TBN S1


S1: TBN

P1. شيفرة غريبة

كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية, حاجبةً بذلك اللون التعيس لونَ السماء الجذاب, ثم ما لبثت على تلك الحال حتى بدأت تهمُر أمطارَها بغزارة على تلك الأرض الواسعة, لِتُتْبِع بؤسَ المنظر حالكِ الظلام ببؤسِ البلل المعيق للحركة والنشاط.

السبت، اليوم الثامن من أغسطس من عام 2018م, الساعة السابعة و58 دقيقة مساءا. شاب في مقتبل العمر, يسارع الخُطى نحو منزله بعد يوم عمل طويل وشاق.

مرتديا سماعاتِه, كان يستمع إلى الموسيقى لتزوده ببعض من الطاقة في الطريق.

مع قطرات المطر المنعشة وإيقاع موسيقاه المفضلة, غمرته نشوة الطرب. كان يشدو بما يسمعه تارة, ثم يحرك جسده مع إيقاع الموسيقى الصاخبة تارة أخرى. كان يشعر وكأنه في عالم آخر. هدته خطواته إلى الطريق المختصر لمنزله, والذي كان يمر عبر حي قديم ومهجور وضعته الحكومة قيد الترميم.

كان الحي موحشا وكئيبا, معزولا وخاليا من الحياة, مما دفع الكثيرين إلى تجنبه خشية مما قد يقبع هناك من مخاطر محتملة. ولكن يبدو أن صديقنا لم يأبه لذلك في ظل انتشائه بمزيج الموسيقى والمطر الذي كان تحت تأثيرهما.

لوهلة, أحس بوجود حركةٍ خلفه. تباطأت خطواته تحسبا لمرور هذا العابر الذي لعله كان يسلك نفس الطريق -لم يعبر أحد-. زاد الأمر سوءا بعدما بدأ المطر ينهمر بشدة. حل به بعض الخوف والتوجس. وما أن غلبته غريزة البقاء, لم يكد يدير وجهه حتى وقع رأسه مفصولا عن جسده. تهاوى جسد المسكين وتدحرج رأسه حتى استقر بضعة أمتار بعيدا عن جثته. وما هي إلا هنيهات حتى تخضبت الأرض بلون الدماء التي ساعد المطر في نشرها في أرجاء المكان.

لقد كانت ضربة خاطفة من منشار يدوي! ليس لهذه الأداة من الحدة والصلابة ما يمكنها من فصل رأس عن جسد صاحبه لولا قوة حاملها ومهارته الاستثنائيتين. بدوره, كان المجرم واقفًا ببرودٍ أمام ضحيته متأملا تخبط أطرافها التي بدأت تخبو شيئا فشيئا حتى سكنت تماما أمام ناظريه. خطا بضع خطوات نحو رأس ضحيته حتى تقابلت عيناه مع عيني القتيل. حدق القاتل في عينيه لبرهة, كانت الموسيقى الصاخبة تتسلل من فُوّهتي سماعتي أذنيه. تبسم ابتسامة خبيثة. لعله كان معجبا بثبات السماعات في أذنيه رغم ما تعرض له رأس القتيل من السقوط والتقلب. ثم همّ على تلك الرأس بركلةٍ – كما لو كانت كرة قدم – حتى استوت هامة القتيل بجانب جثته. ربما لو لم تمطر يومها لكان سلك طريقا آخر. ربما لو لم يكن منتشيًا بألحان أغانيه لقادته حواسه إلى دربٍ أكثر أمانا. كان يشعر بأنه في عالمٍ آخر في غمرة انتشائه. ولكن مفارقة القدر – ثقيلِ الظل عادةً – أرسلته إلى عالمٍ آخر فعلا.

……..

غرفةٌ واسعة مظلمة… لا يضيئها سوى القليل من نور القمر الساطع من خلال زجاج النافذة. كرسي جلدي أسود، طاولة مكتب عريضة المساحة مليئة بالفوضى من أكواب القهوة والأوراق المهشمة وملفات عديدة مرتصة بجانب بعضها ونفايات صغيرة من أكياس وأشياء أخرى غريبة.

واضعا قدميه فوق بعضها, كان ظهره مرتخيا على كرسيه الجلدي المريح. كان يمسك بيده اليمنى أداة حديدية شبيهة بالقنبلة اليدوية, وبيده الأخرى هاتفَه يحادث أحدا ما بغضب واضح من خلال ملامح وجهه و نبرات صوته التي لا تبشر بخير:

– لن أكرر ما أقوله الآن مرة أخرى! تخلص من تلك الجثة اللعينة بطريقة ملائمة حالا قبل أن أتأكد بأنك من ستلحقها تاليا!

أغلق هاتفه بعد تلك الكلمات وألقاه بغضب على كومة الفوضى تلك، ثم ركل بقدمه سلة المهملات الصغيرة المتواجدة تحت طاولة المكتب ليتناثر كل ما بداخلها وتزيد الفوضى، نهض وتوجه نحو النافذة العملاقة وراءه، وبيده كان مايزال يحمل تلك الأداة الحادة.

أخذ ينظر لما بعد النافذة… إلى المطر الغزير وهو يردد بصوت مرعب:

– للبعد الأقرب من هو التالي؟

……..

صباح يوم دافئ بعد مساء كان مليء بالأمطار الباردة.

كانت الشمس ساطعة في منتصف شهر أغسطس ناشرةً خيوط أشعتها الدافئة متيحةً للأطفال والكبار الخروج والتمتع بيومهم.

رجل في الخمسينات من عمره كان يتنزه في حديقة عامة مستمتعا بدفء أشعة الشمس التي تغلغلت إلى عظامه الضعيفة. عند انتهاء نزهته القصيرة وأثناء توجهه لمنزله, توقف فجأة عند الرصيف الذي يلي نطاق الحديقة بعد أن استوقفه صوت أنثوي من خلفه. فكر للحظات إن كان هو المعني، استدار خلفه ليتأكد, فرأى أمامه مباشرة شابة في مطلع الثلاثين من عمرها. كان طولها يبلغ 168 سم تقريبا, كانت فتاة قمحية البشرة, ذات عينين عسليتين وشعر أسود كثيف وطويل يمتد لكتفيها. التفت خلفه ليجدها منحنيةً على ركبتيها تشهق من التعب.

تلفت العجوز حوله ليرى إن كان هو المقصود, وبعد إدراكه أن لا أحد حوله سألها بتعجب مشيرا بيده إلى نفسه بحماقة:

– عفوا آنستي هل ناديتني للتو؟

رفعت الشابة رأسها وأجابت بعد أن التقطت أنفاسها:

– وهل ترى أحدا آخر غيرك هنا أم تتصنع الغباء معي الأن؟

– إذا ما الذي تريده شابة جميلة مثلك مني أنا العجوز القبيح؟

أجابت الفتاة بسرعة ودون تردد:

– أنت رهن الاعتقال بتهمة القتل المتعمد للمدعو “PO” أيها السيد المحترم

تفاجأ العجوز من وقع كلماتها المباشرة, تراجع بضع خطوات للخلف ثم رد:

– ماهذا الهراء الذي تتحدثين عنه!! توقفيني أمام العامة وتخبريني بأنني قاتل! من أنت حتى…

وقبل أن يستأنف كلماته الغاضبة قاطعته الفتاة بنبرة جادة:

– ستعرف ذلك بعد قليل

نظرت لطرفها الأيسر و بإشارة من يدها تقدم نحوهما رجلان بطاقم رسمي أسود كسواد الليل، كتب على ظهر البدلة من الخلف بخط متوسط منقوش بالأبيض “XHX”. تراجعت هذه المرة خطوات العجوز أكثر من ذي قبل وهو ينظر إليهما يتقدمان بملامح وجههما الجادة المرعبة، أمسكا بيديه واقبلا على تصفيده بالأصفاد وأدخلاه إلى سيارة سوداء، بينما كان العجوز ينادي ببراءته.

……..

في أرض واسعة تقبع في وسط فارغ لا يحيطه سوى الفراغ من كل أطرافه. كانت تلك الأرض بعيدة جدا عن حدود المدينة العاصمة، كان يتمركز في تلك الأرض الواسعة مبنيان ضخما البناء شاهقا الطول, و بمساحتهما الهائلتين صُنِفا كرمز عمراني غير قابل للمنافسة. كان المبنيان متباعدين بالرغم من وقوعهما في نفس المنطقة. قمة المبنى الأول تتوسطه كتابة كبيرة ضخمة “XHX” حيث ترمز تلك الحروف إلى جيش خاص من الجنود المدربين التابعين لقوى خاصة. أما المبنى الأخر يتوسط قمته “HXH” والذي يرمز إلى قوى خاصة أخرى من أفضل وأعرق المحققين من كافة أنحاء العالم. يتبع هذان الجهازان قوة عسكرية مهابة يحترمها الجميع كرمز أسطوري لم يسبق له مثيل في العالم.

كانت تلك قوى “OH”.

……..

دخلت الشابة المدعوة ب “MEL” إلى مبنى “HXH” بعد عناء دام دقائق طويلة عند مدخل البوابة بسبب التدابير الأمنية المكثفة لدخول شخص غير مصرح إلى المبنى. الجنديان اللذان قيدا العجوز وأدخلاه للسيارة كانا قد وصلا منذ نصف ساعة للمبنى، حيث الجميع بإنتظار قدوم “MEL”.

بدورها كانت عيناها البنيتان تستكشفان أرجاء المكان الذي كان مثل ما يبدو تماما, ضخما وعظيم البناء من الخارج والداخل أيضا. كان المبنى مصمما بتصميم كلاسيكي فريد من نوعه. الحوائط كانت منقوشة بنقش دقيق راق، وسقفه كان مرتفعا كما لو أنه كان في حدود السماء، كل شيء في ذلك المكان كان مثيرًا للدهشة, لكن مازادها دهشة هو أنه بوجود هذا المكان الضخم لم تصادف أحدا في طريقها، لم تر أحدا يذهب أو يأتي كما لو أنه مكان مهجور. بحثت هنا وهناك عن شخص ما ليرشدها إلى وجهتها, وبعد بحث دام لدقائق طويلة عن أي بشري، وجدت محققة تحمل بين يديها ملفات متجهة إلى مكان ما في المبنى. أوقفتها “MEL” معتذرة لتسألها عن طابق غرف التحقيق, نظرت إليها المحققة باستنكار, وقالت بعجرفة لاوية شفتيها:

– من أنت؟ وكيف استطاع شخص عادي مثلك الدخول إلى هنا دون رقابة؟

تصنمت “MEL” من رد المحققة الفظ و عجز لسانها عن النطق فلم تستطع الرد.

– هل أنت “MEL”؟ إذا كنت كذلك فالمحقق”EKE” ينتظرك برفقة الجميع في الطابق الخامس عشر، تحديدا في الغرفة ال500. وأنت أيتها المحققة “WS” رئيس القسم ينتظر تقرير المهمة التي أوكلك بها.

قالها محقق عجوز من القسم الخامس بعد أن رآهن في الممر تتحدثان, وعند رؤيته لوجه غريب في المكان أدرك فورا أنها هي التي ينتظرها الجميع.

ابتعدت “MEL” من هناك فورا، بعيدا عن المحققة الفظة.

كانت تتوقع بسذاجة أن يكون الموظفون راقين شأنهم شأن المبنى الراقي الذي يعملون به. لكن انطباعها تغير بالكامل بسبب شخص واحد. تمنت أن يخيب انطباعها بمبدأ أن شخصا واحدا لا يمثل الجميع.

لكن ذلك لم يكن أكثر ما يشغل تفكيرها بعد دخولها للمبنى بصعوبة, بل ما ينتظرها بعد قليل هو الذي سيعطيها تصورا أفضل عن الجميع هنا. كانت خائفة من مصيرها المجهول الذي لا تعلم نهايته. فالموافقة على طلبها للعمل “كمساعد محقق” كان حلما من المستحيل له التحقق, ولكن بمساعدة شقيقتها الكبرى قبل طلبها لتعمل في المكان الذي يحلم الجميع بالعمل فيه، كانت تلك معجزة صعبة التصديق.

حيث دور الموظف يقوم على مساعدة المحقق الذي يعمل تحت إمرته. وظيفة، وميزة كتلك لم تكن متواجدة سوى في قوى “OH” العظمى، التي لا تشترط وثيقة -شهادة- معتمدة، بل تقوم أسس التوظيف لديها على مهارات الموظف العالية والاستثنائية للقبول. وهذا ما كان يناسب وضع “MEL” التي لم تلتحق بأي جامعة من قبل. لكن رغم قبول طلبها فهي لم تقبل بعد لتعمل. فعليها أولا أن تجتاز الشروط والمهام المطلوبة منها فإن نجحت ستكتمل معجزتها. دخلت إلى الغرفة المطلوبة وهي غرفة من ضمن المئات من غرف التحقيق المتواجدة في مبنى “HXH”.

كان العجوز الذي أوقفته هذا الصباح يجلس في إحدى المقاعد بملل. نظرت بقلق إلى الزجاج الشفاف العازل المتواجد في شمال الغرفة المظلمة، جمعت شتات نفسها وتقدمت لتجلس في المقعد المتواجد أمام العجوز المتهم بجريمة القتل.

خلف العازل الزجاجي لغرفة التحقيق تلك, كان يقف في طرفها الأيمن رجل في منتصف الثلاثين من عمره, طويل القامة يمتد طوله لما فوق الـ180 سم، يملك وجها وسيما تكسوه الحدة لكنها في الآن ذاته طفولية ونقية. عيناه زرقاوتان وشعره رمادي قصير ويرتدي بدلة رسمية بيضاء. نظر لطرفه الأيسر ثم قال ساخرا بصوت ناعم رقيق للذي يقف بجانبه:

– أوه ياله من مشهد أيها الرئيس العظيم “DO” أن تأتي بنفسك وتشرف على هذا التحقيق الممل الذي تعرف نهايته.

صمت بعدها عندما لم يبد له المدعو”DO” أي اهتمام, حيث كان جل تركيزه لما يدور خلف العازل من محادثة بين الفتاة والرجل العجوز.

كان “DO” بدوره يقف متكأً على ظهر الحائط مميلا قدميه الطويلتين للأمام. طوله كان يساوي طول الرجل الأول، بشرته كانت بيضاء شاحبة اللون، نظرات عينيه عسلية اللون كانت ثاقبة، وفكه الطويل الحاد كان يماثل في حدته نصل السكين. شعره كان كما لو أنه صُفف في صالون تجميل لساعات طويلة, لكنه كان شعره الطبيعي الذي ولد به. لم تكن التسريحة تلك سبب انجذاب الجميع لشعره بل لونه الأسود اللامع كلمعان النجوم في ظلام الليل. لم يكن هو الوحيد المهتم بما يحصل خلف العازل الزجاجي, بل المحققة الشقراء ذات البنية الجسدية النحيلة والطول المتوسط, كانت مهتمة أيضا بالذي يحصل. رفعت خصلات شعرها الشقراء عن عينيها الخضراوتين الكبيرتين ووضعتها خلف أذنها، أطلقت تنهيدة بينما كانت تضم ذراعيها لبعضهما وهي تشعر بغرابة المحيط الذي هي بوسطه، بين شخصان لا يطيقان بعضهما…

في غرفة التحقيق حيث الرجل العجوز و “MEL” التي كانت تستجوبه بأسئلتها التي سهرت الليل بأكمله وهي تحضرها، لكنها بدأت تشعر بالخيبة عندما لم يبد لها العجوز أي اهتمام واستمر بتجاهل كل ما تقوله، لتقول:

– أما زلت تنكر أنك من قتلت المدعو بـ”PO” حتى مع وجود هذا الكم من الأدلة؟ تستطيع إنكار ذلك لكنك لا تستطيع إنكار أن الضحية وجد مقتولا في مكتب عملك.

نظر المتهم بلا مبالاة إلى الباب دون أن ينطق بحرف، زاد ذلك من حنق “MEL” التي ضربت الطاولة بيدها مردفةً:

– لم لا تجيب على ما أقوله!

رفع المتهم كفيه في الهواء، ليقول ساخرا

– لن أنكر أن الضحية وجد في مكتب عملي لماذا؟ لأن ذلك بالفعل مكتبي

ضحك لثواني ثم اكمل بذات سخريته السابقة:

– ولطالما انه مكتب عملي ولا أحد أخر يدخله غيري، فمن الطبيعي أن تعثري على بصمات أصابعي أنا فقط في كل مكان. السلاح الذي قتل به الضحية هو سيفي الحديدي الذي كان بداخل اللوحة المعلقة في الحائط. وذلك السيف أنا من قمت بصنعه بنفسي وبيداي. إذا اليس من الطبيعي أن تكون بصمات أصابعي متواجدة في كل جزء منه؟ اه ستقولين ماذا عن الحمض النووي الذي استخرج من خصلة الشعر التي كانت بين يدي الضحية. حسنا أنا أيضا لا أعلم كيف وصلت خصلت من شعري إلى قبضة يده، هل هذا فقط ما يثبت إدانتي؟

– وهل تريد دليلا أقوى من هذا!

أطلق العجوز تنهيدة ساخرة ليقول:

– أيتها الشابة… مما أعلمه وما يعلمه الجميع، أن هذه القوى لا تضم سوى العباقرة الذين يصل تقييم ذكائهم إلى درجة يصعب تصديقها. هل أنت تملكين ربع ذلك الذكاء او المهارة حتى تكوني قادرة على الجلوس أمامي الأن؟ واستجوابي أيضا!

بدأ الشك يثير “MEL” من الطريقة التي تحدث بها المتهم بثقة، فسألت:

– ما الذي تحاول قوله؟

– مهما قمت بالبحث عن أدلة بداخل مكتب عملي لإيقاعي في التهمة، فأضمن لك النجاح في ذلك. لكن إن بحثت عن الأدلة الخارجية، فسأضمن لك الطرد من هذا المكان. لماذا؟ هل علي حقا إخبارك بذلك رغم أنه أنت من يجب عليها أن تخبرني بذلك؟

فهمت “MEL” أو كما كانت تظن، أن المتهم يتحدث عن كاميرات المراقبة الخارجية لمبنى شركته. فقالت بثقة:

– لقد أوقعت نفسك في شباكك. في الساعة الثانية من ظهر اليوم الذي قتلت فيه الضحية، التقطتك الكاميرات المتواجدة خارج المبنى وأنت تخرج. وقت خروجك كان بعد 10 دقائق فقط من مقتل الضحية “PO”.

– من الواضح جدا أنني لن أنكر ذلك لماذا؟ لأنني بالفعل خرجت في ذلك الوقت من مقر عملي.

كان المتهم يردد كلماته بثقة وبأسلوب ساخر كما كان يفعل منذ البداية، ليكمل:

– أتساءل إن كانت الكاميرات التي بداخل المبنى كشفت عن الغرفة التي كنت فيها قبل خروجي!

ابتسمت “MEL” بسخرية على سبيل مجاراته ثم أردفت:

– أنت لا تظن أنني نسيت مشاهدة اللقطات الداخلية صحيح؟ لا تقلق سأجيبك على تساؤلك. أخر غرفة خرجت منها هي غرفتك الخاصة التي لا يدخلها أحدا سواك.

– هذا جيد إذا, طالما أنك شاهدتِ تلك المقاطع التي تثبت أنني كنت في غرفتي، فسأخمن أيضا أنك ستشاهدين مقطعا آخر يثبت أنني لم أكن في غرفتي أو في المبنى بأكمله.

– ما الذي تقصده؟

– هل الوقت المقدر لوفاة الضحية هو في اليوم الثالث عشر من الشهر الحالي؟ هل هذا ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي؟

مجددا شعور القلق أخذ يراود “MEL” من ثقة المتهم. أخرجت التقرير من حقيبتها وبدأت تتفقد الوقت واليوم الذي كتب. لم تلبث دقائق حتى خرجت “MEL” مسرعة من غرفة التحقيق بعد تأكدها من أنها أخطأت في قراءة يوم الوفاة والذي كان في الثاني عشر من الشهر. حيث إن المتهم كان في ذاك اليوم خارج البلاد لمهمة عمل مما يُسقط التهمة تلقائيا عنه. أخذتها خطاها السريعة إلى خارج غرفة التحقيق، فرأت “DO” والمحققة الشقراء معه يبتعدان عن الغرفة نحو المصعد دون أن يبديا أي اهتمام لها. كانت تعلم من يكون ذلك الشخص والفتاة التي معه على الرغم من أنها تراهما للمرة الاولى. تجاهلت هالتهما المهيبة لتعجل بخطواتها إلى غرفة المراقبة تسأل من تبقى فيها عما سيحصل الآن، فمن المستحيل بالنسبة لها أن تذهب وتسأل الرئيس بذاته, ولكن عوضا عن ذلك يمكنها سؤال الشخص الذي كان له دور كبير بقبول طلب التحاقها للعمل.

نظرت إلى المحقق ذي الشعر الرمادي وقالت بقلق:

– أيها المحقق “EKE”… ماذا حصل؟ ماذا قال؟

أجابها المحقق بابتسامة مشرقة:

– لا علم لي أيضا عليك أن تنتظري قرار صعب المنال ذاك.

…….

في الوقت ذاته في إحدى الشوارع العامة الكئيبة، المليئة بالبشر الكئيبين:

شاشة عرض كبيرة كانت تعرض إحدى القنوات الإخبارية. وآخر أهم أخبارها كانت بأن المحقق العظيم الملقب بـ”MK” قد حل مجددا قضية صعبة لم يستطع أي محقق أن يحلها من شدة صعوبتها.

كان الناس بسعادة واقفين يتداولون فيما بينهم الخبرهذا، فالشعب بأكمله يكن الإحترام لذلك المحقق مجهول الهوية و الذي له دور كبير بالإيقاع بأسوء وأخبث المجرمين الذين لم تستطع أي من الجهات المسؤولة القبض عليهم.

فجعله ذكائه – وكما يبدو شغفه – بحل أصعب القضايا والإيقاع بالمتهمين ينالُ حب الشعب كله فأصبحوا يلقبونه بألقاب كثيرة أشهرها ” المنقذ العظيم “.

من بين ذلك الحشد كان يقف رجل متوسط القامة يبلغ من الطول 170 سم، بعينين بنيتين كبيرتين وشعر مموج أشقر يميل للبني، وببدلته الرياضية الأنيقة, كان ينظر إلى الخبر باغتباط وسعادة.

– متى سيأتي اليوم الذي سيجمعنا القدر فيه وأقابلك شخصيا أيها المحقق العظيم؟

قاطع أحدهم شروده من خلفه عندما قام بضرب كتفه العريضة بيده:

– “LEK” أيها الأحمق ما الذي تفعله هنا! لقد تأخرنا عن العمل والفضل يعود إليك, بسرعة! فلنذهب.

صرخ “LEK” بصوته الأنثوي متظاهرا بالغضب على صديقه

– ماذا الآن يا وجه الكستناء؟ لقد دمرت احلامي الفضية!

تجاهله الرجل دون أن يتفوه بكلمة أخرى فهو يعلم بأن لا فائدة ترجى من مجاراة زميله ذي عقل النملة وتركه خلفه. فلحقه “LEK” مسرعا مناديا إياه بـ”وجه الكستناء” دون توقف.

……..

في صباح يوم جديد حوالي العاشرة صباحا, في حي سكني فاخر خرجت من إحدى بناياته عجوز في أواخر الستين من عمرها لتفتح محل زهورها فرأت شابة تخرج من المنزل الذي أمامها فهاتفتها بابتسامة على وجهها:

– أوه “MEL”! لم أرك منذ مدة

بادلتها “MEL” الابتسامة وأجابتها بتحطم

– تعلمين مازلت أبحث عن وظائف

– ماذا عن آخر واحدة؟ كنت سعيدة لفرصة حصولك على تلك المقابلة؟

– لم أحصل على أي إجابة بعد، يبدو بأنني لم أوَفق هذه المرة أيضا.

سرحت”MEL” لبرهة ثم بدأت تُسر لنفسها:

– يا لغبائي ما الذي كنت أتوقعه! لقد خدعت نفسي بأوهام غير معقولة. أي مهارة أمتلكها للعمل في ذلك المكان! أنا شخص أحمق…

عادت”MEL” إلى شقتها بيأس تام بعدما أخذت جولة حول منزلها.

أعدت لنفسها مشروبا وشغلت التلفاز لتشاهد برنامجا كعادتها، بعد دقائق دخلت مسرعة إلى غرفتها تتحضر من أجل الخروج بعد أن وردها اتصال من المحقق “EKE” يطلب مجيئها لمقر “HXH”.

بعد العناء الذي تكرر معها أمام بوابة الدخول، دخلت إلى داخل المبنى. بالرغم من أنها ليست زيارتها الأولى لكنها كانت لا تزال مذهولة من جمال وضخامة المكان الذي هي فيه. سمعت أحدا ما يقوم بمناداتها من الخلف، التفتت فرأت رجلا في أواخر الثلاثين من عمره يلبس معطفا أخضر يشبه معاطف الأطباء

– هل أنت “MEL”؟

– أجل… إنها أنا!

– جيد، أنا هنا من أجل توجيهك إلى مكتبك الجديد

لم تستوعب ما سمعته من الرجل، فقالت:

– اعذرني ومن..

– آه صحيح، آسف لأنني لم أقم بتقديم نفسي. أنا مهندس نظافة في الـ”HXH” أدعى ب “C”. أخبرني المحقق “EKE” أنك ستكونين هنا خلال بضع دقائق، وطلب مني أن أقوم بإيصالك إلى مكتبك الجديد. وبالنظر إلى ملامح وجهك الجديدة في المكان خمنت أنك هي المقصودة.

تسمرت “MEL” في مكانها دون حراك. لتقول بصدمة وسعادة في الآن ذاته:

– هل هذا يعني بأن الرئيس وافق على عملي هنا؟!

– لا أعلم، أنا أفعل ما قيل لي فقط، لذلك هل ستواصلين الوقوف هنا؟

أومأت بخفة والابتسامة تشق وجهها:

– لا أصدق ذلك!!

المعجزة أصبحت حقيقية…

بعد فشل محاولاتها العديدة للعثور على وظيفة تقبل شخص لا يملك شهادة جامعية، لم تصدق أنها أصبحت تعمل لدى أكبر وأعظم قوى في البلاد!!

لم تكن تعتقد أن يوما كهذا من الممكن قدومه، لم تكن تعتقد أن شخصا سيء الحظ مثلها ستتغير حياته للأفضل كما كانت تعتقد.

لكن هذه كانت البداية فقط…البداية لنهاية غير متوقعة لحياتها.

بينما هما يسيران نحو مكتب “MEL” الجديد كان في الاتجاه المعاكس لطريقهما كلا من رجل البارحة ذي النظرات الباردة “DO” والمحققة الشقراء المدعوة بـ “FER”. قام مهندس النظافة “C” بأداء التحية العسكرية الخاصة لهما كما هو البروتوكول، حاولت “MEL” القيام بالمثل, ولكن لم تتقن التحية من شدة ارتباكها. تجاهلت الموضوع سريعا لتفكر بما هو أهم من ذلك، وهو شكر الذي أمامها لما أسداه من معروف لها بقبولها في العمل. فقالت والابتسامة تكسو وجهها:

– سيد “DO”… أقدم خالص شكري لقبولك لي في العمل. أنا لست أعرف ماذا يمكنني أن أقول أكثر كي أعبر عن امتناني.

كان “DO” مشغولا بالعبث بهاتفه ولم يكلف نفسه عناء إزاحة ناظريه عنه. ثم أجابها بما هو أبرد من الثلج ذاته:

– لا تقولي شيئا فكل ما يقوله البشر أكاذيب.

ليكمل حديثه للتي بجواره وهو ما زال يعبث بهاتفه:

– فلنسرع أيتها المحققة “FER”. لقد تأخرنا .

صدمت “MEL” عندما رأته يمشي في تجاهل تام لوجودها. قطبت حاجبيها غضبا:

– أنا المخطئة لإظهار امتناني له! سمعت بأنه شخص بارد كالثلج لكن كما يبدو لي بأنه يفوق هذا.

لم يستطع مهندس النظافة أن يكتم ضحكاته حتى سمعته “MEL” يقهقه بعد أن ابتعد كلا المحققين عنهما. قائلا لها:

– حسنا كما ترين هذا هو رئيسنا العزيز.

……..

منزل صغير في إحدى الأحياء السكنية البسيطة، حيث كان جنود الـ”XHX” خارج حدود المنزل الصغير يقومون بمراقبته وحمايته.

أما داخل المنزل حيث الجنود الآخرون المكلفون بتمشيط الموقع، كانوا يعملون جاهدين بالبحث عن أي دليل من المفترض أنه يفيد التحقيق. في حين أن “DO” كان واقفا دون حراك في غرفة متواجدة في نهاية ممر الدور الأرضي. ينظر بكل تمعن إلى الجثة التي أمامه وهي معلقة في الحائط.

الضحية كان رجلا في أواخرعقده الثالث، جثته كانت مليئة بالكدمات الدموية نتيجة الضرب الشرس بأداة حديدية. علق جسده على الحائط على هيئة الحرف “X”. بمسامير لكل من أطراف قدميه و يديه الاثنتين، وعلى جفنيه العلويين تركت كلمة منقوشة من حرفين ورقم لم يكن لها أي دلالة. كانت عبارة عن: “BN8”. ليجعل ذلك من المنظر شنيعا… شنيعا جدا لرؤيته.

لبست المحققة “FER” قفازات بيضاء ثم بدأت تتمعن الجثة عن كثب وتتحقق من جسد الضحية لمحاولة الكشف عن حيثيات موته. بعد انتهائها من الفحص السريع لجسده، أدخلت يدها إلى الفجوة الفارغة في صدره. أحدث الجاني ثقبا في القفص الصدري لضحيته وقام باستخراج قلبه بعنف. فظنت المحققة أن الجاني قد يكون ترك رسالة أو شيئا ما داخل فجوة صدره. لكن عندما لم تجد شيئا نزعت قفازاتها لتأتي عند “DO”، قائلة:

– هناك فجوة في صدر الجثة ولا أثر للقلب. على حسب معرفتي هو أخذ ما يقارب الساعة حتى أنهى جريمته.

كان “DO” مايزال ينظر إلى الجثة وإلى العبارة المنقوشة في عيني الضحية والتي تركها القاتل كما لو أنها تحفة فنية. ظل يفكر ولم يرد على ما قالته المحققة، لتسأله:

– لماذا أنت واقف هكذا؟ هل كنت تسمعني حتى…

اقترب “DO” من الجثة بكل هدوء وأخذ يتحقق من جسد الضحية مفكرا بعمق ليهمس قائلا:

– “BN8″؟ لا يمكن أن يكون ذلك الشيء!

……..

في حديقة “HXH” الواسعة كان المحقق “EKE” يجلس في إحدى المقاعد وبيده كتاب أدبي يقرؤه. تطايرت خصلات شعره بسبب نسمات الهواء القادمة باتجاهه، أغلق كتابه عندما شعر بأحدهم يقف في يمين طرفه، رفع نظره ليرى كوب قهوة تمد إليه من قبل “MEL”. أخذ القهوة شاكرا، لتجلس في الكرسي الخشبي المتواجد أمامه، قائلة:

– ألا تمتلك قضايا لتعمل عليها؟

– لقد أنهيت ما لدي لليوم وها أنا الآن استرخي.

عم الصمت لدقائق فعاد المحقق “EKE” للقراءة مجددا، أما “MEL” فاستمرت بالنظر إلى تضارب أوراق الشجر ببعضها نتيجة الرياح. قالت بعدها:

– أيها المحقق “EKE” أشكرك جدا لما قدمته لي من معروف.

– لا داعي لذلك. فهذا واجب الزملاء القدامى

قالت مازحة:

– إذا هل يجب علي شكر شقيقتي أيضا؟

كان المحقق “EKE” زميل شقيقتها الكبرى في المدرسة الثانوية، وهي من طلبت منه أن يسدي لها معروفا بتقديم ملف “MEL” للمكان الذي يعمل فيه، وهو لم يرفض.

قالت “MEL”:

– لقد أدركت لتوي بعد أن قام مهندس النظافة الذي أرشدني إلى مكتبي الجديد. أن تلك القضية لم تكن حقيقية وأنها كانت معدة من أجل تقييم مهاراتي فقط.

– ذلك صحيح. عندما تحدثت مع الرئيس “DO” وأخبرته بأن هناك شخصا ما أوصي به للعمل، وافق بشرط أن يجهز الاختبار بنفسه.

– هل تحدثت إليه شخصيا! لماذا حتى تطلب موافقته؟ أعلم بأنه الرئيس لكن الموظفون لا يتوظفون هنا بسبب موافقته شخصيا، بل عن طريق قسم التوظيف وتقييِم المهارات من خلال اللجنة الخاصة. وأنا لم أكن ماهرة كفاية ليوافق على اختياري شخصيا!!

قال المحقق “EKE”:

– حدث وأن تحدثت معه دون اللجنة ولحسن الحظ وافق.

– هكذا إذا! أشكرك مجددا على كرمك

– أخبرتك بأنه لا يوجد داعٍ لذلك.

– هناك شيء يشغل بالي… بالنظر إلى جميع الموظفين, وكما قال المتهم الذي استجوبته, أنني لا أملك ربع ما تملكونه من مهارة وذكاء لأكون جزءا منكم.

غير ذلك أخطأت باستنتاجي حول هوية القاتل الحقيقي وقبضت على الشخص الخاطئ وهي أهم نقطة. فكيف وافق الرئيس على أن يقوم بتوظيفي؟

همهم المحقق مفكرا، وهو يضع يده اليمنى في ذقنه:

– لاريب أن الرئيس تابع مشاهدة التحقيق وهو يعلم بأن المشتبه به ليس القاتل الحقيقي! بعد ذكرك لهذا أنا أيضا بدأت أتسائل عن سبب ذلك!!

قالت “MEL”:

– إذا كما توقعت إن الأمر غريب!

– الرئيس شخص ذو تفكير غامض وغريب، ومن الأرجح أن سبب توظيفه لك كان بسبب إحدى أفكاره تلك.

