؤال الحقيقي فهو ما الذي حدث في عام 1998

صمتت المحققة عندما صمت “DO” بشعور ضيق واضح على ملامح وجهه. تنهد “DO” مغيرا الموضوع إلى سؤال مهم:

– هل هناك أي تحركات غريبة مع “LEK”؟

– إنه يذهب ويأتي للعمل لا شيء جديد.

– ماذا عن حجة غيابه يوم مقتل الضحايا الأربعة؟

– هناك عدة شهود، لذا لا مجال لإتهامه.

تذكرت “FER” موضوع نسيان ذكرياتها مع “DO” لذا بينما كانت على وشك التحدث بها، وردها اتصال عاجل. بعد الإجابة عليه وضح على ملامحها الذعر، قالت:

– آسفة أيها الرئيس لكن علي الذهاب الآن

– ما الذي حدث؟

– جدتي… إنها مريضة جدا

– جدتك؟

– حكاية طويلة سأخبرك بها لاحقا، أما عن ما كنت أريد إخبارك به الآن سأدع “MEL” تفعل ذلك.

– “MEL”؟

– نعم “MEL”

………

في إحدى غرف دار رعاية “دوس” للمسنين، كانت “FER” تجلس في الكرسي بحزن أمام السرير الذي تنام فيه جدتها. قالت الممرضة المسؤولة عن رعاية الجدة:

– لقد انهارت فجأة مجددا بينما تبحث عن ابنها

– أيمكنك أن تسردي التفاصيل رجاء

– كعادتها كانت تجلس في كرسيها أمام النافذة تحدق إلى الحديقة، عندما وصلتها باقة من أزهار التوليب الملونة عندها بدأت بالصراخ والبحث عن ابنها.

– أزهار توليب؟ هل وصلتها هدية كهذه من قبل؟

– لا، إنها المرة الأولى

– أتعلمين ممن كانت؟

– قال حارس الأمن أنه وجدها في مكتبه مع رسالة تقول أنها للسيدة “REFA”

أسرت “FER” لنفسها بينما تنظر إلى جدتها النائمة

” لم يكن أبي محبا للزهور وعلى العكس كان حساسا تجاهها، لذا ما الذي جعل جدتي تبحث عنه فور رؤيتها للباقة! ومن ذا الذي أرسلها؟ هناك أمر غريب يحدث “

ابتسمت “FER” عندما فتحت جدتها عينيها، امسكت بيديها قائلة بلطف مازح:

– انظري إلى هنا يا انستي! ليس من العدل أنك تبحثين عن ابنك دائما بينما أنا، ابنته هنا!

تنهدت عندما قابلت الصمت والتجاهل كالعادة. املست على شعرها تقول مبتسمة:

– سأذهب الآن، عندما أعود في المرة القادمة أتمنى أن… أن تنظري إلى عيني ولو لمرة واحدة يا جدتي.

خرجت “FER” من الغرفة برفقة الممرضة، قالت بغمة:

-أتساءل إن كانت ستبقى هكذا إلى القليل مما تبقى من حياتها

قالت الممرضة:

– حب الأباء لأبناء، أبنائهم يكون أكبر… إن كانت السيدة “REFA” بهذه الحالة بسبب ابنها، ألا تعتقدين أنها لكانت ستتحسن قليلا بمجرد رؤيتها لابنة، ابنها؟

– ما الذي تقصدينه؟

– ربما أن ابنها الذي تنتظره، ليس والدك الذي هجرها منذ وقت طويل

– ما…

شعرت “FER” بالدهشة، والارتباك لأنها لم تفكر بهذا الأمر من قبل. داخل سيارتها بينما تحدق إلى صورة قديمة لها مع والديها، كانت تفكر:

” جدي هجر جدتي وأخذ معه والدي ليربيه بعيدا عن والدته. والدي حينها كان في الـ17 من عمره، في عمر حيث يستطيع اتخاذ القرارات، لذا هو من اختار العيش مع والده هاجرا والدته! جدتي بالتأكيد شعرت بالخذل من ابنها. وأيضا… انتظر! كيف لم أفكر بذلك… جدتي أصبحت مريضة هكذا منذ عام 2002 أي بعد 15 سنة منذ هُجرت وعمرها كان في وسط عقدها الثالث، ربما الممرضة محقة! تزوجت جدتي مرة أخرى وانجبت ابنا آخر، وذلك الابن هو من تنتظره! هل لا يزال على قيد الحياة… شقيق والدي، غير الشقيق… إذا رأته جدتي ستتحسن صحتها. ربما حان الوقت لأعثر على عمي المفقود، بنفسي بمساعدة القوى التي املكها، آنذاك ستحظى جدتي بما تنتظره، الموت بسلام “

نهاية الفصل الحادي والعشرون…



P.22. الوجه الآخر من العملة

في الغابة الشرقية:

وفقا لشهادة “DO EVE” في تقرير القضية، كانت المحققة “ER” مع المحقق “LV” يمشطان الموقع الذي قُتل فيه “RES” والد “EMMA” ليعثرا على دليل لم يعُثر عليه من قبل. بينما تمر “ER” عبر أشرطة “XHX” قالت “لـLV”:

– القائد “DS” قبل أن يصبح محققا كان يعمل كتاجر أقمشة. علمت أن هذه المعلومة لا يدركها الرئيس وفريق التحقيق بعدما نظرت خلسة، على ملف القضية فوق مكتب المساعدة .”MEL” ذُكر أنهم لم يجدوا معلومات عن خلفية حياته فيما سبق. أعلم أننا لم نعثر على المعلومة السابقة بسهولة، لكن ألا يستطيع الرئيس فعل ذلك؟ بل ما أعجز عن فهمه هو لماذا أخفى القائد “DS” كونه تاجر أقمشة طي الكتمان!

– هذا يدل على شيء واحد، أنه كان يخفي حقيقة لا يريد لأحد أن يعرفها، خلف غطاء تجارته. أعتقد أنه حان الوقت لنخبر الرئيس بما لدينا من معلومات

– ليس بعد!

– إلى متى سنحقق في الأمر بسرية، هذا سيشكل تهديدا على منصبنا، أنسيت هذا يا”ER” !

– القليل فقط… القليل بعد… حتى أجد ما الذي يتواجد خلف غطاء تجارته حينها سأذهب للرئيس بنفسي.

تنهد “LV”، وقف أمام المحققة قائلا:

– هل ستكونين بخير؟

– ما الذي تقصده؟

– ربما الحقيقة التي ستدركينها عن القائد ستؤذيك

قالت “ER” بانفعال:

– لما تعتقد أنه شيء سيء!!

– هذا هو التفسير الوحيد لهذا الوضع يا “ER”! عليك أن تفكري جيدا وتضعين احتمال انك ستتأذين فقط.

أغلقت “ER” عينيها متنهدة، فأخذها “LV” بين حضنه يقول:

– الجميع يعلم أن القائد “DS” كان شخصا لطيفا، ولكن ربما ذلك هو غطاء حقيقته من الخلف لذا…

شعر بالدهشة عندما قالت “ER”:

– لا يهمني ذلك بعد الآن…

– ما الذي…

– إن كان القائد السابق إحدى الأسباب التي تزعج وتعرقل تحقيق الرئيس “DO” فلن يهمني إن اكتشفت حقيقته وأظهرتها للعلن.

ابعدها “LV”من حضنه، محدقا إليها بمشاعر مختلطة، قال:

– هل تعرضين نفسك للخطر بسبب ولائك للرئيس، أم… أم أنك تفعلين ذلك بسبب مشاعر أخرى تكنيها تجاهه؟

– يا “LV”، بل أيها المحقق “LV”… أعلم أنك تراني أكثر من مجرد صديقة، لكنني أتمنى أن توقف ذلك، فبالنسبة لي نحن أصدقاء عمل فقط.

تصنم “LV” في بقعته صدمة، بينما هي أكملت:

– لطالما أننا على مقربة من ميتم “ماريا” فلنذهب لنلقي نظرة. اشعر أن شيء ما سيحدث هناك ولا أريد تفويت ذلك.

………

– لماذا نحن هنا؟

طرحت “MEL” السؤال لـ”DO” بينما يسيران فوق الأرض التي كانت فيما سبق أرض مبنى ميتم “ماريا”. أجاب “DO”:

– ألا يذكرك هذا المكان بشيء؟

– شيء كماذا؟

– أي شيء

– أنت لا تعتقد أننا أولئك الصبية كما يفعل “LEK” أليس كذلك؟

– ما الذي قاله؟

– قابلته منذ بضعة أيام وأخبرني أنه من غير المعقول أن شخص حاذق يرتكب جرائمه دون أن يعثر على هويته حتى الآن، شخص لا يميزنا عن أولئك الصبية. لذا قال أنه سيبحث في الأمر مجددا حتى يعثر على دليل ولو كان صغيرا ليثبت أن أولئك الصبية هم نحن.

– ماذا عنكِ؟

نظرت إلى “DO” وبينما كانت مستمرة في التحديق إليه، قالت ببرود على غير العادة:

– لا توجد أدلة تدعم الأمر لكنني كلما نظرت إليك وإلى “LEK” أشعر بالحنين ربما هذا الشعور لأننا كنا معا سابقا في وقت ما، ربما كانت هناك علاقة تربطنا لكن هذا ليس دليلا يعني أن الوقت الذي كنا فيه معا، هو في الميتم.

– ماذا إن كنا؟

تعجبت “MEL” فسألت:

– هذا يعني أنك تؤيد الفكرة؟

– وظيفتي كمحقق يعني أن أضع كل استنتاج واحتمال قيد التفكير

– إذا ما هو قولك عن اختفائنا من ذكريات القريبون منا؟

أثناء الطريق إلى الميتم، أخبرته “MEL” بما حدث مع ذكريات شقيقتها والمحققة “FER”.

قال “DO”:

– الشخص الذي يملك جواب هذا السؤال هو من يستطيع الإجابة عليه

فهمت “MEL” من تلك الجملة أن “DO” لم يعثر على شيء بعد فيما يخص الموضوع، لذا سألت عن شيء آخر:

– المحقق “DS”… هل حقا قام بأذية “B8”

– أكنتِ تعتقدين أنه شخص صالح؟

– كان لطيفا جدا معي ومع الجميع

– هذا لا يعني أنه كذلك في الحقيقة، بخصوص هذا الأمر ألم تجدي بعد علاقته مع “L”؟

– ليس بعد

أخذ الصمت يملأ الجو بعد آخر جملة، قالت “MEL” بعد دقائق:

– هل بالصدفة قابلت المحقق الأعظم “MK”؟

– تعلمين أنه لم يقم بالتحقيق في قضية مقتل والديك

– أجل، أعلم لكنني أشعر بالفضول فقط لمعرفة أي الأشخاص يكون هو

– لما؟

– محقق عظيم مثله يخفي هويته كي لا يعثر عليه أعدائه ويقومون بالقضاء عليه، منقذ العديد من الناس ويحترمه الكثير. بالتأكيد أشعر بالفضول لأعرف كيف هي شخصيته الحقيقة.

– حسنا… أنا لا أشعر بذلك، لكنني اشعر بالفضول حول ما قاله “B8″ في مذكرتك السوداء ” لقد تحولنا من السيء إلى الأسوأ”

ارتعشت “MEL”، حاولت إبقاء توترها غير واضح عندما قالت:

– ما… ما الذي تقصده…

قال “DO” بينما يحدق بنظراته الحادة بغموض إليها:

– أتساءل ما هو السوء الذي تحولتِ عليه

كانت الرعشة واضحة في نبرة صوتها عندما قالت:

– لماذا تشعر بالفضول حولي أنا فقط، بينما هناك “LEK” أيضا

ابتسم بتهكم، قائلا:

– خطوات قليلة بعد وسيظهر حقيقته

القلق والخوف أعمياها عن سؤال ما هو مهم في الجملة السابقة، لتسأل:

– ماذا… عنك… أي سوء تحولت عليه؟

انقلبت ملامح وجهه إلى ملامح مليئة بالغمة عندما التفت ينظر إلى “SERL” خلفه، قائلا بغموض:

– ربما السوء الذي أنا عليه الآن لن يكون أسوء من السوء الذي سأكون عليه قريبا

صمت لثوان ثم أكمل دون أن يشعر بما يقوله، كما لو أنه ليس من يقول ذلك:

– قتل أصدقائي ربما هذا هو السوء والشخص الذي سأكون عليه قريبا…

في لحظة غير متوقعة ضربت الوخزة الكهربائية مؤخرة رأسه، شعر بأن الهواء انقطع عن الدخول إلى جسده عندما ظهرت النوبة البؤرية تعرض الصبي “DO” وهو يقول لصديقيه “MEL” و “LEK” بينما يحتضنهما في سطح ميتم “ماريا”:

” في هذه الحياة، وعندما نتقابل في الحياة الأخرى والتي تليها… سأحميكما دائما، سأفعل أي شيء يجعلنا سعداء، سأحقق دائما ما هو الأفضل لنا. حتى وإن تطلب الأمر مني أن أضحي بالعالم أو بنفسي… فسأفعل “

في ذات النوبة ظهر حدث آخر: يوم انتقال “DO EVE” من الميتم مع عائلته الجديدة، كان في السيارة يحدق إلى ما بعد النافذة محدثا نفسه بحزن:

– آسف لأني تركتكم خلفي… لإنقاذكم فعلت ذلك… لقد وفيت بوعدي يا رفاق. “

تنتهي النوبة مع تساقط دموع الصبي.

– سيدي هل أنت بخير!!

بينما يمسك بذراعي “DO”، كان “SERL” يسأل بقلق. على عكسه “MEL” التي تعرف الحالة التي فيها “DO”، كانت قلقة أكثر من الحدث الذي ظهر، بعد تواجدهما في المكان الذي كانوا يعيش فيه الصبية قبل 20 عاما.

بعينيه المحمرتين نظر “DO” إلى “MEL” وهو يقول:

– لقد كانت تلك تضحية

– تضحية؟

– تبنيه لم يكن شيئا عاديا، لقد فعل ذلك ليحمي وينقذ أصدقائه…

ترك “SERL” الذراع التي كان يمسكها، بشعور اجتاحه من دهشة الفراغ، بينما “MEL” قدمت بوجهها نحو وجه “DO” وهي تقول بانفعال مُصدم:

– وحقيقة أنه قُتل في ذات اليوم، يعني… يعني أنه كان كبش فداء…

كانت الصدمة متوقعة في ملامح وجههما، إضافة إلى “SERL” الذي تجمد في بقعته دون حراك. بينما ترتجف شفتيها اثر كبح دموعها، قالت “MEL”:

– هذا مؤلم، مؤلم جدا… حقيقة أن يضحي صبي بعمر 12 بنفسه، يعني أن حياته وحياة من معه لم تكن عادية… ما الذي كان يحدث هنا بحق…

أغلقت عينيها الدامعة بيديها، والتفتت للخلف. لم يفهم “DO” لماذا كان يشعر بالحزن أيضا، حزن أعتقد أن لا مبرر له. أخرج مسدسه موجها إياه نحو “SERL”.

في تلك الأثناء كانا المحققين “LV” و “ER” قد وصلا لأرض الميتم. قالت “ER” عندما رأت وجوها مألوفة تبعد عنهم بضع أمتار:

– هل تلك المساعدة “MEL”؟ و…

ابتسمت عندما رأت “DO”:

– والرئيس “DO”، لكن من هو الشخص الذي يوجه له المسدس…

بعد التقدم نحوهم، والتدقيق في ملامح المشكوك فيه، ارتعشت “ER” وحينما كانت على وشك السقوط امسك بها “LV” يسأل بقلق عندما رأى ملامح الخوف في وجهها:

– هل أنت بخير؟

بينما تؤشر بيدها الراجفة نحو “SERL” قالت بعسر:

– إنه… إنه… الشخص الذي قتل والدي….

– الحقير المخمور!!

في تلك اللحظة، قال “DO” لحارسه “SERL”:

– هل هذا ما قصدته بأنني أنقذت حياتكم؟ أخبرني… بكل ما حدث في هذا المكان، منذ 20 عاما، لا بل… منذ عام 1994، أخبرني بكل شيء

على الرغم من المشاعر المدمرة التي كان يشعر بها “SERL” لم يمنعه ذلك من التماس موقعه كحارس شخصي، أولوية احترام سيده تأتي قبل كل شيء. لذا أجاب بنبرة صوته المرتعشة:

– أنا آسف يا سيدي… لا أعرف ما الذي تتحدث عنه

كانت “MEL” مندهشة مما يحصل، زادت دهشتها عندما صرخ “DO” قائلا:

– لا تتحامق معي! أعرف جيدا ما هي هويتك

– إن كنت لا تعرف حتى من تكون، فكيف تعرفني؟ يبدو بأنك مخطئ في تفكيرك

أطلق “DO” رصاصة في الهواء، ثم قال:

– ماذا عن محاولة قتلك لـ”DO EVE”

– أنا لا أفهم ما الذي تتحدث عنه…

– هل تكسر أوامر سيدك الآن؟

تردد “SERL” من الجواب:

– أنا لم أحاول القتل… لقد كنت أهدد فقط…

– ماذا؟

– أعترف أنني كنت أكن الكره له أكثر من أي أحد آخر، لكنني لم أرغب الموت له، لأنني…

صمت “SERL” مرخيا رأسه للأسفل، لحظات ثم رفعها بنظرات مشتعلة، وابتسامة خبيثة:

– لأنني كنت أريد أن أراه يتعذب حتى يتمنى الموت بنفسه

لم يندهش “DO” من ذلك التقلب، كان مؤكدا أن “SERL” يخفي نواياه الحقيقية منذ البداية. أكمل الأخير حينما تقلبت ملامح وجهه مرة أخرى، إلى حزينة:

– لكنني أشعر بالغضب الآن من نفسي… اعترف لقد كنت سيئا بوضع كل اللوم عليه، لكن بعد معرفة الحقيقة كرهت نفسي جدا… عندما مد يده الصغيرة نحوي شعرت…

لم تتوقع “MEL” أن ترى شخصا كـ SERL، يذرف الدموع!

– شعرت أنني لا استحق الإمساك بها… لقد فعلت الكثير من الأمور السيئة لكنه، مع ذلك خاطر بحياته وأنقذني، أنقذ الجميع… لذا الآن أنا أفعل ذات الشيء معك، أريد إنقاذك من خطر ما سيحول بهذا العالم قريبا.

قال “DO” مبتسما بسخرية:

– ما الذي يجعلك تظن أنني “DO EVE”

– ما الذي يجعلك يا سيدي، تظن أنني أظنك “DO EVE”؟

تضاربت أفكار “DO”، لم يستطع التفوه بكلمة نتيجة الدهشة، قال “SERL”:

– أخبرتك في ذلك اليوم، أنني ما زلت أشك بهويتك الحقيقية، وسأخبرك بها عندما يحين الوقت المناسب، فقط عندما يحين الوقت… المناسب. لذا أرجوك حتى ذلك الوقت لا تسألني المزيد لأن ذلك سيسبب لك الإزعاج فقط.

ألم حاد شعر به “DO” فجأة في قلبه، ألم جعله لا يستطيع الوقوف على قدميه، فسقط على ركبتيه بينما يمسك بقلبه. ارتعبت “MEL” عندما رأت تحول لون وجهه للأزرق.

من منظور “DO” في تلك اللحظة، كل شيء كان حالك الظلام، يشعر بنفسه مقيدا تحت عمق أرض لا يعلم موقعها. يحاول التحرك لكنه لا يستطيع، يحاول التحدث لكن صوته لا يخرج، يحاول فهم ما يحدث وأين يكون لكن عقله كان كما لو أنه مقيد بسلاسل حديدية. لم يمضي على هذا الوضع دقائق حتى فتح عينيه وهو ممدد على سرير، سقف الغرفة فوقه مضاءة بأشعة الشمس. حرك يديه، فتحركت، نطق باسمه فسمع صوته. قعد من مكانه فرأى ما حوله من أثاث لغرفة صبي.

– أين أنا؟

شعر بألم في ذراعه، عندما نظر إليها وجد أنها مجبسة.

– ما بها ذراعي؟

ألقى نظرة على الغرفة التي بدت قديمة الطراز، ثم خرج منها يبحث في المنزل الذي هو فيه.

كان يشعر بالغرابة حتى رأى امرأه في الشرفة تسقي نباتات وأزهار رصت ورتبت بدقة وجمال. ذهب إليها، واقفا أمامها كان يحدق بحيرة. ابتسمت المرأة فور رؤيته وأخذته نحو حضنها وهي تبكي قائلة:

– يا الهي لقد استيقظت أخيرا يا صغيري…

– من… من أنت…

أبعدته عن حضنها، قائلة بينما لا تزال تبكي:

– أنت لا تتذكرني…

– لا أتذكرك؟

– إنني والدتك…

– والدتي؟

انهارت المرأة تبكي، لم يعرف “DO” ما الذي يحدث فأخذ يربت على كتفها وهو يقول:

– أمي… ما الذي حدث؟

مسحت بيدها على وجهه بلطف، بينما تقول بحزن:

– صدمتك سيارة بينما كنت ذاهبا إلى المدرسة، حالتك كانت سيئة جدا. قال الأطباء أنك لن تعيش لكنني دعوت أن تفعل… لذا حدثت معجزة واستيقظت الآن… حتى وإن كنت لا تتذكر ذلك ما يهم هو أنك لا تزال على قيد الحياة.

– كم مضى منذ أن وقع الحادث؟

– حوالي شهر

– ما هو تاريخ اليوم إذا؟

– اليوم…

– أوه “DO”!! هل استيقظت لا أصدق ما تراه عيناي!!

دخل إلى الشرفة رجل يرتدي بدلة الشرطة الدولية، وهو يحمل في يده باقة من زهر التوليب. ربت على رأس “DO” مبتسما بسعادة، ثم قال للمرأة:

– تهاني يا “REFA” على استيقاظ ابنك، يبدو أن زوجتي علمت بذلك عندما طلبت أن أوصل لك هذه الباقة.

– إذا اشكرها نيابة عني.

– سأفعل… إنني سعيد جدا باستيقاظك يا “DO”، سأمر لاحقا لرؤيتك مجددا، الآن علي الذهاب للعمل لقد تأخرت.

قالت “REFA”:

– أراك لاحقا يا “KOL” أوصل سلامي إلى زوجتك “KEE” وابنك “LEK”

بعد خروج “KOL” من المنزل، أعدت “REFA” الطعام لابنها، أعطته أدوية لم يعرف ماهي وبعد عدة ساعات، حينما كانا في غرفة المعيشة يجلسان أمام التلفاز، نظر “DO” إلى الشرفة المليئة بالنباتات والأزهار، فسأل:

– هل قمت بزرع كل ذلك بنفسك؟

– إنها تقوم بمعالجة روحي، لذا أحبها

– معالجة روحك؟

– الاعتناء بها ورؤيتها تكبر مزهرة تشعرني أنني أنقذها لتعيش وتتكايف مع هذا العالم القاسي. عندما تتعافى تماما سأعلمك ذلك إذا أردت، ما رأيك؟

– بالتأكيد

قالت مبتسمة:

– إذا ما رأيك أيضا أن أعجل بتسجيلك في المدرسة

– مدرسة؟ ألست أدرس في واحدة

ارتبكت “REFA” قليلا، قالت:

– أجل بالتأكيد… كنت كذلك ولأنك لا تتذكر لا تعرف أنك تخرجت من المرحلة الابتدائية. إنك في سنتك الأولى من المرحلة الإعدادية الأن. المدارس هنا في الريف جميلة جدا ستعتاد عليها بسرعة، ولا تقلق من أمر تكوين الصداقات، سأعرفك على ابنيْ أصدقائي عندما نلتقي بهم قريبا، إنهما بذات العمر مثلك.

– هل هو ابن الرجل الذي أتى صباح اليوم؟

– أجل، والأخرى فتاة لطيفة

صمت “DO” وأخذ يتابع ما يُعرض في التلفاز، كانت أخبارا عن دمار مبنى تسوقي، راح بسببه الكثير من حياة الناس. سأل:

– متى وقع الدمار؟

– قبل شهر

– سأغير القناة لأجلك

– حسنا

في القناة التالية، كان ما يُعرض هو بث قديم لأحداث أولمبياد 1998

……..

– أين أنا؟

– أيها الرئيس!

حول “DO” رأسه للطرف الأيمن حيث صوت المحققة “FER”، فرأى القلق في ملامحها

– لماذا أنا في المستشفى؟

– إنك هنا منذ يوم كامل بعد أن فقدت وعيك بسبب النوبة البؤرية… أن تفقد وعيك ليوم كامل هذه أول مرة يحدث فيها هذا، لقد كنا قلقين جدا.

نهض “DO”، يمسك مؤخرة رأسه متألما، قال:

– أعتقد أنني أعرف السبب

جلس “DO” دقائق يحدق إلى الفراغ بصمت فوق السرير، شعرت “FER” بالقلق المضاعف عندما نادت به مرات عديدة ولم يجبها. كانت تحدق فيه بغمة عندما نهض فجأة وتوجه ليقف أمام النافذة، بينما يجمع يديه خلف ظهره، محدقا إلى الحديقة خلف النافذة قائلا بثقل:

– أدركت من أين ورثت سبب ارتياحي عند زراعة النباتات، والاعتناء بالزهور

وقفت “FER” أمامه، مع ملامح تدل على التساؤل. أكمل “DO”:

– كان ذلك من أمي

بدهشة سألت “FER”:

– والدتك… هل هذا يعني… أنك تذكرت شيئا ما!

نظر إليها “DO”، مجيبا بلا أية روح:

– استعدت جزء من ذكرياتي. ذكرياتي أنا “DO LEO” وليست ذكريات “DO EVE”

من المفترض أن تراه مرتاحا بمناسبة هذا التقدم الذي يحدث لأول مرة، لكن “FER” لم ترى سوى الغمة في عينيه، ولم تدرك سبب ذلك.

في الطابق الأول، داخل مبنى “HXH”:

كان “DO” يسير نحو المصعد متوجها إلى مكتبه، برفقة حارسه الشخصي و”FER” بعد خروجه من المستشفى مباشرة، حينما رآهم المحقق “EKE” من الخلف. قدم نحوهم ليتفقد حال “DO” بعد سماع ما حدث قبل يوم، من “MEL” منذ لحظات. مبتسما وقف أمام “DO”، لكن ابتسامته تلك لم تلبث ثوان حتى اختفت عندما رأى “SERL” بجانبه. حاول “EKE” إخفاء صدمته عندما حول نظراته سريعا إلى “DO” قائلا، مع ابتسامة كانت مزيفة هذه المرة:

– من الجيد رؤيتك بخير مجددا أيها القائد

تدخلت “FER” قائلة بحنق كالعادة كلما رأته:

– أرى أن الأخبار وصلتك سريعا

مبتسما أجاب “EKE”:

– كما ترين أنا و “MEL” زملاء عمل، نتشارك ما يحدث حولنا.

تجاهله “DO” كالعادة وخطى نحو المصعد، فلحقا به البقية. بينما ينتظرون المصعد كان “EKE” خلفهم لا يزال تحت تأثير صدمة رؤيته لـ”SERL”. تقلبت ملامحه الخفية، عندما قال قاصدا “DO” مع نصف ابتسامة:

– تساءلت ما هي الفوضى التي جرت في ذلك اليوم عندما فقدت وعيك. ولماذا محققة من القسم السابع هاجمت حارسك الشخصي

صمت للحظة، فشعر من خلفه بالحيرة، التفت “EKE”، في ذات اللحظة التي التفت فيها “DO” نحوه. عندما تقابلت عينيهما، أردف “EKE” بملامح غضب بارد لم يراها “DO” من قبل:

– أتساءل ما الذي فعله الحارس الشخصي لمؤسس “OH”، ليكون مكروها من قبل الكثير

قال “DO” بجمود:

– أتساءل لماذا يعينك ما لا يعنيك

من طرف آخر، كان “SERL” يخفي خوفه خلف قناع ملامحه الجادة. أخفى يديه المرتعشتين داخل جيب بدلته. عندما وصل المصعد قال دون أن يلتفت إلى الخلف، حيث مصدر خوفه-EKE-:

– سيدي، لقد وصل المصعد.

رمق “DO” بنظراته الباردة، “EKE” نظرة أخيرة ثم صعد إلى المصعد.

بينما ينظر إلى الفراغ بعد ذهاب الثلاثة، قال “EKE”:

– لقد مضت مدة طويلة لم أراك فيها، أيها الوغد “SERL”.

……….

في غرفة التحقيق الخاصة به، كان “DO” يراجع التقرير الأولي للجريمة الخامسة من سلسلة “BM8”. الموافق 17 من الشهر 11 تمام الساعة الـ11 مساء، قُتل المسن “LW” البالغ من العمر 71 عاما، في منزله. سبب الوفاة: نزيف حاد بسبب الطعن في القلب. أداة الجريمة: خنجر. أدلة في مسرح الجريمة: صندوق بداخله لسان “REWE” مع ملاحظة سوداء:

” النهايات خيط واصل بين بدايات النهاية، والبدايات الوسطية حتى البداية النهائية التي لا نهاية لها “

“BLACK8”

وقعت الجريمة بعد ساعتين من فقدان “DO” لوعيه، كان لدى “FER” الكثير من الضغط لتتعامل معه لذا تركت لـ”MEL” تولي كتابة التقرير الأولي، مراجعة تقارير الطب الشرعي، وتمشيط موقع الجريمة قبل كل شيء. بينما هي بعد التأكد من حالة “DO” الصحية مع طبيبه الشخصي، وتشديد الحراسة خارج غرفته وداخل الطابق الذي هو فيه، وضعت “SERL” في غرفة الحجز وذهبت لاستجواب المحققة “ER”.

أول سؤال طرحته “FER”:

– ما الذي كنت تفعلينه مع المحقق “LV” في ذلك المكان -أرض ميتم ماريا-؟

كانت “ER” لا تزال تحت تأثير اهتياج، سخط، عندما أجابت بحالة من السرح:

– لماذا لا تسألين لماذا هاجمت ذلك الحقير

تنهدت “FER” وهي تقرأ تقرير يخص “ER”:

– بعد اجتيازها لكل مراحل واختبارات “OH” بكفاءة، بعمر الـ23 أصبحت رسميا محققة في القسم السابع، تحت قيادة المحقق “DS”. بعد وفاة القائد السابق، أصبحت المحققة “ER” حاملة للقب ودور القائد الجديد للقسم السابع. عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها، فقدت والدها إثر حادث سير تعرض له، بسبب شخص مخمور.

صمتت “FER” لوهلة بينما تحدق بغموض في عيني “ER” الباهتة، ثم قالت:

– وذلك الشخص المخمور يكون الحارس الشخصي لمؤسس ورئيس قوى “OH”، حيث تعملين.

بغضب وحنق واضحين قبضت “ER” يديها ببعض، قائلة بينما عينيها تتمركزان عليهما:

– الصلات التي يمتلكها جعل حكمه أخف… لم يشعر بالذنب حتى لما فعله، بل كان سعيدا بجريمته

– كان حادثا، ليس من الصائب القول أنها كانت جريمة

بدموع عينيها، حدقت “ER” إلى “FER” وهي تقول:

– لماذا كان سعيدا بذلك إذا؟ لماذا قال ” لقد استحق الموت ذلك الرجل العجوز البائس “

دُهشت “FER”، فسألت:

– هل أنتِ متأكدة من أنه قال ذلك؟

– أقسم لك

بينما تخلع نظارتها، قالت “FER”:

– حتى وإن كنت تحملين الضغينة تجاهه، هذا لا يسمح لك بالاعتداء عليه أمام سيده، الذي يكون رئيسك.

عاضة “ER” على شفتيها قالت:

– لماذا كان الرئيس “DO” يوجه بمسدسه عليه؟ إن كنت كما تقولين حارسه الشخصي

– أعتقد أنك تعلمين أن هذا شيء لا يخصك يا…

قاطعتها “ER” قائلة:

– إنه شخص سيء، عليك أن تحمي الرئيس منه قبل فوات الأوان

بحنق واضح قالت “FER”:

– لا أحب سماع ما علي فعله من غيري يا قائدة القسم السابع “ER”، وأيضا الرئيس ليس طفلا

نهضت من مقعدها، بينما تلم حاجياتها أردفت:

– حتى يصدر الرئيس حكمه على ما فعلته ستكونين قيد المراقبة.

عند وصولها نحو باب الخروج، توقفت “FER” عندما سألتها “ER”:

– هل… هل الرئيس “DO” بخير؟

التفتت إليها “FER”:

– إنه شيء آخر لا يخصك.

………

– لا أصدق…

أخذ “LEK” يسير ذهابا وإيابا في غرفة مكتب “DO” بعد إخباره عن الذكريات التي استعادها “DO”. قالت “MEL”:

– رغم أنه أمر يدعو للراحة، كون أن أولئك الصبية من الميتم ليسوا نحن، لكن لماذا أشعر بالقلق.

جلس “LEK” بعجل في الأريكة بجانب “MEL” مقابل “DO”، يقول بانفعال:

– هذا صحيح… صحيح أن والدي “KOL” كان شرطيا و والدتي تدعى “KEE” أصدق كل هذا مما قلته، لكنني لا استطيع التصديق بعد أن من المحتمل كوننا أصدقاء كان حقيقيا!

تنهدت “MEL” وهي تقول ساخرة:

– ألم تكن تبحث عن دليل يثبت أننا الصبية الأصدقاء من الميتم؟

– حسنا إن هذا… شيء آخر

– لا تتحامق أيها الأحمق، لا فارق بينهما في كلتا الحالتين كنا معا سواء كأصدقاء مقربين أم كزملاء فقط.

قال “LEK”:

– لكن إن كان “DO”…

ألقى بارتباك نظرة سريعة إلى “DO” وهو يشرب قهوته بهدوء، ثم أكمل:

– أقصد المحقق “DO” قد تعرض لحادث سير عندما كان صغيرا، وبقي فاقدا لوعيه لشهر كامل. الشهر الذي وقع فيه الحادث هو ذاته الشهر الذي مات فيه الأصدقاء الثلاثة من الميتم، يعني أن الذكرى التي استعداها كانت في الشهر الأول من عام 1999

قالت “MEL”:

– إذا؟

– لا شيء… فقط ذكرت الأمر

بنظرات شك حدق فيه “DO” وهو يقول:

– أعتقد أنه لا يوجد داعي لتبحث عن دليل لا وجود له، لتثبت أننا الصبية من الميتم

بادله “LEK” ذات النظرات، على غير العادة، قال:

– قد لا نكون الصبية من الميتم، لكن هذا لا ينفي أننا تحت خطر تهديد الفناء من هذا العالم المزيف الذي حوطنا بداخله لأسباب يعتقدها أحدهم أننا الصبية من الميتم.

قشعرت “MEL” من المحادثة الغامضة أمامها، عندما بدأها “DO” مستجوبا “LEK”:

– الـ17 من هذا الشهر ما بعد الساعة الـ9 و ما قبل الساعة الـ11 أين كنت؟

مباشرة بجدية تامة أجاب “LEK”:

– كنت في منزلي بما أنه يوم عطلتي

رشفة من قهوته، ثم سأله “DO” مرة أخرى ببروده:

– كم يبلغ مقدار ثروتك لتكون في منزلك الآخر الذي يقع في الحي السكني للضحية الخامسة

– ربما قد لا تصل لثروتك، لكنها ليست أقل من ما يخطر في بالك أيضا

ترسمت في ملامح “LEK” الحيرة عندما استوعب النقطة التالية من آخر جملة قالها “DO”. سأل بضياع تام:

– هل قلت أنني كنت في منزلي المتواجد، في حي الضحية الخامسة! لا أنكر أن لدي منزل في كل أحياء العاصمة لكنني أنكر وجودي في ذلك المنزل الذي لم أزره مطلقا.