– بدأت أشعر بالفضول أكثر لمعرفة تلك الفكرة

ابتسم المحقق “EKE” ابتسامة جانبية ذات مغزى، مغزا لا يعرفه سواه. ليقول:

– بما أننا نتحدث عن أفكار الرئيس “DO” فلن تدرك ذلك أبدا. لأن أفكاره ليست كأي أفكار بشر عادي…

إنه أبعد من أن يكون بشر مثلنا.

………….

في إحدى غرف التحقيق كان المتهم يشعر بالقلق وهو ينظر إلى المحققين اللذين يجلسان أمامه بملامح خالية من التعبير. بلع ريقه ونظر بحيرة إلى المحقق الذي كان هادئا منذ دخوله للغرفة. كان يضع كفه اليسرى في خده وبيده الأخرى كان يحرك القلم الذي بين إصبعيه الوسطى والبنصر في الهواء. لم يستطع المتهم تخمين ما يفكر به المحقق. لكنه كان يشعر كما لو أنه ليس محققا عاديا بسبب هيئته المهيبة والطريقة الرسمية التي تتحدث بها المحققة معه على الرغم من أنهما يبدوان بالعمر ذاته. لم يفكر المتهم بالمزيد بسبب أسئلة المحققة التي أدرك اسمها سابقا عندما نوديت به من قبل المحقق الصامت. كانت “FER”.

– أر أنك تبدو بخير على الرغم من التهم التي ضدك. أعتقد أنني أدرك لم تشعر بتلك الطريقة. نملك ما يكفي من الأدلة التي تدين قتلك لأربع أشخاص بإستثناء آخر ضحيتين. لذلك تعتقد بأن تهمة قتلهما ستسقط عنك بسبب نقص الأدلة. لكن لا تقلق وجدنا دليلا كبيرا يثبت إدانتك تماما. وياللعجب بينما كنا نقوم بالتحقق من الدليل اكتشفنا وجود جثة أخرى في قبو منزلك!!

كان المتهم صامتا إلى آخر كلمة قالتها. بدأ بالصراخ:

– جثة في منزلي! ما هذا الهراء الذي تتفوهين به!!

– هل تنكر ما فعلته إذا؟ قتلك للرجل، إخفاءه في قبو منزلك، وشق صدره…

– لم أفعل ذلك!!

– إذا ماذا عن الضحية الثالثة والرابعة هل تنكر ذلك أيضا؟

– لست الفاعل… لم أقتل الشخص الذي وجدتموه في منزلي، ولا أعرف كيف وجدتموه هناك. بل كيف هناك جثة في منزلي أساسا!

– أنت من أخفى الجثة في القبو بعد قتله

صرخ المتهم:

– لم أكن أنا من قتله!!

استمر التحقيق طويلا بسبب عناد وصمت المتهم وبدأ المحققان يفقدان الصبر. ترك “DO” القلم ونهض من مقعده بدفعه للكرسي للخلف ببطء، وأخذ يمشي بهدوء جامعا يديه خلفه، متوجها للطرف المقابل من طاولة الاستجواب حيث المتهم، بنظراته الهادئة والمرعبة في الواقت ذاته لمن يتوجه نحوه. نظر إليه المتهم بفزع فملأه إحساس لا يطمئن. بحركة مفاجئة وسريعة من “DO” أصبح خلف المتهم الذي شعر بنفسه ينهض من كرسيه دون إرادته، ليسقط الكرسي بقوة منحنيا هو على الطاولة بنصف جسده العلوي. أمسك “DO” بيد المتهم اليسرى ولفها خلف ظهره، واليد الأخرى استمر بردعها للأسفل بقوة. ثم اقترب من أذن المتهم هامسا:

– لن أتردد أبدا بكسرها إن لم تتحدث الأن. ولن يشفي غليلي حتى أكسر بقية أعضاء جسدك. أتعتقد بأننا نلعب هنا! إن لم تجب على الأسئلة التي سأطرحها خلال ثوان سأجعلك مقعدا. أعدك بهذا.

تركه ليسقط المتهم أرضا فتراجع للخلف بفزع، بينما يمسك بيده التي كانت على وشك أن تكسر. أما “DO” عاد إلى مقعده ليجلس بطريقة جادة، ظهره مرفوع تماما، جامع يديه ببعضها. بدأ قائلا بطريقة مباشرة:

– أيها المتهم “H”.غير الضحيتين الأولى والثانية اللذين قتلتهما. هل قتلت شخصين آخرين غيرهما؟ وهل الجثة التي في منزلك أنت من قتلها وقام بإخفائها هناك وأين قمت بإخفاء القلب؟

هذه المرة لم يتردد المتهم بالإجابة لكنه أجاب سريعا أيضا والفزع واضحا عليه:

– أنا من قتل الضحايا الأربع… لكنني لا أعلم عن الضحية التي في منزلي!! أنا كنت محتجزا هنا لديكم فكيف لي أن أقتل!!

شعرت المحققة “FER” بالغرابة فنظرت إلى “DO” بتساؤل لكنه لم يجبها وترك الغرفة عائدا إلى مكتبه القابع في أعلى وآخر طابق للمبنى. حيث لا يستطيع أحد الدخول سوى بتصريح مسبق منه.

طرقت المحققة FER”” باب غرفته المكتبية الداخلية بعد أن اجتازت البوابة الكهربائية الرئيسية للطابق. دخلت فوجدته يجلس في الأريكة الطويلة القابعة يمين الغرفة، وأمامه فوق الطاولة ثلاثة ملفات خاصة بالتحقيق. جلست هي بدورها في الأريكة المقابلة ونظرت إلى تلك الاوراق وبعد ثوان نظرت إلى “DO”. لتسأل:

– هل كنت تعرف مسبقا بأنه لم يقتل “A”؟

كان “DO” يقرأ بصمت تقرير تشريح الضحية “A” – المفقود القلب –

– صمتك يعني بأنك كنت على علم. لقد كنت أنا خارج البلاد عندما كنت تحقق في قضية “H”. ولم أكن أعلم التفاصيل بعد، مع ذلك أخذتني معك لغرفة التحقيق اليوم كي أتولى الاستجواب بنفسي! كان بإمكانك إخباري القليل والمفيد.

وضع “DO” ملف التقرير الذي بين يديه فوق الطاولة. ليقول:

– كما قلتِ. أنتِ لا تعرفين التفاصيل لذلك لن تفهمي لما فعلت هذا. المتهم لم يعترف بجريمتيه الأخيرتين ولا نملك أدلة كافية على إدانته.

– إذا قولك لي بأن هناك دليل كبير سيوقعه كانت كذبة؟

– كان ذلك من أجل إخافته قليلا.

همهمت المحققة لتقول بعد أن فهمت مجرى ما حدث:

– لا تملك دليلا لقتله الضحيتان الأخيرتان لذلك كنت تريده أن يعترف بنفسه ولتفعل ذلك يجب أن تضربه على وتره الحساس، وتضيف إلى تهمته تهمة أخرى لم يرتكبها. وهو لن يتحمل أن تضاف تهمة أخرى لم يرتكبها إلى تهمه السابقة وتزيد عقوبته، لذلك سيقول الحقيقة ويثبت التي ارتكبها وينفي التي لم يفعلها بشدة. وما سيؤكد لنا إن كان يقول الحقيقة أم لا هي: ملامح وجهه في اللحظة التي سيعترف فيها، طريقة تصرفه، وبالتأكيد أيضا الأدلة التي ستكون ضده. إذا ماهي الأدلة التي تثبت بأنه لم يقتل “A”؟ فإذا كان “H” محتجزا منذ ثلاث أيام والجريمة وقعت بعد القبض عليه بيومان أي في تاريخ “2018/8/16”. فهذا يعني أنه كان محقا حول حجة غيابه.

صمتت المحققة لثوان وهي تفكر حول أمر لم تستطع تركيب علاقته مع أمر آخر، فقالت متسائلة:

– حتى وإن كان يملك حجة غياب فهذا لايبعد الشبهات عنه تماما أليس كذلك؟ فالضحية وجد في منزله، وهو بالفعل مذنب سابق… قد يكون أرسل قاتلا مأجورا أو أن لديه شريك!

أجاب “DO” بعادته الهادئة:

– الضحايا الأربعة قتلوا بطريقة نستطيع القول أنها عادية بالنظر إلى غيرها من جرائم القتل… طعنوا في معدتهم بسكين يتواجد في كل مطبخ. لديهم رابط مشترك آخر يثبت بأن القاتل شخص واحد. انظري إلى ملف القضية وستجدين الروابط المشتركة التي جمعتها.

وضع “DO” تقرير ملف قضية “H” أمام المحققة الشقراء وأكمل حديثه:

– الضحية “A” -مفقود القلب- يبلغ من العمر 38 عاما. أما ضحايا “H” فكانوا جميعهم بعمر العشرين. هذا غير أن الجاني المجهول طريقة قتله مختلفة… عذب ضحيته أولا، ثبت مسامير على أطرافه ليعلقه في الحائط كالتحف، ثم قام بشق صدره وسرقة قلبه. كل ذلك وقع بينما “A” كان لا يزال واعيا. والأهم من هذا كله أن هناك ملاحظة “BN8”.. وصفها بشيفرة سيكون ملائما أكثر.

تنهد بتهكم. ليكمل:

– على كل هذه أبدا ليست من أساليب قاتل تافه غير محترف كـ”H”.

شعرت المحققة بالحيرة من المعنى الحقيقي لجملته الأخيرة. تجاهلت أفكارها عنه وعادت إلى نقاش القضية. قائلة:

– إذا قلنا بأن “H” لم يرسل قاتلا مأجورا و لا شريك له فسنتوصل إلى أن الجاني الحقيقي يريد الإيقاع به. لكن الغريب هو أن الضحية “A” لا تربطه أي صلة بالقاتل “H”! إذا كيف أحضر الجاني الحقيقي الضحية “A” إلى منزل القاتل “H” وأوقع التهمة عليه؟ بل لماذا يريد ذلك؟ وكيف علم بوضع “H” واختاره دون سواه لكي يوقعه في التهمة؟ وهو على أتم المعرفة بالأدلة التي تثبت براءة “H” !

– الجاني المجهول يعرف مسبقا كل شيء عن “H” بما فيه قضيته التي نحن من نتولاها. لذلك اختاره هو بالتحديد.

– أنت تقصد أن الجاني المجهول لديه دافع خفي من اختياره لقاتل نحن من نقوم بالتحقيق في قضيته؟

– لا أحب قول ذلك… لكنني لست متأكدا بعد ولا استطيع أن أتاكد أيضا من مدى صحة الأمر… إنني فقط أتبع مايخبرني به حدسي.

……..

في إحدى أزقة الشوارع: كان هناك مبنى صغير مكون من ثلاث طوابق، يضم عيادات خاصة منها عيادة للمستشارة النفسية “LEE”. كانت الطبيبة في غرفة عيادتها واقفة، تقرأ ما بيدها من أوراق دون أن تنظر للمريض الذي أمامها. بعد انتهائها قالت:

– إذا يا “LEK” علي أن أخبرك الحقيقة… إن حالتك تزداد تعقيدا في كل مرة تزورني فيها! وما يحيرني أكثر أنني لا أعرف لماذا لا أستطيع تفسير حالتك الغريبة!

تنهدت بقلة حيلة ثم أكملت:

– لقد أخبرتني مسبقا أنك شعرت بشعور غريب، شعور مألوف جدا عندما سمعت اسم أحدهم. أذكر أنني سمعت ذلك الاسم كثيرا ولكنني نسيته الأن. ماذا كان؟

كان “LEK” يجلس شارد الذهن، محدقا في يديه. كررت الطبيبة اسمه حتى عاد إلى وعيه. فقال مبتسما بسذاجة:

– آسف.. لقد شردت مجددا.

– لا عليك. أردت فقط معرفة اسم ذلك الشخص الذي أخبرتني به آخر مرة

– هل تقصدين المحقق الذي شعرت بشعور غريب، مخيف عندما سمعت اسمه؟

– أجل. هل كان محققا؟

– إنه المحقق “DO” من قوى “OH”

شعرت الطبيبة أن الاسم يبدوا مألوفا وتعرفه جيدا لكنها لم تستطع تذكر صاحبه وبعد تكرار الاسم بين نفسها. تذكرت من يكون فقالت بحماس:

– إنه رئيس تلك القوى! ثاني أعظم محقق في البلاد! المحقق “DO”!

رد “LEK” مهمهما بغير مبالاة:

– أظن أنني سمعت كلمة الرئيس قبل اسمه.

– يا إلهي لا أصدق أنني نسيت شخص مثله!

– هل هو بهذه الشهرة؟

حدقت إليه الطبيبة بغرابة:

– لا يمكن! أنك لا تعرف المحقق “DO”!

– أجل. قابلته مرة واحدة فقط ولم أكن أعرفه ومازلت.

لم تصدق الطبيبة أن هناك شخص ما، لايعرف من يكون ذلك المحقق. رئيس قوى “OH” العظمى. قبل أن تخبر “LEK” عن المحقق. فتح باب العيادة بقوة لتدخل من خلاله بضجيج عالٍ ”MEL” وبصوت صاخب قالت بحماس:

– “LEE” لدي أخبارا سارة…

قبل أن تكمل جملتها رأت بأن هناك شخصا ما في الغرفة. استطاعت رؤية ظهره وهو يجلس في مقعد الاستشارة. فتأكدت بأنه مريض من مرضى شقيقتها الكبرى. شعرت بالخجل واستمرت بالإعتذار. التفت إليها “LEK” بابتسامته الساذجة مظهرا أسنانه البيضاء. لم تتفاجأ “MEL” من رؤية زميلها. فهي تعلم أنه مريض دائم من مرضى شقيقتها.

– “LEK”!! لم أرك مؤخرا هل لديك استشارة اليوم؟

– أجل. وهل هناك سبب آخر غير هذا يجعلني آتي إلى هنا. على كل ماهي أخبارك؟

حمحمت “MEL” لتقول:

– رسميا أنا جزء من قوى “OH”

بصق “LEK” الماء الذي كان بصدد بلعه من الصدمة:

– أنتِ.. قبلتِ في ذلك المكان! أنتِ دون سواك!! هل تحلمين، هل أنا من يحلم؟ هل نحلم جميعا يا بشر!!

أجابت “MEL” بضجر:

– وهل ترى شخصا آخر غيري يقف ويخبركما بذلك؟

بينما يبتسم ابتسامة ساخرة، قال “LEK” مازحا:

– أتساءل إن كنت اقترضت عقل الطبيبة “LEE”.. حتى تم قبولك بهذه السرعة

– ما الذي ترمي إليه يا رجل!

– لا يستطيع الذي لديه نسبة أقل من135 من الذكاء أن يعمل هناك. وأنت ذي 100 كيف.. كيف دخلت إلى هناك حتى!!

– لا أريد أن أبدأ شجارا معك الأن

– لكنني أشعر بالفضول حقا!

– إنني مثلك أيضا لا أعرف. هذا ما يجعلني أشعر بالغرابة. لكن أتعرفا ماهو المريب أكثر! من قبل توظيفي هو الرئيس بذاته!

قال “LEK”:

– الرئيس “DO”؟

– هل تعرفه!!

– قابلته مؤخرا لمرة واحدة فقط… هل من الممكن أنكِ شعرتِ بشعور غريب عندما رأيته لأول مرة، أو عندما سمعت اسمه؟

نظرت “MEL” بتساؤل إلى شقيقتها الصامتة وهي تقلب بين صفحات ملفها، ثم نظرت مجددا إلى “LEK” الذي طرح سؤالا جادا. شعرت أن ذلك السؤال له علاقة ما بجلسته الاستشارية مع شقيقتها. لذلك أجابت بطريقة جادة على عكس ما كانت تود قوله:

– حسنا… إنه شخص غامض، مخيف ومتعجرف ولديه هالة أشعر أنني رأيتها في أحد ما من قبل.

– هل هذا كل شيء؟

– أجل. هل أنت شعرت بذلك؟

تنهد “LEK” بعمق، قائلا:

– هالته تلك تشعرني بالغرابة، غرابة مخيفة.

……….

اليوم الذي تم فيه إلقاء القبض على المتهم “H” كان يصادف اليوم الذي يسبق وقوع جريمة مقتل الضحية “A” بثلاث أيام. حين ذاك ذهب بضعة من جنود الـ”XHX” إلى مقر عمل المتهم “H” للبحث عن أدلة من الممكن أنها تفيد التحقيق، إضافة إلى مقابلة زملاء مكتبه. كان “H” يعمل كمهندس في شركة إلكترونيات تحت مسمى “ENG ART” وهي ذاتها الشركة التي يعمل فيها “LEK” كمدير فرعي ناجح، وقائد قسم التطوير الأول. كان ذا شعبية بين جميع الموظفين بسبب شخصيته اللطيفة المرحة، إضافة إلى أنه كان محبوبا أيضا. كان “H” جزءا من فريق”LEK” لذلك كان من ضمن الذين سيتم مقابلتهم. في غرفة فارغة من الشركة كان المحقق المسؤول عن القضية ينتظر أعضاء فريق المتهم ليطرح عليهم بضعة أسئلة متعلقة بـ”H”. دخل الأول والثاني والثالث حتى أتى دور”LEK” والذي دخل إلى الغرفة بحماس شديد لتجربته شيئا جديدا. وجد في الغرفة رجلا يجلس بنصف مؤخرته على شفا الطاولة، واضعا قدميه فوق بعضها، جامعا يديه. كانت عيناه مغلقة فاقترب صديقنا من المحقق وقام بوكزه بخفة على كتفه ليتأكد من أنه لم يغفو بينما ينتظر. وخلال ثوان فقط تراجع للخلف بفزع، ليسقط على مؤخرته. تألم من تلك السقطة لكنه سرعان ما نهض عندما رأى نظرات المحقق الحادة وهو يحدق فيه بتعابير خالية من التعبير. ابتسم “‘LEK” بحماقة وتوجه ليجلس في المقعد المقابل للمحقق. وقبل أن يبرر له سبب وكزته، سمع صوت المحقق الحاد الأجش وهو يقول:

– ما الذي تعرفه عن “H”؟

لم يفكر”LEK” بالسؤال الذي طٌرح عليه. لأنه كان مذهولا من هالة المحقق المهيبة، ومن صوته الحاد الذي يتناسق تماما مع ملامح وجهه الحادة الخالية من أي تعبير.

” هل هذا محقق من الـ”OH”؟! كما هو متوقع من محققي ذلك المكان بمجرد النظر إليهم سيقشعر جسدك و…”

قَطع حديث ”LEK” الداخلي عندما سمع صوت المحقق مجددا وهو يكرر السؤال السابق. عاد إلى وعيه وابتسم بحماقة مرة أخرى، ليقول وهو يحرك يديه في الهواء:

– في الحقيقة لا أعرف الكثير عنه. كنت أوبخه دائما بسبب تأخره الدائم. كان سيئا في العمل وبطيء في التسليم أيضا.

– لم أسألك عن أدائه في العمل… هل لاحظت أمرا غريبا أو تغيرات في حركاته، أسلوبه، الطريقة التي يتحدث ويتصرف بها؟

– أتقصد تغيرات غير معتادة في تصرفاته؟

– شيء كهذا

صمت “LEK” يهمهم بتفكير، بعد لحظات أجابه بحماس:

– أجل!! لقد تذكرت ذلك الأن… أخبرتك أنه دائما ما يتأخر صحيح؟ لكن قبيل القبض عليه بثلاث أيام أتى للعمل مبكرا جدا! لقد تفاجأت عندما دخلت إلى المكتب ووجدته واقفا أمام الطابعة ينتظر أوراقه… سألته عن الوقت الذي أتى فيه وإجابته كانت كالصاعقة… لقد قال أنه دخل المبنى في تمام الساعة الخامسة صباحا، والعمل يبدأ في الساعة السابعة!! هل تستطيع تخيل ذلك أيها المحقق!! ألم تُصدم أنت أيضا من هذا؟؟؟!

– هل أخبرك بأمور غريبة، مشكوكة؟

– لا. نحن لم نكن نتحدث وعلى العكس من ذلك كنت أوبخه كما أخبرتك منذ قليل

ضحك بعدها “LEK” بصوت عال ولم يشعر بالنظرات الحادة التي تحدق فيه. توقف عن الضحك عندما شعر بقشعريرة من صوت المحقق وهو يقول:

-أخرج.

لم يستوعب “LEK” سبب تلك الكلمة وبقي يحدق في المحقق بصمت حائر

– ألم تسمع ما قلته؟

سأل “LEK” حائرا بكلمات متقطعة:

– ولكن… لماذا…تريدني… أن أخرج!

– إن لم تكن تملك شيئا مفيدا لقوله فلا تضيع المزيد من وقتي وأخرج حالا

– لكن…

لم يكمل “LEK” جملته بسبب تلك النظرات المرعبة والملامح التي بدت كما لو أنها تتوعد بالويل له إن تفوه بالمزيد.

سبب له الخوف من ملامح المحقق ارتعادا، بينما كان يتوجه بثقل خطواته نحو باب الخروج. صفع جبهته بلطف لينسى تلك الملامح متمتما بين نفسه كلمات أغنيته المفضلة. بضع خطوات أخرى تفصله عن باب الخروج. كان يشعر بالراحة لذلك.

فُتح الباب فجأة فرأى رجلا يتقدم للأمام بجدية ملامحه الأجنبية. يلبس بدلة رسمية تبدوا كالبدلات العسكرية التي يلبسها القادة ذوِي الرتب العالية. لكنها لم تكن كأي بدلة رأها من قبل، كانت مختلفة. سوداء داكنة، تصميمها أشبه بتصميم القرون القديمة، كتب عليها بخط أبيض منقوش “XHX”. أدرك فورا أنه جندي من قوى “OH” فتفاجأ من ذلك!

” هل هو جندي حقا! لكن زيه لا يوحي أنه جندي! أوليس رتبته أعلى من ذلك!

أجل يا عزيزي… كيف لم أفكر بذلك.. إنهم جنود “OH”! بالتأكيد لن يكونوا بمستوى جنود دولتنا أو الدول الاخرى، حتى في أزيائهم التي يرتدونها”

كان يبتسم بتبجح بينما يفكر، حتى أصبح أمام الباب. أمسك المقبض وقبل أن يديره

أحس برعدة في جسده. ولم يشعر بوزن قدميه… كما لو أن الأرض كانت تقوم بسحب طاقته بقوة.

حينما سمع الجندي يقول محدثا المحقق:

– أيها الرئيس “DO” خرجت نتائج التشريح.

“DO”…””DO…”DO”…”DO”…”DO”!!!

ذلك الاسم من جعله يرتعد ويشعر بشعور غريب، شعور مألوف، شعور مخيف، شعور جعله ينسى أين يقف ومن يكون، شعور لم يكن يجب عليه الشعور به.

……..

” اليوم الـ19 من الشهر الـ8 من عام 2018 “

يوم محاكمة المتهم “H”.

كانت النباتات بمختلف أنواعها، و الزهور بألوانها الخلابة تملأ الحديقة الصغيرة المتواجدة في أعلى طابق مبنى “HXH”. أمام آنية نبتة البرسيم كان “”DO يقف متأملا أوراقها الرباعية النادرة بتركيز. بعد دقائق معدودة سمع خلفه صوت المحققة “FER” وهي تقول مباشرة:

– لقد انتحر المتهم “H” اليوم في الساعة الواحدة ظهرا قبل أن تتم محاكمته بدقائق.

كان “DO” هادئا واستمر بتأمل نبتته المفضلة دون قول أي شيء. لتكمل المحققة:

– ليس هذا فحسب. وجدت الشرطة العامة جثة دفنت في أراضي منطقة قيد الترميم والمثير في الأمر أنه جسد دون رأس. ستقول لي ” إذا ما علاقة الأمر بنا “

تفيد التحقيقات الأولية أن الضحية قتل قبل 12 يوما تقريبا. في اليوم الثامن من الشهر الحالي. أثناء التشريح وجدوا كلمة حفرت في قلبه. أتعرف ماذا كانت؟

نظرت المحققة بابتسامة ذات معنى إلى رئيسها، ثم أردفت بهمس:

– لقد كانت “BN8”.

أمسك “DO” إحدى أوراق النبتة التي أمامه بلطف، ثم ما لبث ثوان حتى قام بتهشيمها ونثرها تحت قدميه. ابتسم ابتسامة جانبية غامضة.

– الأمور بدأت تصبح مثيرة.

……..

في مكان آخر بعيد جدا…

كان ظهر يوم مشمس. عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشر والنصف ظهرا.

في إحدى الردهات الخلفية البعيدة عن أنظار البشر، لمدرسة ” سوزين ” الابتدائية

سُمع صوت مكتوم لصبي يتلقى ضربا مبرحا وعنيفا من صبية أكبر منه سنا. كان الصبي يكتم صوت بكائه بيديه التي بللت بدموعه المالحة. كان يتحمل تلك الضربات دون أن يستطيع فعل أي شيء.

لطالما كره الجميع وكره نفسه، لطالما كره وقع حياته، لطالما كان يعرف أن حياته انتهت في ذلك اليوم، لطالما تمنى أن يرحل من هذا المكان كما رحل والداه.

هل لحياته أي معنى؟ لا.. منذ ذلك اليوم تحول كل شيء لظلام دامس. لم يبقى أي شيء من أجله، لم يبقى أي شيء ليعيش من أجله. إذا لماذا مازال يتنفس حتى الأن؟

لماذا لم يلحق بوالداه وبقي يتحمل كل هذه الآلام؟ لماذا…

– هي أنتم هناك. ماذا تفعلون؟

التفت الصبية خلفهم فرأوا فتاة قمحية البشرة تصرخ عليهم بغضب. صرخ أحدهم بفزع عندما أدرك من تكون. زاد فزعا عندما رأى الشخص الآخر الذي معها.

– إنهما… إنهما وحشا الصف ال6/E!!

لاذ الصبية بالفرار عند رؤيتهما يقتربان منهم بغضب. اقتربت الفتاة من الصبي المستلقي على الأرض. مدت يدها للمساعدة ليمد الآخر يده أيضا للنهوض وهو يتألم. ابتسمت له وبدأت بنفث القاذورات والأتربة عنه. بينما الصبي الآخر كان ينظر إليه بقلق، ليقول بصوت هادئ حاد:

– هل أنت بخير “LEK” ؟

” كنت أعرف ما الذي يبقيني في هذا العالم حتى الأن، كنت أعرف من يتواجد لأجلي، كنت أعرف أعيش من أجل من.. لكنني فضلت ألا أفعل ذلك من أجلهما..

لأنه شيء لا يجب علي فعله… لأنني لا أستحق ذلك.

ولكن الأن بت أتساءل إن كان ما أفعله من أجل مصلحتهما حقا..

هل أنا شخص سيء أم شخص جيد..

أي الطريقين هو الصائب لنا.. هل بقاؤنا معا هو الجيد أم فراقنا هو الأفضل؟

لم أعد أهتم بكل ذلك بعد الأن. سواء كُنت جيدا أم سيئا سأدع الزمن من يحكم ذلك

لأنني لا أريد أن أفقد عائلتي الجديدة.. لا أريد أن أبقى وحيدا.. لا أريد أن أتألم… أريد أن أكون معهما وبرفقتهما حتى اللحظة الأخيرة من حياتي.

من أجل صديقي، من أجل عائلتي الجديدة سأبقى وسأفعل كل شيء..

من أجل “DO” و “MEL”… سأعيش.”

نهاية الفصل الاول…



P2. حلم واقعي

بصوتٍ هادئٍ لطيفٍ قلقْ وفيه القليل من الحماس، سألته بينما عيناها تلمع لمعان الطمع للمعرفة:

– هل أنتَ بخير”LEK”… ما الذي حدث بعدها؟

أجابها بكلمات متجزعة نتيجة الضغط الذي كان يَخُوْضُهُ قبل لحظات. كان تحت تأثير منوم مغناطيسي بإشراف الطبيبة “LEE “. والتي هي بدورها كانت تحاول إيقاظه مرارا وتكرارا، بعد رؤيتها له يئن ويتصبب عرقا… كما لو أنه في عمق بحر لا نهاية له.

– ثلة صبية يتنمرون على صبي آخر… أُخمن أنهم في الابتدائية. لاذوا بالفرار خوفاً بعد صراخ أحدهم باسم شخصان قادمان. كان… كان…

نظر إلى الحائط يمينه، عاقدا حاجبيه يحاول التذكر. ضغط على يديه بقوة والعرق أخذ يتصبب من جبينه أكثر. بعد بضع ثوان بلع ريقه ليقول ما تذكره:

– قال بأن “MEL” و “DO” قادمان.

تقلًبت ملامح الطبيبة “LEE” الفضولية إلى الذهول والحيرة. فسألت:

– “MEL” و”DO”!!

– أجل إنهما كذلك

– لا تخبرني بأنك تعتقد أنهما من نعرفهما!

ضَّم “LEK” كفيه حول وجهه ليتنسَّم بعمق، قائلا بصوت مقبوع:

– لست أعلم لكن..

صرخت الطبيبة بقلق:

– لا يمكنك! ذلك غير معقول حتى للتفكير به. أنت تعلم السبب جيدا أيضا.

بينما ينظر “LEK” إلى ملامحها الجادة، نهض بثقل جسده نحو يمين باب الغرفة ليلبس معطفه. خلال تلك الثوان القصيرة كان يفكر بما يقوله لها كي لا تقلق عليه أكثر وتزعجه بنصائحها. التفت إليها مبتسما ابتسامته الساذجة بينما يقول مبتهجا

كما لو أن شيئا لم يحدث:

– لا تقلقي! حتى أنا أعلم حدودي.

بادلته الطبيبة ذات الابتسامة قائلة:

– حسنا سأثق بكلماتك هذه.

……..

محكِماَ قبضة يده اليمنى بذراعه اليسرى، وبقدميه الطويلتين المشابكة لبعضهما يجلس بغضب، قاطبا جبينه على كرسي قديم. كان ينتظر في مكتب القيادي للشرطة العامة. ذات الرائحة النتنة، رائحة طعام أُفسد ممزوجا برائحة خرقة مبللة لها أيام لم تجف. كان ينظر إلى سلة المهملات وهي مملوءة بالقاذورات، وبجانبها عُلب وأكواب مشروبات فارغة تسللت بضع قطرات منها في الأرض.

ينظر إلى الطاولة الصغيرة أمامه وهي مكسوة بالغبرة، وإلى فتات الطين الجاف، و فتات الطعام المنتشر في الأرض بإشمئزاز. فهو شخص لا يتحمل رؤية شعرة واحدة في بقعة ليس من المفترض لها التواجد فيه. كزّعلى أسنانه محاولا تهدأة غضبه قبل أن ينفجر على ذلك الرجل البدين. بدوره كان القيادي يقف أمام دولاب حديدي طويل يبحث عن ملف قضية ما. تأخر الرجل وهو يبحث بين ملفاته وبدأ صبر صديقنا ينفذ، وغضبه يتفاقم. عند إطلاق تنهيدته العالية – إشارة تحذيره- نطق القيادي بكلمات غير مفهومة محدثا نفسه. بذلك لم يسمع إشارة التحذير. شعرت “FER” بخطر الوضع لذلك همست له:

– أيها الرئيس… أعلم أن هذا صعب لكن رجاء فلتصبر بعد قليلا…

وقبل أن تنهي جملتها، وجد القيادي ملف القضية التي يبحث عنها منذ مدة. التفت إلى من ينتظرانه بأعين متوعدة. مد بيده اليمنى القصيرة، الملف إلى “DO” قائلا بابتسامة ملتوية، قبيحة:

– هذا هو ملف قضية الجسد مقطوع الرأس. في الواقع القضية كانت معقدة قليلا لذلك كنا نريد أن يتولى التحقيق فيها المحقق العظيم “MK”. لكن كم تعلم، وكما يعلم الجميع من الصعب جدا الوصول إلى شخص مثله. لذلك فكرت بك كبديل متيقنا أنك ستستطيع حلها. ففي النهاية أنت هو ثاني أفضل محقق في البلاد.

أخذ “DO” يقلب بين صفحات الملف بتركيز جعله ينسى أنه يجلس في وسط قذر. وكما الحال لم يسمع شيئا مما قاله الرجل. نظر القيادي بذهول إلى “DO” المندمج بتصفح الملف الذي بين يديه. حدق في عينيه الغريبة لبرهة ثم أحس برعشة في جسده. للوهلة الأولى تبدو ناعسة وهادئة لكن بعد التمعن فيها لثوان ترى فيها حدة تخفي خلفها أسرار غامضة.

– أيها المحقق “DO” أر أنك مهتم جدا بهذه القضية

لم يرد عليه “DO”. شعر القيادي بالخجل لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في التحدث. فقال بجلف:

– لقد سمعت أنك تطبق عقوبات شديدة للجناة حتى وإن كانت جرائمهم بسيطة.. إلاعدام هو أبسط عقوبة لديك. أتساءل إذا ماهي أقصى أشد عقوباتك؟

ابتسم بدناءة ثم أكمل بذات الأسلوب الدنيء:

– مما هو متداول هو أنك شخص عديم المشاعر والانسانية لذلك لا استغرب من عقوباتك القاسية… لكنني أيضا لا ألومك! فكل شيء نفعله هو انعكاس لما عشناه في طفولتنا وهو بالتأكيد أمر يفوق تحكمنا عليه. كنت أتساءل دائما عن السبب الذي يجعلك تخفي خلفيتك العائلية لكنني أعتقد أنني الآن وجدت الإجابة.

شعرت المحققة “FER” بتقبض من صوته الغليظ وهو يقهقه. تنهدت بغضب. وقبل أن تنطق بحرف، رأت رئيسها يبتسم بخيلة. ودون أن يزيح نظره عن ما بيديه قال:

– سقطت تفاحة واحدة فأدرك الناس معنى الجاذبية، وسقطت آلاف الجرائم والجثث ولم يدرك الانسان معنى الانسانية. وما أطبقه أنا هو لأمحو آولائك الذين لا يصنفوا من ضمن البشرية. المجرم يبقى مجرما مهما كان حجم جرمه. الخطيئة تبقى خطيئة مهما فعلت من صواب لتكفيره. الذنب يبقى ذنبا مهما شعرت بالندم ومهما قمت بالتوبة. إن لم تدرك معنى ذلك، فأنت لست من صنف البشر. لذلك يجب علي أن أطبق واجبي عليك أيضا. لكن قبل أن أفعل ذلك دعني أخبرك بشيء من النصيحة. بدلا من حشر أنفك القبيح على ما لا يخصك، اهتم بشؤونك الخاصة وقم بتنظيف هذا المكان القذر أولا.