– حقا؟ إذا ماذا عن هذا

برسالة نصية، يرسل “DO” إليه مقطع فيديو لسيارته وهي تدخل تمام الساعة الـ9 إلى الحي السكني، كانت قد التقطته كاميرات المراقبة.

بحيرة شعرت بها “MEL” كانت تحدق إلى ردة فعل “LEK” الغريبة. كان يرتعش ليس ارتباكا، بل ارتعاش محاولة تذكر ذهابه إلى ذلك الحي. دقائق وهو ينظر إلى الفيديو يحاول التذكر، حتى سقط منه الهاتف أرضا عندما صرخ وهو يمسك برأسه متألما. حاولت “MEL” تهدئته، بينما “DO” كان بانتظار وقوعه مغشيا عليه. وقد حدث ذلك بالفعل. في تلك اللحظة مباشرة أخذ “DO” ينظر إلى الوقت.

– أيها الرئيس ما الذي علينا فعله! هل اتصل بالطوارئ

بينما ينهض من مقعده، أجاب:

– لا داع لذلك، سيستيقظ بعد دقائق

– ما الذي…

لحقت “MEL” بـ”DO” الذي ذهب ليجلس في مقعد مكتبه الطاولي، تاركة “LEK” الفاقد لوعيه فوق الأريكة. جلست أمامه تقول:

– لماذا تشتبه بـ”LEK” مجددا؟

مرخيا ظهره على الكرسي، محدقا في السقف قال”DO”:

– كانت سيارته في الحي السكني للضحية الخامسة، وهذه ليست المرة الأولى بتواجده بالقرب من مسارح الجريمة.

– تعلم جيدا أن هذا ليس دليلا ملموسا! ليس هذا فحسب بل هل هناك تسجيل يثبت أنه كان بالقرب من منزل الضحية!

– لا

– إذا لما تشتبه به!

– لما لا أفعل؟

– لأنك لا تملك دليلا واضحا

– بلى، أملك واحدا

– ما…

نظرت إلى حيث نظر “DO” فجأة، وكان حيث “LEK” الذي يجلس في الأريكة بشرود بعد استيقاظه.

– إنه بداخل ذلك الشخص.

قبل أن تسأل المزيد، كان “LEK” قد جلس أمامها في المقعد، يقول:

– أعلم جيدا أيها المحقق “DO” أنك تعلم عن حالتي المرضية كنتيجة حادث السير الذي تعرضت له.

قال “DO” ساخرا:

– أجل وأعلم جيدا أن الفحوصات الطبية في دماغك على الرغم من ما تقوله، كانت نتائجها تثبت سلامة دماغك.

– ما الذي ترمي إليه؟

– تعلم جيدا ما الذي أقصده أيها المدير المزيف “LEK”

نظر “LEK” إلى الأرض لوهلة، نهض بعدها مع تقلب مفاجئ في ملامحه المضطربة إلى ملامح خبيثة، جعل ذلك “MEL” تتفاجأ.

بابتسامة مع ذلك التعبير الذي يعلو وجهه قال “LEK” وهو يسير نحو باب الخروج بينما يلوح بيده في الهواء:

– لا أعلم ما الذي تقصده أيها المحقق، لكنك أذكى بكثير مما اعتقدت لذا ستعرف ما الذي اقصده بما لا تقصده. إن كنت تريد اعتقالي فعليك أن تحضر دليلا ملموسا، لا بل دليلا منطقيا. أراكما لاحقا يا صديقاي.

خرج “LEK” من الغرفة، بقيت “MEL” تنظر بحيرة إلى “DO” عندما لمحت ابتسامة خفية ترتسم في شفتيه. الاتصال الذي ورد “DO” من “FER” في تلك اللحظة، جعل السؤال الذي تود “MEL” بطرحه، يؤجل إلى وقت لاحق بسبب إرسالها إلى موقع مهمتها الجديدة.

……..

لطالما انتظرت المحققة “ER” قدوم هذا اليوم، لكن ليس بهذه الطريقة وبعد الحادثة التي اقترفتها. بعرق يتصبب في كل أرجاء جسدها، كانت تجلس بتململ مقابل “DO” في مكتبه.

رؤيته عدة مرات يسير خروجا ودخولا إلى المبنى ذلك كان كافيا ليشعر”ER” بمدى هيبته وإدراك الجمال الذي ولد به. لذا برؤيته عن قرب، بعدما رفعت عينيها من الأرض نحوه، لم تستطع سوى أن تحدق فيه بذهول من شدة هالته التي تبرق هيبة وحُسن. تجاهلت ذلك سريعا وبينما ترتعش شفتيها قالت:

– اعترف بالخطأ الذي اقترفته تجاه حارسك الشخصي أما…

قاطعها “DO” متنهدا بملل:

– لا يعنيني ذلك

تفاجأت “ER” فسألت:

– إن لم يكن لقائي لتحاسبني، إذا لماذا أمرت بمقابلتي؟

– لا أعتقد أن تحقيقك السري خلف موت المحقق “DS” كان لدافع شخصي فقط

شعرت “ER” كما لو أن صاعقة ضربت جسدها

” كيف… كيف يعلم الرئيس عن هذا! “

بلعت ريقها خوفا، بينما تقول:

– إن… هذا… لقد فعلت ذلك…

لم تستطع إخباره أنها فعلت ذلك لتتقرب منه، لذا قالت:

– آسفة… لا استطيع إخبارك بذلك.

ببرود أرعبها أكثر، قال “DO”:

– لا تستطيعين إخباري سبب تحقيقك سرا في قضيتي الخاصة…

كانت قلقة من العقاب الذي سيمليه عليها، لكنها لم تفهم لماذا لم يفعل ذلك عندما قال:

– لا يعني ذلك، أنه ليس بإمكانك أيضا، عدم إخباري بالمعلومات التي جمعتها

” هل اشعر بالراحة لهذا أم لا؟ “

قالت بعدها:

– كنت انتظر قليلا بعد حتى أعثر على دليل يثبت أكبر معلومة لدي

– إذا؟

– القائد السابق والمحقق “DS” كان تاجر أقمشة قبل أن يصبح محققا يعمل تحت حكم الدولة، لكنه أخفى ذلك، لأنه في الحقيقة كان يتاجر بأعضاء بشرية بغطاء تجارة الأقمشة

صمتت لبرهة عندما انتظرت رؤية رد فعله، شعرت بالخيبة عندما لم ترى سوى التعابير الفارغة التي تعلو ملامح وجهه دائما. بلعت ريقها مردفه:

– لقد كان يفعل ذلك بأوامر من منظمة إجرامية تدعى بـ”SAGA”

رفع “DO” إحدى حاجبيه عجبا، فقال:

– أدلتك؟

– لدي أدلة قوية تثبت ذلك، قمت بتجميعها بـ…

كانت تريد قول ” بمساعدة المحقق “LV” لكنها تذكرت لوهلة إن إقحامه في الأمر أكثر سيؤذيه، لذا أكملت:

– بنفسي، وخبأتها جيدا في مكان آمن

لم تلتقي ردا، لذا أردفت:

– سأسلمها لك

– الآن

– ماذا؟

– احضريها الآن

رغم البرود فيما قاله، إلا أنها شعرت أنه لا يطيق الانتظار حتى يرى ما جمعته. ذهبت إلى مكتبها الشخصي بسرعة لتحضر الـ USB الذي جمعت فيه كل الأدلة. كانت شاكرة أن “SERL” لم يكن في الجوار، فرؤيته مجددا قد لا يجعلها تبقى ساكنة.

أخذ “DO” ما كان ينتظره، ثم قال لها:

– بإمكانك العودة من حيث أتيت

تعجبت “ER” قائلة:

– أهذا كل شيء؟

نظر إليها “DO” بفراغ يقول:

– أتتوقين إلى العقاب لهذه الدرجة؟

ارتبكت وهي تقول مباشرة:

– لا… لا… لا أقصد ذلك ولكن هل حقا استطيع العودة إلى العمل؟

بينما يحرك الـUSB الذي بين أصبعيه في الهواء قال “DO”:

– الشكر لهذا الشيء الصغير الذي أنقذ حياتكما

جفلت “ER” عندما أدركت بأن ما يقصده كان يضم المحقق “LV” أيضا. قالت قبل أن تخرج:

– أيها الرئيس… لا تثق بحارسك الشخصي كثيرا. وأيضا…

حدقت إلى عينيه، فقالت بعد تردد:

– وأيضا أشكرك على حماية هذا العالم أيها الرئيس “DO”.

ابتسمت وخرجت على فورها وهي تشعر بالخجل، بينما “DO” لم يلقي بالا على ذلك فكل ما كان يهمه هي الأدلة التي تثبت جريمة المحقق “DS” والعلاقة التي تربطه بمنظمة “SAGA” الإجرامية. لكن ما زالت علاقته بالضحية “L” غامضة.

……..

بعد ركن “SERL” لسيارته في مواقف سيارات “HXH” الأرضي، خرج بينما عقله لا يزال يفكر بما حدث في أرض ميتم “ماريا”. بعد وقوع “DO” مغشيا عليه، هرعت “ER” نحو “SERL” توجه بسلاحها نحوه بغضب، وقبل أن تصل رصاصتها إلى جسده رفع “LV” يدها التي تحمل السلاح نحو السماء، فضاعت الرصاصات. حاولت “ER” أن تتفادى تقييده لها، لكنها كانت عاجزة بسبب قوته. وما أن تركها “LV” بسبب أوامر “FER” حاولت “ER” إطلاق الرصاص مرة أخرى لكن هذه المرة تصداها “SERL”. وقفت “FER” أمامها، وبعد صفعها في وجهها قالت مهددة:

– حركة واحدة أخرى خارج نطاق أوامري، سألقي بك في بقعة لا تسرك.

مسرا لنفسه كان “SERL” يسير بين السيارات في الموقف، نحو المدخل لمبنى “HXH”:

” تلك الفتاة منذ متى أصبحت تعمل في “HXH”، ما الذي كانت تفعله في أرض الميتم! “

تنهد مسرا بأمر آخر:

” الأحمق “DO” لا أصدق بأنه فعل ذلك حقا… قدم نفسه ككبش لينقذ الجميع، لماذا… لماذا فعل ذلك… أرغب بأن أسأله و أعرف سبب فعلته. أرغب بأن أقوم…. “

توقف حديثه الداخلي، عندما شعر بمقدمة مسدس، تلامس مؤخرة رأسه مع صوت حاملها الذي أدرك هويته بمجرد سماع نبرته الرقيقة التي تحمل غضبا لا يسر:

– حارس شخصي ما هذا الهراء… ماهي نواياك أيها الوغد

بلع “SERL” ريقه خوفا، التفت للخلف ببطء، فتراجع “EKE” بضع خطوات بينما لا يزال سلاحه موجه نحو رأس “SERL”. قال الأخير مبتسما بواجهة قناع خلفه قلق:

– لقد أصبحت محققا إذا، وليس أي محقق، بل محقق في قوى “OH”.

المحقق “EKE” الذي لا تنفك ابتسامته عن وجهه مهما كان الموقف الذي هو فيه، لم يكن يظهر سوى التهديد من ملامحه الجادة لأكثر شخص يكرهه “SERL RT”. قال بنبرة صوته الرقيقة المليئة بالبغض:

– أخبرتك منذ وقت طويل بأنني إذا رأيتك مجددا لن أدعك تتنفس من الهواء الذي نتنفسه

– أرى هذا… لا تزال تكرهني إذl أيها…

بسرعة غير متوقعة قدم “SERL” نحو “EKE”، قابضا على كلتا يديه جعل سلاحه يسقط أرضا، دافعا به نحو الحائط جانبه بينما لا يزال يقوم بردع ذراعيه من الخلف. قال رادفا:

– الصبي المغفل

اهتاج “EKE” من سماع تلك الجملة، أسدى بقدمه ركلة عشوائية لركبة الشخص الذي يردعه من الخلف، فسقط “SERL” وما أن نهض مجددا حتى تلقى لكمات تلي الأخرى في وجهه من “EKE”. القوة التي كانت تخرج بسبب غضب الأخير، جعلت “SERL” ينصاع للهجوم الذي يتلقاه دون أن يقاوم. بينما يخنق “EKE” باهتياج “SERL”، قال:

– أنت هو السبب في كل ما حدث، بسببك أولئك الصغار… في وسط نيران الجحيم

شد بيديه أكثر على عنق “SERL” وهو يقول:

– أعلم أن الرئيس جعلك تعمل لديه لأسباب خاصة، لكنني اقسم بأنني… سأقوم بقتلك واحياك، ثم أقتلك مجددا، وأحيك مرة أخرى لأقتلك بأشنع الطرق التي قد لا تستطيع حتى تخيلها، إذا قمت بالعبث مجددا مع أصدقائي.

تركه “EKE” وهو لا يزال يحاول الصمود كي لا يقتل “SERL”، بينما الأخير استمر بالسعال وهو طريح الأرض.

بينما يسير “EKE” بعيدا عن “SERL”، قال الأخير بعسر:

– ما زلت كما أنت… لم تتغير مطلقا… ما زلت تخدع من تعتبره عائلتك… ما زلت تخفي هويتك الحقيقية خلف قناعك المزيف. لكن ذلك لن يستمر طويلا لأن…

ظهور وجه واحد من العملة بعد رميها في الهواء، عدة مرات، دقائق، ساعات، أيام، أعوام لن يغير مفهوم الحياة حول وجود وجهان يظهران لكل كيان. حتى وإن كانت آخر رمية هي آخر ثانية في الحياة، الوجه الآخر من العملة سيظهر حتما. حتى تلك الثانية سأنتظر، لأستمتع برؤيتك تتألم أيها الملك الخائن “K”.

نهاية الفصل الثاني والعشرون…



P.23. على قيد الحياة

أظهرت نتائج التمشيط الثاني لمصنع “FADS” وجود كميات كبيرة من الدم غطت كل شبر إحدى الغرف في الطابق الأخير. الفراغ ونظافة الغرفة على عكس بقية الغرف، أثار شك مختصي الطب الشرعي بأن الغرفة تم تنظيفها خاصة، وذلك السبب لن يكون إلا ليخفي مجرم ما، الأدلة التي تركها خلفه في المكان. لذا استخدموا مادة اللومينول في بقعة وضعوا احتمال تعرض أحدهم فيها لفقد كمية من دمه بعد تعرضه للهجوم أو القتل. المفاجأة كانت أن الدم الذي ظهر كان يمتد لأبعد من البقعة المستخدم فيها المادة الكيميائية. لذا تغطية الغرفة كاملة به -اللومينول- جعل التحقيق يطول لمدة أكثر. في النهاية ثبتت شكوكهم حول وقوع جريمة في تلك الغرفة من المصنع، وبعد تحقيق مدقق وضعوا احتمال وقوعها قبل 24 عاما بأقل تقدير. بالنظر إلى كميات الدم الكبيرة في الغرفة أكدوا أن ذلك لأكثر من 3 أشخاص، واحتمال أن الغرفة كانت غرفة للتعذيب. لا أدلة أخرى ساعدتهم على معرفة هوية الجاني، أو الضحايا. في غرفة المخزن: بعد التمشيط المكثف وجدوا أحماض نووية لعدة أشخاص منهم:

المحقق “DS” و العراف المسن “NOM”،  وقائد منظمة “DAZ”، إضافة إلى “SOA” والد المحققة “ER”. بعد التحقيق حول حياة “SOA” بشك كونه جزءا من منظمة “DAZ” لم تظهر النتائج أنه كان عضوا! مما جعل “MEL” المسؤولة عن هذه المهمة تشعر بالثقل، والتردد للتحقيق مع “ER” كونهما زملاء، لذا طلبت من المحققة “FER” فعل ذلك.

في غرفة التحقيق تم استدعاء “ER”:

سألتها “FER” دون أي مقدمات:

– هل كنت تعرفين أن والدك متورط في جريمة اختطاف، تعذيب، قتل؟

– كيف… كيف يعقل لوالدي الذي لم يؤذي نملة، أن يفعل تلك الأفعال الشنيعة. كيف يعقل وجود حمضه النووي في مكان مهجور يثبت إدانته بكل التهم السابقة!

حاولت “ER” كبح حزنها، لكنها لم تستطع سوى الانفعال والصراخ بآخر كلمة. قالت “FER”:

– أنتِ من جمع أدلة على تورط المحقق “DS” مع منظمة “SAGA” في تهريب أعضاء بشرية.

– إذا؟

– عُثر على الحمض النووي له أيضا في المكان الذي عُثر عليه الحمض النووي لوالدك

– كيف كل هذا يثبت إدانته!!

– الطب الشرعي أكد وقوع جريمة قتل لأكثر من 3 أشخاص في إحدى غرف المصنع القريبة من المخزن حيث عُثر على الأحماض النووية، إضافة إلى كل هذا غرفة المخزن مليئة بالأسلحة التي هجرها المصنع بعد إفلاسهم. قد لا يكون هذا دليلا ملموسا بعد لكن الرئيس الآن يبحث عن أدلة أخرى تثبت صحة تحقيقنا.

لم تستطع “ER” الاحتجاج بعد ذكر “DO”، لذا التزمت الصمت.

– إخفاء ما تدركينه هو خلاف لقسمك بالولاء، تعلمين هذا أليس كذلك أيتها المحققة “ER”؟

بلعت ريقها، بينما تسترجع لقائها مع”DO”. قالت بعد تردد:

– لا أخفي شيئا لأنني بالفعل لا أعلم أي شيء عن والدي، لكن… أعتقد أن هناك شيء استطيع المساعدة به.

– ما هو؟

– بعد وفاة والدي، كنت أقوم بتجميع حاجياته حينها وجدت كتابا يخصه، يحوي على رسومات وحروف غريبة، بدت كشيفرات. لم أفهم أي شيء منها، أعتقدت أن والدي يقوم بتطوير إحدى أبحاثه وكتبها بتلك الطريقة لكي لا تتعرض للسرقة -والدها عالم فيزياء-.

– أما زلت تمتلكينها؟

– بدى شيئا ثمينا لذا ما زلت أحتفظ بها.

– سأقوم بإصداره كدليل.

في غرفة التحقيق المجاورة، استدعي “SERL” كشاهد:

استمرت “MEL” تحدق فيه تحاول معرفة أين رأت وجهه المألوف، تجاهلت ذلك عندما طرحت أول سؤال:

– ما هي علاقتك بعالم الفيزياء “SOA”؟

بجمود لا مبال، أجاب مباشرة:

– إنه الشخص الذي توفي بعد اصطدامه بسيارتي.

– لا شك بأنك كنت مخمورا في تلك الليلة، لكن هل فعلت ذلك عمدا؟

بنظراته اللامبالية، حدق إلى عينا “MEL” الواثقة، قائلا:

– لم تستنتجين أمرا كهذا؟

– ” لقد استحق الموت ذلك الرجل العجوز البائس ” هذا ما قلته لابنة الضحية، بعد خروجك من جلسة المحاكمة الأخيرة.

ابتسم “SERL” لأول مرة، ابتسامة كانت تحمل مغزا متكلفا، قال:

– هل تعتبرين هذا دليل سيوقع بشخص بريء؟

بادلته “MEL” ذات الابتسامة، قائلة:

– حسنا إذا لننتظر حتى متى ستطلق على نفسك بالبراءة. عليك أن تحذر أين ستطأ قدميك في المستقبل.

– وماذا إن لم أفعل يا صغيرتي المحبوبة، ما الذي ستفعلينه؟

– ما الذي…

دوار جعلها لا تستطيع رؤية أي شيء، بثقل في رأسها اعتقدت أنه سينفجر بعد تلك الوخزة الكهربائية في مؤخرة رأسها، تصاحبها النوبة البؤرية لحدث في ميتم “ماريا” وقع في حديقتها. كان حوارا بين “MEL AL” و “SERL” كان الأخير يقول:

– وماذا إن لم أفعل يا صغيرتي المحبوبة، ما الذي ستفعلينه؟

– إن استمريت بفعل ذلك… بإيذاء أصدقائي سأقوم بقتلك

– وهل تستطيع فتاة صغيرة مثلك لا تجرؤ على حمل شوكة، قتلي؟

– سنرى ذلك

ابتسم بخبث وهو يقول:

– الشخص الذي تعتبرينه صديقك، قام بقتل والديه ألا يستطيع فعل ذلك معكم أيضا؟

هاجمته “MEL AL” بغضب، بينما كانت تقبض بملابسه من الأمام، قالت مشتعلة:

– إنه ليس كذلك، “DO” ليس بشخص حقير مثلك هدفه هو قتل والده فور خروجه من هذا المكان. استمر بالتفوه بهذه التفاهات لنرى كيف ستخرج من هنا حيا.

محدقا في عينيها المشتعلة غضبا، قال “SERL” بتعابيره الخبيثة السابقة:

– أتساءل إن كان أحدا ما سيخرج من هذا المكان حيا، تعلمين ما الذي أقصده صحيح؟

سنموت جميعنا بسبب ذلك الذي تحمينه الآن.

في الوقت الحالي، بغرفة التحقيق، كانت “MEL” قد أمسكت بياقة بدلة “SERL” تماما كما فعلت “MEL AL” الصغيرة في النوبة البؤرية. قالت مهددة:

– ما الذي تخفيه؟ ما الذي كان يحدث في ميتم “ماريا”!

كما ابتسم قبل 20 عاما، في الوقت الذي هددته الصغيرة “MEL”، ابتسم ذات الابتسامة الآن بينما يحدق في عينا “MEL ELE”. بقي صامتا مع ابتسامته، فصرخت “MEL”:

– أجبني ما الذي تفعله هنا أيها الوغد!! ما الذي تريده!!!

امسك “SERL” بيديها التي تقبض بدلته، أدارها بسرعة فأصبحت يديها مقيدة خلف ظهرها. حاولت ردع الهجوم لكنها لم تستطع. اقترب “SERL” من أذنها يهمس:

– لقد تغير الجميع، كنا سيئين والآن أصبحنا أسوء

اتسعت عينا “MEL” بعد سماع تلك الجملة المطابقة تماما، لما ذُكر في مذكرتها السوداء.

– لم يكن “DO EVE” الوحيد الذي قتل والديه، الجميع فعل ذلك. بل الجميع قتل، قتل بعضه الآخر. والآن، أنتم أيضا ستقومون بقتل بعضكم.

ترك “SERL” يديها، فسقطت أرضا بعد ضرب من صدمة ما سمعته. بينما الآخر خرج من الغرفة تاركا هذه الجملة بجدية أسلوب حديثه الرسمي:

– أخبرتك أيتها المساعدة “MEL” بكل ما لدي، والآن أعذريني فيجب علي العودة لحماية سيدي.

دقائق حتى خرجت “MEL” من الغرفة وهي تحاول مهاتفة “DO”، عندما لم يجب عليها، هرعت بعجل إلى الطابق الأخير لمقابلته، لكنه لم يكن متواجدا. لم يكن أمامها سوى مهاتفة المحققة “FER”:

– إن “SERL” هو الجاني الحقيقي، إنه “B8”.

……..

بعد جمع معلومات عن منظمة “SAGA”، عاد “DO” إلى منزله ليكمل تحقيقه هناك، فالعودة إلى مكتبه في “HXH” و رؤية “SERL” كانت تزعجه.

في حديقته الخارجية، أمام البركة الصغيرة: حدق لدقائق إلى زهور التوليب بينما يعيد تذكر الذكرى التي استعادها لوالدته وهي تعتني بالأزهار التي كانت في شرفة منزلهم.

” أين أنتِ… أما زلتِ على قيد الحياة… ما الذي تفعلينه الآن… يا… أمي… “

على الرغم من أنه كان يشعر بالفضول، ألا أنه لم يكن يشعر بالحنين أو الشوق لرؤيتها، وبحثه الذي لا يزال مستمر عنها كان فقط ليعلم ما الذي حدث في حياته والذي جعله يؤسس قوى “OH”. تنهد عندما أدرك حقيقة أن العثور عليها لا يزال صعبا، فلقبه و اسم والدته فقط لن يدلاه أبدا على هويته وهوية والدته، بما في ذلك أي معلومة عنهم. في جميع السجلات المدنية، الطبية وغيرها التي أحدث تجديدها في الثاني من الشهر الخامس كانت تحمل فقط لقبه، دون اسم والده أو أي معلومات أخرى، الأمر يتطابق مع “MEL” و “LEK” أيضا.

” لماذا أنا الوحيد الذي استعاد إحدى من ذكرياته الحقيقية؟ هل الكيان الذي يتحكم بحياتنا يخطط لأمر ما؟ هل يخطط لأن يُظهر ببطء من نكون لأن النهاية اقتربت؟ “

عاد إلى الداخل، ليجهز قهوة تريحه، وبينما يفعل ذلك كان يعيد ترتيب أفكاره حول المستجدات الأخيرة:

” عام 1994 انتقل “DO EVE” لميتم “ماريا” بعد مقتل والديه. تعرف على “MEL AL” و “LEK RO” وأصبحت علاقتهم قوية. احترق منزل عائلة “AL” وتوفيا الزوجين، بعد أسبوع واحد تعرضت عائلة “RO” إلى حادث سير وتوفيا الزوجين العالمين. كلتا العائلتين احتمال تعرضهما للقتل يُظهر نسبة عالية، فكما التقارير: منزل “AL” يُظهر أن الحريق الذي وقع فيه لم يكن من الداخل، بل بدأ من الخارج بإحدى مصادر إشعال قوية لكن الشرطة لم تجد دليلا ملموسا أكثر دقة لذا أغلقوا القضية وهذا أمر آخر مشكوك فيه. السائق الذي ضرب بسيارته، سيارة الزوجين ذُكر أنه كان مختلا عقليا، لكن بعد بحثي عن ذلك الرجل اتضح أنه يتمتع بصحة عقلية جيدة. كل هذا يسير نحو اتجاه واحد، وهو أن العائلات الثلاثة قٌتلت عمدا، والقاتل ربما تكون منظمة “DAZ”! لكن لما؟ ما هو دافعهم؟ لم تكتفي “DAZ” فقط بقتل عائلات الصبية بل قامت أيضا بقتل “DO EVE” وعائلته الجديدة بالتبني والمصادفة الغريبة هي أن في ذات اليوم والساعة التي مات فيها “DO”، مات صديقيه أيضا بعد انهيار المبنى الذي كانوا بداخله.

بهذا تضحية “DO EVE” بحياته من أجل أصدقائه ذهبت سدى، والسؤال يكون هنا: لماذا ضحى “DO” بنفسه؟ مسبقا كان يريد أن يجد “RES” والد “EMMA” لأنه يعرف شيئا يخص والده، والده الذي قُتل على يد منظمة “DAZ” والذي يكون أيضا جزء من تلك المنظمة -والد EMMA- هناك بالتأكيد الكثير مما كان يدركه الصبي عن المنظمة، وهي الأخرى بطريقة ما أدركت الأمر. ربما بسبب ذلك كان أصدقائه تحت التهديد لكن هذا من وجهة نظر منطقية لن يضم “SERL” وبقية الأطفال في الميتم إلى هذا! إذا ما الذي كان يقصده “SERL” عن أن “DO” هو سبب العذاب الذي يعيشه كل من في الميتم، ولماذا قال أنه انقذهم لاحقا؟ لو كان الإنقاذ ذلك هو التضحية بحياته عندما ذهب مع عائلته الجديدة لما كان لينصدم عندما أخبرت “MEL” بذلك، في ذلك اليوم. ليس ذلك بل هناك شيء آخر فعله “DO EVE” لينقذ الأطفال و “SERL” لكن لماذا ومن ماذا؟ هذا الأمر يسير نحو درب أخرى، درب تدل على أن هناك شيئا كبيرا كان يحدث للأطفال في الميتم، وذلك الشيء مرتبط بـ”DO EVE”. هل “DAZ” كانت تفعل شيئا للأطفال لتهدد “DO EVE” بإبقاء ما لديه من معلومات عنهم، قيد الكتمان؟ هذا يبدو احتمالا ضعيفا بعض الشيء، فكيف يعقل لصبي في الـ12 من عمره أن يكون مصدر تهديد كبير لمنظمة إجرامية تتحكم حتى بقوات الشرطة. إذا ما الذي كان يحدث بحق في ذلك الميتم! “

تنهد بعمق، شرب القليل من قهوته بينما يحدق في البركة. لمع شيئا ما في عقله لوهلة:

” الشهر الذي مات فيه الصبية الثلاثة، هو الشهر الذي تعرضت فيه إلى حادث السير وبقيت في غيبوبة لشهر كامل، عندما استيقظت كنت أتابع أخبار انهيار المبنى بسبب الزلزال… “

شعر “DO” بألم مفاجئ، حاد في قلبه كالألم الذي اجتاحه عندما استعاد أولى ذكرياته المفقودة، لم يفكر كثيرا حتى استرجع ذكرى أخرى من ذلك اليوم…

بعد تغيير “REFA” قناة الأخبار إلى قناة أخرى كانت تعرض حدث أولمبياد عام 1998، ذهبت إلى المطبخ لتعد بعضا من العصير لـ”DO”، في تلك الأثناء قام “DO” بتغيير القناة، إلى أخرى تعرض خبر تعرض وفاة عائلة مكونة من 3 أشخاص بعد تعرضهم إلى حادث سير في الجبل.

اختفى الألم كما أتى فجأة، عاد “DO” يحدق بشرود إلى الزهور في البركة أمامه بينما يفكر:

” لقب تلك العائلة كان “LAZV”… لما الاسم يبدو مألوفا جدا؟ ما هذا الشعور المليء بالخوف والحقد؟ لماذا اشعر فجأة برغبة في صب غضبي على أحدهم؟ لماذا أشعر بالغضب! “

نهض “DO” من الكرسي وهو يمسك بقلبه الذي أخذ يؤلمه، ألما لا يشابه الألم الذي اجتاحه عندما استعاد ذكرياته. بدأ يختنق، الهواء كان ثقيلا فأخذ يستنشق من بخاخ الربو… عندما شعر بالهدوء قليلا، وقف أمام البركة مسرا:

” ربما أعرف شيئا عن سبب موت “DO EVE” لهذا “B8” يريد أن استعيد ذكرياتي لأكشف حقيقة موت الصبي والحقيقة التي أرادت “DAZ” إخفائها. لذا إذا أعدت ترتيب حساب كل ما حدث منذ أن بدأ “B8” بحركاته فكل شيء يسير نحو طريق واحد، نحو ضحايا سلسلة “BM8”! جميعهم يملكون ماضيا إجراميا، حمضهم النووي وُجد في مصنع مهجور. مصنع إحدى غرفه كانت غرفة تعرض فيها أشخاص للتعذيب وقُتلوا. دافع “”B8 من القتل فكلتا السلسلتين كان الانتقام من المسنين. طريقة القتل في السلسلة الأولى “BN8” هي أشنع من الثانية، لأن الانتقام من الذين لا علاقة لهم، بالذين علاقة لهم، سيشعرهم -المسنين- بالألم أكثر وذلك أؤكد لاحقا بأن الضحايا بالفعل تربطهم علاقة قوية ببعض. طريقة قتل الضحايا في سلسلة “BM8” كانت بطعن القلب 3 بخنجر من المصنع… هذا يعني… “

اتسعت عينا “DO” من الذي توصل له:

” يعني أن الدماء التي كانت في الغرفة، الغرفة التي تعرض فيها عدة أشخاص للتعذيب، الأشخاص الذين قُتلوا فيها، هم… هم سعادة، عائلة “”B8! ومن كان خلف ذلك هم المسنين ضحايا “BM8″… الآن أصبح كل شيء واضحا… ما عادا علاقة الصبية وما حدث في الميتم، مع ما فعله المسنين لعائلة “B8”. ما علاقتهم، ما علاقتهم، ما علاقتهم، ما علاقتهم ببعض بحق الجحيم!! “

عاد “DO” إلى الداخل -منزله-، ليراجع التقارير مجددا، فرأى هاتفه فوق الطاولة، يهتز باتصال من “FER”، فور إجابته قالت المحققة:

– أيها الرئيس! عليك أن تدرك هذا فورا

– ماذا؟

– والد الصبي “DO EVE” كان… كان قائد منظمة “SAGA”، لقد فوجئت عندما أدركت الأمر سأرسل لك تقريرا أوليا.

بعد مراجعة التقرير حول الأدلة السرية التي جمعتها “FER” بعد عناء حول عائلة “EVE” اكتشفت بالإضافة إلى أن والد “DO EVE” رئيس المنظمة، أن المنظمة كانت في القائمة السوداء لمنظمة “DAZ”.

– ما هذا بحق الجحيم!

تنهد “DO” من تعقيد الأمور، فاستلقى في الأريكة وبينما يحدق في السقف كان يفكر محدثا نفسه بصوت مسموع:

– منظمة “SAGA” الإجرامية، هي أكبر وأخطر منظمة شهدتها الدولة، كانت مصدر رعب وتهديد ليس فقط للناس بل للدولة أيضا. نهبوا ثروات لا نهاية لها، اسقطوا عدة أحزاب، اقتحموا منازل الجميع وقتلوهم بدون أي سبب، سفكوا دماء لا حصر لها، كانوا يملكون قوة لا تملكها الدولة لذا لم تستطع الأخيرة فعل أي شيء لهم، انصاعت لكل أوامرهم بما فيها تلك التي قادت الاقتصاد إلى الحضيض. أبقوا كل هذه المعلومات وغيرها التي لا ندركها بعد سرية، كي لا ينقلب الشعب ضد الحكومة وينقلب الوضع في النهاية إلى حرب أهلية… وتقول أن قائدها هو “DEE” والد الصبي “DO”! ربما هذا يفسر لما قُتل هو و والديه ولما “SERL” كان يكن له الحقد، لكن لا يزال… لا تزال إحدى قطع الأحجية مفقودة… لا يزال هذا لا يرتبط بأي شكل مما حدث في الميتم وبتضحية “DO”ولا تربطه أي صلة في أهم مسار، بعائلة “B8”.

الحمض النووي لعالم الفيزياء “SOA” كان في المصنع حيث قُتلت عائلة “B8” مما يدل على أنه مرتبط بطريقة ما بما حدث لهم. إن لم يكن قد مات في حادث السير، هل كان سيكون إحدى ضحايا “B8” الآن؟ و… المحقق “DS” كان يتاجر بأعضاء بشرية، هذا ما كان يقصده إذا عندما قال أنه أصبح محققا ليكفر عن ذنوبه. لكن ما علاقة تجارته بأعضاء بشرية بالصبي “DO EVE”؟ مجددا ما الذي جعل المحقق يضحي بحياته من أجل ذلك الصبي؟ والأهم من هذا كله ما هي علاقة السعادة التي تربطه بالضحية “L”! لماذا العثور على هذا الجزء صعب جدا…. “

هاتف المحققة “FER” فورا عندما أدرك شيئا مهما:

– أيتها المحققة “FER” أريدك أن تبحثي عن جميع الأعضاء البشرية التي تاجر بها المحقق “DS” وهوية مالكيها

– كما توقعت أنت أيضا تعتقد أنه قام ببيع أعضاء جسد عائلة “B8”

– إذا توصلنا إلى هذه النقطة فسيكون بيننا وبين “B8” القليل من الخطوات حتى نعرف هويته

– رغم ذلك الأمر ليس سهلا، قد يستغرق شهورا فكما تعلم منظمة “SAGA” هي من كانت خلف التجارة، وكونها تتحكم بسلطة الدولة قامت بمحو أي دليل ولو كان صغيرا عن هذه الجريمة

– أعلم… أعلم ذلك جيدا لكن هذا هو ما نستطيع فعله الآن

– لا اعتقد ذلك…

سأل “DO” متعجبا:

– ما الذي تقصدينه؟

– صادرت كتابا كان قد ألفه عالم الفيزياء “SOA” كدليل. الكتابة فيه غريبة لا ترمز إلى أي لغة.