نهض “DO” من مقعده، موجها للقيادي نظرات ازدراء، قائلا:

– الشخص القذر يبقى قذرا ويحب قذارته دائما. وعلى العكس هو لن يظهر ذلك بسبب طفولته التي عاشها، لأنه منذ ساعة ولادته كُتب له أن يكون قذرا. كنت أتساءل كيف لأحدهم أن يبقى في هذا المستنقع لكنني الآن أدركت سبب ذلك.

خرج من الغرفة فلحقت به المحققة “FER” بعد أن تركت هذه الكلمات للقيادي:

– التدخل في خصوصيات الرئيس والتحدث معه دون رسمية. هو أكبر ذنب في قوانا وعقوبته هي أقصى العقوبات التي كنت تتساءل عنها. أهنئك سترى تلك العقوبة بعينيك قبل أن تسمعها بأذنيك.

……..

الساعة الرابعة عصرا من اليوم الذي انتحر فيه المتهم “H”.

توجه “DO” ومعه المحققة “FER” إلى الحي المهجور حيث قُتل الشاب المدعو ب”L”. بعد قطع القاتل لرأس ضحيته بمنشار يدوي، حفر حفرة تحت شجرة صغيرة تبعد عن المباني غير مكتملة البناء بضع مسافات فقط. ثم دفن ضحيته هناك وذهب مع الرأس بكل دم بارد.

كان الاثنان يقفان أمام تلك الحفرة بعد تفتيشيهما في الأرجاء. قال “DO”:

– الضحية “L ” يبلغ من العمر 31 عاما. قتل في اليوم الثامن من شهرنا الحالي أثناء توجهه للمنزل بعد عمله. يشغل منصب مساعد المدير في شركة تتاجر بالتحف. كما تقارير العائلة فلا توجد مشاكل بينه وبين أي أحد. وطريقة القتل كما تقرير الشرطة العامة تفيد أن القاتل لا يكن ضده أي ضغينة. وما يدعم هذا أنه لا توجد آثار اعتداء على الضحية. القاتل بحركة واحدة قطع رأس الرجل بمنشار يدوي. وهذا إن دل على شيء فسيدل على حدة أداته وعلى سرعة قوته.

سألت “FER” :

– إذا أليس القاتل شخص اعتاد على استخدام المنشار كثيرا؟ من المحتمل أنه قاطع أشجار أو نجار!

– كلاهما اعتادا على قطع الأخشاب الخشنة، ليس جلد إنسان رقيق. المجهود الذي يُبذل في قطع الخشب أكبر وأشرس ويأخذ وقتا مهما كان صاحبه متمرسا. هذه العلامات لا وجود لها في رقبة الضحية. على العكس من ذلك يُشرح وضعه: أن القطع كان سريعا جدا وتم خلال أقل من ثانية.

-إذا ألا يدل هذا على أن القاتل اعتاد على قطع رؤوس البشر!

– لا نعلم ذلك. لكن المعلوم هو أن القاتل اختار الموقع هذا ليقتل الرجل فيه وهو على أتم المعرفة أن ضحيته دائما ما كان يسلكه. وسبب اختياره لذلك اليوم كان يعرفه أيضا… إنه يوم العطلة المعتادة للعاملين.

– باختصار كان يراقبه.

– أجل.

تنهدت المحققة “FER” ثم قالت:

– كان يوما ممطرا مناسبا لمحو الأدلة والآثار الآخرى. لذلك لم يجد المحققون أي أدلة تفيد التحقيق. لكن ما يشغلني أكثر هو كيف نقش بالكلمة على صدر الضحية!

استرجع “DO” في عقله، صورة قلب الضحية التي رآها في تقرير ملف القضية، ثم قال:

– باحدى ادوات النحت الرفيعة. قام بتحميتها بشعلة ما، ثم ما رأيناه.

– لماذا؟ لماذا حتى ينحت كلمة”BN8″! ما الغرض من ذلك!

– كما هو واضح إنها شيفرة وعلينا تفكيكها.

– لماذا إذا أوصلها بهذه الطريقة؟ إن لم تكن ضغينة وإنما هدف آخر فلماذا قتل شخصا بريئا!

– وهل قلت أنا أنها لم تكن ضغينة؟

تذكرت “FER” أن ذلك كان تقرير الشرطة العامة وليست أفكاره. فقالت:

-إذا ما رأيك أنت؟

– القاتل لا يقتل دون سبب، ولا يرسل رسالة دون سبب. ندرك أنه ترك رسالة لسبب ولكننا لا ندرك السبب. والأول أيضا نستطيع ببساطة أن ندرك أنه قتل بسبب لكننا لا نعرف السبب. وهذا هو عملنا أن نبحث عن السبب أو كما هو معروف لدى الجميع بمصطلح ” الدافع “. دافع القاتل من القتل ودافعه من ترك شيفرة. هل هي لفئة معينة؟ أم لشخص معين؟ أم للدولة؟ أم للشرطة؟ لن نعرف ذلك حتى نتعمق في القضية، ولنتعمق في القضية علينا أولا أن نربط كل شيء ببعض، ولنربط كل شيء ببعض علينا أن نركز على شيء واحد… على كل الوقائع المتعلقة بالقضية.

– وقائع؟ متعلقة بالقضية؟

– هل هي جريمة قتل عادية أم لا؟

– مراقبة الضحية، فصل الرأس عن الجسد، النحت على الصدر، دفن الجسد. بالتأكيد هي ليست جريمة قتل عادية.

قال “DO” بابتسامة واثقة:

– مراقبة أوضاع الضحية، التعذيب، شق الصدر واستخراج القلب، النحت على الجفون، تعليق الجسد كالتحف. هذه أيضا ليست جريمة قتل عادية.

لم تفكر المحققة كثيرا حتى فهمت ما يقصده، لكنها شعرت بالحيرة لذلك سألت:

– أنت تريد القول أنها جريمة قتل متسللة. لكن لتصنف بذلك عدد الضحايا يجب أن يكون 4. غير هذا فطريقة القتل ذاتها مختلفة تماما! الاول فصل رأسه عن جسده دون عناء، والثاني عذب بقسوة. هل حقا نستطيع الاستناد على دليل واحد كـ”BN8″!

قال “DO”:

– ما القيمة من الرقم “واحد”؟ سيقولون أن لا قيمة له. لماذا؟ لأنه لن يجلب لمالكه أي شيء. لكن ماذا إذا اضفنا الرقم “واحد” إلى رقم “واحد” آخر؟ هل سيكون له أي قيمة الآن؟ ليس بعد …فلنضف رقم “واحد” آخر إلى الرقمين السابقين، ثم لنضف رقم “واحد” آخر للأرقام الثلاثة السابقة، ثم لنضف رقم “واحد” آخر للأرقام الأربعة. وهكذا فلنستمر بالاضافة حتى يُرى بأن للرقم الصغير قيمة أكبر بكبر قيمته العددية. إذا ماذا بعد ذلك؟ الآن سيقولون أنهم سيستطيعون أخذ كل ما يريدونه بتلك القيمة العددية. تلك القيمة التي جعلتهم يأخذوا كل ما يريدونه من أين أتت؟ من أين بدأت؟ بدأت من البداية التي قالوا عنها أنها دون قيمة. إذا ألا يعني هذا أن للرقم “واحد” قيمة من الأساس؟ قيمته أنه البداية لبداية قيم جديدة.

وهذا يعني أن قيمته في جوهره، في تواجده، في تكوينه الحقيقي وليس في زيادته. قيمته في بدايته.

إذا نظرنا للمظهر دون الجوهر فسندرك لاحقا أننا لم نكن سوى حمقى. ولكي لا نكون كذلك الآن مع هذه القضية، علينا أن ننظر لبدايتها وجوهرها لا لمظهرها وزيادتها. لذلك سنتعامل معها على أنها جريمة قتل متسللة، ستقع ضحيتها الثالثة في أي وقت ويوم إن لم نبذل جهدنا في التحقيق.

وأهم أمر علينا أن ندركه قبل كل شيء هو أننا بداية من هذه اللحظة سنتعامل مع مجرم لا يقتل إلا لسبب كبير، ولن يتوقف عن القتل حتى يحقق هدفه.

ستكون الأيام القادمة ممتعة بالتأكيد.

……..

في مساء اليوم. حيث عقارب الساعة تشير إلى التاسعة مساء:

ألقى العجوز البالغ من العمر 80 عاما، ملعقة الطعام على الأرض بغضب. نظر إلى طبق طعامه، وبدون أي تفكير أخذه وقام برميه في سلة المهملات. اعتاد على ذلك، على إلقاء الملعقة أرضا بغضب، ورمي طعامه بعيدا دون أن يضع منه قضمة واحدة في فمه الملتو. كم كان يكره ذلك اليوم الذي يُفقده شهيته في الأكل، مهما صرخت معدته جوعا. يوم من الأسبوع يبدو كالجحيم له بسبب شقة. على العكس من اعتياده على إلقاء طعامه، فهو لم يستطع أبدا أن يعتاد على الصخب الذي يحدث في مساء ذلك اليوم من كل أسبوع، صوت صخب قادم من الشقة المجاورة لشقته. أراد بضع مرات أن يتحدث مع مالك تلك الشقة لكن خوفه من مكانته لم يسمح له. كان المالك هو مهندس النظافة “C” من قوى “OH”.

في تلك الشقة التي هي عبارة عن جحيم للكثير من سكان ذلك المبنى، يجتمع زملاء “C” البالغ عددهم 8 أشخاص، كل أسبوع مرة، للمرح وإزالة عبء العمل بالتحدث معا. انقسم نصف منهم إلى مجموعتين، لمنافسة بعضهم في الألعاب الإلكترونية. بينما واحد آخر كان نائما بعمق فوق الأريكة، وآخر منشغل بهاتفه. كان “LEK” من ضمن ذلك التجمع أيضا. يجلس في الأرض جلسة القرفصاء وبجانبه طاولة صغيرة مليئة بالوجبات الخفيفة، يشاهد التلفاز وهي تعرض منافسة ضد أشهر فريقي كرة القدم. وقد تراهن هو ومن معه على الفريق الفائز بدفع تكاليف العشاء. أخذ كيس البطاط من على الطاولة ليأكلها قضمة وراء قضمة دون توقف، من حماسه الشديد بسبب تقدم فريقه المشجع. صرخ بحماس أكثر كما لو أنه في صحراء لا يتواجد فيه أحد غيره، بعد أن سجل فريقه أول هدفا، مبعثرا بذلك البطاط في كل مكان . أتى من كان منشغلا بهاتفه “C” ليرتب الفوضى التي أحدثها زملائه. بعد ثوان قليلة ذهب ليجلس بجانب زميله المقرب “LEK” المنهمك كالأطفال بمتابعة المباراة التافهة. فقال هامسا في أذنه الكبيرة:

– “LEK”..

همهم له “LEK” ردا لندائه دون أن يصرف عيناه عن الشيء الذي سيحدد مستقبل محفظته.

– لدي شيء أريد إخبارك به

حول “LEK” عينيه إلى زميله محدقا فيه بغرابة، بعد سماع نبرته الهادئة. كانت ملامحه هادئة أيضا على غير العادة. تجاهل صديقنا ذلك سريعا فالمباراة كانت في منتصف ذروتها من الحماس. حول عينيه مجددا للمباراة بعد أخذه قطعة بسكويت من فوق الطبق:

– ماهو؟

– أشعر بأنني مراقب منذ مدة

رد “LEK” دون أن يلتفت إليه كي لا تفوته الأحداث:

– يا صاح أنت على الأرجح تتوهم

زاد صوت “C” أكثر غرابة وغموضا

– ظننت ذلك في البداية… حتى استمر مراقبته لي أسابيع.

رد “LEK” كالرد السابق:

– لماذا لا تبلغ عن الأمر إذا؟ أنت تعمل في ذلك المكان أليس كذلك؟ ماكان اسمه مجددا… “XHX”! يا إلهي من أين أتت هذه الحروف الغبية ومن وضعها حتى! أراهن أنه أغبى بكثير من تلك الحروف. على كل لا يهم اسمه، فالمهم هو لماذا لا تخبر إحدى المحققين بذلك؟

صمت “C” لبرهة ثم قال مبتسما حتى لا يفسد جو زميله:

– كنت أمازحك يا مغفل لأرَ ردة فعلك الغبية.

ضحك بهدوء. ليعقد الآخر حاجبيه بتعجب هامسا له:

– أمرك عجيب يا صاح.

لم يقل المزيد حتى نهض من مكانه يصرخ بعد أن كاد فريقه يهدف، ولكنه عاد للجلوس محبطا بعد تصدي حارس المرمى للهجمة. أما صديقاه صرخا بحماس زائد لتلك الصده، فهما يشجعان الفريق المنافس.

” أتمنى لو أنني كنت أتوهم فقط “

……..

أفضل وأقوى قسم تحقيق في الـ”HXH” هو القسم الثاني المعروف بـ”40″ والذي يعني 4 محققين عن قوة 40 محقق. وكما اللقب: القسم يتكون من 4 محققين فقط إضافة إليهم مساعدهم – مساعد محقق -. المحقق “EKE” هو قائد القسم، الأصغر سنا بين زملائه المحققين الثلاثة، المتراوح أعمارهم بين الـ40 والـ50.

كان “EKE” يجلس في المكتب الجماعي للقسم، يراقب لقطات كاميرات تتعلق بقضيته الأخيرة، عندما أحضر له المساعد المبتدء”ZA” تقرير طلبه منه سابقا. أخذ “EKE” التقرير شاكرا بابتسامة. جلس المساعد أمامه في الأريكة الصغيرة،

قائلا بفضول:

– هل اكتشفت من هو القاتل؟

– أجل.

– من هو!!

– هل تريد معرفة ذلك بشدة؟

– بالتأكيد! أشعر بالفضول لمعرفة من قتل رجل عجوزا، وأخفى جسده في سلة نفايات كبيرة.

همهم “EKE” بلطف، مفكرا ليقول:

– إذا… سأخبرك بالتفاصيل أيضا لطالما أنك جزء من فريقي.

وقف المساعد “ZA” مبتهجا وهو يردد بحماس:

– حقا!! هل ستفعل ذلك أيها القائد؟؟

– بما أن القضية انتهت فلا مشكلة.

حتى إتمام شهر كامل، لا يسمح لشاغل وظيفة ” مساعد محقق ” أن يعرف تفاصيل القضية التي يعمل عليها المحقق المسؤول، لدواع أمنية. وبما أن المحقق “EKE” قبض على القاتل، فلن تترتب له مشاكل ما إذا أخبر مساعده المبتدء عن تفاصيل القضية.

كان المبتدء “ZA” ينظر إلى الشخص الذي أمامه بذهول، كما لو أنه ينظر إلى تحفة فنية لا مثيل لها.

” كيف يعقل أن يكون هناك شخص مثله في عالمنا! ذلك الشعر الناعم، الرمادي طبيعي اللون يزداد طوله كل يوم حتى وصل إلى رقبته الطويلة. أنفه طويل يبدو حجمه أصغر من حبة البازلاء. عيناه الكبيرتان، أشد خُضرة وجمالا من الطبيعة الخلابة. حاجباه عريضتان كعرض أغصان الأشجار في الغابات الإستوائية. بشرته نقية كنقاء بشرة الأطفال حديثي الولادة… لا، لا ليست بشرته فقط، بل ملامحه أيضا تبدو طفولية نقية. ما يجعلها جذابة ولا تكف الشخص عن التأمل فيها، هي أنها حادة في الآن ذاته! أراهن أن من يعاني من مشاكل مرضية في عينه سيشفى بمجرد النظر إلى هذا المحقق. يُقال أن الجمال الحقيقي ليس في المظهر بل في الجوهر. وما يجعلني أرغب بالبكاء هو أن جوهر هذا المحقق كمظهره… إنه لطيف ودود، عسل الكلام، راق الأسلوب. من يستمع إليه سيظن أنه يحضر تلك الجمل والكلمات الراقية قبل أن يتفوه بها. إن أسلوبه أكثر رقي من الملوك والأمراء. ليس مثالي المظهر والجوهر فقط! بل هو مثالي ورائع في عمله. لم أر محققا رائعا مثله من قبل، حتى بدأت أشك أنه يملك عقلا كعقولنا. إنه شخص جشع… جشع حقا… يملك كل شيء يتمناه غيره. أشعر بالغيرة. وأستطيع أيضا أن أشعر بالفتيات اللاتي لا يوقفن الحديث عنه طيلة الوقت….”

– أيها المساعد “ZA” … أيها المساعد؟ ألا تسمعني؟

ذرف “ZA” القليل من الدموع، بينما يفكر بعمق، متأملا المحقق”EKE”. عندما سمع صوته وهو ينادي باسمه عاد إلى وعيه، فرأى ملامح التعجب في المحقق. لم يفهم “ZA” سبب تلك الملامح حتى سأله “EKE”:

– لماذا تبكي فجأة!

وضع المحقق “ZA” يده في عينه اليمنى ليتأكد، فأحس بالبلل الخفيف مما جعله يشعر بالخجل والتفكير بعذر لذلك. بعد ثوان قال وهو يتصنع التأثر:

– لقد أحزنتني نهاية الضحية… كيف… كيف يعقل أن يُقتل من قبل ابنه!!

ابتسم “EKE” بلطف. قائلا:

– يبدو بأنك لم تكن تسمعني جيدا أيها المساعد “ZA”.

– اممم… بلى.. كنت… استمع… لكنني شردت فجأة وأنا أفكر بوحشية القاتل.

– إنه ليس وحشا، بل انسان ارتكب ذنبا

– لذلك هو وحش لأنه ارتكب جريمة قتل بحق والده.

– دعني أسألك سؤالا: ما أكبر خطأ تعتقد أنك قمت به في حياتك؟

صمت المساعد ليفكر، ثم قال:

– عندما كنت في العاشرة من عمري، ضربت زميلي في المدرسة حتى نقل إلى المستشفى

– ماذا حصل بعد ذلك؟ هل عُقبت؟

– لا. لأنني جثيت على قدمي أمامه باكيا، أرجو المغفرة.

– هل غفر لك؟

ضحك المساعد قليلا بسعادة، ثم أجاب:

– نعم. والآن نحن أقرب صديقين.

– وأنت قبل أن ترجو المغفرة منه هل كنت تشعر بالندم لما فعلته؟

– بالتأكيد! لأنني كنت أعرف أن ما فعلته كان خطأ.

تنهد “EKE” بعمق، ليقول:

– خطيئة؟ ذنب؟ جُرم؟

الانسان يخطئ، يذنب، يرتكب جريمة. وببساطة يستطيع أن يكفر خطأه، يتوب لذنبه، يندم لجريمته. هذه هي قوانين الحياة… لكن قوانا قامت بمحو ذلك القانون لتفرض قوانينها الخاصة.

ابتسم بسخرية، ثم أكمل:

– تفرض قوانينها على قوانين عالم تعيش فيه. مهما كان الخطأ صغيرا، مهما كان الذنب بسيطا، وإن كانت الجريمة غير متعمدة. على الفاعل أن يعاقب بأقسى العقوبات وأن يلقب بالمجرم، بالشخص السيء و بالوحش عديم الانسانية. حتى مماته، لا… بل حتى بعد موته ستبقى ذكراه خالدة بهذه الطريقة وهذا هو أسوء… أسوء من عقوبة الموت.

القاتل لا يقتل إلا لسبب وذلك السبب يبدو لنا غير منطقيا، وغير مقبولا مهما كان منطقيا، لكنه بالنسبة له أمر جعله يفكر مئات المرات قبل التصرف. يعرف اللقب الذي سيلاحقه حتى بعد الموت، يعرف العقوبات التي سيواجهها، يعرف حجم خطيئته وذنبه… إذا لماذا يقتل؟

ارتعش “ZA” من نظرات المحقق الأخيرة، الهادئة كهدوء الغابات المظلمة في الليل

أكمل “EKE”:

– لأنه أراد أن يشعر بأثمن شعور في الحياة، الشعور الذي لتشعر به عليك أن تدفع قيمة عالية لثمنه… الشعور الذي قَتل، قُتل، مات، عاش، ضحى الناس لأجله. الشعور الذي أراد أن يشعر به للحظة واحدة فقط في حياته… هو السلام.

القاتل قتل والده ليشعر بذلك الشعور الذي لم يشعر به أبدا بسببه. عانى من طفولة قاسية ومن حياة سيئة، قُتلت والدته وقُتل شقيقه. حياته كانت جحيما ومن وضعه فيه كان والده.

لم يستطع “ZA” أن يفهم جيدا ما يقصده المحقق من كل ما قاله، كان يشك بالمعنى الوحيد الذي استطاع معرفته. كان يعرف أنه إذا لم يسمع تأكيد أو نفي شكه، لن يستطيع عقله التوقف عن التفكير حتى ينفجر. لذلك سأل مترددا:

– هل تتعاطف مع الجاني أيها المحقق “EKE”؟

مباشرة أجابه:

– مع من يريد حقه الذي سُلب منه

– ماذا عن بقية الجناة الذين يتلقون عقوبات قوى “OH”… هل تتعاطف… معهم؟

صمت “EKE” مبتسما مما جعل المساعد يرتبك أكثر، بلع ريقه خوفا من الرد الذي سيسمعه بعد تلك الابتسامة.

– أخبرتك. المخطئ يكفر خطؤه، المذنب يتوب لذنبه، المجرم يندم ولا يعود لهذا الطريق مجددا. لكن قبل أن يفعلوا أو يغتنموا الفرصة، تسلب قوانا ذلك الحق منهم.

نسي “ZA” كل ما كان يفكر به وهو يتأمل المحقق “EKE” سابقا. أصبح الآن يفكر بشيء جديد يشغله كل حياته.

” هذه المرة الأولى التي أر فيها محققا يقف ضد قوانين عمله ويتعاطف مع الجناة…

لماذا؟ لماذا يفكر بتلك الطريقة؟ لماذا يعمل في المكان الذي تفرض قوانين تسلب الحق الذي يريده لمن يتعاطف معهم!! لماذا للعديد من الأسئلة. ما الذي يوجد بداخل ذلك العقل! “

………

كانت “MEL” تسير بتثاقل نحو بوابة الخروج من المبنى. شعرت بالخيبة مجددا من هذا اليوم الذي لم تحصد فيه أي شيء، سوى أنها كانت مزهرية تشغل مكانا لا داعي له بين محققي القسم السابع. كانت تعتقد بسذاجة أن العمل كمساعد محقق يجعلها تعمل وتفكر كالمحققين وتشارك معهم في القضايا كأي عضو آخر في الفريق. لكن منذ قبولها لم تفعل أي شيء سوى تلبية طلبات المحققين التافهة، التي لا علاقة لها بوظيفتها. غيرت أفكارها الساذجة وأصبحت تعتقد أن مساعد المحقق بمعنى أدق يعني “خادم محقق”. فضولها جعلها تتسلل إلى كل الأقسام التي فيها موظف مثلها، لتتأكد من حقيقة هذه الوظيفة. شعرت بالصدمة عندما أدركت أنها الوحيدة التي تعمل كخادمة – وصفها لنفسها -. لم تستطع تحمل ذلك فسألت قائد قسمها العجوز، صباح الأمس:

– أيها المحقق “DS” هل لي أن أعرف لماذا أعامل بطريقة لا تناسب وظيفتي؟

لم يتردد المحقق لثانية فأجابها مباشرة:

– إنها أوامر الرئيس.

– لماذا!!

– لا أعلم. أسأليه أنت بنفسكِ هذا إن لمحت ظله.

كانت غاضبة من موقفها لكن غضبها نحو رئيسها كان أكبر. لم تستطع فهم تلك الأوامر الغريبة منه. إن كان هو بنفسه من قبل توظيفها هل يحق له أيضا أن يمنعها من العمل! ربتت على كتفها بلطف ” أجل يستطيع ذلك.. إنه الرئيس بعد كل شيء “

– أنتِ

” هل أتخيل صوته الآن أيضا؟ يبدو أنني فقدت صوابي “

– المساعدة “MEL”

توقفت “MEL” بعد أن أتضح الصوت جيدا، التفتت للخلف فرأت المحققة “FER” تقف برصانة وثقة، جامعة يديها ببعض.

– هل كنت تنادينني؟

– وهل ترين شخصا آخر غيرك هنا؟

كزت “MEL” على أسنانها حنقا بسبب تلك الجملة التي سمعتها أكثر من 10 مرات خلال يومان فقط. قالت بحنق واضح:

– إذا هل هناك ما تريدينه من الخادمة “MEL”؟

– خادمة؟

أطلقت “MEL” ضحكة ساخرة، قائلة بغضب:

– أجل خادمة. عليك مخاطبتي بالخادمة “MEL” بدلا من المساعدة “MEL”.

حدقت المحققة إليها بنظرات لا تخلو من الإزدراء، تنهدت بضجر ثم قالت:

– لا أعلم ما الذي تريدين الوصول إليه، ولا أريد معرفة ذلك أيضا، ولا أملك الكثير من الوقت لأضيعه هنا من أجلك. هذا الملف لك.

مدت الملف الذي معها ببرود للتي كانت تقف متصنمة فاغرة الفاه. تنهدت المحققة:

– أيتها المساعدة

كزت “MEL” على أسنانها مجددا حتى شعرت بطعم حديدها. أخذت الملف بشرارة تخرج من عينيها، وبصعوبة بالغة، استطاعت سؤال سبب أخذها له وماذا يكون.

– إنه ملف

” أعلم أنه ملف يا حمقاء “

– سلمته لك

” أجل للخادمة وماذا بعد “

– إنها قضية عليك التحقيق فيها وتقديم التقرير للرئيس خلال يومان فقط

” أعلم أن شخص مثلها لا يمزح أبدا ناهيك عن مسائل جدية كهذه. إذا لماذا أشعر بغضب يحرق أطرافي. متى مايريد يأمر بنبذي ومتى ما يريد يجعلني أعمل. أريد لكمه… أريد أن أضع رأسه ذلك بداخل حوض ماء ساخن حتى يذوب ويتحلل”

– أيتها المساعدة، هل ساستمر بالوقوف هنا للأبد وأنا أنادي باسمك!

رسمت “MEL” على شفتيها ابتسامة مزيفة تخفي خلفها حقيقة ما تشعر به. قالت وهي تعض شفتيها:

– لماذا… فجأة يرغب الرئيس أن أحقق في قضية؟ هل هذا اختبار آخر؟

– إنها قضية حقيقية.

– طالما أنك قابلتني وأعطيتني الملف شخصيا إذا هذا يدل على أنني من سيحقق فيه فقط… وعلي انهاؤه خلال يومان أيضا!

تنهدت ثم أكلمت:

– ألا يحق لي معرفة السبب؟

– لا. يحق لك تنفيذ الأوامر فقط. على كل بعد يومان في تمام الساعة الرابعة عصرا عليك التواجد في مكتب الرئيس. اذهبي إلى الطابق قبل الموعد بساعة. سيتعرف المستشعر على هويتك ويُسمح لك بالدخول.

تركتها المحققة خلفها ببرود واختفت من الانظار. عادت “MEL” إلى منزلها، القت نفسها فوق الفراش كما تُلقى الحجارة في الماء. حدقت في السقف لساعات تفكر حول المهمة التي وكلت بها وعن السبب خلف الأمر. لكن ما كان يزعجها ويخيفها أكثر هو موعد التسليم ومقابلة الرئيس.

في اليوم المترقب وقبل الساعة الرابعة عصرا بنصف ساعة:

توجهت “MEL” إلى الطابق الأخير و بعد الكشف عن هويتها فُتح الباب الإلكتروني الرئيسي للطابق. دخلت، وكما ذهولها أول مرة عندما دخلت المبنى، ذهلت مرة أخرى. على عكس كل طوابق المبنى، كان هذا الطابق يبدو كطابق من عالم آخر. كانت تقف وسط الطابق دائري الإطار، عريض المساحة، تنظر بذهول جعلها تنسى الشعور بأطرافها، إلى السقف المغطى بالسحب وإلى الجُدرالمصنوعة من الكريستال. ما لفت انتباهها أكثر هي النباتات التي غطت المكان بأكلمه. شعرت بأنها داخل لعبة تدور أحداثها في غابة كريستالية. نظرت هنا وهناك تبحث عن الغرفة المقصودة، بعد لحظات رصدت بقعة سوداء كبيرة في الطرف الغربي. توجهت إلى هناك بقلق وبعد وصولها اتضح أنه مدخل لجانب آخر. كانت نبضات قلبها تتسارع وهي تعبر بين ظلام الممر. لم تلبث دقائق حتى توقفت أمام باب إلكتروني مشابه إلى حد ما، الباب الأول. لم تكن هناك طريقة تؤدي للعبور من خلاله. عند تفكيرها في الأمر فُتح الباب الأول عندما استشعر هويتها! كانت تفكر بسذاجة -كعادتها- ما إذا كان الباب سحريا. تجاهلت الموضوع واتجهت نحو الممر المظلم الذي أتت منه، قاصدة أول بقعة وقفت فيها.

” لن تفتح أي بوابة في هذا الطابق بدءا من بوابة الدخول حتى يسجل في نظام المستشعر عن هوية الداخل. فُتح الأول لأنه الذي سيقودني للداخل وسيفتح الثاني إن “وُجد” ليقودني إلى مكتب الرئيس. لم يفتح الذي قبل قليل لأنه ليس مكان سجل هويتي للدخول إليه. هذا يدل على أن هناك عدة ممرات أخرى توجد في هذا العالم وإحداها هي بالتأكيد غرفة الرئيس!”

بحثت مجددا عن ممرات أخرى، فوجدت ممرا في الجانب الشرقي. توجهت إلى هناك متأملة أن يكون المقصود فلم يتبقى لموعد تسليم التقرير إلا القليل.

” أتساءل ما الذي سيحدث إن تأخرت لدقيقة واحدة. هل سيقطع رأسي أم سأحنط بداخل هذه الكريستالات كما لو أني تحفة! “

فور عبورها من الممر ووصولها نحو الباب، ظهر وهجا شديدا من خلفه بعد أن فُتح، دخلت “MEL” وهي تتخيل نفسها تدخل إلى عالم آخر… وكان كذلك. على الرغم من أن ذلك المكان جزء من الطابق، ألا إنه كان يبدو كما لو أنه طابق آخر تماما. على عكس وسط الطابق المغطى بالسحب والكريستال كان هذا الجانب مغطا بالأسماك! الأسماك بالعديد من أنواعها وفصائلها كانت تعوم بداخل محيط خلف الجُدر! شعرت “MEL” بالرعشة ذهولا وهي تتأمل المكان.

” هل أنا الآن بداخل بقعة مغطاة بزجاج شفاف، بقعة بداخل محيط وسط السماء! من يكون هذا الشخص بالضبط حتى يُنعم بالقدرة على بناء كل هذا! أتساءل عن بقية العوالم المتواجدة في الممرات الأخرى لهذا الطابق الجنوني! “

وسط ذلك الحوض الزجاجي لمحت إطارً ضخما ملون بالأحمر. توجهت نحوه فضولا ولم تلبث ثوان حتى شعرت بأن قلبها سيتوقف عن النبض عندما فُتح وظهر عبره جانبا آخر! بلعت ريقها وخطت خطواتها للداخل خوفا، من أنها تدخل للمحيط الذي لا يغطيه الزجاج. تنهدت براحة عندما لم يحصل ما كانت تتخيله، نظرت في الأرجاء فلاحظت القليل من الأثاث في المكان. علمت أنها الغرفة المقصودة… غرفة رئيس هذه العوالم.

مسحت دمعتها عندما لاحظت أن الجُدر وسقف الغرفة مصنوع من الأحجار الكريمة.

” هذا ليس حقيقيا… أجل أعلم ذلك… هذا العالم وهم… وهم بالتأكيد “

بينما تبحث في الأرجاء عن “DO” قررت ألا تُذهل و ألا تلقي بالا لما ستراه من عجائب هذه الغرفة أيضا. لكنها لم تستطع سوى أن تبهر أكثر من جمال تلك الأحجار الكريمة اللامعة لمعانا تسحر الأعين. وضعت يدها على حجر جذب انتباهها فشعرت بشعور غريب، شعور ممزوج بين الراحة والسعادة. كان الحجر يمتد بداية من المكان الذي تقف فيه -الجنوب- حتى بضع مسافات أخرى فاصلة بينه وبين الجانب الشرقي. كانت تسير مستشعرة الحجر، حيث البقعة التي سينتهي فيها.

توقفت في البقعة التي تفصل بين الجانبين عندما لاحظت وهجا شديد البراقة. سببه تصادم أشعة الشمس العابرة من خلال النافذة العملاقة هناك بـ…

” هل ذلك حجر كريم آخر؟ حجمه يبدو ضخما جدا، إنه يشبه إلى حد ما حجم رجل بالغ. هل هناك أحجار كهذه في عالمنا! انتظر! ما ذلك الشيء الذي لمع فجأة! “

ارتعدت، فتراجعت للخلف خطوة. بلعت ريقها ثم تقدمت بضع خطوات للأمام بقلق من شكها حول ذلك الشيء الذي كان يلمع بجانب النافذة. مع كل خطوة كانت تخطوها، كان الوهج يتلاشى ويظهر تفاصيل ذلك الجانب.

دولاب زجاجي عملاق مليء بالكتب، أريكتان طويلتان في المنتصف، وأخيرا في الشمال طاولة مكتب مصنوعة من الكريستال. يقف خلفها مصدر تلك اللمعة البراقة التي تصادمت مع أشعة الشمس. لم تكن حجارة كريمة ضخمة كما كانت تعتقد وهذا ما جعلها ترتعش قلقا. سابقا في اللحظة التي استطاعت فيها لمح تلك اللمعة، لمحت أيضا رأس انسان، وبعد تركيب الصورة مجددا في عقلها، اتضح أن اللمعة كانت صادرة من عينا ذلك الشخص الذي يقف أمام النافذة. إنه الشخص الذي يحكم هذه العوالم، إنه الرئيس “DO”.

وقفت في بقعة يُرى منها جانب “DO” الأيسر. حدقت فيه كما كانت تحدق بذهول في تلك الأحجار الكريمة، لكن على عكس شعور الراحة والسعادة، كانت تشعر بقلق غريب، خانق.