– هل هي شيفرات؟

– أجل، لذا الآن علمائنا يحاولون فكها. قد يستغرق الأمر وقتا ولكنه سيكون أسرع من العثور على هوية الأعضاء البشرية المتاجر بها

– وما الذي يضمن أن لها علاقة بتجارة الأعضاء

– لاشئ حتى الآن، لكنني أشعر أنه كذلك

أغلق “DO” الخط متنهدا، حدق إلى الفراغ لساعات. كان يشعر بالثقل، ثقلا يجعله لا يعرف لماذا يعيش، لماذا يسعى جاهدا للوصول إلى الحقيقة الحقيقية التي يرغب عدوه الجاني “B8” بإظهاره، بل كان يفكر ما إن كانت الحقيقة الحقيقية بمفهوم “B8” هي الحقيقية.

– ما هي الحقيقة الحقيقية؟ الحقيقة الحقيقية؟…. من أنت يا “B8″؟ ما هي حقيقتك؟

نهض من مقعده منفعلا عندما لمع شيئا لوهلة في عقله، توجه نحو الطاولة التي وضع فيها تقارير القضية. أخذ يقرأ التقرير الجديد عن قضية مقتل عائلة “EVE”:

– وجد جسد الزوجين في نهر، داخل كيس قماشي بعد وفاتهما بـ3 أيام. طريقة القتل كانت الطعن في القلب. عدد الطعنات 3. أداة الجريمة…..

توقف “DO” عن القراءة للحظة، بينما ترتجف شفتيه أكمل:

– أداة الجريمة… هي خنجر يعود صناعته إلى مصنع “FADS”، الوقت المقدر للوفاة هو…

سقط الملف من يده، أغلق فمه بيده من فاعل الصدمة، نظر إلى صورة قديمة لـ”DO EVE”، بينما يحدق فيها قال:

– عام 1994، اليوم الأول من الشهر الثامن هو اليوم الذي خُطف فيه “DO”، اليوم الثامن من الشهر ذاته هو… هو اليوم الذي قُتل فيه والديه، الوقت المقدر للوفاة تمام الساعة الـ8 مساء…

لقد… كان هو… منذ البداية كان هو من يطاردنا وجعلنا نطارده، “BLACK8” لا بل الجاني الحقيقي هو “DO” الصبي “DO EVE” إنه على قيد الحياة!

نهاية الفصل الثالث والعشرون…



P.24. من أنا؟

– لا يزال على قيد الحياة… هل هذا ممكن؟ مهما فكرت بذلك الأن، فالشخص الوحيد الذي استطيع توجيه الاتهام له هو “DO EVE”. دافع القتل، طريقة القتل والوقت هو دليل أيضا حتى وإن لم يكن ملموسا. لكن… الأمر الوحيد الذي يعارض كل ما سبق هو أن المكان الذي قُتل فيه والديه، لم يكن في مصنع “FADS”، إضافة إلى ذلك أن كميات الدم في غرفة التعذيب تدل على أنها لأكثر من شخصين. بينما عائلة “EVE” مكونة فقط من شخصين والثالث ابنهما الذي لا شك بأنه لم يتعرض للتعذيب في ذلك المكان. إذا… هل هو حقا الجاني الحقيقي؟ هل لا يزال على قيد الحياة؟ لتأكيد شكوكه الأخيرة أعاد “DO” فتح قضية حادث السير الذي تعرضت له عائلة “LAZV”، عائلة “DO EVE” بالتبني. في ذات الوقت كانت “FER” منهكة بالبحث عن المرأة التي كانت مقربة من إحدى الصبية الثلاثة، وابن جدتها -عمها غير الشقيق-. أما “MEL” أخذت المهمة المستحيلة، البحث عن هوية الأعضاء البشرية المتاجر بها من قبل منظمة “SAGA” والمحقق “DS”، على عاتقها.

في الوقت الذي كان الجميع فيه على وشك فقد صوابه من ما آلت إليه الأمور تعقيدا، كان “SERL” يجلس القرفصاء فوق صخرة ضخمة في الأرض القاحلة التي كانت فيما سبق، أرض مبنى ميتم “ماريا”. بروح محطمة ومشاعر مختلطة لم يعد يعرف ما إن كانت ستكون سببا لبؤسه أكثر، معيدا ذكريات الماضي، كان يبكي بصمت. كان كل عضو في جسده يؤلمه، الهواء الذي يستنشقه يؤلمه، رؤية البشر تؤلمه، حقيقة أنه ولد ليعيش في عالم كهذا تؤلمه وتشعره بالضيق.

مسح دموعه عندما لاحظ وقوف أحدهم خلفه. دون أن يلتفت إليه، ودون أن يتقدم الغريب إليه، قال “SERL” بصوته المخنوق:

– ما الصواب؟ أن نبيع الماضي لنشتري الغد، أم نترك الغد ليد القدر، ونحتفظ بالماضي الذي نملكه؟!.

صمت عندما لم يستطع التحكم في دموعه، قال بعد شهقة:

– هل ولدنا لنشهد هذا البؤس دوما؟ لماذا قُدر علينا أن نعيش حياة كهذه؟ لماذا لا نرغب بالموت الذي نرغب به بشدة؟ أتساءل من الذي يعرف جوابا للتحرر من كل هذا… أتساءل إن كان هناك شخص آخر سينقذنا من هذا الجحيم كما أنقذنا “DO EVE” من جحيم ذلك المكان -ميتم ماريا-.

قال الرجل الذي يقف خلفه:

– يوجد… هناك شخص واحد بإمكانه إرجاع كل شيء إلى نصابه الحقيقي

قال “SERL” بنبرة محطمة:

– لا فرق في ذلك… ألا تفهم الأمر؟ منذ الساعة التي وجدنا فيها في هذه الحياة، قُدر أن نتألم ونُعذب دوما، لذا هذا ليس جوابا للتحرر

– بإمكانك أن تصلح ذلك بنفسك

– لا… لم أعد أطيق أي شيء بعد الآن حتى وإن عدت إلى الماضي لن استطيع فعل ذلك، لأن الزمن سيعيد نفس القدر المحتوم علينا. لا أنت ولا أنا ولا هم، سنستطيع تغيير الماضي.

– إذا ما الذي تريده؟ إن لم يكن هدفك في مساعدتي هو العودة للماضي.

أجاب “SERL” بينما يحدق بغمة في السماء:

– اعتقدت أنه سيستطيع أن يحررنا، لذا…

عض شفتيه حسرة، عندما قال:

– لذا أعيد تكرار السوء بسوء أسوء عن ذي قبل

قال الرجل متنهدا:

– ما الذي بإمكانه فعله… الحقيقة الحقيقية ليست بيده ولا يستطيع فرض أي حكم آخر إن كان يريد النجاة من الفناء

– عينيه فارغة، وهي كذلك أيضا…

– ما الذي تقصده؟

محدقا على هاتفه وهو يهتز باتصال من “DO”، أجاب “SERL”:

– إنهما يريدان التحرر مثلي، أولست أنت أيضا تريد ذلك؟

نهض من مقعده، التفت إلى الخلف محدقا ببرود إلى الرجل، ثم أردف:

– لا تخدع نفسك أكثر من هذا، أنت أيضا لا ترغب بالعودة إلى الماضي لأنك تعرف جيدا وأكثر من أي أحد آخر أن ذلك لن يحررك من قدرك البائس يا حبة الفول.

………

في مقهى الـ”HXH” كانت “MEL” تحتسي مشروبا برفقة “FER” بعد تصادفهما.

بشرود كانت “MEL” تحدق في مشروبها عندما سألتها “FER”:

– تبدين منهكة هذه الأيام

لم تجبها “MEL” فأردفت “FER” تقول بشيء من المواساة:

– حسنا… الجميع يبدو هكذا في الآونة الأخيرة، لكن كما توجد بداية لكل شيء، هناك أيضا نهاية لها.

قالت “MEL” بينما عينيها لا تزال كما هي تحدق في المشروب:

– هل النهاية ستكون سعيدة… حتى وإن لم تكن كذلك أريد فقط…

ذرفت دموعا حارقة لتقول بعد شهقة:

– لا أعلم لماذا أشعر بهذا البؤس، لا أعلم لماذا أشعر بالحزن دوما، لا أعلم لماذا أنا محطمة ولماذا أتألم…

صمتت عندما أرخت رأسها للأسفل، ثم أكملت:

– اشعر بالفراغ، كل يوم… اشعر أنني لا استحق أن أعيش، لكن أتعرفين ما الذي يؤلم أكثر؟

عندما رفعت “MEL” عينيها نحو “FER”، رأت الأخيرة ظلام البؤس في عينيها. أكملت “MEL”:

– المؤلم هو أنني لا أعلم لماذا أتألم… اعتقد أنه إذا عرفت سبب هذه المشاعر والفراغ… اعتقد أنني حينها لن أتألم كما الآن. لست الوحيدة هكذا بل الرئيس “DO” و “LEK”… إننا نتشاطر ظلام بؤس لا نعرف سببه. لذا حتى وإن لم تكن النهاية سعيدة، أريدها فقط أن تكون مريحة، أريد أن نرتاح جميعنا من كل هذا.

……..

بعد حديثها مع “FER” كانت “MEL” تسير نحو مكتبها، مسرة لنفسها:

“هل الإله يعاقبني لأنني سيئة؟ إننا نتشاطر ظلام البؤس لذا اعتقد أنني لست الوحيدة التي تُعاقب. على ذكر هذا لماذا قال “DO” في ذلك اليوم أن السوء الذي هو عليه الآن ربما لن يكون أسوء من السوء الذي سيكون عليه قريبا؟ لماذا قال أنه سيقتل أصدقائه! هذا يخيفني قليلا… وأيضا يبدو أنه يعلم شيئا يتعلق بالسوء الذي عليه “LEK” هل من الممكن أن ذلك يكون اشتباهه في كونه القاتل! لنفترض أن هذا حقيقي رغم أنه ليس كذلك، إذا ما السوء الذي تحول عليه هو؟ أي الأشخاص السيئين الذين يكونه مؤسس قوى العدالة “OH”!

عندما وصلت إلى غرفة مكتب الفريق المتشارك، رأت الفوضى في الأرجاء. المحققة “ER” يسود حولها هالة مخيفة، المحقق “LV” يأتي ذهابا وإيابا في الغرفة. توجهت نحو المحقق الآخر فسألته بفضول:

– ما الذي يحدث؟

– قضية كبيرة تم تسليمها لنا

– ما هي؟

– مقتل المدير التنفيذي لشركة “ENGART”

جفلت “MEL”:

– ماذا!

– وجدنا أن مقتله له علاقة بقضية تهريب مخدرات، عميله يكون “”PX مراقب أمن في مبنانا. ليس هذا فسب بل “PX” ذلك الوغد متهم أيضا بالاحتيال غير القانوني. والرأس الأساسي لكل هذا هي منظمة تدعى بـ”قولدن”.

نظر المحقق إلى “MEL” عندما ظل يتحدث دون أن يسمع ردا في المقابل. شعر بالغرابة عندما رأى لون وجهها تحول للأصفر. نادى بها، لكنها لم تجبه. كانت مصنمة حيث هي، فاغرة الفاه.

– أنا… سأعود إلى المنزل باكرا اليوم….

بينما تسير بثقل، توقفت للحظة عندما أدركت شيئا. قدمت نحو المحقق مجددا، تسأل بانفعال:

– أين هو الآن؟؟؟؟

– من؟

– مراقب الأمن “PX”؟؟

– في الزنزانة بالتأكيد.

….

هرعت “”MEL لرؤية “PX”، فور وصولها وجدت المحقق “EKE” يقف أمام قضبان الزنزانة يتحدث مع “PX”. جفلت عندما تذكرت أنهما تقابلا قبل عدة أسابيع في منزل “PX” ومن بعدها لم يتواصل العجوز معها. توقفت خطواتها عن التراجع للخلف عندما التفت إليها “EKE” مبتسما:

– المساعدة “MEL” ما الذي أتى بك إلى هنا؟

– هذا… إنني…

– أه تذكرت القسم السابع حيث تكونين، كان المسؤول عن هذه القضية

– كان؟

– الآن تم تحويل القضية لتكون تحت مسؤوليتي

شعرت “MEL” بأن قدميها لم تعد قادرة على حملها، عندما سار “EKE” من جانبها نحو باب الخروج وهو يقول:

– سأتأكد من تحقيق العدالة جيدا في هذه القضية أيضا.

بعد خروج “EKE”، توجهت “MEL” نحو “PX”، قالت بينما تشتعل غضبا:

– ما الذي فعلته بحق الجحيم! لماذا أنت هنا؟؟؟

ببرود أجابها:

– لما برأيك؟ هذا لأنني مجرم

ضربت القضبان الحديدية بيديها قائلة بانفعال:

– لا تتحامق معي! كان المحقق “EKE” في منزلك منذ بضع أسابيع، ما الذي تحدثتما عنه؟

– إذا وصل الأمر إلى أن تقومي بالتجسس أيضا، أنت غير معقولة

– أجبني!!

– المجرم في عالم حيث توجد قوى “OH” لن يستطيع الاختباء إلى الأبد وسيحكم عليه بالتأكيد. هذا كل ما لدي لأخبرك به.

لم تستطع”MEL” التحدث بالمزيد، لأن الحراس قاموا بإخراجها من الزنزانة.

هاتفت شقيقتها “LEE”:

– ما الذي سنفعله الآن… لقد تدمرنا تماما

………

” ما هذا الظلام، لا استطيع رؤية أي شيء، يداي وقدماي مقيدتان. اشعر بالبرد الشديد، اعتقد بأنني سأتجمد. أين أنا الأن “

في فراغ غرفة تصل درجة حرارتها إلى 20 تحت الصفر كان “BCV” البالغ من العمر 78 عاما، ممددا فوق أرض سيراميك باردة. يذكر جيدا، قبل فتح عيناه المقيدتان وهو في هذا المكان المجهول البارد، انه كان في منزله يعد وجبة العشاء. حتى سمع صوت أقدام من الغرفة المجاورة، وعندما ذهب ليلقي نظرة ارتطم شيء صلب برأسه. بتذكره لذلك شعر فجأة بالألم الذي لم يشعر به قبل لحظات. كان يشعر بالدم وهو يتدفق من مؤخرة رأسه وذلك زاده قلقا اكثر من قلقه لكونه سيتجمد

“هل سأتجمد حتى الموت؟”

“أم هل سأنزف حتى الموت؟”

” لا املك أي مال، أنا مجرد عجوز فقير عاطل، أعيش في منزل مترهل فارغ، ولست بعميل استخبارات أو رجل يعمل مع الدولة، لست جاسوسا املك معلومات عن شخص ما، اذا من ذا الذي يريد خطف شخص بائس مثلي؟ “

كان شعوره بالبرود يزداد اكثر، حتى شعر بأن الإصابة التي في مؤخرة رأسه تجمدت، لم يعد قادرا على التحمل اكثر. ذلك البرد بدى له كالجحيم.

سمع صوت فتح باب الغرفة بهدوء مصدرا صريرا عاليا، فشعر بنسمات دفئ تغللت إلى جسده قادما من ذلك الاتجاه.

” هل هو الخاطف! “

اختفى صوت الصرير، ليختفي معه الدفء الذي أشعره بالقليل من الحياة، فأدرك فورا أن الباب تم غلقه وشخص ما بالداخل الآن معه.

” أين هو الأن؟ “

بعد الصمت الذي ساد لدقائق معدودة سمع “BCV” صدى خطوات أقدام تتجه نحوه.

قلبه ينبض بسرعه مع كل خطوة كان يسمع صداها. اختفى صوت الصدى. بدا له أن الشخص يقف بجانبه الأيمن. منذ وجوده بداخل الغرفة الباردة، التوتر، القلق والخوف كانوا يستحوذون عليه. لكن بعد سماع صوت الرجل وهو يتحدث شعر بأنه لن يموت بسبب البرد أو النزيف، بل بالخوف من الذي سيفعله صاحب هذا الصوت الحاد الأجش، به.

– أراك مستمتعا بأجواء الغرفة.

أراد “BCV” أن يتحدث لكن القماش الذي يغطي فمه، منعه من ذلك.

– يبدو انك مستمتع لدرجة لا تستطيع فيها أن تتحدث. لا تقلق لست منزعجا من هذا. سأتحدث أنا نيابة عنك. أظن انك تتساءل عن سبب وجودك في مكان رائع كهذا. سأجيبك بما إنني لطيف.

اقترب الرجل من ضحيته، هامسا في أذنه بخبث:

– أنت هنا لتضحي بنفسك. عن طريق قتلك سأتخلص من كل ما يعيق تفكيري، بهذا سأكون قد توصلت بأفكاري إلى استنتاجات تجعلني أقبض على المجرمين. كما فعل الذين من قبلك، عليك أن تكون فخورا بهذه التضحية.