” هذه المرة الثالثة التي أراه فيها، لكنها المرة الأولى التي استطيع فيها ملاحظة ملامح وجهه اللابشرية بدقة. تلك الهيئة وذلك الوجه لا استطيع أن اصفهما سوى بقول: ” إنه يلمع ببراقة و بجمال كلمعان وبراقة تلك الأحجار الكريمة “

خفق قلبها بقوة، شعرت بموجة كهربائية مؤلمة تمر من خلال رأسها، عندما سَمعت صدى صوت يردد بـ ” عقل الدمى “. كانت على وشك السقوط بعدما فقدت الشعور بأطرافها، أمسكت الحائط الذي خلفها كمسند وما لبثت ثوان حتى سمعت الصوت مجددا. شعرت بموجة كهربائية أخرى ولكن لحسن حظها كانت تستند على الحائط ولم تمل ميلة واحدة عندما فقدت الشعور بأطرافها للمرة الثانية. بينما تتنفس بصعوبة، حولت ناظريها إلى الذي يقف أمام النافذة بشكوك تدعم أنه هو مصدر الصوت. بعد تكرر الجملة للمرة الثالثة والرابعة حتى العاشرة أدركت أنه لم يكن هو

” ما… هذا الصوت… الذي يشعرني بالحنق… إنه حاد أجش كصوت الرئيس لكنه هادئ ولم يتفوه بشيء. إذا ما مصدر هذا الصوت… ما… “

للمرة الـ11 من تكرار الجملة سقطت “MEL” على قدميها، اسندت ظهرها على الحائط وأخذت تشهق بمرارة. وضعت يدها المرتعشة في فمها عندما شعرت بتَهَوَّعَ. حدقت في الأرض ثوان، فسمعت الجملة للمرة الـ12. تصنمت كالتحف عندما رفعت رأسها ورأت -بصورة ضبابية- أمامها صبي صغير، أسود الشعر، شاحب البشرة. يبتسم بلطف وما لبث بتلك الابتسامة لحظات حتى قال بصوته الحاد الأجش:

– إذا هل علينا الذهاب لرؤية ذلك المكان السري يا من تملكين عقل الدمى.

……..

” من هذا الصبي.. لما رؤيتي ضبابية.. لماذا أشعر بأنني أعرفه.”

– المساعدة “MEL”

” إنه صوت الصبي مجددا، لا… إنه صوت الرئيس… لحظة أين اختفى الصبي؟ ومن هذا الذي أمامي الآن؟ “

– يا “MEL”

بعد تلك النبرة العالية الغاضبة، عادت إلى وعيها فرأت “DO” يقف أمامها، محدقا إليها بغضب.

– وأخيرا افقتي من سباتك

التفتت “MEL” يمينا ويسارا، فوجدت أنها في البقعة حيث سقطت مسبقا. نظرت إلى “DO” بملامح جامدة، لتقول:

– منذ متى وأنا هكذا؟

– 8 دقائق

” 8 دقائق! هل يعتبر هذا مدة طويلة “

نهضت بتثاقل، اعتدلت في وقفتها، القت التحية الخاصة ثم قالت:

– إنني آسفة… لا أعرف ما الذي حدث فجأة و…

– تأخرتي عن الموعد بـ10 دقائق استعدي لعقوبة ذلك.

عاد إلى مقعده ببرود، بينما الأخرى لحقت به ببطئ وإمتعاض. قبل جلوسها في المقعد المقابل لمكتبه الطاولي، أخرجت ملف التقرير من حقيبة ظهرها ووضعته فوق الطاولة أمام “DO”.

– إنني انتظر

– تنتظر ماذا؟

– التقرير

– لقد وضعته أمام…

أدركت من نظراته الباردة أنه يريد سماع التقرير منها. لم تشعر بالتهديد من الموقف لأنها وضعت في الحسبان حدوث هذا الأمر واستعدت له جيدا.

– المتهم “H” وجد ميتا بعد تعرضه لنوبة قلبية، تمام الساعة الواحدة ظهرا.

” في الحالات الخاصة يتم محاكمة متهمي الـ”OH” في المحاكم العامة، وقضية “H” كانت من إحدى تلك الحالات”

– أشارت التحقيقات الأولية أنه انتحر بعد تجرعه لكمية لا بأس بها، من عقار طبي كان يستخدمه لتخفيف ألآم مرض قلبه المزمن. بعد التشريح اتضح أنه لم يكن العقار الذي يستخدمه دائما، بل استبدل بعقار آخر يعكس أثار خطرة على مرضى القلب. وكما الحال لم يتجرع من العقار الكثير، لأن واحد منه يكفي لينهي حياة مريض القلب خلال ثوان. ما أريد قوله هو أن المتهم لم ينتحر… بل قُتل.

– هل هناك دليل آخر؟

– لا استطيع اعتباره دليلا، لكنه استنتاج.

– ما هو؟

– أولا كيف أدرك قاتل “H” أنه مصاب بمرض قلب مزمن ويتعاطى بانتظام عقار يخفف ألآمه؟ المثير في الأمر أن محاكمته كانت في المحكمة العامة، لأن قضيته تدرج تحت الحالات الخاصة. المحاكمة تبدأ في الساعة الـ1 و5 دقائق، و”H” تعرض للنوبة القلبية تمام الواحدة، ذلك بعد تناوله للعقار.

صمتت وهي تحدق فيه بابتسامة واثقة. بادلها الآخر نظرات باردة ليقول:

– إذا؟

قالت “MEL”:

– “H” يأخذ عقاره بانتظام في أوقات محددة، وإحدى تلك الأوقات الساعة الواحدة ظهرا… قبل موعد محاكمته بخمس دقائق.

– إذا؟

– هذا يعني أن القاتل كان يعرف ذلك

– إذا؟

” ألم يفهم المقصود أم يحاول اختبار صبري!! “

قالت “MEL” وهي تعض على شفتيها حنقا:

– هناك من كان يراقب المتهم “H” ويعرف عنه أبسط التفاصيل بما فيها أوقات أخذه لعقاره، وهذا يعني أنه ببساطة يعرف أنه قاتل، قتل 4 أشخاص، قضيته من الحالات الخاصة، موعد محاكمته في الساعة الواحدة وخمس دقائق. استغل المراقب التفاصيل التي يعرفها ورتب لتحركاته بدقة. قتل شخص ما وترك الجثة في منزل “H” ليوقعه في التهمة. بدل عقاره بعقار شكله الخارجي مشابه للعقار الحقيقي، ولكن تكوينه قاتل.

– لماذا؟

حدقت فيه “MEL” بحيرة، قائلة:

– ما الذي تقصده بلماذا؟

– لماذا قُتل “H”؟

أجابت مباشرة، دون تردد:

– كي لا يعترف بأنه لم يقتل الشخص الذي في منزله.

– وهل هناك دليل يثبت براءته؟

– أجل. كان “H” محتجزا في الـ”HXH” عندما قُتل “A”.

– إذا… هل كنت تعتقدين أن القاتل لم يكن يعرف ذلك؟

ابتسم بتهكم، ثم قال:

– أولستِ أنتِ من قال أن المراقب يعرف كل التفاصيل وحتى أبسطها عن حياة “H”؟

لم تفكر “MEL” وهي تعد التقرير، بهذه النقطة. شعرت كما لو أن الموقف مشابه لما حصل لها مع أول قضية حققت فيها.

” هذه أهم نقطة! كيف… كيف نسيت التفكير في ذلك.. ما الذي سأفعله الآن، بل ما الذي سيحصل لي بعد هذا الخطأ! “

قُطع حبل أفكارها ذعرا، عندما سمعت صوت “DO” الحاد الأجش وهو يقول:

– المساعدة “MEL”.

– ننن.. نننععمم.

– لماذا التحقتِ للعمل في الـ”HXH”؟

لم تستطع معرفة نيته من السؤال بسبب ملاحه الخالية من التعبير. هل يسخر منها؟ أم يسألها بجدية ليقرر مصيرها؟ فكرت بإجابات مزيفة تخرجها من هذا المأزق، لكن بعد استيعابها بأن الشخص الذي تحادثه هو رئيس “OH” قررت قول الحقيقة.

– لأخبرك الحقيقة أيها الرئيس “DO”… أنا لم أرد أن أعمل هنا من أجل بناء سمعة، بل أنا لم أكن أعلم بوجود قوى كهذه حتى أخبرتني به شقيقتي منذ مدة ليست بالطويلة. كأي شخص عاطل، كنت أبحث عن عمل وصدف أن وجدت هذا المكان. أعلم أنني لست بموقف يسمح لي بقول هذا… لكنني حقا أريد استغلال الفرصة التي اتيحت لي، بالعمل هنا. كما أخبرتك… ليس من أجل السمعة، بل لأنني أريد أن أكون جزء من قوى تفعل كل شيء من أجل العدالة الحقيقية.

– ما مفهوم العدالة لديك؟

– أن يأخذ كل شخص حقه

– وهل تعتقدين أننا نفعل ذلك؟

شعرت “MEL” بالحيرة، وكما الحال لم تستطع معرفة نيته من السؤال. قالت ما وقع على لسانها:

– أجل. إن لم تكن قوى “OH” الآمنة مركز العدالة الأول، فهل ستكون حكومتنا الفاسدة كذلك؟

فهم “DO” ما تقصده، فقال متنهدا:

– يمكنك الذهاب الآن

ارتعشت “MEL” بعد سماع تلك الجملة، اعتقدت أنه يقصد طردها من العمل. قالت:

– أيها الرئيس! إن اعطيتني فرصة أخرى… فأقسم… أقسم أنني لن أخيب ظنك مرة أخرى. فقط… فقط فرصة أخيرة.

قال “DO” ببرود:

– لماذا؟

– ما الذي لماذا؟

– لماذا أعطيك فرصة أخرى؟

– هذا… لكي

لم تستطع الرد، فصمتت بخجل. وضع “DO” بطاقة اسمها فوق جانب الطاولة القريبة منها، ثم قال:

– لا أعرف ما الذي كنت تقصدينه، ولا أريد معرفته. هذه البطاقة تؤكد سماح مشاركتك بأعمال الفريق.

تصنمت “MEL” وهي تنظر إلى البطاقة الصغيرة، حولت ناظريها إلى “DO”

قائلة بسعادة:

– أيها الرئيس!!! هل هذا يعني أنني استطيع أن أؤدي وظيفتي الحقيقية!

لم يجب عليها، فأكملت بذات الأسلوب:

– إنني أشكرك حقا أيها الرئيس العظيم “DO” .

تنهد “DO” بضجر، قائلا:

– إن بقيت هنا أكثر من 5 ثوان أخرى، فأعتقد أنني سأرمي بذلك الشيء في سلة المهملات.

لم تغضب “MEL”، خرجت من الغرفة وهي بأكمل سعادتها تفكر برد زملاء فريقها عندما تريهم بطاقة عملها الرسمية.

……..

بينما كان المحقق “EKE” يسير بهدوء في الطابق الرئيسي – الأول – للمبنى، توقف مبتسما عندما لمح هيئة يعرفها جيدا. تقدم نحوه ببهجة، وبحماس مفرط قال:

– يا الهي ما هذه المصادفة الرائعة التي جعلتني أرَ القائد “DO”!

تجاهله “DO” لم يكلف نفسه عناء النظر إليه حتى، واستمر بالسير. لم يهتم “EKE” بتجاهله فهو معتاد على ذلك. بينما يجمع يديه خلف ظهره، كان يسير ببهجة كالأطفال خلف “DO”. توقف الآخر متنهدا بضجر، قائلا دون أن يلتفت إلى الخلف:

– ما الذي تريده أيها المحقق “EKE”؟

قطب “EKE” حاجبيه، تقدم بخطوات ثقيلة ليقف أمام “DO” قائلا:

– ما هذه النبرة التي علت صوتك منذ لحظات… هل تكره رؤيتي إلى هذه الدرجة أيها القائد “DO”؟! وأنا لست “EKE” بل…

قاطعه “DO”:

– قائد؟ أي قائد تتحدث عنه؟ إنني الرئيس “DO”. عليك تثبيت هذه الجملة في عقلك.

– إذا أيها المحقق “DO” هل يمكنك أن…

قُطع حديثه مجددا، عندما قال “DO”:

– أيها المحقق “EKE” عليك النظر إلى أفعالك وأقوالك إذا لم ترد رؤية مالا يسرك.

حدق”DO” إليه بنظرات باردة، ثم أدار ظهره إليه، يكمل سيره. بقي “EKE” حيث هو، ينظر إلى ظهر ذلك الشخص بابتئاس.

بعد سيره لدقيقة واحدة، شعر “DO” بالإعياء فجأة، ودون أن يدرك السبب بدأت يداه ترتعشتان. أخفى يداه في جيبه لكي لا يظهر للموظفين الذين في الجوار أنه يعاني من مشكلة ما. بخلاف ذلك لم يستطع إخفاء ترنح جسده عندما فقد الشعور بحواسه بسبب موجة كهربائية ظهرت من العدم، ودامت لثوان في دماغه. اختفت الموجة سريعا كما أتت وعاد “DO” إلى وعيه، فرأى ذراعه تحمل من قبل ذراع أخرى، حول ناظريه إلى صاحب تلك الذراع، سحبه بقوة عندما رأى المحقق “EKE” ينظر إليه بقلق ممسكا بذراعه خوفا.

– أيها القائد!! هل أنت بخير؟

أغمض “DO” عينيه بقوة يحاول بذلك ضبط وعيه، وبمجرد فتحهما حدق بحدة قاتلة للذي ينظر إليه بقلق. قال:

– اعتني بنفسك فقط أيها المحقق “EKE”

خرج من المبنى وعاد الآخر إلى مكتبه وهو يردد

” إنه مغفل “

……..

في الساعة العاشرة مساء من اليوم الرابع والعشرون من الشهر الثامن.

توجهت “MEL” للقاء “LEK” في مطعم شعبي مُطل على البحر. لم يكن المكان يعج بالكثير من الناس لذلك كان الأنسب ليتبادر الاثنان حديثهما بهدوء. تقدم النادل ووضع أمام كل واحد منهما طبقه. شكره “LEK”، ثم قالت له “MEL” بعد أن ذهب النادل:

– إذا أنت لا تعتقد بأن الصبيان اللذان ظهرا في حلمك، أنا والمتعجرف أليس كذلك؟

نظر “LEK” إلى طبقه، كان مترددا من الإجابة على سؤال “MEL”. بعد تناول نصف مافي الطبق قال:

– لأكون صادقا… لدي شكوكي التي تدعم تلك الفكرة.

– ألم يكن ذلك حلما؟

– بلى.

– إذا لماذا تفكر بذلك كثيرا؟ إنه حلم… حلم فقط

– ظهر ذلك الحلم عندما كنت منوم مغناطيسيا، وهذا يعني أنه شيء مو…

قاطعته “MEL”:

– حسنا لنفترض ما تريد قوله. لكن فكر بذلك ببداهة! أنا وأنت لم نكمل حتى 3 شهور منذ أن تعرفنا على بعضنا. والرئيس المتعجرف لم تقابله سوى مرة واحدة وذلك مؤخرا أيضا. فكيف نظهر في حلم تفترض أنه واقعي ونحن نظهر فيه أننا أصدقاء طفولة!

– لطالما تقولين ذلك فلا استطيع الإنكار. لأنني الشخص الذي لا يتذكر أي شيء.

– من الممكن أن هناك أشخاص في حياتك بذات اسمي أنا والرئيس المتعجرف.

– ربما! أنت محقة. على كل… هل تذكرين عندما سألتك عن الرئيس “DO” ما إذا شعرت بشعور غريب عندما قابلته؟

ارتعشت “MEL” عندما تذكرت ما حصل عندما ذهبت لمقابلة “DO”، ثم قالت:

– أجل، لماذا تسأل فجأة؟

– بعد لقائي به أصبحت الرؤى غير الواضحة، واضحة! غير ذلك أصبحت تظهر بكثرة وتظهر تفاصيل عديدة.

تنهدت “MEL” بصوت عالي. شعر “LEK” بالغرابة فسألها:

– ما بالك فجأة؟

– لقد حصل ذلك معي أيضا…

– ما الذي حصل!!!

– الشعور الذي سألتني عنه.

صدم “LEK” فسأل مجددا:

– ما الذي تتحدثين عنه بالضبط!

– كانت لدي مهمة يجب علي تسليمها للرئيس. بينما أنظر إليه سمعت صوت يردد بـ” عقل الدمى “. ظننت أنه قادم من الرئيس لأنه يبدو تماما كصوته. لكنه لم يكن هو بل كان قادم من صبي صغير.

– صبي صغير!

– أجل. قد أبدو غريبة إذا أخبرتك بذلك…

– أخبريني بكل شيء

– تكرر الصوت وهو يردد بتلك الجملة حتى شعرت بموجة كهربائية تمر من خلال دماغي كسرعة الضوء. لم استطع الشعور بنفسي حتى سقطت على قدمي، وبينما أنا أحاول جمع شتاتي رأيت الصبي أمامي لكنني لم ألمح تفاصيل وجهه جيدا بسبب أن رؤيتي كانت ضبابية. قال لي أمرا غريبا لا استطيع تذكره جيدا. بعدها فقدت الوعي.

– ألا تستطيعين تذكر حتى كلمة واحدة مما قاله!

همهمت “MEL” وهي تفكر، بعد ثوان قالت:

– أعتقد أنه قال شيئا كـ” لنذهب لرؤية مكان ما”

تعجب “LEK” فهذا ما كان حصل له عند لقاءه أول مرة بـ”MEL” وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، أحس باهتزاز رنين هاتفه من جيب بنطاله. ابتسم عندما كان المتصل هو زميله “OM”. أجاب على الهاتف، ولم يلبث بتلك الابتسامة ثوان حتى اختفت وتحول لون وجهه للأصفر. سقط هاتفه من يده، فسألته “MEL” بقلق:

– “LEK” ما الذي حصل!!

كان “LEK” تحت تأثير صدمة ولم يجب عليها. رددت باسمه تكرارا حتى عاد إلى وعيه. نظر إليها بنظرات جامدة وبينما شفتيه ترتجفتان قال:

” إن… إن “C”…”C” قد… قُتل.. “

……..

في مكان وزمن آخر:

في غرفة طعام منزل كبير شعبي: اجتمع الصديقان مع أسرة ذلك المنزل حول مائدة الطعام المليئة بمختلف أصناف الطعام. نظر الوالد إلى ابنته البالغة من العمر 10 أعوام، بابتهاج ليقول:

– على رسلك يا “MEL”!! هل هناك من يتناول الطعام بسرعة هكذا!

قالت الفتاة وفمها ممتلئ بالطعام، حتى تناثر بعضه فوق الطبق:

– إنني جائعة جدا يا أبي… ولست أنا الوحيدة التي تأكل بشراهة، انظر إلى “LEK” إنه يبتلع الطعام كالوحوش.

قال “LEK” بغضب:

– ما الذي تتحدثين عنه يا من تملكين عقل الدمى!

– وهل قلت شيئا خاطئا يا حبة الفول؟

– ألا يمكنك التوقف عن نعتي بذلك!

– لما لا! أنت تبدو كحبة الفول تماما، أليس كذلك يا بومتنا العزيزة “DO”؟

حدق الجميع إلى “DO” المنغمس بالتفكير ولم تمض ثوان حتى ضحك الجميع. قالت والدة “MEL”

– حسنا، يبدو أن “DO” في عالم آخر غير عالمنا كعادته.

ربتت على كتفه بلطف وحنان، شعر “DO” بذلك ثم قال:

– لم يضحك الجميع؟ هل حصل شيئا ما؟

قالت “MEL”:

– هذا هو بومتنا بالتأكيد.

قال “LEK” ساخرا:

– ما الذي كنت تفكر به هذه المرة؟ لقد بدوت كعجوز يفكر بمستقبل أطفاله

ابتسم “DO” بلطف، مما جعل الجميع يرتعش غرابة. فهم لم يروا ابتسامته من قبل أبدا. قالت “MEL”:

– ما بال هذه الابتسامة!!

رد “DO” ببهجة، مبتسما بنقاء:

– لطالما… لطالما كنت أشارك وقتي وسعادتي معكم، كنت أشعر بأنني جزء منكم، وذلك كان يجعلني سعيدا جدا لدرجة أنه… ينسيني من أنا، من أين أتيت وإلى أين سأعود بعد فراقكم. لذلك… لذلك كنت دائما أدعو بأن يتوقف الوقت عندما أكون معكم، لأنني… لأنني لم أكن أريد العودة إلى ذلك الجحيم..

صمت “DO” للحظات، ثم أكمل مبتسما بامتنان:

– لكنني الآن أريد وبشدة أن يمضي الوقت سريعا لكي أعود… إلى ذلك المكان. لأنه لم يعد جحيما، لم يعد مخيفا، لم يعد مظلما، لم يعد خانقا. لأن… لأنه أصبح هناك من ينتظرني بسعادة عندما أعود، من يستقبلني مبتسما، من يسألني عن ما كنت أفعله، من يتبادل معي أطراف الحديث، من يشاركني الأفكار، من ينسيني الماضي

أنا لم أعد خائفا، بائسا، وحيدا بعد الآن لأنني… أنا أيضا أصبحت لدي عائلة مثل الجميع في الخارج. أصبح لدي شقيقي “K”… عائلتي الثمينة بجانبكم.

نهاية الفصل الثاني…



P3. سبب لعدم وجود سبب

الساعة الواحدة مساء من يوم مقتل مهندس النظافة “C”. في إحدى غرف التحقيق:

واضعا قدميه فوق بعضهما، كان ظهره مرتخيا على الكرسي. بعد دقائق من تحديقه للشخص الذي يجلس أمامه، قال بهدوء صوته الأجش:

– إنه لقاء آخر غير مرغوب به… أتساءل إن كانت ستكون هناك ضحية ثالثة قريبة منك أيها المدير “LEK”

رمقه “LEK” بنظرة قاسية و بملامحه الجامدة أفاد بصمته.

حدق فيه “DO” مرة أخرى، تنهد بملل، أخرج قلما من جيب بدلته واستمر بتحريكه في الهواء يمينا ويسارا لدقائق أخرى. بينما القلم لايزال يتراقص في الهواء بين إصبعيه الوسطى والبنصر، قال:

– “C”… ذا الـ35 عاما، كان مهندس نظافة في الـ”HXH”. وجده صديقه المدعو بـ”OM” مقتولا، عندما ذهب لزيارته في منزله. طريقة قتله… حسنا…

ابتسم “DO” بخفة، ثم أكمل:

– لم تكن بذلك السوء.

رمقه “LEK” نظرة قاسية أخرى، ليقول بنبرة هادئة واضح عليها الغضب:

– لم تكن بذلك السوء؟!!

أجاب “DO” ببرود:

– طُعن بأداة حادة في مختلف أرجاء جسده، اقتلعت عيناه، نُقش على لسانه، وأخيرا ثُبتت أطرافه بمسامير على الحائط.

– أهذا لا شيء بالنسبة لك!

– كما تعلم أنا محقق، رأيت الكثير والأبشع من هذا.

حاول “LEK” أن يسيطر على غضبه وقبضته بغلق عيناه وتذكر شيء جيد، استطاع السيطرة على الثانية لكنه لم يستطع مع الأولى بعد سماع ما قاله “DO”:

– تمام الساعة الـ7 و35 دقيقة مساء: تحدثت مع الضحية لمدة 5 دقائق، بعد 20 دقيقة قُتل “C” في تمام الساعة الـ8 مساء. تلك كانت أخر مكالمة له. في الساعة الـ8 و12 دقيقة رصدت كاميرات مراقبة الموقع، سيارتك وأنت تخرج من حي زميلك وفي الساعة العاشرة رصدتها وهي تدخل مجددا.

ابتسم “LEK” ابتسامة جانبية غاضبة، ليقول وهو يصر على أسنانه:

– هل حديثي مع زميلي عبر الهاتف يجعلني القاتل؟

– هل ذكرت شيء كالقاتل؟

– ما الذي ترمي إليه إذا؟

– أنت تحت الإشتباه حتى تثبت الأدلة ضدك… حينها سأطلق عليك بذلك اللقب.

ابتسم بسخرية، ليبادره الأخر الابتسامة بالمعنى ذاته، قائلا:

– هل هذه هي أدلتك فقط أيها المحقق؟ إذا كانت كذلك فلا تتعب نفسك أكثر بالجلوس هنا، وأذهب إلى منزلك لتستريح، لكي أفعل الشيء ذاته أيضا.

وضع “DO” القلم جانبا، جمع يديه ببعض قائلا:

– أعلم ثقتك تلك من أين تنبع… لكن دعني أخبرك أنني لست مغفلا لأتحدث بشيء لم أحقق فيه. أعلم أن السيارة التي خرجت من حي الضحية هي سيارة من إحدى العشرات التي تملكها، اعرتها إلى زميلك “OM” والذي يعيش أيضا في ذلك الحي. حصدنا من استجوابه أنه كان ذاهبا إلى زيارة صديق له وعند عودته قرر زيارة صديقه “C”، لكنه لم يجب على اتصاله ولم يفتح باب منزله، لذلك دخل مستخدما المفتاح الاحتياطي المخبأ داخل صندوق البريد.

– لطالما تعرف هذا إذا لما…

– لم انتهي… ولا يبعد هذا الشبهات عنك. كنت في مبنى الشركة التي تعمل فيها أثناء تحدثك مع الضحية، بعد الخمس دقائق من المحادثة قمت باغلاق هاتفك لذلك لم نستطع معرفة المكان الذي كنت فيه، حتى عادت الإشارة عندما فتحت هاتفك في الساعة الـ9 و40 دقيقة. كنت حينها في مطعم يبعد عن حي الضحية السكني ساعة واحدة. السؤال هو قبل هذا وبعد المحادثة أين كنت؟

– ما الذي تقصده بأين كنت؟

ضحك “LEK” بهُزُؤ، ثم أكمل:

– كنت في مكتب عملي الخاص، الذي يتواجد في الطابق العاشر من مبنى شركة “ENGART” أعمل لمشروعي القادم. بعد ذلك في الساعة الـ8 و30 دقيقة توجهت مباشرة إلى المطعم الذي يبعد ساعة كاملة من مبنى الشركة.

– حقا؟ إذا ماذا عن هذا

أدار “DO” شاشة حاسبه للطرف المقابل

– إنها لقطات مسجلة من كاميرة المراقبة، الأمامية لمبنى شركتك. هذه اللقطة سجلت خروجك من المبنى بعد محادثتك مع الضحية مباشرة. المثير في الأمر أنك لم تقد سيارتك بل استعملت المواصلات العامة.

قال “LEK” بثقة:

– هل تقول أن خروجي هذا يدل على أنني ذهبت إلى حي “C”؟

– لم أكن متأكدا من ذلك حتى أُكد لي الأمر بكذبتك.

– كذبتي!

– ألم تقل أنك خرجت من الشركة في الساعة الـ8 و 30 دقيقة إلى المطعم مباشرة؟ المسافة بينهما بالمواصلات العامة ساعتان كاملتان. لكن إذا ذهبت إلى حي زميلك الذي يبعد 5 دقائق فقط من مقر عملك، واستخدمت مترو الأنفاق ستصل إلى المطعم خلال ساعة واحدة وهذا “كما اعترفت منذ لحظات”. كاميرات مراقبة الحافلة التي ركبتها للوصول إلى الحي السكني للضحية، سجلت ارتجالك منها في تمام الساعة الـ7 و45 دقيقة. المسافة بين محطة توقفك ومنزل الضحية دقيقتان. خلال 12 دقيقة فقط تستطيع ارتكاب جريمتك بكل سهولة.
ابتسم بتهكم، ثم أكمل:
– في الساعة الـ8 و20 دقيقة سجلت كاميرات مراقبة محطة مترو الأنفاق لقطة لك وأنت تدخل إلى المقصورة المؤدية إلى وجهتك الأخيرة – المطعم – من يومك. في الساعة التاسعة والنصف كاميرات مراقبة المطعم سجلت دخولك إليها. المثير للشك هو ذهابك إلى حي الضحية بعد تحدثك معه في الهاتف لمدة خمس دقائق، والآخر هو كذبتك بشأن عدم ذهابك إلى حيه السكني.

– لم أكذب بشأن أي شيء والدليل على ذلك هو وجود سيارتي في مواقف سيارات المطعم، تستطيع التحقق من ذلك.

أظهر له “DO” جميع تسجيلات الكاميرات التي تحدث عنها، بهذا لم يبقى لـ”LEK” مجالا ليدافع عن نفسه. لم يشعر بالخوف على العكس من ذلك كان يشعر بقلق غريب، قلق من عدم تذكر نفسه وهو يسير في تلك الأماكن والطرق. كان متأكدا أنه خرج من المبنى إلى المطعم فورا وبسيارته الخاصة وما يدعم ذلك أنها كانت مركونة في مواقف سيارات المطعم. وهو أتى إلى الـ”HXH” بها.

قال “DO” متنهدا:

– هذا شيء لا يهمني، المهم ذكرته قبل قليل.

حجب “LEK” وجهه بيديه، محاولا التذكر. كيف يعقل أن كل ما سمعه من المحقق كان عنه هو! كيف خرج من الشركة بعد المحادثة مباشرة، ركب الحافلة التي لم يركبها في حياته، ذهب إلى حي زميله، استخدم مترو الأنفاق! إضافة إلى كل ذلك الغريب هو أنه عند خروجه توجه إلى الموقف ليركب سيارته! كيف وصلت سيارته إلى هناك بل كيف كان يعرف أنها هناك! الصدمة التي جعلته يغشى عليه هو استيعابه أنه متهم بقتل زميله المقرب والأدلة التي ضده – كما يعتقد – قوية!

في غرفة المراقبة: كان “DO” واقفا أمام العازل الزجاجي ينظر إلى “LEK”، الذي كان يجلس بصمت مخيف، بعد فقدان وعيه لـ8 دقائق. خلفه في الكرسي كانت تجلس المحققة “FER” وهي تقرأ تقريرا طبيا يخص “LEK”:

– نتيجة لحادث سير تعرض له قبل عام تقريبا، فقد ذكرياته إضافة إلى ذلك أنه ينسى باستمرار ما يفعله.

– هذا غريب

– ما الغريب؟

– يتذكر كل ما فعله قبل المكالمة الأخيرة مع الضحية لكنه لا يتذكر ما بعده حتى وصوله إلى المطعم.

– أتفق معك في هذا

تنهد “DO”، قائلا:

– على كل إنه ليس القاتل

تفاجأت “FER” لتقول:

– حتى بعد كل هذه الأدلة؟

– إنها ليست أدلة ملموسة، نملك أدلة تثبت أنه كان في حي الضحية، لكن لا وجود لأدلة على أنه كان في منزل الضحية. غير ذلك الجريمة تكمل الجريمتان السابقتان، إنها سلسلة جرائم لقاتل متسلسل. وكما الحال لا اشتباه يقع على الذي يدعى بـ”LEK” في السابقتين.

– إذا ما الذي ستفعله معه؟

– إلى الآن سنطلق سراحه.

……..

منتزه “ABANT” المتواجدة في شرق المدينة، كانت تشتهر باطلالتها الخلابة على البحر. في إحدى المقاعد الفارغة رجل في أواخر عقده الرابع، كان يجلس وبجانبه الأيمن حقيبة سوداء متوسطة الحجم تُحمل في اليد. كانت قدماه ترتعشتان وهو يراقب المكان حوله، خوفا من أن أحدا ما يراقبه. بعد دقائق نهض من مكانه يسير مسرعا نحو الجانب الآخر، عندما لاحظ وصول الشخص الذي كان بانتظاره

قال العجوز للفتاة بغضب:
– هل علي دائما أن انتظر كل هذا الوقت! في المرة القادمة لن… بل لن تكون هناك مرة قادمة، لأنها المرة الأخيرة التي سأتعاون فيها معكما. خذي هذه النقود اللعينة خاصتكما وارحلي.

بينما تأخذ الحقيبة، قالت الفتاة:
– من يريد التعاون مع من؟ أنت لن تستطيع العيش بدون المال الذي نصرفه عليك.
– وأنتما لم تكونا لتجنيا ذلك المال لولا مساعدتي
بحدة وبنبرة تهديد أردفت الفتاة:
– كل ما تفعله هو اتصال واحد، بينما نحن من نخطط لكل شيء من البداية حتى النهاية. لذلك لا تتفاخر بشيء يستطيع حتى الأحمق فعله. على كل لا أريد رؤية وجهك البشع مرة أخرى لذلك لا تظهر أنت أمامي في المستقبل… وأيضا إن أخرجت كلمة واحدة من فمك الملتو هذا أي شيء للشرطة، فأعدك أنني سأقوم بقطعه إلى أشلاء.
……..

في الجانب المملوء بالنباتات من الطابق الأخير لمبنى “HXH”: وضعت المحققة “FER” كوبين من الشاي ثقيل الطعم، فوق الطاولة. بينما هي تحتسي خاصتها ببطء، كان “DO” يسقي أزهاره المفضلة. بعد لحظات قالت “FER”:
– أول ضحية هو “L” نحره القاتل ونقش على صدره -صوب قلبه- بالشيفرة “BN8”. وذات الواقعة مع ثاني ضحية “A” إجتثّ قلبه، نقش على جفنيه بالشيفرة. وضحية الأمس مهندس النظافة “C” اجتثت عيناه ونقش على لسانه بالشيفرة ذاتها.
في كل مرة يقوم فيها بنقش الشيفرة على عضو ما، سيكون هو التالي الذي سيجتث من الضحية الجديدة. ما لا أفهمه هو لماذا يسرق الأعضاء البشرية بعد اجتثاثها؟ هل يتاجر بهم؟ لكنني لا أعتقد ذلك أيضا.
ارتشفت رشفة من الشاي، ثم أكملت:
– شخص يعذب ضحاياه بوحشية، يعلق جسدهم في الحائط كالتحف، يترك خلفه شيفرة غريبة لن يفعل ذلك فقط من أجل سرقة وبيع الأعضاء البشرية.

جلس “DO” في المقعد المقابل، أمسك كوبه وأخذ يحرك ما بداخله يمينا ويسارا بهدوء، احتسى منه القليل، ثم قال:
– هل تعلمين أيتها المحققة “FER” لما أفضل قضايا القتل المتسلسلة؟
– لم أكن أعرف أنك تفضل هذه القضايا!
– لأنها تشبه ألعاب الصيد التي تنتهي بدخول الفريسة إلى مصيدة الصائد.
– إذا من هو الصائد والفريسة بنظرك؟
– يضع الصائد الطعم ليجذب الفريسة إلى شباك الفخ، لكن ذلك لن ينجح في كل مرة لماذا؟ لأنه لا يسهل القبض على جميع الفرائس. كذلك مع جرائم القتل المتسلسلة… يترك القاتل خلفه أثارا لاستدراجنا إلى المفهوم الذي يريد إيصاله، وبعدها يُحكم قفل المصيدة، لكن هذا لم يحدث ولن يحدث معي أبدا، لماذا؟ لأنني أنا الذي من سيضع القاتل في فخه، وأقفل مصيدته عليه.

……..


كان “LEK” يجلس في مقعد الاستشارة وأمامه الطبيبة “LEE” تسأله بملامحها الجادة:

– إذا متى ظهرت النوبة وعن ماذا كانت؟
أجابها “LEK” بنبرة واضح عليها التعب:

– بينما كنت في مكتبي أكتب تقريرا لبحثي الجديد، ظهر الأمس، شعرت بصداع شديد، وغثيان مقلق والشعور غير المريح كالعادة. بعدها ظهرت النوبة اللعينة

– ما الذي ظهر فيها؟
– فتاة في الـ12 من عمرها تبكي أمام منزل كبير شعبي، يحترق.

– بعدها؟

– بعدها… كان المطر يهطل بغزارة في الليل… لوحة اعلانات كبيرة كتب عليها
” عام 1998 سيكون عام ولادة الآساطير “

لم استطع قراءة ما كتب بعد ذلك… لكن ذلك لم يكن المهم بل… المهم كان تحت تلك اللوحة الكبيرة.
– ما الذي كان هناك؟
– على الأغلب أنه كان حادث سير اصطدام سيارة صغيرة بشاحنة نقليات. في السيارة الصغيرة، زوجان مصابان بشدة. بينما كانت يداها ترتعشتان اخرجت المرأة المصابة هاتفها وقامت بمهاتفت احدهم. كانت نبرات صوتها متقطعة وغير مفهومة لكن ما فهمته بعد تركيب الجمل، أنها كانت تردد بشيئان.
– ما هما؟
– الأول… الملاحظة السوداء
– والثاني؟
أجاب “LEK” بنبرة راجفة:
– ” اعتني بطفلنا “LEK “
تنهدت الطبيبة، وقبل أن تنطق بحرف، قال “LEK” وهو يذرف الدموع:

– أرجوك أيتها الطبيبة أخبريني ما كل هذا… لماذا تستمر تلك النوبات بالظهور؟ لماذا استمر برؤية أمور غير معقولة! إنها ليست ذكرياتي المفقودة أعلم ذلك… لأن والداي توفيا قبل 3 أعوام بسبب فايروس قاتل. الفتاة والصبي اللذان ظهرا في حلمي ليسا من أعرفهما الآن… لأنني اتممت كل مراحل دراستي في مدارس للفتية فقط. إن لم تكن ذكرياتي إذا ماهي؟ لماذا استمر بالمعاناة هكذا.
– لقد طلبت منك مسبقا أن تلقي أهمية لمدة استمرار النوبة أليس كذلك؟
– أجل
– هل تستطيع تذكر وقت إحداهم؟
– في الواقع أجل… خلال 3 نوبات سابقة، كانت من دقيقتان إلى ثلاث.
– هل تستطيع وصف الشعور الذي كنت تشعر به قبل ظهورها؟
– شعور بالقلق والخوف دون مبرر، وأحيانا أشعر بالسعادة والبهجة دون مبرر أيضا! أعلم أن ما أراه غريب لكنني أشعر… أنني شعرت به من قبل، كيف أصف لك الأمر… إنه كالديجافو
ابتسمت الطبيبة براحة، ثم قالت:
– كنت أشك في تشخيص حالتك سابقا، لكنني الآن استطيع أن أقول أنك تعاني من مرض عصبي يدعى بالنوبة البؤرية أو الصرع الجزئي، إنه نوع من أنواع الصرع حيث ينشأ في الفص الصدغي للدماغ. يحدث ذلك لأسباب أحيانا يصعب الوصول إليها، لكن عموما مسببها هو نتيجة ارتفاع النشاط الكهربائي في الدماغ.
– إذا هل المشاعر الغريبة التي اشعر بها قبل حدوث النوبة، الأصوات والأشياء الغريبة التي اسمعها و أراها … هل كل ذلك بسبب هذا المرض؟

– حتى الآن، أجل.

– ما سبب ذلك المرض تحديدا؟ ألا تعرفين ذلك حقا؟

– إصابة الرأس بأي شكل من الأشكال، السكتات الدماغية، أو إلتهابات الدماغ وإصابات في تركيبها، قد تكون أوراما وأيضا…

صمتت الطبيبة بينما تحدق في “LEK” بغموض. شعر الآخر بالقلق، فسأل:

– لماذا… هذا الصمت فجأة…

– تعلم أننا أجرينا عدة فحوصات شاملة لك، منذ وقت ليس بالبعيد

– أجل، وماذا في الأمر؟

– كل شيء فيك بما فيه رأسك الذي تعرض لخطر الحادث… بخير

– إذا هل تقولين أن دماغي لا شبهة فيه؟

– أجل

– ما سبب هذا المرض إذا!!

– كثيرا ما يكون المرض مجهول السبب وليس له سبب واضح…

– ليس له سبب واضح!!

– سنأكد الأمر مجددا بعد الفحوصات الجديدة.

– ماذا…

بلع “LEK” ريقه خوفا، ثم أكمل:

– إن كان كما قلتِ… لا سبب واضح له…

– حينها لا شيء استطيع فعله.
……..

” كل شيء يحدث، يحدث بسبب… لذلك أنا متأكد أن عدم وجود سبب واضح لهذا المرض، له سبب.

لذلك… لذلك سأكتشف ذلك السبب بنفسي، وأتحرر من هذا العذاب والألم، حتى وإن عنى ذلك التضحية بكل ما أملك… حتى إن عنى التضحية بروحي وحياتي. “

نهاية الفصل الثالث …



p4. سؤال بلا جواب


في الحديقة الخلفية لمدرسة ” سوزين ” الابتدائية:

كان الأصدقاء الثلاثة بينما يتناولون وجبة الغداء، يتبادلون أطراف الحديث. كمثل كل يوم: كان الصبي الصغير “LEK” يُقلد بسخرية، ممثلو الأفلام. لم يكن صديقيه المقربين، يظهران أي ردة فعل لسخافته، على عكس ذلك كانا يسخران منه. بينما تقوم بإخراج علبة طعامها من حقيبتها، قالت “MEL”:

– هل سمعت يا “DO” عن الشخص الذي ربح بلقب باندا الفصل؟

أجاب “DO”، وهو ينظر لـ”LEK”:

– و هل هناك أحدا ما لا يعرف ذلك الأحمق، شبيه حبة الفول!

– أو تعلم أيضا! أنه خسر في مسابقة الرياضيات، بفارق 20 علامة عن الفائز بالمركز الخامس!

– كنت أعلم بأنه أحمق، لكنني لم أعتقد أنه بهذا السوء!

– في بعض الأحيان أشك أنه ابن عالم أخترع الكثير من الاختراعات العظيمة

– يبدو أنه طفل متنبي!

– هذا معقول

بعد سخريتهما استمرا “MEL” و “DO” بالضحك، توقفا بفزع عندما رأّيا مكنسة مصنوعة من القش موجهة أمامهما. قال “LEK” الذي يوجه ذلك لهما، بنبرة تهديدية:

– يا من تملك عقل الدمى، وأنت يا البومة القبيحة… كم مرة أخبرتكما فيها أن تتوقفا عن السخرية بي! و إن لم تفعلا… سأقوم بضربكما.

تجاهله كل منهما واستمرا بالضحك مجددا. أصر “LEK” على أسنانه حنقا، ليقول:

– هل تتجاهلانني الآن! هل أنتما تصنفان من ضمن الأصدقاء أم تصنفان من ضمن الأعداء!

بهزل قالت “MEL”:

– هل تعرف المقولة التي تقول: أن الأعداء في البداية سيصبحون أصدقاء في النهاية وأن الأصدقاء في البداية سيصبحون أعداء في النهاية.

ببراءة سأل “LEK”:

– وماذا نكون نحن الآن؟

حدقا “MEL” و “DO” في بعضهما وأخذا يضحكان مرة أخرى، ليصرخ “LEK” قائلا بغضب:

– ها أنتما ذا تسخران مني مجددا!! لقد عرفت الإجابة أشكركما. والآن وداعا سأعود إلى الفصل حيث زملائي اللطيفون.

سار “LEK” ليبتعد عنهما نصف المسافة، توقف للحظة أملا أنهما سيوقفانه ولكن كالعادة لم يفعلا، لذا عاد إليهما بخطواته التي تضرب الأرض بسخط. هذا ما كان يحدث كل يوم في ذلك الوقت، إنه أشبه بالروتين الذي يصعب عليهم التخلي عنه. “LEK” كان يعلم أنهما يسخران منه ليعبثا معه فقط، لذلك يظهر لهما ردة فعل تجعلهما يضحكان. فسعادة من يحبهم هو كل ما يتمناه ويريده.

بعد الضحك والمسرحية التي أحدثها “LEK” تناول الثلاثة غدائهم. بفمه المملوء بالطعام سأل “LEK” قاصدا “MEL”‘ :

– هل تعرفين ما الذي حدث مع…

قبل أن يكمل جملته، تلقى ضربة خفيفة على كتفه من “DO”

– ألم أخبرك بألا تتحدث وفمك مملوء بالطعام!!!

– اعتذر… يا سيدي… على كل كنت أريد أن أقول هل تعرفين ما الذي حدث مع زميلتك التي تدعى بـ”EMMA”؟

تنهدت “MEL” ثم قالت:

– أشعر بالأسف تجاهها… تعلمان… تغيبت عن المدرسة بسبب اختفاء والدها، وحتى الآن لم يجداه.

قال “LEK”:

– سمعت إشاعات تفيد أن والداها عضو من منظمة إجرامية، واختفاؤه على الأرجح بسبب هذا.

– هل تعتقدان بأنه أرسل لتنفيذ مهمة خطيرة!

– إن كانت الإشاعات صحيحة فلا أستطيع قول أي شيء، ففي النهاية إنها منظمة إجرامية تستطيع فعل أي شيء يضر غيرها ونفسها.

– مهما تعددت المنظمات تلك، فستبقى المنظمة الإجرامية الوحيدة، التي يرهب منها الجميع هيا منظمة “SAGA”

– الآن بمجرد ذكر اسمهم قشعر جسدي.

تنهد الاثنان، ونظرا بحيرة إلى “DO” الذي لم يشارك حديثهما، كان من الغريب لشخص يحب الحديث بهذه الأمور أن يبقى صامتا! سأله “LEK” :

– لما هذا الصمت يا صديقي؟

لم يجب عليه “DO” وبقي يداعب ورق العشب. لم يُعجب الاثنان بصمته، فاستمرا بسؤاله مرارا وتكرارا لينهض “DO” من حيث كان يجلس:

– آسف يا رفاق علي الذهاب إلى مكان ما.

صرخ الاثنان معا:

– الآن!!

أجاب “DO” بينما يقوم بجمع حاجياته:

– أخبرا المعلم بأن أمرا طارئا قد حدث فجأة… أراكما غدا.

– لكن… انتظر… إلى… أين أنت ذاهب!!

تجاهلهما “DO” وسار مسرعا نحو المخرج. بقي الاثنان خلفه بحيرة، فأخذ “LEK” يحاكي مجددا بطريقة ساخرة، دور إحدى الممثلين:

– ما بال هذا الصديق فجأة! هل تذكر الشبح الذي يقنط في غرفته وذهب ليقاتله

تنهدت “MEL” وقالت بضجر:

– ألن توقف سخافاتك هذه أيها السخيف

– لكن حقا… ما الذي جعله يذهب مسرعا بهذه الطريقة!

– لا أعلم، لكن ما أعلمه أنه يتصرف بغرابة مؤخرا. أتذكر ذلك اليوم الذي تحدث فيه عن أشياء غريبة، كالغابات والمقنعين… لا أذكر ما كان يقوله جيدا، لأنني كنت مشغولة بكتابة الواجب.

ضحك “LEK” قائلا:

– أنا لم أستمع إليه مطلقا.

توقف عن الضحك عندما حملقت فيه “MEL” بنظرات حادة، بعد ثوان امتثلت هي الأخرى الدور، قائلة بنبرة جادة:

– إنه دائما ما يتحدث عن أمور غريبة… لدي نظرة مستقبلية تخبرني بأنه سيصبح محققا أو مجرما.

لم يصدق “LEK” أنها لم تسخر منه وعلى عكس ذلك، شاركته سخافته، فقال بسعادة محاكيا الدور مجددا:

– ماذا إذا أصبح مجرما وهو محقق!

– ذلك سيكون أكبر جرما من جريمته.

……..

كان المكان يعم بالفوضى داخل إحدى أقسام مركز الشرطة، القابع في نهاية قطاع مدرسة ” سوزين ” الابتدائية.

محقق يقوم باستجواب يافعا، محقق آخر يصرخ على ثلاثة مراهقين، ومحقق منشغل بالملفات التي فوق طاولته. خلال هذه الفوضى: صبي صغير يقف بقلق، باحثا عن أحدا ما. وقعت عيناه على المحقق الذي يرتب الملفات، توجه نحوه ببطء، توقف أمامه مباشرة، بصوته المنخفض خرجت كلماته بشكل غير مفهوم:

– لقد… رأيته… يقوم…بقتله

لم ينتبه المحقق بتواجد الصبي الصغير.

– تلقى 3 طعنات في قلبه.

أغلق المحقق الملف ضجرا، تنهد بتعب، عندما حول ناظريه للأمام لاحظ صبي صغير يحدق فيه بعينين حادتين. بتلوية شفتيه قال المحقق له:

– من تكون أيها الصغير؟

– لقد أخبرتك أنني رأيته

– رأيت ماذا؟

– رأيته يقتل والد “EMMA”

تنهد المحقق ليقول بفظاظة:

– عد إلى منزلك أيها الصبي فلا أملك الوقت لأنصت فيه إلى خيالاتك.

– إنها الحقيقة!! لقد رأيت ذلك بنفسي

– أجل، أجل لقد رأيته في منامك

– أخبرك بأنني رأيته يُقتل… ألا تفهم ما أقوله أيها العجوز!!

المكان الذي كان يعج بالضجة، أصبح ساكن بعد صراخ الصبي. التفت إليه الجميع بحيرة. غضب المحقق وبنبرة تهديديه قال للصبي:

– أيها القزم! ألا ترى أنني منشغل بأمور هذه الحياة التافهة، لذلك لست بحاجة إلى سماع تفاهتك أنت أيضا.

– لماذا لا تصدقني أيها العجوز… ألا تبحثون عن والد “EMMA” وها أنا أخبرك بأنني رأيته…

– اذهب من هنا إن لم ترد أن تتعفن في السجن

– لماذا لا تص…

لم يكمل جملته بسبب الشخص الذي امسك بكتفه من الخلف فجأة. التفت إليه الصبي فوجده ينظر إليه مبتسما. بأسلوب لطيف قال له:

– مرحبا أيها الصبي الرائع، هل يمكننا أن نتحدث أنا وأنت، ونترك هذا السيد العجوز يعمل.

وافق على ما بادر من المحقق، فتوجها إلى مكتب يقبع في نهاية زاوية الغرفة. جلس المحقق في كرسيه ليجلس الآخر مقابله. بابتسامة لطيفة من المحقق الشاب قال للصبي:

– ادعى ب “DS”. كما ترى إنني محقق، تستطيع إخباري بما كنت تريد قوله للمحقق العجوز. قبل ذلك هل بإمكانك إخباري باسمك؟

– “DO”

– حسنا يا “DO” الآن أخبرني بكل شيء

– الرجل الذي اختفى هو والد زميلة لي في الفصل تدعى بـ”EMMA”. كنت عائدا إلى المنزل بعد انتهاء الدوام المدرسي. بينما انتظر وصول الحافلة في محطة الانتظار، سمعت شخص يتحدث عبر الهاتف بأمور غريبة

– هل تستطيع تذكر ما قاله؟

– أجل. قال ” انتظروا هناك سآتي الآن، كما أمر الكبير أنا من سيقوم بإنهاء حياته ” ما قاله جعلني أشعر بالفضول لذلك قمت بملاحقته سرا. ارتجل الرجل من الحافلة في نهاية الطريق المؤدي للغابة الشرقية، ثم سار لوحده في الظلام حتى وصل إلى بداية الغابة. كنت أسير خلفه بهدوء لذلك لم يشعر بي. استمر بالسير حتى وصل إلى نقطة بعيدة داخل الغابة المظلمة ثم تقابل مع شخصين آخرين كانا بانتظاره.

– هل كانوا 3 فقط؟

– أجل

– ماذا حدث بعد ذلك؟

– تحدثوا لوقت قصير خلال ذلك رأيت رجلا ليس كبيرا وليس صغيرا في العمر، طريح الأرض. يداه كانتا مقيدتان بينما هو كان فاقدا للوعي. أخرج الرجل الذي اتبعته، خنجرا من جيبه الخلفي ثم طعن قلب والد “EMMA” ثلاثا. ارتعبت ولم أعلم ما الذي يجب علي فعله… لذا اتخذت سبيل الهرب.

– هذا يعني أنك لم ترى ما الذي فعلوه بالجسد، صحيح؟

– أجل

– كيف تأكدت أنه والد زميلتك؟

– لقد رأيته ذات مرة مع “EMMA” في يوم اجتماع الوالدين لمدرستنا.

– أنا أصدق كل ما تقوله، لذلك هل يمكنك مساعدتي بالعثور على أولئك المجرمين

ابتسم “DO” بسعادة، ليقول:

– هل أستطيع فعل ذلك حقا أيها المحقق “DS”؟ هل أنا من سيقوم بمساعدتك؟

– أجل. أنت من سيساعدني يا “DO”

……..

2018…

بقدميه المصابتين كان الرجل يهرول بخوف بين أشجار الغابة الشرقية الكثيفة. الغابة الشرقية تصنف في المركز الأول كأكبر غابة في العالم، وهي أكثر الغابات رعبا. وقعت فيها العديد من الجرائم التي لم يقبض على فاعليها، إضافة إلى أن العديد من الحيوانات المفترسة تعيش هناك، هذا بجانب أشجارها الضخمة العملاقة، التي تقوم بحجب ضوء الشمس و القمر عنها، كونت سببا لعدم ذهاب الناس إليها.

بعد نجاحه في الهروب من المجرم الذي حوله إلى ذلك الوضع، كان الرجل المصاب يقف خلف إحدى الأشجار ليلتقط أنفاسه. كان يرتعش خوفا كلما تذكر نظرات المجرم الحادة وهو يلقي بسلاحه الغريب على قدمه.

” هل سأستطيع الخروج من هذا المكان بسلام؟ هل سأستطيع العيش؟ “

– لا تفكر بذلك.

سقط الرجل أرضا بفزع عندما سمع همسا يردد بتلك الكلمات من خلفه. كان يعلم لمن تكون، ويعلم ما الذي يقصده بها. حدق إلى الشخص الذي يقف أمامه ممسكا بين يده اليمنى أداة دائرية صلبة تشبه القنبلة اليدوية.

– أرجوك… لا تقم بقتلي…

ارتعب الرجل أكثر عندما تقدم المجهول نحوه وهو يردد:

– لقد أخبرتك بذلك سابقا… أن تتخلص من الجثة بشكل جيد إن لم ترد اللحاق بها

لم تنفذ أمري بالشكل المطلوب لذلك يجب علي تحمل مسؤوليتي ومعاقبتك

– لا… لا… لا تفعل أرجوك.

دقيقة، دقيقتان، خمس دقائق، عشر دقائق، نصف ساعة استمر فيها الشخص بتوجيه سلاحه إلى رأس ضحيته دون رحمة. بعد انتهائه تنهد براحة وهو يحدق في الفجوة التي أحدثها في رأس الرجل. ابتسم وهو يردد بخبث:

– للبعد الأقرب من هو التالي؟

نهاية الفصل الرابع ...



P5. مهووس الرقم 8

قيل في إحدى العوالم القديمة ” أن نهاية كل شهر هو بداية طريق جديد من حياة البشر نحو السعادة ” ماذا إذا عكس تلك المقولة، بمقولة عالمنا:

” تنبع كل بداية جديدة من نهاية بداية أخرى، وتستمر البدايات بالبدء من تلك النهايات، لكن الحقيقة هي أن النهايات لا نهاية لها حتى لو كانت نهاية لبداية جديدة، لأن النهايات خيط واصل بين بدايات النهاية، والبدايات الوسطية حتى البداية النهائية التي لا نهاية لها “

اليوم الأول من الشهر التاسع، عام 2018:
ورد للمحققة “FER” بلاغا من قيادي الشرطة العامة، عن وقوع جريمة قتل مشابهة لجريمة قتل الضحية “L” – مقطوع الرأس- . صاحب البلاغ الأول كان عاملا يعمل في شركة نشر. عند نقل البضائع الجديدة إلى مخزن الشركة، رأى جثة شخص مغطى بالدماء، مثبت في الحائط على هيئة الحرف “X”. بعد منتصف الليل من اليوم، عاد “DO” من موقع الجريمة إلى غرفة التحقيق الخاصة به، غرب الطابق الأخير من مبنى “HXH”. كانت الغرفة شبه فارغة من المفروشات، يوجد في منتصفها طاولة مستديرة كبيرة، شاشة لوح عريضة، ضخمة تمتد من يسار الغرفة إلى يمينها، وبضعة حواسيب أخرى في الجانب الشمالي. في الحائط الجنوبي حيث البقعة التي يضم فيها “DO” استنتاجاته الورقية عن القضايا التي يحقق فيها

” أسماء الضحايا، وظائفهم، طرق قتلهم، تاريخ موتهم، الأدلة التي جمعت من مواقع الجريمة ” وما شابه من هذه الأمور. بالقرب من الحائط كانت هناك لوحة شفافة عريضة، وضع فيها “DO ” تساؤلاته التي لم يصل إلى إجاباتها بعد

” دافع القاتل من ارتكابه للجرائم، عمره وجنسه، سبب اختياره لأولئك الضحايا، معنى ” “BN8” وما شابه من هذه التساؤلات.

كانت “FER” تجلس في الكرسي بجانب الطاولة المستديرة، تستمع إلى استنتاجات “DO” الأخيرة، والذي بدوره كان يقف أمام الحائط الجنوبي، يربط بين الأحداث الجديدة والقديمة من خلال الملخصات الورقية.

– الضحية الأولى هو “L” رجل أتمم عامه الـ35. يعمل بوظيفة ومنصب جيد يكتسب منها قوته ليرعى والدته وجده. كما شهادة والدته: كان رجلا جيدا لم يؤذي أحدا ليكن ضده الضغينة. قُتل في اليوم الثامن، من الشهر الثامن لعام 2018 في تمام الساعة الثامنة مساء، تحديدا في يوم السبت الممطر. دون أي أضرار أخرى، اجتث رأسه عن جسده بحركة واحدة من منشار يدوي. كما الأدلة سحبه القاتل من قدميه إلى الحفرة التي اعدها لدفنه، ثم أحمى أداة نحت بشعلة لينحت على قلب الضحية، الشيفرة “BN8”. بعد انتهاء الدفن و وضع علامة مشبوهة على الحفرة، أخذ الرأس الذي قطعه وترك مسرح الجريمة وراءه خاليا من أي دليل. المطر الذي كان يهطل في تلك الليلة ساعده على محو آثاره جيدا.

الضحية الثانية “A” رجل في الـ38 من العمر، لديه عائلة صغيرة مكونة من طفله الصغير و زوجته الشابة. لا شكوك حوله وحول تصرفاته وكما شهادة الزوجة لم يتدخل بأعمال تضره هو و عائلته. في يوم الأحد 2018/8/16. حدود الساعة السابعة مساء، سلك الطريق العام من منزله إلى مركز التسويق، عابرا إحدى الأحياء السكنية القديمة ومن هناك اختفى اثره تماما. بينما كانوا جنودي يحرسون منزل المتهم “H” اكتشفوا صدفة وجود جثة في قبو المنزل، والذي اُكد لاحقا أنه عائد إلى “A”.

قام القاتل بطعن ضحيته في أرجاء مختلفة من جسده، بأداة حديدة يرجح أنها نوع من أنواع السيوف الصغيرة. ضُرب الضحية حتى فقد وعيه ثم عُلق جسده على الحائط، بعد استيقاظه نُحتت الشيفرة على جفنيه، وشُق صدره إلى نصفين لينهب قلبه. المثير في الأمر أن ذلك حدث والضحية واع لما يحدث له. كان الوقت المقدر لوفاته تمام الساعة الثامنة مساء. الضحية لا تربطه أي صلة بـ”H” حتى أنهما لا يعيشان في الحي ذاته… فكيف إذا وصل إلى منزله؟ بل كيف استدرجه القاتل إليه؟ ليس عن طريق مخدر أو ضربة قوية في الرأس تفقده وعيه لأن لا وجود لأدلة تثبت ذلك، بل لا يستطيع فعل ذلك في طريق يذهب ويأتي به الجميع… هذا يعني أن الضحية ذهب بإرادته مع القاتل إذا لما؟ هل كانا يعرفان بعضهما؟ أم استدرجه القاتل بحجة ما إلى سيارته وهناك ضربه حتى أفقده الوعي ثم أخذه إلى منزل “H” ليُتم جريمته؟ بأخذ عمر الضحية في الاعتبار فلن يذهب خلف أحدهم بسبب حجة إلا إذا كانت قوية جدا. وهناك احتمالان توضع في هذه النقطة: الأولى: الحجة قوية بما تكفي لاستدراج أي من كان. الثانية: القاتل راقب ضحيته وعلم عنه تفاصيل خاصة بحياته من ضمنها الحجة التي استدرجه بها. حدسي يخبرني أن النقطة الأخيرة هي الصحيحة ما يدعم ذلك هو ارتباط المتهم “H” بالقضية. لن يعرف القاتل أن “H” قتل أربعة أشخاص، وأنه قيد التحقيق في الـ”HXH” ما لم يكن يراقبه عن كثب. وكما الحال لن يعرف نقطة ضعف “A” مالم يكن يراقبه أيضا.

قالت “FER”:

– قُتل “A” بينما كان “H” خلف قضباننا، وبهذا لن تقع التهمة عليه، لذا لا أعتقد أن إخفاء جثة الضحية في منزل “H” له أي معنى.

قال “DO”:

– على العكس… المعنى كله يبدأ من تلك النقطة. القاتل يعلم بأننا نحقق في قضية “H” واذا وجدنا جثة في منزله هذا يعني بأننا في البداية قد نعتقد أنها جريمة أخرى قام بارتكابها، لكن بعد التحقيق ستثبت براءة “H” وكلانا نحن والقاتل سنتوصل إلى سبب آخر من هذا الفعل وهو المعنى الذي يريد إيصاله لنا. لتوضيح المعنى أكثر وتأكيده لنا، قتل “C” ذا الـ34 عاما، مهندس نظافة في الـ”HXH”. ليست لديه عائلة سوى خطيبته التي كان من المقرر عقد قرانه بها بعد شهرين. قُتل في منزله حيث يعيش وحيدا، طُعن أولا في أرجاء مختلفة من جسده بأداة مشابهة للتي استعملت في الضحية السابقة، ثم عُلق جسده في الحائط بذات الهيئة الأولى للضحية الثانية. بينما كان بوعيه، يتألم وينزف، نحت القاتل على لسانه الشيفرة “BN8” وأخيرا سلب منه عينيه ليموت بعدها في تمام الساعة الثامنة مساء، الاثنين من تاريخ 2018/8/24.

لم تكن هناك كاميرات مراقبة خارج منزله أو بالقرب، ولا وجود لبصمات أصابع ولا نفثات صغيرة سقطت من القاتل داخل المنزل. شهد زميله “LEK” أن “C” أخبره ذات مرة بأن أحدا ما يراقبه. القاتل راقب ضحيته وجمع عنه كل المعلومات اللازمة ليقتله مستفيدا بذلك توصيل المعنى الذي يريده.

– إذا ما هو ذلك المعنى؟

– يريد أن يتحدى قواي… قوى “OH”

– تحدي!!

– أولا: استغل “H” لأن قضيته نحن من يشرف عليها، ثانيا: استغل الضحية التي في منزله لأن بعد تولينا التحقيق في تلك القضية، سنتولى التحقيق على غيرها من القضايا الشبيهة وذلك كان “L” أول ضحية، حيث دفنه تحت شجرة صغيرة وترك فوق الحفرة حجرا مثيرا للشبهات، ليلفت الانتباه. ثالثا: مهندس النظافة “C” من يعمل في الـ”HXH”. كل هذا يدل على شيء واحد، وهو كما ذكرت منذ لحظات.

القاتل بالتأكيد يعلم بأننا سنعرف ماهية تحديه السخيف، وليظهر جانبه الرائع -كما يعتقد-، قتل شخصا آخر اليوم. “N” رجل في أواخر عقده الثالث، يعيش حياة لا بأس بها مع زوجته. كان يعمل كرئيس تحرير ويتلقى راتبا عاليا، لم يكن يعاني من أي شيء أو لديه شكوك ضد أحدهم. وجدت جثته في مستودع شركته التي يعمل فيها. كان هو الآخر معلقا في الحائط على هيئة الحرف “X”. قبل ذلك تعرض للطعن في كامل أرجاء جسده بالأداة التي تشبه السيف. نحت القاتل على جانب أذنيه الخلفية، الشيفرة “BN8” قطع لسانه وهرب به. وقت وفاته يقدر في الساعة الثامنة تماما. بحسب أقوال زملائه فقد ترك المكتب ليذهب إلى المنزل، ولم يخبرهم أنه ذاهب إلى المستودع. بل هو بالفعل لم يكن ذاهبا إلى المستودع لكن القاتل استدرجه إلى هناك بحجة أخرى من حججه.

قالت “FER”:

– لولا معرفتي أنه مدير تحرير، لكنت سأقول أنه ذهب للمستودع قبل خروجه من الشركة لتفقد المكان أو للتحدث مع العاملين، لكن شخص بمنصبه لن يفعل ذلك.

– صحيح. و الأدلة التي معنا لا ترمي شبهة على أي شخص من داخل شركة “N” لأن القاتل هو قاتل متسلسل قتل 3 أشخاص غيره في مواضع لا ترتبط ببعضها.

تنهدت “FER” ثم قالت:

– القاتل دخل إلى شركة مليئة بكاميرات مراقبة وارتكب جريمته دون خوف حتى من كاميرة المراقبة لباب المستودع! بعد النظر في التسجيلات لم أرى أي أحد يدخل إلى المستودع في ذلك اليوم سوى الضحية نفسها. هذا إن دل على شيئا ما فسيدل على أن التسجيلات تم التلاعب بها، لذا طلبت من الخبراء الاعتناء بهذا. لكن الغريب في الأمر هو أنهم حتى بعد العمل والإجراءات المطلوبة لم يصلوا إلى التسجيل الأصلي!

بابتسامة جانبية ملتوية، قال “DO”:

– القاتل يعرف أن تحقيقنا سيصل إلى حقيقة التلاعب بالتسجيلات وسنحاول استرجاعها، لكننا ببساطة لن نستطيع . الضحايا الثلاثة كان يراقبهم وقتلهم في أماكن معزولة، لا كاميرات مراقبة فيها لكن ضحية اليوم قتله في مقر عمله داخل مبنى ملئ بالناس و بالكاميرات! نحن الـ”OH” لن يعقنا أي شيء لفعله لكن ماذا عن تسجيلات كاميرات مراقبة حذفت؟ ألن نستطيع استعادتها بكل سهولة؟ يا للسخرية صحيح؟ أجل بالضبط هذه هي النقطة التي يريد أن يصل لها القاتل، يريد أن يظهر أنه الأقوى والأذكى ونحن لا شيء أمامه.

نهضت “FER” من الكرسي وتوجهت لتقف أمام الحائط الجنوبي، بجانب “DO”، أخذت تمعن النظر إلى الاستنتاجات الورقية، لحظات من التفكير حول الذي التقطته عيناها، قالت:

– بالنظر إلى هذه الفوضى الورقية التي أراها الأن، الشيء الآخر الذي استنتجته هو تحركات القاتل! الضحية الأولى وقع في تاريخ “2018/8/8” تمام الساعة الثامنة مساء. الضحية الثانية “2018/8/16 ” تمام الساعة الثامنة مساء.

الضحية الثالثة “2018/8/24” في تمام الساعة الثامنة أيضا، وضحية اليوم قُتل في تمام الساعة الثامنة مساء “2018/9/1”. بدأ جريمته في اليوم الثامن، من الشهر الثامن، في تمام الساعة الثامنة مساء، بعدها بـ8 أيام قتل شخص آخر في تمام الساعة الثامنة. وهكذا مع باقي الضحايا، بينهم 8 أيام كفاصل للضحية القادمة، ويقتلون في تمام الساعة الثامنة. وأيضا! في الشيفرة التي يضعها كل مرة في إحدى أعضاء الضحايا الجسدية يوجد الرقم 8 !.

بينما كانت هي تدلي بما عرفته من خلال استنتاجات “DO ” التي في الحائط كان “DO” يلصق أوراق أخرى فيها استنتاجات جديدة. ليقول:

– كما بدأ سلسلة جرائمه بالعدد8، سينهي سلسلته بـ8 ضحايا أيضا

أحست “FER” بقشعريرة فسألت متعجبة:

– لما تعتقد أنهم8 ضحايا ليسوا أكثر أو أقل؟

– هذا ما يخبرني به حدسي

– حدسك يرعبني…

– لا نستطيع سوى الوثوق به

– حسنا… لا استطيع إنكار أن حدسك لا يخطئ أبدا. لكن بالتفكير في أن القاتل مهووس جدا بالرقم 8 يجعلني أشعر بالغرابة، هل تعتقد بأن هناك سبب لهذا؟ وذلك السبب قد يكون خيطا صغيرا ليدلنا عليه؟

– ماذا إذا لم يكن خيطا صغيرا بل خيط النهاية

– خيط النهاية!!