“هذا الشخص مجنون حتما، يريد قتلي من اجل أن ينظم أفكاره! كم شخصا قتله بحق! “

سمع صدى خطوات الأقدام مجددا، تبعد عنه هذه المرة

” إلى أين يذهب؟ “

– لأنني لطيف بما يكفي، سأتركك تفكر لأخر مرة وتتوب عن الأخطاء التي اقترفتها في حياتك

” عن أي أخطاء يتحدث. لطالما كنت أعاني في حياتي. لا يعرف أي شيء عن الظروف التي عشتها والان هو يقول إنني مخطئ! انتظر… هل هو يعرفني! “

– ليس وكأنني اعرف ما فعلته في حياتك. أنت هنا فقط لتسليتي لذا أريد أن أرد لك معروفك قبل أن تذهب روحك بعيدا.

لا يملك عائلة، يعيش وحيدا منبوذا من الناس، لذا أيقن “BCV” أنه لن ينجو من يد هذا القاتل المجنون الذي يقتل لينظم أفكاره فقط. بينما يسر لنفسه، كان يذرف دموع الندم:

” بالفعل لقد ارتكبت الكثير من الأخطاء في الماضي لكنني تبت وتوقفت عن ما كنت أفعله. تلك الأخطاء التي كانت بسبب ذلك القائد اللعين. أقحمنا في خططه القذرة، سلب منا نعمة العيش بسلام. أعتقد أنه الأن يعيش حياة مريحة في مكان ما. “

بعد مضي 5 دقائق سمع صوت صدى الخطوات مجددا وهو يقترب منه، إضافة صوت صدى أداة حديدية ترتطم بجدار المكان. بدأ بإدراك أن تلك الأصوات التي يسمعها، هي آخر الأصوات التي سيسمعها في هذا العالم.

اقترب الجاني من ضحيته وهو يحمل في يده أداته الحديدية شبيهة القنبلة اليدوية، الأداة التي يستعملها دائما في قبض أرواح ضحاياه.

– أعطيتك ما يكفي من الوقت لتفكر، وتتوب. الأن علي أن انهي ما أتيت من أجله.

أخذ “BCV” يضرب الأرض بقدميه، ويخرج أصواتا من خلف القماش. ابتسم الجاني قائلا:

– تبدوا بائسا، كم هذا ممتع لرؤيته… هل لديك أمنية أخيرة تريد مني تحقيقها؟

أزاح الجاني القماش من فم ضحيته، فقال “BCV” لاهثا:

– هناك شخص، قم بإرساله للجحيم معي

– ذلك يعتمد على أفعاله

– منذ أكثر من 20 عاما لقد قام بقتل الكثير، وربما لا يزال يفعل

– 20 عاما؟

– منذ عام 1990… بعد أن أقحمني أنا ورفقائي في قتل عائلة بريئة… قام بتدمير حياتنا بعدها

شعر الجاني بألفة غريبة جدا لما يقوله ضحيته. قال:

– من هي تلك العائلة؟

– لا أعرف… كانوا 6 أشخاص منهم 3 أطفال.

– أين وقع الأمر؟

– في مصنع مهجور

– من كان ذلك الشخص؟

– إنه… “REWE”.

دُهش الجاني، سأل مجددا:

– لماذا قتلتم العائلة؟

– كانت تلك أوامر “REWE” كنا نحن نفعل ما نأمر به فقط.

– من هم شركائك؟

– هناك الكثير منا، من أتباع “REWE” زملائي هم….

يقوم “BCV” بذكر أسماء زملائه، بعد صمته للحظة يكمل:

– صحيح أننا كنا أتباع “REWE” لكن المسؤولين الذين قاموا بتعذيب العائلة هو أنا و: DS”، “NON”، “FO”، “VOM”، “BA”،” “KOL..

تصلب الجاني في بقعته، تداخلت أفكاره ببعض لم يشعر بعدها بنفسه وهو يخرق رأس ضحيته بأداته. استمر بتمريرها له حتى بعد خروج روح ” BCV”

بينما لا يزال الجاني يوجه بسلاحه لجثة ضحيته، كان يتحدث بصوت مسموع مصدم:

– طيلة هذا الوقت كنت أقتل أعضاء منظمة “DAZ”، ما معنى قتلي للأشخاص الذين قتلوا تلك العائلة… كنت أقتل لاستمتع وأريح عبث أفكاري، لكن ذلك الآن ألا يدل على أنني كنت انتقم… انتقم من الأشخاص الذين قتلوا عائلة “B8″، لماذا… إنه لا يزال على قيد الحياة، من يقتل انتقاما لعائلته، على قيد الحياة… إنني على قيد الحياة… انتقم لعائلتي…

توقفت يده التي تحمل الأداة، في الهواء، قبل أن يوجهها مجددا إلى جسد ضحيته، عندما شعر باهتزاز هاتفه في جيب بنطاله. أخرج الهاتف، بصوت مرتعش سأل:

– ماذا هناك؟

– ما الذي حدث، لماذا صوتك…

– ما الذي تريدينه أيتها المحققة “FER”؟

– الضحية “L” يكون الابن غير الشرعي للمحقق “DS”.

– إذا؟

– المرأة التي أنجبته تكون مديرة ميتم “ماريا”، التي قًتلت قبل 20 عاما. وكما وجدت في التقارير التي أخفتها منظمة “”DAZ القاتل يكون “DO EVE” البالغ من العمر 12 عاما حين ذاك الوقت.

وقع الهاتف من يده، كان يحدق بشرود إلى الفراغ، عندما لم تسمع ردا في المقابل، قالت “FER”:

– أيها الرئيس… هل أنت على الخط؟

نهض من حيث هو، بينما المحققة تنادي به عبر الهاتف الذي تُرك في الأرض المغطاة بالدماء. وقف أمام مرآة كانت في الغرفة. حدق إلى نفسه فاغرا الفاه. غطت بقعة من المرآة بالدم عندما وضع يده المغطاة بدم ضحيته فيها محدثا نفسه عبر انعكاسه:

– من تكون… أيهما تكون… هل أنت “DO” السيء أم الجيد… من هو أنت… أجبني!!

صرخ يضرب بقبضة يده المرآة، فأحدثت فجوة لتزيد بذلك كمية الدم في يده.

نظر بعينيه المشتعلة، إلى انعكاس عينه الباردة في المرآة، قال بينما لا يزال يضرب بيده المجروحة المرآة:

– أجبني من أكون… هل حقا ما زلت على قيد الحياة… يا “DO EVE”

نهاية الفصل الرابع والعشرون…



P.25. ضحايا ماريا

عام 1998، في قبو ميتم “ماريا”:

مع مشاعر خوف، ذُعْر، هَلَع، صدمة كانت “MERA” مديرة ميتم “ماريا” تتراجع جلوسا بجسدها المرتعش المصاب للخلف، مع كل خطوة كان يتقدم فيها من أوصلها إلى هذا الوضع، نحوها. في ظلام المكان كانت ترى لهيبا مشتعلا، كرها وحقدا يصدر من عينيه الصغيرة إليها. اصطدم ظهرها في الحائط، لم يعد بإمكانها التراجع أكثر، لم تعد تستطيع الهروب منه. كان يقف أمامها مباشرة يحمل في يده خنجر. بصعوبة بالغة نطقت “MEAR”:

– لماذا… لماذا تفعل… هذا… يا “DO”…

ارتعشت أكثر عندما أجابها بصوته المليء غضبا وحقدا:

– لا تضعي اسمي في فمك القذر

– لماذا تفعل هذا بي…

– ألك وجه حتى تسألينني عن هذا؟ لن تستطيعين خداع أي أحد آخر من بعد الآن، لأنك…

اقترب منها “DO” هامسا في أذنها قال:

– لأنك ستموتين الآن على يداي.

وقبل أن تنطق بحرف واحد، ارتعش جسدها كله عندما تلقت أول طعنة من الخنجر في قلبها. خرج الخنجر، فبصقت كمية كبيرة من الدم. للمرة الأولى رأت في عينيه الحقد، الكره، الغضب. للمرة الثانية عندما تلقت طعنة أقوى عن الأولى، رأت في عينيه الأسى، الحزن، التحطم. في الأخيرة وقبل خروج روحها رأته يبتسم، ابتسامة لم تعرف مغزاها.

نهض “DO”، متمايلا، كان يشعر بالفراغ والصداع. بينما يسير مترنحا، فاغر الفاه كان يردد دون أن يشعر بما يقوله:

– للبعد الأقرب من هو التالي… التالي للبعد الأقرب من سيكون؟

سيكون للبعد الأقرب هو… جميع البشر.

………

– وُجدت جثة “MEAR” بعد يومين كاملين منذ مقتلها، في قبو الميتم الموافق 11/11/ 1998. كاميرات المراقبة، الحمض النووي في سلاح الجريمة، جميع الأدلة كانت تشير على أن القاتل هو “DO EVE”. لكن الشرطة أغلقت القضية على أنها قضية انتحار، ومن كان وراء إخفاء الأمر هم منظمة “DAZ”.

“MERA” هي والدة “L” الضحية الثانية من سلسلة “BN8″، الحقيقية. و الوالد يكون المحقق “DS”. تخلى “DS” عن ابنه و “MERA” لأنه كان ضمن منظمة “DAZ” التي تشترط على أعضائها أن لا تكون لديهم عائلة، وخرق هذا القانون عقابه سيكون بالتخلص منهم جميعا. لم تستطع “MERA” الاعتناء بابنها، لأنها كانت تعاني من الفقر لذا تركته عند حاوية النفايات، لاحقا وجدته العائلة التي كنا نعتقد أنها عائلته الحقيقية. لكن بصدفة غريبة بعد عدة أعوام بدأت “MERA” العمل كمديرة لميتم “ماريا”. الأقوال عنها جيدة، كانت تعنتي بالأطفال وتحبهم. لم يشهد أي من العاملين هناك أي سوء منها، تجاههم أو تجاه الأطفال. لذا لا أفهم لماذا قتلها “DO”! وطريقة القتل إنها مشابهة جدا لطريقة قتل “B8” في سلسلة “BM8”! الأمر يربكني.

تنهدت “FER” بعد قراءة تلخيص التقرير لـ”MEL”. قالت الأخيرة بملامح أسى ترسمت في وجهها:

– كيف يعقل لذلك الصبي أن يقتل أحدهم… لست قادرة على تصديق هذه الحقيقة

– هل تتعاطفين معه؟

ترددت “MEL” عندما قالت:

– لماذا صبي بعمر الـ12 يقتل إحداهن، أليس من المنطقي أن يكون هناك سبب لذلك! وحقيقة أن الكثير من الأطفال اليتامى يتعرضون للسوء في ملاجئهم، ليست ببعيدة عن ميتم “ماريا” أيضا.

– إذا فكرنا من وجهة النظر هذه، فسيحول بنا الأمر إلى أن ما قاله “SERL” حقيقي. ربما ما كان يقصده بأن “DO” أنقذ حياته هو وبقية الأطفال كان بقتل “MERA” التي كانت تؤذيهم بطريقة ما.

– لذا ما أقوله هو أن السوء الذي كان يحدث في ميتم “ماريا” ربما خلفه مديرة المكان.

تنهدت “FER” قائلة:

– يا ترى ما الذي كانت تفعله، لدرجة وصل فيها إلى أن تُقتل من قبل إحدى الأطفال الذين ترعاهم! وأيضا… علينا أن نربط سبب تضحية “DO” بنفسه بكل هذا.

– عقلي الآن بحالة من الصدمة، لذا لا استطيع التفكير بأي شيء بعد…

– أكيدة من أن الرئيس سيصل إلى هذه الثغرة

– أين هو؟ لم أره منذ يومين؟

– منذ اليوم الذي أخبرته بحقيقة “DO” الصغير، لم يأتِ إلى المبنى. ربما هو أيضا مصدوم.

تعجبت “MEL”، فقالت:

– صحيح بأن الأمر صادم قليلا، لكن أن يجعله ذلك لا يأتي للعمل إنه قليلا يبدو… غريبا.

حملقت فيها “FER”، قائلة:

– ما الذي تودين الوصول إليه؟

– لا أقصد بذلك أي شيء مريب، فقط اعتقدت أن الثلج يجري في جسده بدلا من الدم، لذا يبدو غير مهتما بأي شيء فيما يتعلق بالعواطف.

– إنه إنسان بعد كل شيء

أسرة “MEL” لنفسها:

” أتساءل أي نوع من الناس يكون “

أكملت “FER”:

– قد يبدو أنه شخص سيء، لا يكترث بغيره، يكره الجميع لكنه في الحقيقة ليس كذلك. إنه فقط ضحية للكيان الذي جعل حياته هكذا. إنه يتألم بداخله، يريد أن يشعر بالراحة، يريد عيش حياة طبيعية، إنه… إنه لا يظهر ذلك فحسب.

لم تملك “MEL” ما تقوله، كانت تفكر ما إذا كان “DO” هكذا حقا. بعد صمت ساد لدقائق، قالت “MEL” عندما لاحظت أمرا مألوفا في جريمة “DO EVE”:

– قد ما أقوله الآن سيبدو غريبا لكن إن كانت طريقة قتل “DO” الصغير، لـ”MERA” مشابها لطريقة قتل “B8”. هل من الممكن أن “DO EVE” لا يزال على قيد الحياة، وهو الجاني الحقيقي!

قالت “FER” بطريقة حديثها الجاد، سخرية:

– في الآونة الأخيرة يبدو أن الجميع بنظرك هو الجاني

فهمت “MEL” ما تقصده بذلك، قالت:

– عندما قلت أن “SERL” هو الجاني الحقيقي، كنت بحالة من الذعر وما قاله في ذلك الوقت أعماني تماما، عن الأدلة التي لا تدعم هذا الاستنتاج.

– بعد كل شيء كما قال الرئيس، إن “SERL” متواطئ مع الجاني الحقيقي، لذا من الطبيعي أن نشك به. لكن…

– لكن ماذا؟

– بت أيقن أن كل ما يقوله حقيقي

عضت “MEL” شفتيها، لتقول:

– لا أريد التصديق بما يقوله…

غيرت الموضوع سريعا، قائلة:

– إذا لماذا لا يكون “DO EVE” هو الجاني الحقيقي؟

أدركت “FER” من طريقة تغيير الموضوع، أنها لا تريد التحدث عنه، لذا تنهدت قائلة:

– صحيح بأن الطريقتين متشابهتين، لا سيما إذا نظرنا إلى الوقت والساعة واليوم الذي قُتل فيه والديه. لكن هذا ليس دليلا قاطعا، ولا نملك دليلا على أن تقرير الحادث الذي سبب بموته هو و عائلته بالتبني، مزيفة. إضافة إلى كل هذا دافع “B8” هو الانتقام لعائلته التي ليست أقل من 3 أشخاص. وكما تعلمين جيدا “DO EVE” وحيد والديه.

بعد حديث آخر انتهى فيما يخص القضية، خرجت “MEL” من مكتب “FER” متوجهة إلى منزلها. كانت تفكر بالكثير أثناء الطريق:

 لما “HXH” هي من تحقق في القضية، بل لما أصبح المحقق “EKE” فجأة المسؤول عن القضية التي كانت لفريقي، أعتقد أنه هناك مثيرا في الأمر. “PX” ذلك اللعين قام بخيانتنا… بسببه الآن ستمحى حياتنا… ما الذي يجب علي فعله… إذا أدرك “DO” هذا ما الذي سيفعله بي… هل هذه هي النهاية؟ “

……..

في الساحة التدريبية الخامسة لمبنى “XHX”:

بينما كان جنود الفيلق الثامن، يقفون في الصف، لإلقاء وسماع تحية اليوم من مدربهم المحقق “EKE”، ركض أحدهم للصف الخلفي بعد تأخره، هامسا لمن حوله:

– إن الرئيس هنا!

– ماذا؟ هل أنت متأكد!

– أقسم إنه الرئيس، الرئيس “DO”!!

– لماذا فجأة هو هنا؟ دعك من هذا كيف يكون شكله!

جفل الجندي صاحب الخبر، وصديقيه عندما رأوا ابتسامة المحقق “EKE” أمامهم وهو يردد بلطف:

– من الذي تشعرون بالفضول حول شكله، لدرجة أنكم تخلفتم عن إلقاء التحية بشكل مناسب؟

بلعثمة، قلق، أجاب الجندي:

– إنه… إنه…

– المحقق “EKE”…

إضافة إلى الجندي الذي تفاجأ بذلك، تفاجأ “EKE” أيضا من سماع صوت “DO” خلفه. التفت إليه مبتسما، يقول:

– يا الهي… ما الذي جعل القائد يأتي إلى هنا؟

همس إحدى الجنود، إلى صديقه الذي كان متصنما في بقعته فور رؤيته لـ”DO”:

– من هذا؟ هل هو قائد القائد “EKE” في “HXH”؟

– أحمق… إنه الرئيس “DO”

– ماذا الرئيس!!

بعد صراخه بتلك الكلمة الأخيرة، لم يشعر بقية الجنود بنفسهم عندما اعتدلوا في وقفتهم، وألقوا التحية العسكرية الخاصة فورا لـ”DO”. تنهد الأخير بخفة، ثم أكمل يقول لـ”EKE”:

– علينا أن نتحدث أيها المحقق “EKE”.

…….