……..

في صباح اليوم التالي، وعلى حدود الساعة العاشرة صباحا:

خرج المحقق”EKE” من المقهى المصغر لمبنى “HXH” حاملا في يده اليمنى كوب قهوة متوسط الحجم، وفي الأخرى شطيرة صغيرة. ابتسم ببهجة عندما رأى المحققة “FER” تقدم باتجاه المقهى. انتظر متكئا على الحائط، قدومها نحو البوابة لكي يلقي عليها التحية، عندما وصلت قال مبتسما بإشراق:

– يا لها من مفاجأة أن أرى عزيزتي المحققة “FER”! من كان يتوقع أن أشخاصا اعتادوا على أن يكونوا دائما معا، لا يتقابلون سوى صدفا. حسنا… إنه أمر لا نستطيع فعل أي شيء بخصوصه أليس كذلك؟ فنحن الأن جزء من قوى “OH” حيث نضع مسؤولية عملنا فوق كل شيء، و لا وقت نملكه للتحدث بما لا يفيد.

– أيها القائد… لا… بل أيها المحقق “EKE” هل أنت سعيد لأنك تعمل في “HXH”؟

نطقت “FER” جملتها بنبرة واضح عليها الأسى. أجاب “EKE” مبتسما كما العادة:

– و من لن يكون كذلك عندما يتلقى دعوة خاصة من الرئيس ذاته، للعمل في مكان كهذا؟ ألستِ أنتِ أيضا سعيدة؟

– أعلم أنه لا يحق لي قول هذا، لكنني في كل مرة أراك فيها أفقد معنى الشعور بالسعادة… فأنت السبب فيما حصل للرئيس ذلك اليوم… على كل أنسى ذلك.

تنهدت وسارت للأمام بضع خطوات، توقفت عندما سمعت نبرة “EKE” الجادة، كانت تعلم أنها لا تخرج إلا عندما يكون غاضبا جدا لذا شعرت بالقلق من ذلك…

– لا أعلم لما الجميع يظن بأنني الشخص المخطئ، لقد كنت أنا أيضا ضحية مثل القائد “DO”… و أيضا القائد هو…

ألفتت “FER” للخلف بعد صمت “EKE”، فرأته يحكم قبضة يده بتعابير حزينة. بعد ثوان تقلبت ملامح وجهه عندما قال مبتسما:

– “DO” كان قائدي وما زال كذلك… على كل كيف هي أحواله؟ عندما التقيت به آخر مرة، بدى لي أنه يعاني من مشاكل صحية

بقلق، سألت “FER”:

– ما الذي تقصده بذلك؟

– كان يمسك رأسه متألما ويترنح جسده كما لو أنه كان سيفقد وعيه، وعندما ناديت به لم يسمعني. هل هو بخير حقا؟

– لما أنت مهتم بهذا الأن؟

– لما لا أكون! إنه الرئيس وقائدي الذي احترمه

قالت “FER” بغضب:

– القائد الذي تحترمه؟ من؟ “DO”؟ لا تتظاهر فذلك أصبح يشعرني بالاشمئزاز… قد لا تعرف ذلك لكن الجميع يعلم أنك كنت تكره القائد وتتظاهر بعكس ذلك.

ابتسم “EKE” ابتسامة جانبية، ليقول:

– أكره من؟ “DO”؟ وما الذي فعلته ليثبت لك صحة الأمر

– لا تتحامق معي… بجانب اليوم الذي أطلقت عليه النار أمام الجميع، لقد رأيتك قبل ذلك أكثر من مرة وأنت تعرضه لخطر الموت. لأنني شخص يعرفك أكثر من غيري، وأنت كشخص كان مقربا جدا من القائد في ذلك الوقت، لم أكن أريد تصديق أنك تكرهه حتى بعد رؤيتي لما فعلته له. لأنني… لأنني كنت أخبر نفسي بأنك تملك سببا لذلك، لكن بعد أن أطلقت عليه النار بكل برود تلاشت كل تلك الأفكار التي تدعمك. وماذا تقول؟ أنك ضحية أيضا؟ ضحية لما!! أنت من كان السبب في اختفائه إن لم تكن تعرف ذلك.

دون الاستماع لما كان يريد قوله، أدارت “FER” ظهرها غضبا واستمرت بالسير إلى داخل المقهى، فبقي “EKE” حيث هو ينظر إلى قهوته التي أصبحت باردة، بعبس، ليقول محدثا نفسه بابتسامة غامضة:

– أتساءل إن كان القائد يشعر بتلك الطريقة، لا… إنني أشعر بالفضول أكثر لأعلم إن كان سيشعر بتلك الطريقة بعد أن يدرك الأسباب

………

– تفضل إنها القهوة التي تفضلها

بينما يحدق بتركيز في الأوراق التي كتب عليها استنتاجاته، في الحائط الجنوبي لغرفة تحقيقه الخاصة، احتسى “DO” القليل من القهوة التي أحضرتها “FER”، ثم ذهب ليجلس في الكرسي بجانب الطاولة المستديرة. لحقت به المحققة وجلست في المقعد المقابل، لتقول:

– أخبرتني البارحة أن دافع القاتل من جرائمه ليست فقط ليتحدى “OH” ولم تخبرني بالمزيد، لذا أخذت أفكر بعمق وتوصلت إلى السبب الذي جعلك تقول ذلك

ابتسم “DO” وهو يقول:

– إذا ما هو ذلك السبب؟

– هناك العديد من القضايا التي كنا نحقق فيها غير قضية “H”. احضر القاتل الضحية “A” إلى منزل المتهم “H” من حيه السكني الذي يبعد ساعة كاملة. بالتأكيد لم يكن الضحية “L” الوحيد الذي يسلك الطريق المختصر. ومن بين جميع المحققين في الـ”HXH” قتل مهندس نظافة! و مدير التحرير ليس الأفضل رتبة في عمله… ما أريد قوله هو لما هؤلاء الضحايا؟ لماذا “H” من بين كل المتهمين؟ لماذا أحضر “A” من مكان يبعد ساعة كاملة، ولم يقتل أي أحد آخر من حي “H”؟ لماذا “L” بالتحديد؟ لماذا لم يقتل محققا برتبة عالية ليثبت قوته وقتل مهندس نظافة عادي؟ لماذا قتل “N” مدير التحرير ولم يقتل الرئيس التنفيذي؟

مراقبة القاتل للضحايا، اختياره ليوم وساعة القتل، طريقة جريمته، طرق هربه، ترك مسرح الجريمة خلفه بلا عيوب. كل ذلك يدل على أنه شخص حذر ودقيق جدا، لذا لا أعتقد بأنه اختار ضحاياه بعشوائية.

– هل تعتقدين أن اختياره للضحايا له علاقة بالشيفرة التي يتركها في أعضائهم الجسدية؟

– مازلنا لم نفكك معنى الشيفرة لذا لا أعلم إن كانت مرتبطة بهم أم بنا، لكن ما أعلمه هو أنه في كل مرة ينحت الشيفرة على عضو ما، سيكون هو التالي الذي يجتث من الضحية الجديدة. قطع رأس “L” ونحت على قلبه، اجتث قلب “A” و نحت على جفنيه، اجتثت عينا “C” ونحت على لسانه، وأخيرا الضحية الرابعة “N” اجتث لسانه ونحت على أذنيه، أي الضحية الخامسة ستجتث أذنيه وإن كان هناك ضحية أخرى سينحت على عضو ما من أعضائه. وتلك المأساة ستحدث في اليوم التاسع من شهرنا الحالي

– ماذا عن تقرير فريق البحث عن الأعضاء المفقودة؟

– إن كان هدفه من سرقة الأعضاء للمتاجرة، أو بيعها في السوق السوداء لكان الفريق توصل إليه بسهولة، لكن لا نتيجة جديدة بعد وهذا يدل على احتمال احتفاظ القاتل بالأعضاء الجسدية معه. السؤال الآخر الذي كان يشغلني هو في هذه النقطة: لماذا قطع القاتل أعضاء ضحاياه الجسدية؟ و لماذا تلك الأعضاء تحديدا؟ لما ليست غيرها من الأعضاء المهمة؟ كنت أحاول ربط هذا السبب بسبب اختياره للضحايا لكنني لم أصل إلى أي شيء بعد.

نهض “DO” من مقعده وبينما هو يتوجه نحو الباب قال:

– جيد، كل النقاط التي ذكرتها والتي لم تذكريها سأجيب على كل ذلك لاحقا

– هل أنت ذاهب إلى مكان ما!

– طرأ أمر عاجل

– هكذا فجأة والآن!!

– نعم

– انتظر… كنت أريد أن أسألك عن شيء ما

– أجليه إلى وقت آخر، أراك لاحقا

……..

– لم أكن أقصد ذلك… أعتذر بصدق أيها المحقق “EKE”.

في حديقة الـ”HXH” الخارجية: كانت “MEL” تقف أمام نافورة الماء الضخمة، وبجانبها المحقق “EKE” تخبره بالذي سمعته من حديثه مع المحققة “FER” صدفة في صباح اليوم.

– إذا سمعت فقط نقطة أن “DO” كان قائدي؟

ضحك “EKE” بلطف، ليكمل:

– كنت أود قول لا بأس بذلك… لكنني لا استطيع

شعرت “MEL” بالخجل من تصرفها، فقالت:

– أعتذر مجددا… لا تقلق لن أخبر أحدا بأي شيء.

صمتا، وأخذا ينظران إلى الماء وهو يتراقص في الهواء. بعد دقائق قال “EKE” بصوته الباعث للراحة:

– أعلم أن لديك الكثير من الأسئلة، ولطالما عرفت ذلك القدر فلا بأس بالمزيد

– أنت جيد في قراءة أفكار الناس، لكن إن كان ذلك يزعجك…

– إنه شيء عليك معرفته في النهاية، لذا من الجيد إن عرفته الآن

– شيء علي معرفته! لماذا؟

– ستدركين ذلك لاحقا.

قبل أن تسأل المزيد، بدأ “EKE” بروي قصته:

– قبل 4 سنوات و بضع أشهر من الآن، نُقلت إلى قسم التحقيقات الجنائية في مركز شرطة “روز” كان الفريق يتكون من 5 أشخاص ضمنهم المحققة “FER”، أما قائد الفريق كان الرئيس “DO”. لحسن أداءه، وقيادته المثالية تلقى القائد “DO” تكريما خاصا وترقى لمناصب أعلى، لكنه رفض وفضل قيادة فريقه. حسنا… علي الاعتراف بأنه كان محققا رائعا. بالرغم من أنني أكبر منه سنا ألا إنه كان كمرشدي ومعلمي، كنت أُنمي مهارات عملي بالتعلم منه وبإرشاداته.

كثيرا ما كان يحقق في القضايا الخطيرة لوحده باستثناء الفريق، المحققة “FER” كانت هي الوحيدة التي تساعده. أخبرته ذات مرة أنني أنا أيضا أريد أن أعمل معه وهو لم يرفض! على كل كنا نحن الثلاثة أشبه بفريق خاص، نعمل على القضايا الخطيرة. خلال تلك المدة قضينا الكثير من الوقت معا… كنا مقربين من بعضنا جدا. بخلاف ذلك لم تسنح لنا الفرصة بالتحدث عن حياتنا الخاصة، لذا لا أعرف الكثير عن حياتهما غير المهنية. كل شيء كان على ما يرام حتى أتى ذلك اليوم الذي انقلب فيه كل شيء.

كان الفضول يتغلل بداخل “MEL” لتسمع البقية من القصة، اكمل “EKE” بعد صمت دام ثوان، بنبرة حزينة:

– عندما تشاجرت مع القائد… وفي اليوم التالي لم يأتي إلى العمل… كان قد اختفى

– اختفى!! ولما تشاجرت معه؟؟

– هذا الأمر لا استطيع إخبارك به.

– إن كان هذا ما تريده فلا أملك الحق لقول المزيد.

ابتسم “EKE”، ثم أكمل:

– بعد اختفائه بحثنا عنه بتدخل القوات الخاصة، لكننا لم نعثر على خيط بسيط يدل على اثره… اختفى كما لو أن الأرض قامت ببلعه. تعرض الفريق وكل من في المركز إلى الصدمة، كان الجميع يشعر بالحزن والخوف على القائد، فعلى عكس ما هو عليه الآن، في السابق ورغم بروده كان لطيفا ويعامل الجميع بطيب، لذا لم يكن هناك من يكرهه. أصبحت قائد الفريق وكنت أرى استياء المحققة “FER” والفريق لذا بذلت كل ما في وسعي لأغطي مكان القائد “DO” حتى لا أخيب ظنهم بي. بعد مدة قصيرة استقالت المحققة “FER” واختفت من الأنظار، وهذا ما جعلني أشعر بالوحدة أكثر. مع مرور الوقت افتتح “OH” وخلال مدة قصيرة أصبح ذا شعبية واسعة جدا في كل أرجاء العالم، كان حديث الشعب بأكمله وبداية كل العناوين الإخبارية. كنت افكر بتقديم طلب للعمل فيه لكنه لم يكن مكان يستطيع أي شخص الدخول إليه ببساطة، لذا استسلمت. قد لا تعلمين ذلك لأنك لم تواجهي أي من تجارب القبول الجحيمية. بعد اختفاء القائد “DO” و افتتاح “OH” ببضعة شهور تلقيت دعوة عمل كمحقق بمنصب عال في “HXH”!! ذلك سبب لي ارتعاشا وصدمني جدا… كنت أفكر بالكثير من الأسباب التي جعلتني أتلقى دعوة خاصة وأعمل في قوى”OH” بمنصب كذاك دون أي تجارب أو اختبار! على كل قبلت الدعوة بصدر رحب، ومن لا يفعل! بعد مدة نقلت إلى مكتبي الجديد في الـ”HXH” وتأقلمت مع محيطي بسهولة. أخبرني الشخص المسؤول عن قيادتي أن الذي أرسل لي الدعوة هو الرئيس بذاته لكنني لم أصدقه، حتى طُلب زيارتي لمقابلة الرئيس، بعدها أصبحت أفكر بكلام المسؤول بجدية

” ماذا إن كان يقول الحقيقة؟ لا سبب يملكه للكذب! إذا لماذا أرسلت لي دعوة خاصة هل يعرفني الرئيس! “

شعرت بالحماس يعتريني، حينما كنت أسير في الطابق الأسطوري لمقابلة الرئيس الغامض للقوى الغامضة. مهما كان سبب الدعوة الخاصة، كنت أعتقد أنني المحظوظ الوحيد حتى رأيت المحققة “FER” تنتظر أمام الغرفة الرئيسية! لم نتحدث كثيرا، أخبرتني أنها تلقت دعوة خاصة أيضا وهي هنا لمقابلة الرئيس. أُذن لنا بالدخول، عندما أصبحنا في وسط الغرفة رأينا الشخص الذي من المفترض أنه الرئيس يقف أمام نافذة المكتب الشفافة موليا ظهره، ينظر لما بعدها. ” من أنت… هي أرني وجهك، ” هذا ما كنت أقوله بين نفسي. التفت عندما شعر بوجودنا وهناك كانت الصدمة… من يقف أمامنا يحمل عينا، أنف، فم، وجه، طول وهيئة القائد “DO”!! كان تماما كالقائد “DO” الذي نعرفه… بل… كان هو، لكنه مختلف قليلا عن الشخص الذي نعرفه، استطعت الشعور بذلك فقط بالنظر إلى عينيه الحادة وإلى ملامح وجهه المخيفة. كنا مصدمين للغاية ولم نستطع النطق بحرف واحد. لا أعلم كيف كنا نبدو أنا و المحققة “FER” في ذلك الوقت بنظره، لأنه كان يحدق إلينا بنظرات حاذقة مرعبة ليست كتلك النظرات اللطيفة التي شهدناها من القائد “DO”. بعد لحظات من الصمت تحدث بهدوء صوته الأجش قائلا:

” – تفضلا بالجلوس لما أنتما واقفان هناك “

نظرنا أنا و المحققة “FER” إلى بعض بدهشة، يدفع بعضنا الآخر للجلوس أولا. بعد ذلك ودون أي مقدمات، بطريقة فظة وبشيء من العجرفة قال:

” – سمعت من هنا وهناك عن أدائكما المثالي، لذا لم أرد من مواهب كالتي تمتلكانها أن تصرف في مكان آخر غير “OH” لذا تكريما مني لتكريس أنفسكما لـ”OH” أهديتكما أفضل المناصب العالية دون أي صعاب…

قاطعته المحققة “FER” باهتياج:

– أيها القائد… أين كنت طوال تلك المدة؟! لماذا اختفيت فجأة دون أن تعلمنا؟ هل تعلم كم شعرنا بالقلق وكم بحثنا عنك جميعنا!

– لست مضطرا إلى أن أجيب على سؤالك الذي لا داعي منه أبدا، ولست مضطرا إلى إخبار أي أحد إلى أين أذهب وإلى أين لا أذهب، ولست مهتما بقلق لا فائدة ترجى منه. لكن! أنت مضطرة إلى أن لا تقاطعينني وتتحدثي بأمور أخرى لا علاقة لها بالموضوع الذي اتحدت بشأنه. هذا التصرف غير لائق أبدا.”

لقد كان يتحدث بعجرفة واضحة، أصبحت غير واع لما يقصده في البداية…

هل كان يمتدحنا أم يريدنا أن نكون خدمه! لماذا تحدث بهذه الطريقة مع المحققة “FER”! طيلة المدة التي كان فيها في “روز” لم يتحدث أبدا بتلك الطريقة حتى عندما كان يصل إلى أقصى حدود غضبه!

على كل تجاهلت أنا أيضا مخاوفي من منصبه، وتحدثت مسقطا الكلفة:

” – قد لا يهمك الأمر لكنه يهمنا نحن الذين تركتهم خلفك! هل تعلم كم أصبحت الأمور صعبة في “روز” بعد اختفائك! ؟ أنا و المحققة “FER” والفريق، جميعا كنا نمر بأوقات عصيبة بسببك.

– عن أي فريق تتحدث، وعن أي اختفاء، و”روز” ماذا؟ أنا لم أعمل هناك أبدا، ولم اقد فريقا في حياتي، وأيضا لماذا تتحدثان معي كما لو أنكما تعرفانني مسبقا!؟ قلت بأنني لست مضطرا إلى أن أجيب على مالا يخص موضوعي، لكن ما هذه الأمور الغريبة التي تتفوهان بها! “

“ماذا! ما الذي سمعته للتو… هل تلك الكلمات التي خرجت كجمل، خرجت بشكل صحيح أم أنني لم اسمع جيدا… لا ليس كذلك… لماذا يتصرف بتلك الطريقة! لا يبدو أنه ينكر وجوده في “روز”، تلك الملامح لم تكن تدلي أنه يكذب.” راودتني تساؤلات أخرى، وأخبرت نفسي أنه ليس القائد “DO”، قائد فريقنا. لكن تلك الملامح والهيئة، لا تتواجد سوى عند “DO”. لكن… بعكس الذي نعرفه، هذه المرة كان مختلفا، الذي يجلس أمامنا ليس القائد “DO” لكنه الرئيس “DO” مؤسس “OH”.

لم نستطع التحدث معه أكثر، فطلب منا الصمت وقال بضعة أمور أخرى حول العمل ثم انصرفنا لأنه كان منشغلا جدا. بعدها لم أستطع أن أقابله فالوصول إليه أصعب من اكتشاف هوية قاتل متسلسل. فكرت كثيرا حول تغيره وتصرفه لكنني في النهاية قررت أن أدع الأمور تسير كما هي، حتى يأتي اليوم المناسب الذي سيخبرنا فيه هو بالسبب. بعد ذلك بفترة طويلة أصبحنا نتقابل صدفا في الممرات، لكنه كان يتجاهلني ويتصرف كما لو أنه لا يعرفني، لا… بل هو بالفعل كان يبدو بأنه لا يعرفني. لاحقا تفاجأت عندما اكتشفت أن المحققة “FER” أصبحت مساعدته اليمنى، ترافقه أينما يذهب وأين ما يكون. لم استطع التحدث معها أيضا لأنها كانت وما زالت تتجاهلني كرئيسها المتعجرف.

تنهد بأسى، مد يده اليمنى نحو الماء فتبلل قليلا، شعر بالانتعاش من برودها. تلك الذكريات والأيام بالنسبة له كالماء الذي يغلي فوق النيران بسبب الحرارة، وقوله لأحد ما لأول مرة جعله يشعر بالثقل والحزن أكثر.

شعرت “MEL” بأنها فتحت باب لم يكن يجب عليها فتحه، لذلك استمرت بالاعتذار، لكن ذلك لم يمنعها أن تقول دون خجل:

– لدي العديد من التساؤلات التي اجزم أنها تطابق تساؤلاتك التي لم تجد لها أي إجابة، لذا على ما يبدو بأنني سأحتفظ بها لنفسي حتى اليوم الذي ستجد فيه أجوبتك و إذا أردت تستطيع أن تشاركني بها لاحقا، فكما رأيت إنني مستمعة جيدة

– قد لا استطيع الرفض

– من بين كل التساؤلات هناك ما اشغل تفكيري جدا

– ما هو؟

– هل كان لدى الرئيس ثروة كبيرة وعلاقات اجتماعية قوية حتى يستطيع تأسيس “OH” خلال مدة قصيرة؟

– بالرغم من طيب معاملته ومكانته الاجتماعية سابقا، ألا أنه كان شخصا غامضا لا أحد يعرف خلفيته العائلية و من أين أتى.

– ماذا عن المحققة “FER” هل هي تعرف أمورا عن حياته الشخصية؟ لطالما تساءلت لما هي دائما بجواره.

– هذا أيضا لا اعرفه و أود لو أنني اعرفه.

– قد تسخر مني… لكنني في الحقيقة رغم اكتساح اسم “OH” كل مكان منذ افتتاحه ألا إنني لم أسمع به إلا مؤخرا و ذلك عندما أخبرتني “LEE” أن أقدم طلبا للعمل في “HXH” فسألتها بتعجب عن معنى تلك الحروف، و تلقيت توبيخا منها حول بطء فهمي لما يحدث حولي. أخبرتني أنه جزء من قوى “OH” سألتها مرة أخرى عن ماهية الـ”OH” هذه، فأوضحت الصدمة في ملامح وجهها وصرخت قائلة ” كيف لشخص في وقتنا الحالي لا يعرف “OH” !! “كان ذلك يوما عصيبا، استمرت بتوبيخي ولم تتوقف عن السخرية مني.

لم يستطع “EKE” التوقف عن الضحك بسبب نقلها للجمل بطريقة كوميدية، ليقول:

– أنا أيضا الآن في دهشة شديدة من أمري، هل قدمت من عالم آخر إلى عالمنا!

– أرأيت! أحيانا أظن أنني من عالم آخر

أخذ الاثنان يقهقهان حول مواضيع أخرى فتحت.

ماذا لو كان ذلك حقيقيا؟ ماذا لو كانت من عالم آخر؟ بل ماذا لو كان العالم الذي تعيش فيه، هو عالم…


نهاية الفصل الخامس…



p6. هل للأماني وجود؟

بعد شهادة “DO” الصغير للحادثة التي رآها في الغابة، كان يذهب كل يوم بعد الدوام المدرسي إلى مركز الشرطة، لمساعدة المحقق “DS” لمدة أسبوع كامل. كانت مساعدته تقتصر في وصف المجرمين و بقعة الجريمة. بجانب ذلك كان هادئ، دائم انشغال التفكير، لا يخرج لتناول الطعام مع صديقيه وقت الاستراحة ولا يتحدث معهما في بقية الأوقات، لذا كانا يشعران بالوحدة والملل.

شعر “LEK” الصغير بالسعادة عندما أخبرهما “DO” أن المحقق “DS” طلب منه ألا يأتي إلى مركز الشرطة بعد اليوم، لذلك توجهوا بعد المدرسة إلى منزل “LEK”. في غرفته: كانت “MEL” تجلس في مقعد الدراسة تكتب واجبا. أما “DO” و “LEK” فكانا يجلسان في الأرض يتناولان المقرمشات، بينما يتحدث “DO” عن مغامراته خلال الأسبوع في مركز الشرطة. مع كل كلمة يقولها “DO” باندفاع كان “LEK” يبادره الحديث بحماس مفرط. شعرت “MEL” بالانزعاج من أصواتهما العالية فقالت صارخة:

– هل قمتما ببلع مسجل صوت! لست قادرة على كتابة الواجب بسبب إزعاجكما!

أخذ “LEK” قطعة بسكويت من الطاولة التي أمامه، وبينما يقوم بمضغها تحدث قائلا:

– و هل أخبرتك أن لا تقومي بكتابته في منزلك، لتأتي وتقومي بكتابته هنا بينما أتحدث مع صديقي المحقق العزيز “DO” الذي اشتقت إليه كثيرا.

شعر “DO” بالاشمئزاز وهو يرى فتات من البسكويت يتناثر من فم صديقه إليه. أخذ كتابا من حقيبته وصفعه بخفة على ظهره وهو يقول:

– ألا عقل تملك؟ كم مرة أخبرتك أن لا تتحدث وأنت تأكل أيها المقرف! هل أنت بقرة لا تفهم ما يقوله البشر؟

صرخ “LEK”

– ماذا!

نهض من حيث هو وبدء بتمثيل ساخر:

– هل قلت لي أنني بقرة؟

– سألتك ما إذا كنت كذلك

– لا، لا، لا لقد عنيت ذلك بكل تأكيد!

ببرود قال “DO”:

– أجل… لك ذلك أنت بقرة وماذا في الأمر؟

– هل ستتحمل مسؤولية ما قلته؟

-وماذا ستفعل؟

– سألتك أولا، هل ستتحمل المسؤولية؟

– ماذا ستفعل؟

– أجبني أولا، هل ستتحمل المسؤولية؟

صمت “DO”، تجاهل صديقه وأخذ يتناول المقرمشات. كرر “LEK” السؤال بأكثر الطرق درامية. نفذ صبر “MEL” و “DO” فصرخا معا:

– ماذا تريد يا حبة الفول!!!

فزع “LEK” وتظاهر بالسقوط أرضا، ثم قال وهو يتمثل البكاء بالطريقة الدرامية السابقة، ليُغضب صديقيه أكثر:

– لقد حطمتما قلبي الصغير… هل أنا صديقكما حقا؟ أخبريني يا من تملك عقل الدمى… هل أنا صديقك؟ وأنت يا بومة الليل… هل تعتبرني صديقك أم عدوك؟

تنهدت “MEL” و عادت للكتابة دون أن تلقي بالا له. بينما “DO” نهض ليتوجه نحو “LEK” بهدوء، ثم لم يلبث دقائق حتى امسك بيد

“LEK” اليسرى ولفها خلف ظهره، واليد الأخرى استمر يردعها للأسفل بخفة، محاكيا بذلك دور محقق شاهد أداءه في فيلم الأسبوع السابق مع صديقيه. ثم قال هامسا في أذن “LEK”:

– حسنا، سأتحمل المسؤولية على ما وصفتك به، لذا أخبرني ما الذي ستفعله.

حاكى “LEK” دور الممثل الذي كان تحت رحمة المحقق، وقال مبتسما باستفزاز كما كان يتذكر من تلك اللقطة في الفيلم:

– سأقوم بتلقيبك بأكثر الأوصاف التي تكرهها

– هل تعرف ما الذي أكرهه يا هذا؟

– و هل تعرف ما الذي لا أعرفه عنك يا هذا؟

– أخبرني إذا بما تعرفه يا هذا

– لا أعرف عنك أي شيء يا هذا، لكنني أعرف أنني أريد تحطيمك بيدي

– حطمني إذا ما الذي تنتظره إنني أمامك مباشرة.

– لا استطيع فعل ذلك.

– هل أنت خائف؟

– لا. بل لأنني أعرف أنه لا يجب علي فعل ذلك… لأنك يا هذا شخص مغفل.

تمددا على ظهرهما وانفجرا ضحكا بعد أدائهما التمثيلي. لم يستطيعان التوقف حتى بعد توبيخ “MEL” لهما. هي الأخرى لم تستطع أن لا تضحك أيضا بعد ضحكهما المضحك. دقائق قليلة و عم الصمت الأرجاء.

بينما هي ممده أرضا كصديقيها تتأمل السقف، قالت “MEL”:

– لقد جعلتماني أضحك حتى الموت… هل ترغبان في أن تصبحا ممثلي مسرح

أجاب “LEK” مبتسما:

– سابقا كنت أفكر بأن أصبح ممثلا لكنني غيرت رأي عندما رأيت كم أن والداي رائعين وهما يقومان بصنع تلك الأشياء المذهلة.

– هل تريد أن تصبح عالما مثلهما؟

– لا… لأنني أطمع بأن أصبح عالما أفضل منهما، إنها أمنيتي.

ضحك بحماقة، ثم سألها:

– و أنت؟ ما الذي تريدين أن تصبحي عليه في المستقبل؟

همهمت “MEL” ثم قالت:

– لا أعلم… لم أفكر بذلك من قبل.

– إذا ما هو الشيء الذي تتمنينه؟

– أتمنى… أن أملك الكثير من المال

صرخ “LEK” بانفعال:

– ماذا!! لكن عائلتك بالفعل تملك الكثير منه!

– أعلم، ولكنني أطمع بالمزيد.

صمتا لثوان، ثم حدقا في “DO” الذي كان يتوسطهما. لتقول “MEL” مؤكدة:

– من الواضح ما الذي يريد أن يصبح عليه بومتنا.

– نعم، نعم. سيصبح محق…

لم يكمل “LEK” بسبب مقاطعة “DO” له عندما قال:

– لا… ليس محققا فحسب، بل أعظم محقق… محقق يملك قوى لا مثيل لها.

– قوى؟ هل تقصد قوة كبيرة؟

– شيئا كهذا.

– مثل ماذا؟

– إنه شيء لن يفهمه طفل مثلك

تنهدت “MEL” لأنها شعرت أن “LEK” سيصرخ، وحدث ذلك

– يا الهي!! لماذا تتصرف كما لو أنك أكبر منا في العمر!

قال “DO” مستخفا:

– أولست كذلك؟ إنني أكبركما بشهور كثيرة

– لقد قلت ذلك بنفسك، إنها شهور فقط وليست أعواما!!

– “أكبرك بيوم أعلمك بدهر” ألا تعرف هذه المقولة؟

– لا… ولا أريد أن اسمعها منك أنت بالتحديد.

ابتسم “DO” باستفزاز، قائلا:

– لماذا؟ هل هذا لأنني أقول الحقيقة؟

– أصمت أنت وحقائقك الغبية… كم أكرهك يا “DO”.

تصنع “LEK” البكاء مجددا. و على عكس المرة الأولى لم يتجاهلاه صديقيه وأخذا يضحكان. شاركهما “LEK” ثم قال بعد لحظات:

– أتعلمان… ما أتمناه أكثر هو أن نبقى أصدقاء للأبد. إن عُرض علي ملك العالم مقابل صداقتنا… فبالتأكيد سأختار الأخيرة.

قال “DO” مازحا:

– أنا سأختار الأولى

– أخبرتك يا “LEK” أنه سيخوننا ذات يوم وها أنظر إليه الآن.

ابتسمت “MEL” وهي تصفع كتف “DO” بخفة ثم أكملت:

– في الحقيقة… أنا أيضا أتمنى ذلك… أن نبقى معا حتى اللحظة الأخيرة من حياتنا.

صمتوا و هم يحدقون في السقف، يتخيلون مستقبلهم. نهض “DO” وجلس في السرير مقابل صديقيه ليقول:

– من يدري قد تكون صداقتنا هذه في المستقبل مصدر تعاسة لنا… لذا بدلا من أن أتمنى البقاء أصدقاء للأبد وإلحاق الأذى ببعضنا. أنا سأفعل ما سيحقق لنا مصلحة للعيش بسعادة حتى وإن لم نكن معا، وسأدفع الثمن الذي سيتطلبه الأمر لتحقيق ذلك. لهذا أنا أتمنى أن نبقى سعداء دائما حيثما نكون.

انتهى يوم الثلاثة وهم يتمنون أماني لمستقبلهم. لكن!!

هل للأماني وجود في ذلك العالم؟

……..

2018…

بخطى مسرعة، توجهت “FER” إلى مكتب “DO” الرئيسي بعد أن علمت بتواجده. عندما دخلت وجدته يقوم بتلميع تحفه الأثرية بكل عناية ودقة. تنهدت براحة ثم ذهبت لتجلس في الأريكة قائلة:

– أيها الرئيس أين اختفيت! لقد اتصلت بك كثيرا ولم تجب أبدا لذا شعرت بالقلق

بينما عيناه تتصيد ذرات الأتربة في تحفه، أجابها ببروده المعتاد:

– إنني محقق لذا من الطبيعي أن اختفي

– هذا هو السبب في قلقي! لأنك محقق!

– إنها ليست أول مرة اختفي فيها

– أعلم… لكن ذلك كان قبل ما حدث… هل أنت بخير؟

– ما الذي تقصدينه؟

– أنت تعلم تلك النوبات الغريبة… هل بدأت بالظهور مجددا؟

– هل أنت قلقة علي؟

– تستطيع قول ذلك… لذلك اخبرني متى ما تذهب إلى أي مكان تحسبا لأي ظرف.

بعد وضعه لآخر تحفة انتهى من تلميعها في الرف، قال “DO”:

– لا اعتقد أن قدومك إلى هنا كان لهذا السبب فقط

قالت “FER” بعد تنهيد:

– إنه بخصوص مهندس النظافة “C”… وجدت المكان الذي كانت تختبئ فيه خطيبته وقبل أن أصل إليها، وردني بلاغ أنها تعرضت لحادث سير وماتت.

– إذا ما الذي تريدين مني فعله؟

– يا لبرودك أيها الرئيس! إنها بالتأكيد تعلم أمرا مهما يتعلق بمقتل خطيبها لذلك كانت تختبأ

– إذا هل تريدين مني أن أذهب إلى قبرها، وأسألها عن الذي تعرفه

تنهدت “FER” ثم قالت:

– من المحتمل أن الحادث الذي تسبب في قتلها كان متعمدا

– احضري ذلك المغفل فقد يكون يعرف شيئا ما بخصوص هذا

– أي مغفل؟ هل تقصد “LEK”؟

– وهل هناك مغفل آخر؟

– إذا متى يجب علي إحضاره؟

– السرعة أفضل فكما ترين أنا شخص مشغول وكل ثانية مهمة بالنسبة لي

– يا الهي، يا الهي.

ساعات قليلة: حضر “LEK” إلى مكتب “DO” بعد اتصال هاتفي من المحققة “FER”. كان يجلس في الأريكة بهدوء. بلع ريقه خوفا من نظرات “DO” الحادة.

بدأ “DO” حديثه دون أي مقدمات:

– هل تعرف “PERA”؟ خطيبة زميلك “C”

ضرب “LEK” صدره بخفة. جمع شجاعته وهو يردد في عقله بألا يقول شيئا يثير غضب الرجل الذي أمامه ويفسد هدوء الجو الذي يحيطهما

– مجرد معرفة سطحية

– ألم تكن هناك لقاءات تجمع بينكم الثلاثة؟

– أعتقد أنها كانت 3 مرات ألتقينا فيها

– هل صدف و أن أخبرتك بشيء غريب، مثير للشك؟

– غريب… مثير للشك…

همهم مفكرا، ثم قال:

– ليس تحديدا شيئا قالته لي، لكنه شيء حصل في الواقع فاعتقدت بأنه غريب

– ما هو؟

كان ” DO” ينتظر الإجابة، بينما يحدق فيه بصمت

– مع الأسف أظن أن اعتقادي لم يكن صائبا، بل كان محض غباء مني أن أشغل تفكيري به

جمع “DO” يديه ببعض، قائلا بتهكم:

– بإمكانك مشاركة ذلك التفكير الغبي كي نعلم إلى أي مدى وصل فيه غباء البعض من البشر. و من يدري قد نصل بعدها إلى شيء مفيد

– هل أنت متأكد من ذلك؟ إنه شيء تافه جدا

– قد لا يكون أتفه منك

تجمد “LEK”. أراد التفوه بكلمة واحدة لكنه لم يدرك ما الذي يجب عليه قوله للرد على تلك الجملة المتهكمة. على عكس المرات التي رأى فيها مزاج “DO” السيء شعر هذه المرة بأنه في مزاج جيد. لذا بعد قلق لا داع منه حول الرد. ابتسم مظهرا أسنانه البيضاء، ليقول متحمسا:

– اخبرني “C” ذات مرة وهو بأكمل سعادته، انه سيقيم حفل زفافه بأسرع وقت قبل الشهر العاشر. بعد مدة قصيرة اخبرني أنه لا يريد الزواج! سألته عن السبب وبعد مرات لا تحصى من الرفض، قال” لأنها لا تناسبني” شعرت بالكذب في كلامه، لأنه كان مولعا بها جدا. فكرت بالعديد من الأسباب وتوصلت إلى سبب قد يجعله يفسخ الخطوبة.

– ما هو السبب؟

اقترب “LEK” قليلا للأمام حيث “DO” وبابتسامة جانبية قال هامسا:

– لأنها لا تحب الطبخ وهو شخص، الأكل صديقه المقرب.

بينما يتراجع “LEK” للخلف ببطء، مبتسما بثقة من استنتاجه، كان “DO” متصنما في بقعته يفكر بالمعنى المطلوب من الذي سمعه. فور تنهد “DO” بصوت عالي، فزع “LEK” وشعر بالتهديد. شعر بالرعب أكثر عندما أقرب “DO” رأسه للأمام وهو يقول هامسا:

– إنني أشعر بالفضول حول شيئا ما

– ما… هو؟

– هل ولدتك والدتك أحمقا؟

– أنت من أخبرني، أن أخبرك بما أعرفه حتى لو كان أمرا تافها!!

نهض “DO” من مقعده و بإشارة من يده نحو الباب أفاد إلى “LEK” بالخروج. ورده اتصالا هاتفيا وبينما هو منشغل بالحديث، كان “LEK” قد وصل أمام الباب. توقف فجأة، وبعد 8 دقائق عاد إلى البقعة الرئيسية من الغرفة، حيث “DO”.

رأى “DO” يجلس في مقعده، يقلب بين صفحات الملف الذي أمامه.

” لطالما رغبت بمقابلتك أيها المحقق العظيم “

ابتسم “LEK” بغموض، عندما نظر إليه “DO” متعجبا

– أما زلت هنا؟

تحولت ابتسامة “LEK” إلى ضحكة خفيفة. تقدم للأمام حيث مكتب “DO” الطاولي. جامعا يديه ببعضها، اتكأ على نصفها حيث ظهره مواليا لوجه “DO” ثم قال بنبرة عدائية:

– هل تعلم يا “DO” أنك شخص يثير غضبي جدا؟

صمت “DO” ولم يجب بكلمة واحدة، حتى أنهى “LEK” حديثه للنهاية

– أتعرف كم أتمنى لو أنني استطيع تحطيمك بيدي… لكن عدم مقدرتي لذلك يجعل غضبي يتفاقم.

– حطمني ما الذي تنتظره، إنني أمامك مباشرة

سمع “LEK” ذلك الهمس يقدم من طرف أذنه الأيمن، حيث الجهة من مقعد “DO”. ألتفت إليه “LEK” مبتسما، ابتسامة ملتوية فتقابلت نظراتهما الحادة. نطق قائلا:

– أخبرتك أنني لا استطيع فعل ذلك

– ما الذي يمنعك؟ هل أنت خائف؟

– لأنك شخص أحمق لا يعلم أي شيء، حتى بعد كل تلك التلميحات.

لم يظهر له “DO” تعجبه، فقال:

– استطيع أن أعرف أنك تحاول مواجهتي

– إنه من غير المشرف لي أن أواجه بومة غير فطنة مثلك أيها المحقق العظيم

” البومة، البومة, البومة، البومة “

بدأ صدى صوت تلك الكلمة يتردد في مسمع “DO” بلفظ صبي صغير. شعر بالضيق فجأة، و بصعوبة في التنفس. بينما يقوم بالتقاط أنفاسه بصعوبة، سقط أرضا على قدميه عندما وُخز دماغه بموجة كهربائية. لم يكد يلتقط ما يحدث حوله حتى فقد وعيه.

-هل تسمعني! أيها الرئيس…

فتح عينيه ببطء فوجد “FER” أمامه، تنظر إليه بملامح قلقة. نظر يمينا ويسارا فوجد نفسه ممددا في الأرض، بجانب مكتبه حيث كان يقف قبل لحظات. نهض بسرعة باحثا عن المقصود، عندما لم يجد أحدا سألها:

– ما الذي حصل؟

– خرج “LEK” واخبرني بأنك فقدت وعيك وعندما أتيت كنت هكذا. هل هي تلك النوبة مجددا!

– أين هو الآن؟

– لقد رحل بعد أن دخلت

-كم مضى على ذلك؟

– 3 دقائق على ما أظن!

خرج “DO” مسرعا. توجه للطابق الأول، فلمح “LEK” يخرج من المبنى. لحق به وقبل أن يصعد “LEK” إلى سيارته أمسكه “DO” من ذراعه. بعد أن تلاقت عيناهما مجددا، قبض “DO” ملابس “LEK” من المنتصف بكلتا يديه، دفعه للخلف فارتطم ظهره بقوة على سيارته. بهدوئه المخيف والواضح عليه الغضب، قال “DO” وهو لا يزال يدفع الذي أمامه للخلف بقوة:

– من أنت؟

كان “LEK” هادئا على عكس الذي كان يحاول إخفاء غضبه بهدوء مزيف

حاول ردع هجوم المحقق لكنه لم يستطع لذلك استسلم. فقال بينما يبتسم بمكر:

– ألا تعرفني حقا؟ أنا “LEK”… الذي اشتبهت به في قتل زميله.

– كيف تعرف تلك الكلمة؟

– إذا كنت تقصد ” البومة ” فهذا لقب وضعته لك، لأنه يناسبك

– لا تتحامق معي!

– ما الذي تريد قوله أيها الرئيس؟ هل يمكنك التلميح فوالدتي ولدتني أحمقا لذا لا أفهم ما يقوله البشر غير الطبيعيين.

– ما الذي تريده؟

– ما الذي أريده؟ أريد حياتك فهل ستعطيني إياها؟

– لما تريد حياتي؟

– لأن الجميع سيصبح سعيد بذلك

شعر “DO” بوخز شديد في مؤخرة رأسه، ذلك الوخز الذي يسبق نوبة يسمع ويرى فيها ذكريات غريبة. حاول السيطرة على نفسه و بنظرة لاذعة رمق بها “LEK” دفعه للخلف مرة أخيرة بقوة، ثم تركه. كان يتنفس بصعوبة لكنه حاول إخفاء ذلك عن الشخص الذي يبتسم بخبث أمامه. فقال:

– سأتركك الآن، لأرى إلى أي مدى ستصل إليه بشخصيتك المزيفة. قد لا تعلم ذلك لكنني أشعر بالحماس أكثر مما تعتقد لتقتلني.

لم يقل المزيد، ولم يرد الآخر أيضا. فور عودة “DO” إلى الداخل رأى “FER” عند البوابة وهي على وشك الخروج. توقفت “FER” أمام “DO” الذي توقف فجأة دون حراك. نظرت إليه بقلق ونادت به، لكنه بدلا من الاستجابة لندائها، استجاب للألم اللاذع في دماغه وأخذ يقبض على يديه بقوة حتى يحافظ على توازن جسده كي لا يسقط. لكنه… بعد رؤية وسماع تلك الذكريات الغريبة التي ظهرت فجأة، لم يشعر بنفسه، لم يشعر بمحيطه. كان منغمسا في عالم تلك الذكريات المشوشة غير المعروف ماهيتها، عالم لا يُرى فيه سوى شاشة سوداء مع لقطات متقطعة وأصوات لا يعرف لمن تكون. ونتيجة للضغط الذي كان يخوضه للعودة إلى محيطه والخروج من ذلك العالم، فقد وعيه.

” أتمنى أن نبقى سعداء للأبد، لتحقيق تلك الأمنية سأفعل كل ما سيتطلبه الأمر مني. “

” بأخذ حياتك سيصبح الجميع سعيدا يا بومتنا العزيزة، لذا هل ستضحي بنفسك من أجلنا؟ كما قلت ذلك في الماضي؟ “

………

تريده، تتوق إليه، ترغب به، تأمل وقوعه لكنه أصعب مما تتوقع ليتحقق. لذا! بدلا من انتظاره، تقوم برسمه في مخيلتك وتعيش بداخله مستشعرا المشاعر التي خلقتها من تلك التخيلات. لذا! سترغب به أكثر، تريده أن يصبح واقعا لا وهما. تزداد عزيمتك، قوتك، شجاعتك، إصرارك وتستمر رغم كل الظروف المحيطة، بالوقوف والسير في ذلك الطريق، لتصل وتحقق الشيء الذي تريده. بعد تحقيقه واستشعاره في الواقع، ستشعر بقيمته أكثر، ليصبح أثمن شيء تملكه. لذا! لن تستغني عنه أبدا. هذا هو تعريف المصطلحات الأربعة التي لا تنفك ارتباطا ببعضها.

” الأمنية، الحلم، الهدف، الكنز”

لتصل إلى الشيء الذي ستدعوه بكنزك، يجب أن تدرك ما هو هدفك الذي بتحققه سيصبح كنزك الثمين. لتعرف ما هو هدفك يجب أن تحلم، لتحول ذلك الحلم إلى هدف سيتحول إلى كنز لاحقا. لتستشعر حلمك عليك بتمني أمنية. لمعرفة ما هو أكثر شيء ترغب في أن تتمناه يجب عليك أن تعرف من تكون، لماذا تعيش، ما قيمة ومعنى حياتك، ما معنى العالم.

إن لم تكن تدرك من تكون ولماذا تعيش، وما معنى الحياة. فكل الأماني التي تتمناه ستبقى أماني لا وجود لها في عالمك، أو في أي عالم آخر. بانتظار معجزة تحقق أمنياتك، ستبقى أحلامك أحلام يقظة لن تستشعر حقيقة جمالها حتى في خيالك. بانعدام الرغبة في تحويل حلمك إلى واقع، ستعيش بلا هدف في الحياة. عندما أقول بلا هدف فأعني أنك ستعيش كأنما لا تعيش، تتنفس دون أن تعلم لماذا تتنفس، تمارس نشاطاتك اليومية بملل، تعب، إرهاق. ستكره محيطك، الناس، عالمك، حياتك، ستكره نفسك قبل كل شيء وهذه أعمق النقاط التي تجعلك لا تعيش. لذا! من السهولة قول أنك لن تملك كنزا تحافظ عليه وتستشعر قيمته. بانعدام استشعار قيمة كنزك الذي لا وجود له، ستفقد قيمة نفسك ومجددا ستفقد قيمة حياتك.

كل تلك النقاط تدور حول شيء واحد. أولا- تبدأ من نهاية بداية أخرى لتكمل نهايتها نحو بداية نهاية أخرى. كل هذا بسبب واحد يقود إلى المسبب الحقيقي… النهايات خيط واصل بين البدايات البدائية، البدايات الوسطية، البدايات النهائية التي لانهاية لها. وأساسها كله يبدأ من البداية الحقيقية.

البداية الحقيقية التي تفقدك الشعور بمعنى تلك المصطلحات الأربعة هي-

عدم ادراك الشخص لقيمته وقيمة حياته.

……..

بعد مرور بضعة أيام:

في غرفته الخاصة بالتحقيقات كان “DO” يجلس في الأرض، جلسة القرفصاء واضعا ثقل ظهره على الحائط، وبتركيز تام كان يحدق في صور، أدلة جمعت من مواقع الجرائم الأربعة، في الشاشة اللوحية.

فُتح الباب الإلكتروني، لتعبر من خلاله المحققة “FER” وهي تحمل في يدها كيسا متوسط الحجم، بداخله صندوق غداء. ألقت نظرة سريعة على ما تعرضه الشاشة، ثم سارت متنهدة بثقل نحو الذي يجلس أرضا. لتقول بصرم:

– قبل أن ترفض دعني أنهي حديثي رجاء

صمت “DO” مستجيبا. لتردف:

– إنك في هذه الغرفة منذ أيام كالسجناء، لا أريد منك الخروج لكن! يجب عليك أن تضع لقمة واحدة في معدتك. لقد أحضرت طعاما معد في المنزل، لذا لا تملك عذرا لعدم تناوله.

– ألم أخبركِ إنني مشغول! وكل ثانية مهمة بالنسبة لي لذا لا أملك الوقت لذلك

– بإمكانك التفكير وأنت تأكل!

بعد إصرار طويل، بدء “DO” بتناول الطعام كي يجعلها تتوقف عن إزعاجه. خلال ذلك الوقت تحدثا عن القضية. أخذت “FER” زمام المحادثة كي تترك مجالا أطول لـ”DO” بتناول الطعام. معرفة منها، من أنه سيوقف الأكل إن انسجم بالتحدث عن القضية.

– بعد بحثي في منزل خطيبة “C” وجدت من ضمن ممتلكاتها، رسالة مرسلة من خطيبها قبل مدة ليست بالطويلة من وفاته. الجدير بالذكر أنه ورد في الرسالة اعترافه بقتل “H” بأوامر من شخص مجهول، وإن لم يفعل سيُقتل هو وخطيبته. تتبعت تحركات “C” في ذلك اليوم وكان قد اشترى من صيدلية حيه السكني ذات الدواء الذي مات بسببه “H”. تابعت تسجيلات كاميرات مراقبة الزنزانة التي كان فيها “H” ولأكثر من مرة كان “C” يدخل ويتحدث معه متظاهرا بالتنظيف. على الأرجح أنه كان يتصيد منه معلومات تفييده. على كل نظرت مجددا إلى تسجيلات كاميرات المحكمة الخارجية و يا للعجب دخلت سيارة “C” إلى حدودها قبل وفاة “H” بـ15 دقيقة. عدم وجود أدلة ملموسة في موقع الجريمة لا تنفي حقيقة اعتراف “C” في الرسالة بأنه من قتل “H”. على كل لا يوجد ما نستطيع فعله فكلاهما ميتان. لكن المفيد في الأمر أن “C” كان من يزود مهدده عن معلومات ضحيته و يتلقى منه أوامرا. لذا من الممكن إن راجعنا تحركاته قبل موته سنعرف مع من كان يتواصل ويلتقي. لم انتظر أوامرك بفعل ذلك لأنني أعرف بأنك لن ترفض، وبدأت بالبحث.

– لا

– ماذا؟!

شعرت “FER” بالقلق من تلك الكلمة، خوفا من أنه لم يكن ليوافق على البحث. انتظرت انتهاء “DO” من شرب مائه ليفسر ما يقصده، قبل أن تنفجر قلقا أكثر.

– لم يكن “C” من يزود القاتل الحقيقي بمعلومات ضحاياه، لأن القاتل الحقيقي يعرف كل شيء يخصهم من قبل.

تنهدت “FER” براحة، وبابتسامة لا داع منها قالت:

– كنت أتوقع قولك بأنه يعرف عنهم كل شيء لأنه هو من كان يراقبهم بنفسه. لذا أتساءل إن كان ما قلته أنت يختلف عن الذي كنت أتوقعه!.

– قاتل يقتل قاتل قتل… قُتل “C” من قبل شخص مجهول، بعد أن قام بقتل القاتل “H”. لكنه لم يُقتل لتخفى جريمته التي أمر بفعلها. كنت تتساءلين من قبل عن سبب اختيار القاتل لهؤلاء الضحايا تحديدا دون غيرهم، وعن دافعه لقتلهم وسرقة أعضائهم الجسدية.

– صحيح

نهض “DO” ليتوجه نحو الحائط الجنوبي حيث استنتاجاته. تتبعته “FER” فذهلت من المنظر الذي رأته… المزيد من الأوراق أضيفت إلى كومة الأوراق التي رأتها قبل أيام، وكل ورقة كانت مرتبطة بالأخرى بخيط أسود عريض. كانت تحاول تتبع الخيط لكن تعقيد وتشابكها ببعض جعلها تستسلم وتسمع الاستنتاج من “DO” نفسه

– “L” الذي قُطع رأسه، “A” الذي اجتث قلبه، “C” الذي اجتثت عيناه وأخيرا “N” الذي قُطع لسانه. الأربعة كانت تجمعهم علاقة صداقة قديمة قبل 10 سنوات، عندما كانوا يؤدون خدمتهم العسكرية.

– هل الضحايا الأربعة يعرفون بعضهم!!

– أجل، في السابق لكن بعد إنهاء كل واحد منهم خدمته انقطعت أخبارهم عن بعض

– إذا ما علاقة معرفتهم لبعض، بالقاتل؟

– لماذا استدرج القاتل ضحاياه دون قلق من عدم تصديقهم لحجته؟ لأنه يعرف نقطة ضعفهم. هل استطاع اكتساب ذلك من خلال مراقبتهم لأيام، أسابيع فقط؟ لا… هذا لأنه كان يعرفهم منذ القدم، منذ 10 أعوام سابقة.

– إذا أنت تقول أن القاتل كان يخدم في الخدمة العسكرية مع ضحاياه قبل 10 أعوام!

– أجل. توصلت إلى هذه المعلومات بعد بحث طويل.

– إذا لماذا قتلهم؟

– ليس من السهل الوصول إلى معلومات قديمة عن حياة أحدهم في الخدمة العسكرية. لكن ما توصلت إليه أن سمعة الأربعة كانت جيدة، وكانوا يلقبون بالأسياد في المعسكر والجميع يدرك لمن يطلق هذا اللقب.

– للأشخاص الذين يملكون قوة لا يملكها غيرهم. هذا يعني أن من الصعب على البقية الاقتراب منهم، و يعني أيضا أن القاتل لم يكن مقربا منهم.

همهمت “FER” وهي تحاول ربط الأحداث ببعضها. لحظات ثم قالت:

– يعرفهم ويعرف نقطة ضعفهم، لكنه لم يكن مقربا منهم. قتلهم بوحشية مستخدما عذرا يخيفهم ليتبعوه… هذا يعني أن القاتل تعرض لإساءة محتملة منهم!!

بابتسامة جانبية، قال “DO”:

– إساءة دُفنت حقيقتها منذ 10 أعوام ولا يعلمها سوى القاتل وضحاياه الأربعة. ولطالما أنه استخدم ذلك عذرا لاستدراجهم – نقطة ضعف – فهذا يعني أنها إساءة قد تحول حياتهم الهادئة السعيدة إلى جحيم.

– ألم تقل أنهم كانوا جيدي السمعة؟ لكن بما أن القاتل كان يحمل ضدهم ضغينة منذ ذلك الوقت فهذا يعني أنهم كانوا يتظاهرون بلطفهم. إذا ألم تكتشف المزيد عنهم؟ أعتقد لا…

شعرت بذلك عندما رأت ملامح الحيرة والغموض في وجهه. فقال “DO”:

– لماذا يصل بالناس لارتكاب جرائم القتل، وتلطيخ يديهم بالدماء؟

أجابت “FER” بلا تردد:

– لا يقتل الشخص الطبيعي غيره ما لم يكن مختل عقليا.

تعجبت “FER” وشعرت بقشعريرة تسير في كامل جسدها، عندما ابدى “DO” رأيه بملامح وشعور لم تستطع التعرف على ماهيته، حول السؤال الذي طرحه. ذلك عندما قال:

– ينقسم القتل إلى 3 أنواع: الأول القتل غير المتعمد بوضوح عنوانه يوضح تعريفه. الثاني: القتل شبه المتعمد وهو أن يؤذي الشخص غيره دون نية القتل، لكنه يوصل للقتل بالأذى الذي تعرض له. الثالث: القتل المتعمد وهو موضوعنا.

يقتل الناس غيرهم لأسباب عديدة كالانتقام، قضايا الشرف، الدفاع عن النفس، المخدرات، التهديد، الأمراض العقلية الخطيرة وغيرها من الأسباب. لماذا لم أقل عن الشخص الذي يقتل بدافع الانتقام، أو عن الشخص الذي يقتل دفاعا عن نفسه أنه مختل عقليا؟ بل لما ذكرت أن الأمراض العقلية -الخطيرة- من ضمن أسباب القتل ولم أقل أنها العامل الأساسي للقتل؟ بل السؤال الذي أجزم أن نصف البشر لم يفكروا به هو لماذا حتى المعتل عقليا يلجأ للقتل؟ لماذا علته تلك تقوده للقتل بدلا من السلم؟ لأن القتل هي فطرة تتواجد في الإنسان منذ ساعة ولادته وكما بقية الفطر تتطور تلك الفطرة أو تدفن بتأثير محيطه عليه.

فمثلا: لماذا يقتل الناس بعضهم في الحروب بدافع الحرية لموطنهم، بدلا من تحقيقها باتفاق سلمي أولا؟ تبدأ الدول الحرب وبعدها تضطر الشعوب لقتل بعضها، لماذا؟ لماذا يستجيب القتل بالقتل؟ لأنه وبكل بساطة عندما يرى الإنسان شخصا آخر أمامه يقتُل سيتأثر بذلك وتظهر غريزة القتل لديه أيضا. كما الحال مع الأشخاص الذين يتعرضون لإساءة شديدة، تجعل تلك الغريزة تظهر. قد تتساءلين ” أسيء إليه فقط إذا لماذا تظهر الغريزة في هذه الحالة؟” هذه الحالات مرتبطة ارتباطا قويا بسيكولوجية الإنسان الذي يتأثر بمحيطه عليه ثم تظهر غريزة القتل. هناك أنواع أخرى تجعل غريزة القتل تظهر لكن موضوعنا يقتصر على النقطة السابقة فقط.

كان الهول واضحا في ملامح “FER” التي لم تستطع أن لا تسأل:

– إذا هل البشر الطبيعيون بإمكانهم القتل أيضا! هل أنا أيضا سأقتل شخصا في يوم من الأيام!!

– ذلك يعتمد على أمور كثيرة، كتأثير طريقة الحياة التي كبرت عليها في طفولتك أو حتى بعد ذلك. أعني بالنقطة الأخيرة هو عندما تتعرضين لموقف تجعل غريزة القتل تظهر

– إذا ماذا عن القاتل في هذه القضية؟ ما الذي جعل غريزة القتل عنده تظهر، ليقتل أولئك الأربعة؟

– يُعرف سبب قتل القاتل، من طريقة قتله

– هل تقصد دافعه من القتل؟

– لا. فهناك فرق بين دافع القتل، والسبب الذي أدى به إلى أن يقتل.

– ما هو الفرق؟

– الدافع يكون لأسباب خارجية كالانتقام، لكن بتأثر النفس بشدة وأذيتها يلجأ الشخص للانتقام قتلا

– هل لك أن توضح أكثر رجاء!

– ينتقم الأشخاص من غيرهم عندما يتعرضون للسوء منهم. قد تختلف طرق الانتقام فقد يكون انتقاما بتشويه سمعة، تدمير علاقات وما شابه من هذه الأمور، هذا هو تعريف الدافع. إذا لماذا يلجأ بعض الأشخاص للانتقام بالقتل؟ هذا لأنه لم يستطع السيطرة على الأذية التي تعرض لها. فتتأثر بذلك سيكولوجيته وتُظهر سلوك غير إنساني عندما تتطور غريزة القتل، هذا هو سبب لجوئه للقتل.

شعرت “FER” بأنها فهمت المعنى الأخير، فقالت:

– تظهر غريزة القتل كصد الهجوم الذي يتعرض له الجسد من مشاعر وعواطف مؤذية لا يستطيع الشخص تحملها. ماذا عن قاتل الأربعة؟ لم تخبرني بذلك بعد!!

– سأخبرك به الآن أيتها المحققة “FER” على رسلك…

توجه نحو الشاشة اللوحية، فتح مجلد يعرض فيه فيديو تشريح جثث الضحايا، فقال بينما ينظر إليه باندماج:

– أول شيء فعله القاتل لكل ضحاياه الأربعة: هو ضربهم بأداة صلبة حتى أفقدهم الوعي بذلك. ثانيا: طعنهم في أرجاء مختلفة من جسدهم، بأداة يرجح أنها نوع من أنواع السيوف الصغيرة، حدسي يخبرني أنه خنجر. على كل بعد ذلك قام بتثبيتهم في الحائط على هيئة الحرف “X” بمسامير قوية وكبيرة تكفي لتخترق وسط أطرافهم. كما ذُكر في التشريح أن الطعن لم يكن عميقا ليفقدوا حياتهم بسببه، هذا يعني أن القاتل تعمد استخدام الطعن لجعلهم يشعرون بالألم فقط.

– هل هناك معنى من تعليقهم على الحائط بتلك الهيئة؟

– بجانب ألم الطعن، كان يريد إضافة ألم آخر. فهل لك أنت تتخيلين أن جسد نازف فقد قوته وطاقته للتحكم بنفسه، يضع كل ثقله على أطرافه المخترقة؟

قشعر جسد “FER” وهي تحاول تخيل الألم الذي تعرضوا له، ولم تستطع التفوه بكلمة. أكمل “DO”:

– أعتقد أن هناك سبب آخر لم أصل إليه بعد، وهذا ليس ما هو مهم الآن. بعد تعذيب الضحايا بتلك الطريقة، لم يكتف القاتل لإشباع غريزته، فقام بنحت الشيفرة على أعضائهم المرادة بأداة قام بتسخينها. ذلك حدث بينما هم واعين بأنفسهم و محيطهم.

بكلمات متقطعة، وبصوت راجف قالت”FER”:

– ليزدادوا ألما على ألمهم…

– صحيح. لكن مع ذلك لم يفقدوا حياتهم، لأن القاتل كان يهدف إلى أن يذيقهم الألم الأكبر، بل استطيع وصفه بالعذاب الجحيمي… بينما يصرخون طالبين العفو قام القاتل بكل دم بارد… أمام ناظري ضحيته… بجث أعضائهم الجسدية.

– و هكذا… فقدوا… حياتهم… إنها أسوء موتة شهدتها… بل هي أسوء جريمة شهدها تاريخ “OH”

لم تكن تتخيل “FER” قبل وصف “DO” للجريمة بأن يكون سيئا لهذه الدرجة، لذا بعد استشعار موقف الأربعة كانت على وشك الإعياء. جلست في الكرسي، ارتجفت القليل من الماء، تنفست بعمق ثم قالت:

– تستطيع أن تكمل.

بعد تغير الفيديو إلى صور تصف وظيفة الأعضاء الجسدية التي سرقها القاتل من ضحاياه، أردف “DO”:

– قبل أن يجث القاتل هذه الأعضاء، جعلهم يشعرون بألم لا يوصف، ذلك الألم كان ردا لما فعلوه به.

– هل تعرض القاتل للتعذيب من قبلهم!!

– لا أعلم إن كان ذلك ألما جسديا، أم معنويا، لكنه لا يبعد حقيقة أنه تعرض للألم مشابه. نعود حيث السبب الذي جعله يجث الأعضاء الجسدية هذه تحديدا دون غيرها. رغم كل الصعاب والظروف الشاقة، كانوا لا يزالون سعداء ويشاركون تلك السعادة مع المصدر الأساسي لسعادتهم. هذا هو الرابط الثاني للضحايا.

– هل هي الثروة؟ المال؟

– لا. إنها العائلة

– العائلة!

– أجل. للبشر العائلة هي المصدر الأول و الأساسي للسعادة وبعدها تأتي الصحة. فلا تهم مقدار ثروتك ولا مكانتك الاجتماعية ما لم تكن تملك عائلة تتشارك معها بالميزات التي تملكها. تنتقل تلك السعادة عبر الأعضاء الجسدية، فالبعين نراهم، بالأذن نسمعهم، باللسان نتحدث معهم، بالقلب الذي يبني تلك المشاعر نتقرب منهم وأخيرا بالقائد الذي يقود المركبة – الرأس- ينتج كل ذلك. هذه الأجزاء هي الرابطة التي تنقل السعادة من الخارج إلى الداخل.

– والقاتل سلبها منهم.

– سلب أولا: سعادة عائلة الضحايا بخطف جزء منهم و العكس أيضا. ثم سلب الرابطة التي توصل تلك السعادة إليهم – الأعضاء الجسدية – ولأن الضحايا فقدوا الجزء الكبير من سعادتهم – الأعضاء البشرية – لمشاركة السعادة مع المصدر الأساسي لها – العائلة – قام القاتل أخيرا بسلب حياتهم وإنهاء سعادة كلا الطرفين.

– هذا يعني أن الأربعة قاموا بسلب سعادة القاتل قبل 10 أعوام!! و قاموا بإيذائه هو و عائلته!!

– هذا هو نهاية الأمر

– إذا كيف سنعرف هويته؟

– بعد معرفة دافعه، والسبب الذي أدى به للقتل، أليس من السهل الوصول إلى هويته؟

ألقى “DO” نظرة سريعة إلى أوراقه، جمع يديه ببعض قائلا:

– من الآن حتى اليوم الذي سنقبض عليه، سيكون لقاتل هذه القضية لقبا

– لقب! لماذا حتى تعطيه لقبا!!

– لن نستطيع أن نخلد ذكراه كأسوأ القتلة المتسلسلين في تاريخ “OH” مالم يكن لديه اسما. ولطالما أننا لا نعرف اسمه فسنصنع له نحن واحدا

– إذا ما هو اللقب الذي وضعته له؟

ابتسم “DO” بغموض وهو يقول:

– “B8”

– ما الذي يعنيه ذلك؟

– “BLACK 8”

………

” النوبات البؤرية هي نوع من أنواع الصرع، قد تحدث بسبب أو بدون سبب. السبب الذي قد ينتج عنه المرض قد يكون أما إصابة الرأس بأي شكل من الأشكال، السكتات الدماغية، أو التهابات الدماغ وإصابات في تركيبها، قد تكون أوراما أيضا. لكن إن لم يكن الذي ذكر سببا للمرض فهذا يعني أن أصل المرض للمصاب مجهول. وكون نشأته لسبب مجهول لم يصل إليه علماء عصرنا بعد. لكنني متأكد أن عدم وجود سبب لهذا المرض، له سبب. بعد بحث طويل مجهد، توصلت إلى إجابة. زرت عرافا دلني عليه زميلي، فحدثته بالحالة التي أعاني منها وكانت المفاجأة عندما أخبرني أن ذلك يحدث للأشخاص الذين يتم ولادتهم من جديد بروح حياتهم السابقة. و النوبات التي تُظهر صور مشوشة، أصوات مقطعة هي من ذكريات حياتهم تلك. سبب ولادتهم من جديد يكون لإحدى الأمرين. الأول: أنه اقترف ذنبا/ خطأ كبيرا أدى بذلك إلى ضرر غيره. الثاني: ليحقق أمنيته التي لم تتحقق. للتخلص من العذاب الذي يلحق بهذه الحالة النادرة يجب على الشخص أن يصلح الخطأ الذي اقترفه في حياته السابقة. كما الحال مع الأمر الآخر، عليه أن يحقق أمنيته. لكن المشكلة ليست هنا، بل في أن المريض لا يعرف كيف عاشت روحه في ذلك الزمن، ولا يتذكر ذكرياتها ليصلح أو ينفذ ما يوجب عليه. ليتذكر أو لتوضح رؤية النوبات البصرية، السمعية عليه أن يجد الأشخاص الذين كانوا معه في تلك الحياة. قد تجدين أن ذلك مضحكا، لكنه أخبرني أن جميع الأشخاص الذين بهذه الحالة لا يولدوا في حياة أخرى لوحدهم، بل يولد معه أشخاص تجمعهم رابطة قديمة. وكما الحالة التي يعاني منها، سيكونون هم أيضا يعانوا مثله. هذه هي الميزة الوحيدة الجيدة في الأمر، برؤية وضع شخص بمثل وضعك ستدرك فورا أنه الذي تبحث عنه. أعلم أنكِ قد لا تصدقين هذا الشيء الذي يبدوا هراء بالكامل، لكن دعيني أوضح أمرا قد يجعلك تملين إلى تصديقه. كنت أدرس في مدرسة داخلية، غير مختلطة. والداي توفيا قبل 3 سنوات بعدوى فايروس. لكن النوبات التي أظهرت ذكريات استطعت ربط معناها كانت لصبي يحمل ذات اسمي لكنه يدرس في مدرسة عامة، مختلطة. والداه توفيا في حادث سير عام 1998. في تلك الذكريات كان أصدقاء الصبي المقربون فتاة تدعى بـ”MEL” و صبي يدعى بـ”DO”. أليس من الغريب أنني تعرفت عليك وأصبحنا زميلين قبل شهور قليلة؟ و ما معنى المصادفة التي جعلتني أقابل المحقق “DO” أكثر من مرة؟ لم أكن أريد تصديق هذا الأمر الغريب لكن عدم وجود تفسير آخر له، جعلني أصدقه بالكامل. كتبت لك هذا الخطاب في رسالة لأنني لم أرد أن أرى رد فعلك الساخر عندما أخبرك به وجها لوجه. فكري بالأمر جيدا، ولا تنسي أن تقابليني لتخبريني برأيك لاحقا. “

المرسل “LEK”

….