في الردهة الخارجية:

بعد انفرادهما قال “EKE”:

– هذه أول مرة تأتي فيها أنت إلي للحديث، إنني متعجب

متجاهلا حنقه تجاه تلك الابتسامة، قال “DO”:

– كنت تعمل لبضع الوقت في قسم شرطة “فاول” الواقعة في الريف، قبل سنوات

بملامح الحيرة المرسومة في وجهه سأل “EKE”:

– أجل كنت أفعل، لماذا تسأل عن هذا فجأة؟

– هل صدف وأن كنت تعرف امرأة تدعى بـ”REFA”؟

بنصف ابتسامة خفية، قال “EKE”:

– “REFA”… أشعر بالحزن لأنني لا أعرف المرأة التي تحمل اسما فريدا كهذا

بينما كلاهما يحدقان بعيني بعضهما، صمتا لدقيقة، قال “EKE”:

– هل هي شخص تعرفه؟

– وهل تعتقد أن هذا شيء يعنيك لأجاوبك عليه؟

قهقه “EKE” وهو يقول:

– أنت فضيع، كعادتك تقول هذه الجملة فكل مرة أسألك فيها أمرا ما، لكن أتعلم…

أقدم بوجهه، نحو وجه “DO” مباشرة، بينما لا يزال يبتسم أكمل:

– قد نكون أقرب مما تعتقد، فهذا العالم لا يزال يخفي الكثير من الحقائق المجهولة يا “DO”

اقترب “DO” بوجهه إضافة إلى القرب السابق، نحو وجه “EKE”، راسما ذات الابتسامة قال:

– أتعلم أنني أنتظر قدوم الوقت الذي ستحقق فيه رغبتك التي لم تستطع تحقيقها من قبل…

صمت، هامسا في أذنه أكمل:

– انتظر شوقا اليوم الذي ستقتلني فيه يا “K”.

ارتعش “EKE”، حاول إخفاء صدمته عندما عاد “DO” لوضعيته السابقة مع ابتسامة خبث تحمل نوايا غامضة. ابتسم “EKE” مجاملا وقبل أن يقول شيئا، قاطعه “DO” يقول بينما يسير تاركا إياه خلفه:

– كنت أمزح معك أيها المحقق “EKE” لكن رد فعلك المتفاجئ أثار اهتمامي، أراك لاحقا.

عاد “EKE” حيث الجنود، بينما ذهنه مشغول بالتفكير بما قاله “DO” سابقا

” هل أدرك بالفعل… كيف… هل حان الوقت بهذه السرعة؟ لا… لم يقل ذلك مؤكدا، لكنه كان يختبرني، ولسوء ما أظهرته بات متأكدا. مما يعني أنه سيبحث الآن عن حقيقتي… أنت لا تُصدق حقا يا “DO”، رغم أنك لا تعرف أي شيء ولست متأكدا مما تراه، إلا أنك دوما تتوجه نحو الطرق الصحيحة. أتساءل ما هو الطريق الذي ستتجه نحو تاليا “

………

بينما يقود “SERL” السيارة، كان “DO” في الخلف يضع يده اليمنى في خده، يحدق عبر النافذة مفكرا.

” 3 أطفال قتلوا من ضمن 6 أشخاص في تلك الغرفة من المصنع، لو كان الثلاثة البقية أطفالا أيضا لكنت سأقول متأكدا بأن أولئك الأطفال من ميتم “ماريا” وبالنسبة لـ”DO” يكونون أشخاصا مقربين منه لدرجة اعتبارهم سعادته -عائلته- وبطبيعة الحال الشبهة نحوه كانت لتؤكد. لكنه لم يكن كذلك، لم يكن الشخص الذي اعتقدته -“B8”- لم يكن “DO EVE” القاتل، لأنه قُتل بالفعل منذ 20 عاما. استخدام “B8” لتاريخ مأساة ما حدث مع “DO EVE” وعائلته إنه ليس سوى ارتباطا به، وليس دليلا على أنه القاتل. كيف فكرت عكس ذلك! بل كيف… كيف اعتقدت أنني “DO EVE”… “

بعد التخلص من جثة ضحيته “BCV”، بحث “DO” عن الأسماء التي ذكرها الرجل. وكما لم تخنه ذاكرته جميعهم كانوا ضحاياه من الأشهر الثلاثة الأخيرة. وبالأخذ في عين الاعتبار أنهم كانوا أتباع لـ”REWE” وليس لمنظمة “DAZ” تلاشت أفكاره حول هويته الحقيقية. لكن التفكير حول المسألة الأخيرة، أخذ حيزا كبيرا من وقته في البحث عن أدلة. ما قبل وحتى عام 1990 وجد أن “REWE” كان رجل عصابة شارع، عادي يجمع المشردين ويجعلهم تحت سيادته مقابل الصرف على مأكلهم ومشربهم. “BCV” وزملائه كانوا من ضمن أولئك المشردين، إضافة إلى الأتباع – ضحايا BM8- الذين عذبوا عائلة “B8”. بعد عامين فقط ظهر اسم جديد في عالم المنظمات الإجرامية، منظمة “DAZ” تحت قيادة “REWE”. لذا كما قال “DO” إن “B8” ليس مشاهدا للمأساة التي حدثت لعائلته، بل كان هو أيضا جزء من المأساة، كان في تلك الغرفة وربما تعذب أيضا، ولكنه نجى بطريقة أو بأخرى وهذا يدل لماذا الدقة في ارتكاب جريمته امتثالا لما حدث له ولعائلته. ربما أيضا السبب خلف تفكك “DAZ” بأمر تلك المصيبة، خلفها “B8″، أي أنه منذ 20 عاما كان ينتقم بالفعل من الذين حولوا حياته إلى جحيم. لكن كان هناك عائق واحد لم يستطع “DO” تجنبه: إن كان الانتقام بدأ منذ 20 عاما، فلماذا لم يقتل “REWE” وأتباعه حينها، لماذا الآن بعد 20 عاما؟ هل هناك ما كان يمنعه؟ أم أن استنتاج “DO” الأخير كان خاطئا؟ بينما يجد تربة يغطي فيها هذه الثغرة، توصل “DO” إلى أن آخر ملاحظة تركها “B8” عند الضحية الخامسة رسالة حلت القليل من الغموض السابق.

” النهايات خيط واصل بين بدايات النهاية، والبدايات الوسطية حتى البداية النهائية التي لا نهاية لها “

بحسب استنتاج “DO”: النهاية هو الوقت الحالي. ربط أحداث كل ما سبق قبل هذا الوقت معه، هو ما قُصد بالخيط الواصل. بمعنى أنه مهما استنتج أمرا في هذا الوقت -النهاية- لحل القضية فهو حتما سيكون مرتبطا بالأحداث السابقة، بمعنى آخر أن كل حركة تركها الجاني الحقيقي خلفه في جرائمه، ليست سوى خيطا. لذا أخذ بالتفكير مجددا، حول لماذا الحرفين “B” و “k” هما ما كانا الناقصين في ترتيب الكلمتين “BLACK NOTE” من أسماء الضحايا.

تحليل الحرف “B” من وجهة نظر “DO” كان: أنه دمج الرقم 9 معا بعد، عكس الأخرى لشكلها. والحرف “K” دمج بين الرقم 1 و الحرف “V” بطريقة عُكس فيها فتحته لليمين.

ترتيب كل ما سبق يُخرج شيفرة أقرب إلى كونه عنوانا: BK991V.

بعد الوصول إلى العنوان السابق، ظهرت النوبة البؤرية مباشرة، للوقت الذي كان فيه “DO EVE” يلاحق “MERA” للقبو. كُتب على لوحة بجانب باب القبو ” BK991V”. رغم توصله إلى هذا لم يفهم “DO” أمرين. أولهما: لماذا كُتب شيء كهذا بجانب باب قبو ميتم “ماريا”، الثاني: توصيل “B8” لعنوان القبو بهذه الطريقة المشفرة، يعني أن هناك سرا كان يوجد في القبو، لكن ماهو؟

” إن كان هناك ما يخبئه القبو، فذلك حتما سيكون ما قصده بالبداية النهائية “

بعد أخذ خارطة قديمة، لتصميم الميتم من الداخل والخارج وتحليلها، استنتج “DO” أن القبو لم يكن داخل المبنى بل تحت الأرض من داخل المبنى، أي أنه حتى بعد هدم المبنى، المكان الذي يريد له “B8” بالذهاب لا يزال متواجدا. لذا بعد الحديث مع “EKE” كان “DO” في طريقه إلى أرض الميتم.

بعد وصولهما: خرج “DO” من السيارة بعد فتح “SERL” الباب له.

توجها نحو البقعة التي حددها “DO” مسبقا على أنها البقعة المنشودة في خارطة تصميم المبنى. بعد الحفر قليلا في الأرض ظهر مقبض حديدي وما أن سحبه “SERL” للأعلى حتى تدفق التراب من فوق وظهر مخرجا من تحته.

عبرا السلالم نحو عمق الأرض، حتى أصبحا يسيران فوق أرض مسطحة. مع كل خطوة كان يخطوها “DO” كان يتذكر الحدث من آخر نوبة بؤرية. ذلك كان يشعره بأن أمرا كبيرا يخفيه الباب “BK991V”. وصلا إلى وجهتهما، حدق “DO” إلى الاسم ثم فتح الباب.

ما أن دخل حتى بدأ يشعر بنبض قلبه المتسارع. أضاء ما حوله بمصباح يدوي حينها كانت المفاجأة التي لم يتوقع رؤيتها.

……..

خطاها المسرعة كانت تضرب أرض ممرات دار “دوس”، ثوان حتى أخذت تهرول. حدقت بقلق إلى الورقة التي كُتب فيها عنوانا، عنوان المكان الذي فيه المرأة المقربة من إحدى الصبية الثلاثة في الميتم. بعد وصولها إلى الوجهة المطلوبة، تصنمت “FER” أمام الباب. نظراتها القلقة كانت تنتقل من العنوان في الورقة -رقم الغرفة- إلى رقم الغرفة أمامها.

” لماذا… لماذا أنا أمام غرفة جدتي… “

بلعت ريقها، بقيت ممسكة المقبض لثوان، ثم فتحت الباب ودخلت.

في الداخل: كانت تجلس مقابل جدتها، التي تجلس في كرسيها المتحرك أمام النافذة. أخذت نفسا عميقا ثم قالت:

-مرحبا آنسة “REFA” كالعادة أراك أمام النافذة. هل صحتك بخير اليوم؟

ابتسمت عندما لم تتلقى ردا، ككل مرة. تجاهلت ذلك سريعا قائلة:

– آنسة “REFA”… سمعت أنك كنت تعملين في مكان رائع، مكان مليء بقلوب محطمة مرسومة في ملامحهم ابتسامة براءة. سمعت أيضا أنك كنتِ صديقة رائعة لصبي رائع. صبي هادئ، عبقري، لا يحبه الكثير. صبي غامض يخفي الكثير من الحقائق بداخله، لكن بما أنك كنتِ صديقته المقربة فأنا حقا أحسدك على ذلك. لذا… هل يمكنك أن…

ترددت للحظة وهي تنظر في عيني جدتها الذابلة، قالت بعدها:

– هل يمكنك أن تتحدثي معي عن صديقك “DO EVE”

تفاجأت “FER” عندما رأت اتساع عيني جدتها فور ذكر اسم “DO”، لم تتوقع أبدا أن تستجيب لها جدتها!

– ربما لا يعرف الكثيرون عن مدى كون “DO” رائعا، لكنني أعرف أنه كذلك لأنك ستخبريني عن ذلك الجانب فيه، أليس كذلك يا جدتي؟

التفتت إليها جدتها، مع تعابير ملأها الحزن. برؤية رد الفعل ذلك، كانت “FER” متحمسة من فكرة أن جدتها ستتحدث أخيرا. عندما لم يحدث ذلك، شعرت بالاستياء، قالت وهي تعض على شفتيها:

– لماذا لا تتحدثين معي! أعلم جيدا أنك تستطيعين، وتستطيعين المشي أيضا لذا لماذا…

قبضت على يديها بحنق، قائلة بعدها:

– لماذا تفعلين هذا بحق الجحيم… لماذا!!

لم تشعر “FER” بنفسها وهي تصرخ بانفعال، حتى تلقت صفعة في وجهها من امرأة في وسط عقدها السادس، كانت قد دخلت الغرفة منذ وهلة.

– من أنت يا آنسة؟ ما الذي تعتقدين نفسك فاعلة وأنت تصرخين على شخص مريض هكذا!

تفاجأت “FER”، قالت:

– من… أنت…

تجاهلتها المرأة، وأخذت “REFA” لتضعها فوق السرير. بينما تفعل ذلك كانت المحققة الشقراء تنظر إليها وهي بحالة من صدمة تلقيها لصفعة -من شخص غريب-. بعد وضع “REFA” في السرير، توجهت المرأة نحو الباب، قائلة دون أن تلتفت إلى “FER”:

– “BEK”… أنا “BEK” شخص يعرف هذه العجوز منذ وقت طويل. لنتحدث في الخارج.

– كنت أعمل كعاملة تنظيف كل نهاية أسبوع في ميتم “ماريا”، رغم الوقت القصير الذي كنت فيه هناك، إلا أنني كنت أعتبر السيدة “REFA” أكثر شخص يفهمني، لذا كنت أحترمها جدا. كانت شخص رائعا، تهتم بجميع الأطفال كما لو أنهم أطفالها الحقيقيون. لم أرى سوء منها أبدا. كانت بخلاف جميع الأطفال، مقربة من صبي اسمه “DO”. كانت تحبه وتهتم به أكثر من البقية. لو لم أكن أعرفها لقلت أنه كان ابنها الحقيقي.

سألت “FER”:

– ألم تخبرك عن سبب قربها منه، بطريقة أو بأخرى؟

– لماذا حتى يكون هناك سببا عظيما لحب امرأة لطفل صغير؟

– أعني… إنها كانت تفضله أكثر من غيره

– هذا طبيعي، قد يكون هو الطفل الذي شعرت بأنه يشابه طفلها

تعجب “FER” قائلة:

– هل أخبرتك أن ابنها هجرها؟

– أجل، كنت أرى الحزن في عينيها دوما، لكن عندما تكون مع “DO” يختفي ذلك. لهذا اعتقدت أنها تشعر بهالة ابنها فيه.

– إذا هل تعرفين أي شيء مريب يتعلق بمديرة الميتم؟

همهمت المرأة:

– السيدة “MERA”… حسنا إنها مديرة جيدة هذا فقط.

– ماذا عن موتها؟

– المسكينة يبدو أن المسؤولية كانت كبيرة، لذا طعنت نفسها.

أسرت “FER” لنفسها:

” إذا هكذا أغلق على الأمر”

– ماذا عن “DO EVE”، هل تعرفين عنه أي شيء؟

ابتسمت المرأة قائلة:

– هل تستجوبينني الآن؟ ماذا تكونين محققة؟

بادلتها “FER” الابتسامة:

– هل معرفة حفيدة عن حياة جدتها السابقة يعتبر شيئا سيئا؟

تفاجأت المرأة، قالت بينما تضع يدها على خدها:

– أوه… هل أنت إذا ابنة، ذلك الابن الذي هجر والدته؟

حاولت “FER” أن لا تنزعج من أسلوبها حديثها الفض ومغزاه، قائلة:

– أحيانا لا يشبه الأطفال، آباءهم.

فهمت المرأة، أن التي أمامها ليست بشخص يسهل التعامل معه، لذا قالت:

– لنفكر بذلك… منذ أنني كنت أعمل في نهاية الأسبوع فقط، لم أكن أرى ذلك الصبي كثيرا لأنه دائما ما كان يذهب مبيتا إلى منزل أصدقائه. لكن بعد قدوم أصدقائه للميتم أيضا، كنت أراه من حين إلى أخرى وهو معهم.

تعجبت “FER” من صيغة المثنى، سألت:

– هل قلتِ معهم، وليس معهما؟

– أجل، لم يكونا شخصين، كانوا 3 أشخاص. “MEL” فتاة جميلة، “LEK” فتى مزعج وأخيرا الفتى الذي يكبرهم وكما رأيت استطيع القول أنه كان أقربهم إلى “DO”، بإمكانك القول أنهما كانا كالعائلة نظرا لأنهما كانا معا منذ وقت طويل في الميتم.

– ما اسم ذلك الفتى؟

– لا استطيع نسيانه أبدا، رغم أنه كان صغيرا إلا أنه كان وسيما جدا. شعره رمادي اللون كان جذابا بطريقة رائعة أيضا، ذلك الفتى الوسيم كان “K”.

– هل قلتِ “K”؟ وشعره رمادي؟

– أجل، هل تعرفينه؟

– ما هو لقب عائلته؟

– إن لم تخني ذاكرتي، كان “LOCK”

– هل بالصدفة لديك أي صورة قديمة لهم ولجدتي؟

– لا، ليس لأولئك الأطفال, لكنني أملك واحدا لابن السيدة “REFA” الثاني

صرخت “FER” وهي تقول:

– ماذا!!

بعد الذهاب إلى منزل “BEK” لرؤية صورة عمها غير الشقيق، الذي كانت تبحث عنه بجنون، عادت “FER” بسرعة إلى “HXH” لمقابلة “DO”. لكنه لم يكن متواجدا. صبرها كان ينفذ حتى تراه وتؤكد شكوكها. في تلك الأثناء بعد تلقي اتصال عاجل، كانت “MEL” ذاهبة لمقابلة فريق البحث، المسؤول عن إثبات هوية الأعضاء البشرية المتاجر بها.

بعد الحديث مع المُخبر، عادت “MEL” إلى “HXH” بحالة من صدمة، جعلها لا تشعر بمحيطها، حتى عندما نادت بها “FER” في رواق الطابق الأول.

شعرت “MEL” باهتزاز كتفها، عندما كانت “FER” تحركهما بعد إمساكها. قالت بشرود:

– ما الذي أتى بك إلى هنا، أيتها المحققة؟

شعرت “FER” بالغرابة، سألت:

– أيتها المساعدة “MEL” ما الذي حدث؟

– كان ذلك الوغد محقا…

– من؟؟

– كل ما قاله كان صحيحا…

– أنت لا تقصدين “SERL” أليس كذلك؟

كانت “MEL” تتحدث دون أن تشعر بأي شيء:

– لم يكن قاتلا… لقد فعل ذلك من أجل إنقاذ الجميع فقط…

– “MEL”!!

صرخت “FER” باسمها حنقا، مع ذلك لم تستجب لها “MEL” وأكملت تقول بذات الوتيرة السابقة:

– الأعضاء التي تم بيعها، وغيرها الكثير من التي لا تزال مخبأة في مكان ما، إنها… إنها مُلك أولئك الصغار الذين لا يملكون أي أحد في هذا العالم…

فهمت “FER” ما تقصده، لكن الدهشة جعلها تسأل بصوت راجف:

– من… من الذين تقصدينهم بذلك؟

حدقت “MEL” بعينيها الذابلة، لعينا المحققة وهي تقول كما لو أنها جسد بلا روح:

–  يتامى ماريا… إنهم ضحايا ماريا

نهاية الفصل الخامس والعشرون…



P.26. إلى اللقاء في العالم الآخر

” آخر مرة رأيته فيها كان عندما هدد بقتلي، ولم أراه بعد ذلك. سمعت أنه بخير لكن لماذا لا يأتي إلى المبنى؟ هل يتجنب رؤيتي، كي لا يقوم بقتلي… هذا مؤكد فرؤيتي بالتأكيد مزعجة. أتساءل ما الذي يفعله الآن، إلى أين توصل بأفكاره.”

كان “SERL” يسر لنفسه بينما يمشي بين السيارات في الموقف، إلى داخل مبنى “HXH”. حيث اليوم الذي تواجه فيه مع المحقق “EKE”.

– ما زلت كما أنت… لم تتغير مطلقا… ما زلت تخدع من تعتبره عائلتك… ما زلت تخفي هويتك الحقيقية خلف قناعك المزيف. لكن ذلك لن يستمر طويلا لأن…

ظهور وجه واحد من العملة بعد رميها في الهواء، عدة مرات، دقائق، ساعات، أيام، أعوام لن يغير مفهوم الحياة حول وجود وجهان يظهران لكل كيان. حتى وإن كانت آخر رمية هي آخر ثانية في الحياة، الوجه الآخر من العملة سيظهر حتما. حتى تلك الثانية سأنتظر، لأستمتع برؤيتك تتألم أيها الملك الخائن “K”.

تجاهله “EKE” وسار نحو وجهته، بينما “SERL” نهض وهو يشعر، بأن الخوف من ذلك الشخص قد أصبح أخف. فور دخوله للمبنى تصادم بـ”MEL”، بعدها مباشرة ذهب إلى غرفة الاستجواب. بعد ما حدث في الغرفة، شعر بالضيق وكون عدم وجود سيده في المبنى جعل من تواجده فيه أمر لا داع منه، لذا توجه إلى أرض الميتم.

بعد أيام قليلة، كان مستلقيا فوق سريره بملل عندما ورده اتصال من “DO”. نهض على فوره يستعد للخروج بعد أمر “DO” للمجيء وإقالته للميتم.

” ما الذي توصل إليه هذه المرة؟ هل اكتشف الأمر؟ بالتفكير في أن اليوم هو اليوم المنشود يجعلني لا أصدق الصدف الغريبة التي تحدث في هذا العالم. لكن لماذا فجأة يريدني أن أذهب معه للميتم! “

فور وصولهما للأرض القاحلة، أرسل رسالة نصية للمحققة “ER”، لتهرع الأخيرة بفزع من بقعتها، متوجهة حيث يكون “SERL”.

بينما يسيران تحت عمق الأرض، كان “SERL” يتمنى أن تصل في الوقت المناسب.

…….

– ما هذا…

دواليب ضخمة تمتد من بداية حائط القبو إلى نهايته. دواليب ملأتها رفوف بعُلب زجاجية. عُلب زجاجية خبأت داخل سائلها الحافظ، أعضاء بشرية عديدة.

أجهزة، أسلاك، حافظات حرارة، منصات حديدية مع أدوات تشريح، برادات اصطناعية، كان القبو بمساحته الهائلة مغطى بكل تلك الأمور التي لم يتوقع “DO” رؤيتها.

بدهشة كان يشعر بها، أخذ يتفحص كل شيء في المكان. حاول تخمين الأعمار المناسبة للأعضاء البشرية، فتوقع أنها ليست لأكبر من هم بعمر الـ18.

بينما يحدق في دولاب كان مركز للعديد من القلوب البشرية، حدث “DO” نفسه:

” قلب، عينين، أذنين، لسان، يدين، قدمين… الأعضاء التي في هذا المكان إنها تماما كالأعضاء التي جثها “B8” من ضحاياه. ماذا عن الرأس؟ “

أخذ يبحث داخل البرادات الاصطناعية، متجاهلا “SERL” الذي كان يتصنع البحث معه.

كما كان يعتقد الرأس أيضا من ضمن الأعضاء المتواجدة هنا، كانت داخل البرادات. ما زاده عجبا هو أن الرؤوس كان فارغة، فارغة من أي عضو كان فيها سابقا.

” إنه مزيج هائل من رؤوس لفتية وفتيات بعمر الـ18! لماذا هذا العمر تحديدا؟ “

وقع اهتمامه بينما تتقلب عينيه من مكان إلى آخر، نحو حافظ زجاجي يحوي على عينين بلون ملفت، شعر أنه رآه في مكان ما. أخذ يحدق في العين بنفسجية اللون، حتى ظهرت أحداث آخر نوبة بؤرية -مقتل MERA-

” إنهما عينا تلك المرأة. ليس “DO EVE” من اقتلعه بالتأكيد، إذا من يكون؟ “

بعد تفكير دام لدقائق، حول ترتيب كل ما حدث في هذه السلسلة. اتكأ “DO” على الدولاب الزجاجي، مبتسما ببرود، قال قاصدا “SERL” الذي يقف أمام البراد الاصطناعي:

– الآن بعد ترتيب الأحداث فدافع “B8” من جث أعضاء السعادة، لم يكن فقط انتقاما لعائلته بل للأيتام الذين كانوا يعيشون في هذا الميتم. و حقيقة أن “DO EVE” قتل “MERA” كان بعد إدراكه، أنها متورطة في الجريمة. لذا بعد قتلها، بقية الأيتام الذين كانوا على وشك الطرد من الميتم لأنهم تخطوا السن القانوني، أصبحوا في أمان.

صمت “DO” للحظة بينما يراقب ردة فعل “SERL” الواضح عليها الكآبة، ثم أكمل مبتسما بكلفة:

– عندما يصبح اليتيم بعمر يُسمح له بأن يرعى نفسه لوحده، بعد أن كان تحت رعاية الميتم. يتم طرده لينفق على نفسه ويؤسس حياته الجديدة كما يحلو له. و نظرا لأنه سيطرد من مأواه إلى عالم واسع لا يعرفه فيه أي أحد، من السهل جدا أن يكون هو الطعم والضحية لهذه التجارب والتجارات دون أن يدرك أي مخلوق اختفائه، لا…

قهقه بخبث، قائلا:

-لن يدرك أي أحد اختفائه، لأن لا أحد يعرف بوجوده أليس كذلك يا حارسي العزيز “SERL”

أحكم “SERL” قبضة يده بغضب، حاول إخفائه عندما كان يتحدث متوجها بخطواته نحو “DO” ببطء:

– هل أدركت هذا للتو، لا يسعني أن أصدق الأمر أخيرا.

– استطيع أن اشعر بيأسك في ذلك الوقت. كم كان مخيفا أن تطرد إلى عالم لا تملك فيه سوى جسدك وما فوقه. دون أن تشعر بما خلف تلك الحقيقة.

– أنت مخطأ… كنت أعلم بذلك، كنت أرى رفاقي يجرون إلى هنا، تجث أعضائهم، تسلب منهم حياتهم، وتحرق أجسادهم. لكنني مع ذلك كنت أراقبهم بصمت مكنا الحقد والكره للشخص الذي خلف كل هذه الجثث. حاولت مرارا قتله -DO-، لكنني في كل مرة كنت اٌجر من قبلهم إلى هنا واُعذب حتى لا اعد قادرا على الشعور بحواسي وأطرافي. كنت أعلم أنه هو سيد هذا الجحيم الخفي، السيد الذي ينتظره أتباعه بفارغ الصبر. لذا توقفت عن محاولة قتله أو إيذاءه، مقررا الهروب بنفسي وحياتي من هذا الجحيم لأخبر العالم عن حقيقتهم. لكن… من يدخل في هذا الجحيم لن يخرج سوى جثة. كنت حبيسا انتظر نهايتي بيأس… حتى رأيته يخرج من القبو ملطخ بالدماء في تلك الليلة… بعدها سمعنا أخبارا عن وفاة “MERA”.

لم تكن هي المسؤولة عن كل هذا، كانت بريئة لذا لم أفهم لماذا قتلها “DO”. بفضل ذلك توقف قتل زملائي الذين كنت أنا ضمنهم، كان ذلك فقط لفترة وجيزة لماذا؟ لأن المنظمة لن تتركنا نحن أبناء أولئك البائسين… وشأننا ما دمنا على قيد الحياة، ستقتلنا كما فعلت معهم.

تعجب “DO” من آخر جملة، لم يفهم جيدا ما الذي تقصده. أكمل “SERL”:

– عندما سمعت خبر تبنيه كنت مندهشا، أقول لنفسي ” كيف بإمكانه النجاة لوحده؟ تاركا أصدقائه خلفه! ” لذا كنت لا أزال اعتقد أنه الشخص السيء الوغد الذي أراه دائما بعيني. ولأعترف بهذا كنت سعيدا عندما سمعت أنه تعرض لحادث السير وتوفي. لكنني لم أكن أعلم أن موتهم سيكون نجاة، وحريتنا. 

وصل “SERL” أمام “DO”، حدق في عينيه قائلا:

– أرى الفضول في عينيك… فضول لماذا كانت تلك تضحية منه ناهيك عن موتهم، لكنني مثلك لا أعلم السبب أيضا، ولا أعتقد أن هناك أحد آخر غيره يعرف ذلك.

– لماذا تعتبره تحريرا إذا؟

– تسأل لماذا؟

تنهد “SERL” بينما يقوم بفرك عينيه بتعب، قائلا:

– لأنه منذ ذلك اليوم… قُتل جميع من في الميتم… تم التخلص منهم كما لو أنهم لم يكونوا معنا في هذا العالم.  كنت الشخص الوحيد الذي نجى من تلك المجزرة العظمى. حتى الآن إنهم يبحثون عني ليقتلوا آخر من تبقى من أولئك البائسين، وتنتهي مهمتهم العظيمة. هل تريد أن تسأل لماذا موت “DO EVE” وصديقيه “MEL” و “LEK” كان تحريرا للأيتام الذين قتلوا بعد موتهم مباشرة؟ حسنا أنا أيضا لا أعلم ما الذي كان يقصده بذلك، عندما أخبرني السبب… إنه معقد جدا، أكثر مما تتوقع لتصدقه. لكنني أؤمن به، إنه حقيقي. 

تذكر “SERL” تلك الأيام، لم يستطع التحكم بدموعه، فقال وهو يبكي بألم:

– أتعلم ما معنى شعور أنك مقيد من قبل الظلام… شعور أن يتم التهامك كل يوم من الوحش الذي بداخله -الظلام- شعور أن لا تستطيع النوم أبدا بسبب الكوابيس، شعور الخوف من مراقبة أحدهم لك وظهوره في أي لحظة ليقتلك، هل تشعر بكل هذا الذي اشعر به، أنا وغيري؟ أخبرني…

منعه البكاء صمتا من التحدث لدقيقة، أردف بعدها:

– ما هو الصواب؟ أن نبيع الماضي لنشتري الغد، أم نترك الغد ليد القدر، ونحتفظ بالماضي الذي نملكه؟!. هل تملك إجابة أخرى للحرية؟

ارتجف “DO” للحظة بعد سماع آخر كلمة، شعر بالدوار عندما ارتطمت كل أفكاره ومشاعره ببعضها:

” الحرية… لقد كان هذا ما افتقده… أنا لست حرا… إنني لست ملكا، بل أنا مملوك. ذكرياتي، هويتي الحقيقية، مشاعري، دربي، مستقبلي، قراراتي، حياتي كلها مُلك ذلك الكيان. منذ متى كنت هكذا؟ منذ متى عظيم “OH” يعيش ببؤس هكذا؟ من يجرؤ على سلب حريتي مني؟ “

عاضا على شفتيه، قال “DO”:

– ما الذي تريده، ما هو هدفك بل ما هو هدف سيدك الحقيقي من كل هذا؟

– السلام

تعجب “DO” مرددا على الفور:

– السلام؟ هدف “B8”!

أردف “SERL”:

– برأيه إذا تحقق السلام فستتحقق الحرية، مع تحقق الحرية سنشعر بعدها بالسعادة التي فقدناه والأمان الذي لم نشعر به مطلقا.

كان “DO” مندهشا من طريقة تفكير “B8” التي اعتبرها تافهة، وقبل أن يتحدث رأى اندفاع “SERL” نحوه مع لكمة أسداها في وجهه. لم يكد يفهم ما يحدث حتى سمع صوت طلقات نار، وجهت إلى ظهر “SERL”، ليسقط الأخير بين يدي “DO”.

نظر “DO” إلى الأمام حيث مصدر الرصاصات، لم يتوقع أن تكون المحققة “ER” هي الفاعلة. ترك “SERL” في الأرض، لينهض موجها مسدسه نحو “ER” بملامح وجهه الدالة على الغضب.

من ناحية أخرى، بعد تلقيها رسالة نصية من “SERL” مفادها أنه سيقوم بقتل “DO” في العنوان المذكور، هرعت “ER” للميتم متجاهلة تحذيرات المحقق “LV” لها بعدم الذهاب. بعد رؤية الباب الحديدي المسحوب للأعلى أدركت فورا أنهما بالداخل، وما أن وصلت للقبو رأت “SERL” يهاجم “DO” وقبل أن تشعر بذلك قامت بإطلاق 4 رصاصات من مسدسها على ظهره.

– أيها الرئيس هل أنت بخير!!

لم تشعر بالتهديد من توجيه “DO” السلاح نحوها، وأخذت تتقدم نحوه ببطء. توقفت بفزع عندما أطلق رصاصة نحو قدمها. قائلا بنبرة صوته التي لا تبشر بأي خير:

– كيف تجرؤين، على فعل هذا! هل تعتقدين بأنني سأدعك وشأنك

سحب الزناد، وقبل أن يضغط عليه قال “SERL” بعسر:

– لا تفعل… لا تقتلها… الوقت المناسب قد حان بالفعل لذا، لا تقتل…

سعل “SERL” متألما، بينما كان “DO” يحاول كبح غضبه. فلا يزال هناك الكثير مما يريد معرفته من “SERL”. كان ليبقى مسيطرا على ذلك الغضب لولا حديث “ER” عندما قالت:

– كنت أنقذك لهذا…

صرخ “DO” قائلا:

– اصمتِ!!

بلحظة من غضب الذي لم يعد قادرا على تحمله أكثر، أطلق الرصاص في الوهلة التي وقف فيها المحقق “LV” عند ظهوره من العدم، أمام المحققة “ER”. سقط المحقق، بعد تلقي الرصاصة في رأسه بدلا من “ER”. كانت الأخيرة في حالة صدمة لم تحملها فيها قدميها. بينما تضرب وجه المحقق كانت تنادي باسمه، قائلة:

– “LV”… انهض… لماذا… أنت… لماذا…

انفجرت بالبكاء، نهضت من مكانها، حدقت بفراغ إلى “DO” ثم خرجت للأعلى لتتصل على الإسعاف، بسبب عدم وجود نقطة اتصال تحت عمق أرض كهذا.

جلس “DO” على ركبتيه، منحنيا الظهر نحو “SERL” ليقول:

– لا يمكنك الموت الآن، هناك الكثير لتخبرني به. لن أسمح لك بالذهاب الآن هل فهمت!!

بعد سعاله كمية كبيرة من الدم، قال “SERL” بشق الأنفس:

– لا يوجد ما أخبرك به بعد الآن، عليك أن تخبر نفسك بذلك، كل شيء بداخلك

– أين هو “B8″؟؟ أجبني الآن…

دفع “SERL” بقوة كان يحتفظ بها، “DO” للأرض بجانبه الأيمن، وقبل أن يدافع الأخير. بسرعة أسرع من الضوء أسداه “SERL” طعنة عنيفة في قلبه بالخنجر الذي كان يخفيه في ذراعه، تحت بدلته.

” ما هذا الشعور… هل هذا هو ما يدعى بالألم… هل هذا ما يشعر به الشخص عندما يخترق نصلا قلبه؟ لماذا… “

بذلك الألم غير المتوقع، كان “DO” طريح الأرض يحدق إلى عيني “SERL” الباهتة، وهو يمسك بالخنجر الذي وسَطه في قلبه، قائلا:

– لقد أتى اليوم المناسب، اليوم الذي سينهي كل شيء

أخرج الخنجر، سعل “DO” بينما يشعر بالخنق، لم يلتقط نفسا حتى تلقى الطعنة الثانية. قال “SERL” بينما يحرك الخنجر يمينا ويسارا داخل، قلب “DO”:

– لطالما رغبت بأن…

ذرف “SERL” دموعا حارقة بينما يقول:

– لطالما رغبت بأن اعتذر لك، ولطالما أردت أن…

أخرج الخنجر بقوة ليؤلم بذلك “DO” أكثر، أثناء إعادتها من الهواء إلى القلب مجددا، قال:

– لطالما أردت أن أشكرك لأنك الشخص الوحيد الذي يعرف وسيعرف كيف سيحررنا من هذا العالم البائس يا…

بعد استنزاف “SERL” لطاقته، وتثبيت الخنجر بالطعنة الثالثة والأخيرة، سقط على وجهه بجانب “DO”. حاول إدارة رأسه، حيث رأس “DO” وبعد معاناة استطاع فعل ذلك. فرأى  في عينا “DO” الفارغة، الأسى. ليذرف هو دموعه الأخيرة بينما يحدق أخر مرة إلى سيده، مع آخر جملة يقولها:

– لقد رددت إليك دين إنقاذك لي، أراك في العالم الآخر مرة أخرى

يا “DO EVE”… “DO”

نهاية الموسم الثاني.