الرسالة التي قرأتها “MEL” منذ أيام لم تنفك عن إشغال تفكيرها به طوال الوقت. بكل بساطة كانت في البداية لا تصدق ما ورد، لكن بعد تفكير مطول كانت تعتقد أنه معقول إلى حد ما، لكن بنسبة صغيرة جدا. الذي كان يجعلها لا تقبل أن تصدق أكثر من تلك النسبة هو لأنها على عكس “LEK” ليست مصابة بذلك المرض، ولا تمر بنوبات كالتي يعاني منها.

كانت ما تزال تفكر في الأمر، وهي تسير نحو بوابة الخروج من مبنى “HXH” في الطابق الأول. تنهدت بثقل، كما لو أنها كانت تحمل بين كفيها صخرة كبيرة. توقفت حينما شعرت بقشعريرة مفاجأة، بعد فكرة لمعت عندما سمعت صوت شخص لم تكن تتوقع تواجده في الأرجاء. تصنمت في بقعتها إثر تلك الفكرة الغريبة. لم تلبث دقائق حتى رأت ذلك الشخص أمامها مباشرة، يحدق إليها بنظراته الباردة، و بملامحه الخالية من التعبيرات. أما هي أخذت تحدق فيه بأعين مليئة بالفضول. كانت بصعوبة بالغة تحاول كبت الجملة التي تريد إخراجها وسؤاله به.

” أيها الرئيس “DO” هل تعاني من مرض غريب؟ هل تظهر لك نوبات ترى، تسمع فيها أمور لا منطق لها؟ أتريد مني أن أخبرك ما الذي يعنيه ذلك؟ إنك ترى ذكريات من حياتك السابقة “

بعد ذلك اليوم، وتلك اللحظة التي اختارت عدم البوح له بما يدور في خاطرها، شعرت بالامتنان لقوة كبت فضولها.

لأن ذلك لم يكن سوى شيئا يتفوه به الحمقى فقط.

نهاية الفصل السادس…



P7. عقدة الحقيقة


بمَسَرة مجهولة السبب قام حارس مدرسة “ARF” الثانوية، المخصصة للفتيات بالتبليغ عن وقوع جريمة قتل بحق إحدى الطالبات، في أراضي موقف السيارات. بينما معلم الفنون “O” يقصد سيارته في موقف المدرسة خلال فترة الظهيرة، رأى أسفل السلالم فتاة في وسط من الدماء طريحة الأرض، ينتصف في معدتها خنجرا. فزع من رؤيته لذلك المنظر واستنجد بحارس المدرسة، ليقوم هو بتبليغ الـ”HXH”. كان المعلم مع الحارس ينتظران بالقرب من جثة الفتاة، بجانبهما مدير المدرسة ضخم البنية. كان المدير قلقا من انتقاد عائلات الطالبات، وتضخيم الإعلام للموضوع لذا أمر بإبقاء وقوع الجريمة سرا عن الجميع بالإضافة إلى إقفال المخرج الذي يؤدي إلى الموقف في أعلى السلالم. بعد ركن سيارته في بقعة بعيدة وصل “DO” معه “FER” و “MEL” حيث موقع الجريمة. ألقى المعلم ومن معه التحية عليهم، فبادرهم الثلاثة التحية ذاتها. لم يكن “DO” مهتما بطرح الأسئلة فأهمية رؤية الجثة دائما تأتي أولا. بينما هو منشغل بتفحص الجثة، أخذت المحققة “FER” دور طرح الأسئلة:

– من الذي رأى الجثة أولا؟

أجاب المعلم المدعو بـ”O”:

– إنه أنا… الساعة كانت تشير إلى الثانية ظهرا عندما كنت خارجا من المدرسة قاصدا موقف السيارات. كنت هناك – يشير بيده – في أعلى السلالم عندما رأيت إحداهن طريحة الأرض تنزف، هرعت أنزل للأسفل وما رأيته هو ما أمامكم الآن.

– هل تعرف الضحية؟

– إنني مدرس فنون، أقوم بتدريس جميع الصفوف لهذا أعرف جميع الطالبات.

– هل تواصلت مع الضحية قبل وقوع الجريمة؟

– لا. آخر مرة رأيتها في حصة ما قبل الأمس

– حسنا.

حولت “FER” ناظريها إلى مدير المدرسة ثم قالت:

– ماذا عن الطالبات وبقية الموظفين هل يدركون عن وقوع جريمة قتل في المدرسة؟

أجاب المدير بصوته الثقيل المزعج:

– لا. فقط الذين أمامك هم من يعلمون عن هذه الواقعة الشنيعة، بالإضافة إلى المعلمة المسؤولة عن نادي الأدب الواقع في يمين أعلى السلالم. طلبت منها أن تقوم بغلق الباب العلوي لمدخل المدرسة – مخرج للموقف – وألا تدع أي أحد يقوم بالخروج منه بحجة إصلاحات للممر.

بينما كانت تنظر بشك إلى المدير، قالت وهي تتقصد الجميع بحديثها:

– هل لديكم أي شكوك ضد أحدهم؟

قال المعلم:

– لا… فالجميع هنا أشخاص لا يستطيعون حتى إيذاء حشرة

شعرت “FER” بالانزعاج من صوت المدير الغليظ وهو يردد بجلبة، يضرب صدره ليثبت بذلك – كما يعتقد – قوة إدارته:

– نحن هنا نهتم بسلامة الطالبات قبل تعليمهن ولضمان تلك السلامة نقوم دائما بترتيبات مناسبة لهن. لذا نعرف الجميع وطريقة تفكيره بما فيهم الموظفين من المعلمين و غيرهم. المجرم الذي اقترف هذه الشنيعة ليس من ضمن المكان الذي أديره.

تنهد الحارس بغيظ هادئ، ثم قال بوقر:

– نؤمن أن الـ”HXH” ستقبض على الجاني سواء كان من الداخل أم الخارج.

نظر إلى “DO” المنشغل بتفحص الجثة، ابتسم بثقة ليكمل:

– ولطالما أن المحقق “DO” هو من يشرف على التحقيق فسيكون القاتل خلف القضبان قبل أن تشرق شمس اليوم الرابع.

انتهت أسئلة “FER” للوقت الحالي فتوجهت حيث تقف “MEL” بالقرب من الجثة. جمعت يديها ببعض، حدقت في “MEL” بنظرات لاذعة. شعرت “MEL” بالقلق من تلك النظرات والجو الذي يحيط بالمحققة بسببها. أمسكت ذراعها بيدها الأخرى، بلعت ريقها ثم قالت وهي تتصنع ابتسامة ودية:

– هل هناك أحدا تشكين فيه من بينهم؟ أيتها المحققة “FER”

تنهدت “FER” بضنك قائلة:

– قبل أن أشك بأحدهم، أنا أشك من استطاعتك لتكوني مساعدتي

– لم أرد أن أشعرك بعدم الراحة بكوني مساعدتك، لكن الرئيس أخبرني بذلك فكيف لي أن أرفض؟

– أجل، أنت محقة لا تسطيعين الرفض. لا أعلم ما الذي يفكر به الرئيس بحق!

قبل ساعات قليلة:

بينما كان “DO” يسير في الطابق الأول نحو بوابة الخروج من مبنى “HXH” يقصد موقع الجريمة. لمح في طريقه “MEL” ولأسباب غامضة أخبرها أن تصبح مساعدة مساعدته المحققة “FER” في قضيتهم الحالية. لم تستطع “MEL” أن ترفض عرضا كهذا، فقبلته بصدر رحب وتوجهت معه إلى السيارة وهناك رأت الصدمة والحيرة في ملامح المحققة “FER” عندما أخبرها “DO” عن سبب تواجدها معه.

في الوقت الحالي:

انتهى “DO” من تحليل وضع الجثة، فأخذ يراقب بحدة عينيه كل ركن و زاوية من المكان، متصيدا كل ما هو مشكوك في أمره. وقفت “FER” بجانبه لتقول:

– ما تحليلك للوضع؟

– بجانب تلقيها لعدة طعنات في معدتها، هناك فجوة في مؤخرة رأسها وبضعة ندوب في مرفقيها، وكسر في ركبتها اليسرى. من الواضح أنها سقطت من السلالم شبه الطويلة هذه. بالنظر إلى الجرح الذي في معدتها والفجوة في رأسها، فهي سقطت من السلالم أولا، ثم طُعنت. خلو السلالم من بقع دم يثبت الأمر.

– إذا هي لم تمت عندما سقطت بل بعد تعرضها للطعن؟

– حتى الآن أجل.

– ما الذي تعنيه بحتى الآن؟

حول ناظريه إلى الجثة مجددا، فقال بهدوء لا يُسمع للآخرين:

– ذلك الخنجر… لا يبعث لي بشعور جيد. أعتقد بأن له علاقة ما بـ”B8″

– “B8”!! لما تعتقد ذلك؟؟

– الفجوة في رأس الضحية سيئة بما يكفي لتموت بسبب النزيف خلال وقت قصير، مما لا يستدعي ذلك أن يطعنها القاتل بخنجر فريد من نوعه. رأيت ختمة صغيرة في الخنجر تبدوا لعلامة غير مشهورة، ولكن تصميمها يوحي أنها ليست كذلك. اعتقد أنها كانت علامة تجارية مشهورة قبل 50 عاما واختفت في وقتنا الحالي. ما الذي يدفع احدهم لاستعمال شيء كهذا كسلاح جريمة لقتل طالبة في الثانوية كانت على شفا الموت بسبب نزيف حاد؟ المثير للشك أكثر هو أنه ترك سلاح الجريمة خلفه، ذلك يبدوا كرسالة أكثر من كونه علامة تركها القاتل.

– ما علاقة “B8” بهذا إذا؟

– ضحايا “BN8” جميعهم تلقوا طعنات في مختلف أرجاء جسدهم بأداة تشبه السيوف

– أجل. وأنت قلت أنك تعتقد أنه خنجر. إذا لا تخبرني أن هذا الخنجر هو ذاته الخنجر الذي لم نصل إلى حقيقة استخدام القاتل “B8” له!

– أصبتِ

– هل تعتقد أن القاتل هو “B8″؟

– لم أقل أنه القاتل، لكنه مرتبط بهذه القضية بشكل ما.

– إن لم يكن القاتل “B8” إذا من تعتقد أنه القاتل؟

– دعيني أوجه هذا السؤال إلى التي تقف هناك

كانت “MEL” تتنصت إلى حديثهما باهتمام ولم تفوت منه قدر أنملة، فعندما التفت إليها “DO” بجملته، تقدمت نحوهما قائلة بحماسة:

– من الممكن أن يكون القاتل داخل المدرسة وهو إحدى المعلمين

فهم “DO” ما تقصده “MEL” و دون أن يظهر ذلك تصنع الجهل عندما سأل:

– القاتل هو معلم؟ ما الذي أوصلك إلى هذا الاحتمال؟

– أليس هذا واضحا جدا! قُتلت طالبة في موقف سيارات مدرستها من ذا الذي يستطيع الدخول إلى هنا ويركن سيارته سوى المعلمين!

في تلك اللحظة انقطعت محادثتهما إثر وصول فريق الطب الشرعي. ألقوا التحية الخاصة إلى “DO” ليتوجهوا فورا نحو الجثة. استأذنت “FER” للذهاب معهم. بقيا “DO” و “MEL” حيث هما ينظران إلى ظهورهم وهم يغادروا.

راودت الحيرة “MEL” عندما رأت ابتسامة جانبية من “DO” وهو يقول:

– لم ينشأ هذا المكان ليكون خاصا بالمعلمين فقط. بإمكان حتى حارس المدرسة ركن سيارته هنا، إضافة إلى الزوار.

– بالنظر إلى تسجيلات كاميرات مراقبة الموقف، نستطيع معرفة من أتى ومن لم يأتي وبكل بساطة سنحقق مع الذي أتى.

– لا وجود لكاميرات مراقبة في الموقف

ابتسمت بثقة، لتقول:

– وهذا بالتحديد ما يؤكد أن القاتل معلم في المدرسة، لأنه يعلم بعدم وجود كاميرات مراقبة هنا.

– مثلما أدركنا نحن من أول نظرة بعدم وجود كاميرات مراقبة، سيدرك غيرنا ذلك أليس كذلك أيتها المساعدة “MEL”؟

شعرت “MEL” بالقليل من الضيق من وضوح سخريته منها في حديثه. قالت باندفاع:

– إن كان موقف السيارات منعدم المراقبة، هذا لا يعني عدم وجود كاميرات مراقبة في خارجها، أو بداخل المدرسة!

بثقة توقفت “MEL” عن الحديث لبرهة. نظرت إلى أعلى السلالم، أشارت بيدها إلى الباب الذي يقود إلى داخل المدرسة ثم أردفت:

– إنني متيقنة من وجود كاميرات مراقبة داخل المدرسة من هذا الاتجاه. لا نستطيع التأكيد بأن القاتل لم يدخل لداخل المدرسة فقط لأن الضحية قتلت هنا في الخارج. و إن لم يدخل إلى داخل المدرسة هذا لا يعني أن بإمكانه تجنب عدسات الكاميرات الخارجية لها أو كاميرات البقع المجاورة أليس كذلك أيها الرئيس؟

رفع “DO” خصلات شعره التي غطت عينه اليمنى، جمع يديه ببعضها ثم قال بحدة صوته الأجش:

– وماذا إن لم تكن قد التقطته عدسات كاميرات المبنى ولا عدسات الكاميرات الخارجية أو عدسات كاميرات البقع المجاورة منها. بماذا ستفسرين هذا؟

– هذا يعني بأنه لم يأتي أي أحد إلى المدرسة اليوم والقاتل بداخلها. و كما قلت منذ البداية إنه احدى المعلمين.

– ما الذي يدفع معلم ليقتل طالبة في المكان الذي يعمل فيه؟

– بالتأكيد لن أعرف سببه من قتل تلك الطالبة تحديدا، لكن إذا كنت تقصد سبب قتله لها في المدرسة فذلك سيكون من أجل إبعاد الشبهات عنه. فمن سيصدق أو يخمن أن معلما قتل طالبة في المدرسة التي يعمل فيها؟ هذا جنون ولن يصدقه أحد

وضع “DO” كفه اليسرى في خده الأيمن وبنبرة صوته الأجش، قال ساخرا:

– ألستِ أنت من قال قبل لحظات ” أليس هذا واضحا جدا! قُتلت طالبة في موقف سيارات مدرستها من ذا الذي يستطيع الدخول إلى هنا ويركن سيارته سوى المعلمين” أم أنا من سمع ذلك بشكل خاطئ؟

شعرت “MEL” في تلك اللحظة أن عظام فكها تصلب، لكن شعورها بالحرج كان أكبر ليبقيها صامتة تفكر بجملة هرب من هذا الموقف

– أعتقد بأنك لا تملكين شيئا لقوله…

قُطع حديثه عندما صرخت “MEL” قائلة باندفاع مجددا:

– قد يكون الدافع الذي جعله يقتل الطالبة في موقف السيارات خاطئا! لكنني ما زلت مقتنعة بأنه إحدى المعلمين وسأجد دافع قتله إذا بحثت.

قطب “DO” حاجبيه اغتياظا، فأكثر ما يكرهه هو أن يقاطع أحدهم حديثه. تنهد ثم قال الشيء الذي عليه أن ينهي هذه المحادثة المزعجة – بالنسبة له -:

– لما لا تكون إحدى الطالبات هي القاتلة

– ماذا! طالبة تقتل طالبة أخرى!

– إنه ليس بشيء ليعجب به المرء. يمين أعلى السلالم توجد غرفة لنادي الأدب. كما يستطيع المعلمون الدخول إلى هذه المنطقة، يستطيع الذين جزء من ذلك النادي الدخول أيضا. سأعطيك الإذن بالتحقيق مع طالبات النادي والمعلمة المسؤولة.

– حقا!! إذا سأوافيك بالأخبار لاحقا.

بعد ذهابها أصبح المكان الصاخب هادئا، تنهد “DO” براحة عندما استشعر ذلك الهدوء. قدميه الطويلة كانت تضرب الأرض وهو يتكئ على الحائط، مغلقا عينيه يفكر بعمق بالجريمة. دقائق من التفكير حتى فتح عينيه المندهشة من فكرة توصل إليها. صعد السلالم بسرعة، متوجها إلى داخل المدرسة.

……….

بعد عدة ساعات: في الطابق الأخير من مبنى “HXH”.

كانت “MEL” تجلس في إحدى المقاعد المكتبية، بجانب طاولة اجتماعات عريضة ضخمة تملء النصف من الغرفة.

” إذا هذا ما كان يوجد خلف ذلك الباب الذي لم يفتح لي، في ذلك اليوم الذي أتيت فيه لمقابلة الرئيس. على عكس الطرف الشرقي الذي يبدوا كالمحيط، والغابة الكريستالية في البقعة الرئيسية من الطابق. لما هذا الجانب يبدوا عاديا؟ حسنا إن الجُدر عبارة عن كتب بداخل الحائط و المكان نفسه يبدوا أنه مكتبة كلاسيكية راقية كأنها مكتبة من القرون القديمة. لكنني لم أشعر أنه بمستوى روعة الجوانب التي رأيتها من هذا الطابق الخيالي. على كل إنني محظوظة لرؤيتي هذا الجانب أيضا، أتساءل إن كانت ستسنح لي الفرصة لرؤية البقية من غرف هذا الطابق “

قطع حبل أفكارها عندما رأت المحققة “FER” تسحب الكرسي الذي بجانبها، وتجلس عليه بصمت. حدقت فيها “MEL” ثم قالت مبتسمة:

– هل يعقد الرئيس اجتماعاته في هذه الغرفة؟

– و هل يوحي لك تصميمها أنها ليست كذلك؟

– لا. لكنني سألت فقط.

بينما تنتظران قدوم “DO” عم الصمت الأرجاء. فُتح الباب ليدخل الشخص المنتظر حاملا في يده حاسوبه المحمول صغير الحجم. ألقت كلا منهما التحية الخاصة ثم قالت “FER” مباشرة:

– تلقيت تقريرا من الطب الشرعي يؤكد ما قلته عن وفاة الضحية. سقطت من السلالم أولا ثم تعرضت للطعن. هناك فارق وقت حُدد على أنه نصف ساعة بين الفجوة في الرأس والطعنة. الوقت المقدر للوفاة هو في الساعة الواحدة و40 دقيقة ظهرا.

قالت “MEL”:

– حققت مع المعلمة المسؤولة عن نادي الأدب والطالبات المشاركات فيه، المكون عددهن من أربعة طالبات إضافة إلى الضحية كن 5. اتضح أن الضحية هي أيضا عضوة فيه وهذا يفسر لما كانت في تلك المنطقة. لم أرى أو أجد أي شكوك ضد إحداهن لكن ما علمته أن الطالبتين المدعوتين بـ”NN” و “LT” كانتا تتحدثان مع الضحية في الغرفة بخصوص مشروع ما، و في الساعة الـواحدة ظهرا عادتا إلى صفهن دونها. أخبرتهن الضحية أنها ستبقى بعد قليلا لتنهي ما تبقى من المشروع وبعدها وقعت الحادثة.

أردفت “FER”:

– تبدأ ساعة الغداء تمام الساعة الـ12 ظهرا. الضحية قُتلت في وقت حيث الجميع يتناولون طعامهم خارجا في مكان ما، مما يعني أن احتمال رؤية شاهد للجريمة في ذلك الوقت ضئيل. بالنسبة إلى ما رأيته من تسجيلات كاميرات المراقبة لليوم، تحديدا في وقت قريب من وقوع الجريمة وبعده، لم يأتي أي زائر من الخارج و آخر شخص التقطته عدسات كاميرات المراقبة لمدخل المدرسة من الموقف كانتا “NN” و “LT” في الساعة الواحدة كما قالتا. في الساعة الثانية ظهرا خرج المعلم “O” إلى الموقف وكانت الضحية قد توفيت بالفعل قبل خروجه بـ20 دقيقة مما لا يضع هذا أي شكوك عليه.

همهمت “MEL” فقالت:

– أليس هذا غريب! لم يأتي أي زائر إلى المدرسة مما يؤدي شكوكا إلى أن القاتل بداخلها. لكن كاميرات المدخل للردهة العلوية من السلالم لم تسجل أي أحد يخرج أو يدخل بعد وقوع الجريمة مباشرة، كما الحال مع كاميرات مراقبة خارج حدود الموقف. آخر سيارة خرجت كانت للمعلم “AQ” في الساعة الـ12 والـ50 دقيقة. آخر من خرج من موقع الجريمة قبل حدوثها هما الطالبتان في تمام الساعة الـ1 ظهرا. إن كان الوقت المقدر لوفاة الضحية هو بعد ذلك بـ40 دقيقة إذا كيف دخل القاتل دون أن تلتقطه عدسات كاميرات المراقبة!!

قالت “FER”:

– كنت أفكر حول سبب سقوط الضحية على أنه حادث… تعرضت لمشاحنة مع القاتل وبسهو سقطت من السلالم. مع ذلك لم تمت وفقدت وعيها فحسب. بقيت طريحة الأرض تنزف لنصف ساعة ثم طعنها القاتل. لكن! ما الوقت الذي قابلت فيه القاتل وكم استمرت مشاحنتهما؟ دقيقتان؟ ثلاث؟ أربع؟ أم 10 دقائق؟ أم ربع ساعة؟ إن فرضنا أنهما تقابلا في الساعة الواحدة ظهرا واستمرت مشاحنتهما على أقل تقدير 10 دقائق، ثم سقطت الضحية. في تمام الساعة الواحدة والأربعون دقيقة طعنها القاتل وتوفيت. ألا يضع هذا شبهة على الطالبتان “NN” و “LT”؟ إنها شبهة بلا دليل وكون أن التسجيلات تثبت أنهما خرجتا تمام الساعة الواحدة ظهرا تسقط عنهما التهمة. لكن… كما تعلمان إنه ذلك الشعور المتواجد لدى المحققين، حيث يملي عليهم حدسهم بمن يكون الجاني.

بعد انتهائه من مشاهدة ما كان ينتظره، أغلق “DO” حاسوبه بابتسامة جانبية ثم قال:

– عندما يُحكى لأحد ما عن موضوع ينسى بعض الأشياء أو إن صح القول ينتخب ويختار أشياء يعتبرها مهمة في الموضوع، فيذكرها ويترك أشياء تافهة فلا يذكرها.

كما الحال عند وقوع جريمة قتل، يُذكر ما يعتبره الجميع مهما ويُترك البقية. في كثير من الحالات يكون الشخص مخطئا في تميز المهم من الغير المهم، فالذي لا يعتبره مهما يكون في غاية الأهمية ولكنه لا يهتم له لأنه بدا له وللجميع على أنه غير مهم.

لماذا قُتلت طالبة في مدرستها؟ استنادا إلى ما قالته المساعدة “MEL” بجهل، أن القاتل هو معلم في المدرسة و الدليل على ذلك هو موقف السيارات الذي يركن فيه المعلمين سيارتهم ولطالما أن الضحية هي طالبة فلن يشك أي أحد أن معلما من مدرستها قتلها. ينطبق المثل عليها في هذه النقطة: أخطأت في تمييز المهم من الغير المهم. غير المهم هو هوية القاتل – المعلم – . أما المهم الذي لم تعتبره مهما هو أن القاتل تعمد قتل ضحيته في الموقف لا ليخفي هويته بل ليظهرها.

– أيها الرئيس! لكن…

قاطعته “MEL” وقبل أن تقول المزيد صمتت بفزع عندما سمعته يتنهد بصوت عالي. أكمل “DO”:

– ينطبق المثل على المحققة “FER” أيضا.

تعجبت المحققة فقالت:

– أنا! لما؟

– قلتِ أن حدسك يخبرك أن الطالبتان هما من تشكين بهما لكن بسبب عدم وجود دليل قاطع على ذلك، والدليل الموجود لا يقف ضدهما يجعلك مربوطة الحركة. غير المهم في هذه النقطة هو الدليل الموجود. المهم الذي لم تفكري به من الأصل هو الفارق الزمني بين السقطة والطعنة.

– الفارق الزمني!

نهض “DO” من المقعد، توجه نحو النافذة العملاقة يمينه، أمام الفتاتان. اتكئ على زجاجها. جامعا يديه ببعضها أردف:

– حتى وإن كانت الفتاتان هما المذنبتان لما عليهما الانتظار نصف ساعة قبل أن تطعنا الضحية؟ قبل ذلك علي أن أهنئك على حدسك الصائب… فالفتاتان هما الجاني الأول، الذي دفع الضحية من السلالم.

قالتا “FER” و “MEL” معا باندفاع:

– الجاني الأول!

– الجاني الأول!

– تم التلاعب بتسجيلات الكاميرا التي التقطتهما في تمام الساعة الواحدة ظهرا، المقطع الأصلي استرجعه المختصون وقاموا بإرساله لي قبل دقائق. يظهر في المقطع أن الطالبتان “NN” و “LT” خرجتا من موقع الجريمة بهلع تمام الساعة الـ1 و35 دقيقة، قبل تعرض الضحية للطعن بـ5 دقائق. من الواضح أنهن تشاجرن فيما بينهن وبسهو أو بعمد قامت إحداهن بدفعها. جعلهن ذلك ترتبكان وتفكران بالذي يجب عليهن فعله. استغرق الوقت منهما للتفكير نصف ساعة أمام جسد الضحية وقررتا في النهاية الهروب من المكان والاستعانة بوالد “NN” المختص ليقوم بالتلاعب بالمشهد. خلال ذلك الوقت كان القاتل الثاني يراقبهن من مخبأه وعندما ذهبتا، قدم نحو الضحية وطعنها. كما قلت سابقا إن كان هدفه هو قتل الطالبة لإحدى دوافعه كان ليتركها تموت من نزيف الدماغ، لكنه ترك لمسته الخاصة – الخنجر – هذا يعني أنه لم يكن يريد قتل الفتاة لدوافع شخصية.

قالت “FER” بتعجب:

– إن كان يريد ترك لمسته الخاصة فقط فهذا يعني أنه كان ليقتل أي طالبة في المدرسة، ولطالما أن تلك الفتاة ظهرت أمامه طريحة تنزف استغل ذلك ليستطيع تجنب عناء البحث عن فريسة أخرى. إذا لماذا؟ لماذا يقتل دون دافع شخصي ليترك بصمته؟ هل هذا كما قلت له علاقة بـ”B8″؟

– هذا ما يخبرني به حدسي

كانت “MEL” تشعر بالفضول لتعرف ما هو الـ”B8″ أرادت السؤال عنه لكنها شعرت أن الوقت ليس ملائما لذلك، بل وإن كان ملائما فلا تبدو هي أنها الشخص الملائم بالنسبة لهما ليخبرنها بالذي يعنيه. بدلا من ذلك سألت ما يخص القضية الحالية:

– إذا كيف دخل القاتل إلى موقف السيارات دون أن تلتقطه عدسات الكاميرات الخارجية؟

قال “DO”:

– لم يتم التلاعب بلقطات الكاميرات الخارجية مما يعني أن القاتل دخل إليها بوسيلة تخفيه بالكامل.

قالت “FER”:

– وسيلة تخفيه بالكامل…

صمتت ثوان ثم أردفت بحماسة:

– بداخل الصندوق الخلفي لإحدى السيارات!!!

– كان يجب عليكن التفكير بهذا منذ وقت طويل

قالت “MEL”

– ما الذي يجب علينا فعله الآن إذا؟

– وماذا برأيك؟ تمشيط كل السيارات التي كانت في الموقف.

……..

في منزله: كان “LEK” مستلقيا بضيق فوق الأريكة بجانب سرير نومه. يحدق بلا حول في فراغ السقف لساعات لا تعد. تنهد بثقل لينهض من حيث هو، و بينما يسير ببطء نحو الباب توقف فجأة في منتصف الغرفة. دقائق ثم انعطف لليمين حيث المرآة الضخمة. توقف أمامها وأخذ يحدق إلى نفسه بصمت. دقائق عديدة أخرى حتى بدأ صدى صوت قهقهته يعلو في الأرجاء. توقف عن القهقهة، تغيرت ملامح وجهه واستمر يحدق في نفسه مجددا. مكز على شفتيه قبض على يديه بقوة غضبا، لعل ذلك كان يفيد بتثبيت دموع غضبه من عدم النزول. شفتيه بدأت تنزفان من شدة كزه عليهما. أراح رأسه للأسفل فتساقطت دموع الغضب و الاستياء. شهق شهقة أليمة ثم بدأ يصرخ بكامل ما يحمل من قوة:

– إلى متى!! حتى متى سيستمر هذا…. العذاب. إلى متى!! حتى متى سيطول الانتظار. إلى متى!! حتى متى سأفعل ذلك.

رفع رأسه نحو المرآة مجددا، نظر إلى عيناه المحقنتان بالدم، كز مرة أخرى على شفتيه ليسقط على ركبتيه. قبض عليهما بقوة وبينما لا تتوقف دموعه استمر بالأنين:

– هل فعلي لهذا يجعلني سيئا مجددا… هل الاستمرار بهذه الطريقة سيصنع نهاية سعيدة حقا… متى… متى سيدركان الحقيقة… متى سيستفيقان من سباتهم المظلم…

إن لم يدركا حقيقة كل الحقائق قبل انتهاء الوقت هل سأكون الشخص الذي سينهي الأمر… لا أريد… لا أريد أن أفعل ذلك مجددا… لا أريد أن أكون مثلهما

لا أريد أن أثبت حقيقة أنني قاتل، ابن قاتلان.

…….

نتيجة لعدم نوم “DO” لأيام متواصلة ازدادت لون بشرته الشاحبة أكثر شحبا. كانت خصلات شعره السوداء تغطي نصف عينيه الحادتين التي كانت تخترق بحدتها الحائط الذي يضم أوراق استنتاجاته عن القضية. بقي واقفا في بقعته لدقائق لا تعد، يقلب ناظريه من ورقة إلى أخرى حتى توقف عند ورقة كتب عليها: 9/9/2018.

نظر إلى ساعة يده ثم أخذ يردد ما تشير إليه عقارب الساعة

55، 56، 57، 58، 59… 8….

” الآن إنه الوقت الذي يحدق فيه إلى عينا ضحيته الخامسة ويقوم بجث عضوها الجسدي المقصود. من هي تلك الضحية وما العضو الجديد الذي ستنحت فيه الشيفرة..

الشيفرة التي لا أرغب في أن أصدق معناها الحقيقي

BN8″”… ما هي حقيقتك الحقيقة؟ “

نهاية الفصل السابع…



P8. نهاية البداية الوسطية


” بعد التحقيق مع الطالبتين “NN” و “LT” اعترفتا بأنهما دفعتا الضحية من السلالم -لأسباب تافهة- و اعترضتا تماما على أنهما ليستا من قامتا بطعنها. حسنا لم يبدو ذلك على أنه محض كذب فكما قال الرئيس هناك قاتل آخر من فعل ذلك لأسباب لم يخبرني إياها بعد. أنسب طريقة لتنجب عدسات كاميرات المراقبة الخارجية للموقف هو الاختباء داخل إحدى السيارات المركونة. يدل ذلك على أمرين: الأول هو أن المجرم متواطئ مع إحدى مالكي السيارة. الثاني هو أن المجرم اختبأ في سيارة أحدهم دون أن يدرك مالكه ذلك. عندما كنا في موقع الجريمة كانت هناك 5 سيارات مركونة في الموقف. سيارة المدير، المعلم “O”، معلم آخر، حارس المدرسة الذي قام بالتبليغ و مرافقه الحارس الآخر. الجريمة وقعت في الساعة الـ1 ما بين 36 و40 دقيقة… لم تخرج أي سيارة بعد ذلك الوقت أبدا، مما يدل على أن القاتل بعد ارتكاب جريمته عاد ليختبئ في جحره بداخل إحدى تلك السيارات الخمس! بحثت مسبقا في تسجيلات الصناديق السوداء لتلك السيارات، بجانب أنني لم أجد ما يفيد لأنهم كانوا مركونين بجهة معاكسة لأرض الجريمة، لم أفكر أبدا في تفتيشهم فلم يكن من المتوقع أن يصل التحقيق إلى هذا الوضع. قام الجنود بغلق الموقف لذا لم تدخل أي سيارة إليها ليغير القاتل مكان اختبائه مما يعني أنه كان ما يزال بداخل إحدى الخمس. المدير، المعلم “O”، المعلم الآخر خرجوا بسيارتهم من الموقف بعد الجريمة بساعتين. إن كان المجرم بداخل إحدى تلك الثلاث فسيكون القبض عليه أمر شبه مستحيل، في المقابل سيتم التحقيق مع الثلاثة لكن! إن لم يكن أحدهم متواطئا مع القاتل فسيكون ذلك بلا جدوى. المكان الوحيد الذي يستطيع القاتل الاختباء فيه في السيارة دون أن يراه أي أحد هو صندوقها الخلفي. المدير وصل إلى المدرسة في الساعة التاسعة صباحا، قبله بساعة المعلم “O” بعده بساعة المعلم الآخر. إن فرضنا أن القاتل كان بداخل إحدى تلك السيارات الثلاث فسيكون الوقت المقدر تقريبا لبقائه أقل مدة في الصندوق حتى وقت ارتكابه للجريمة هو 4 ساعات ونصف. لن يستطيع البقاء مختبأ كل ذلك الوقت بلا أكسجين مما يعني أنه بعد وصول السيارة إلى الموقف سيخرج منها مباشرة وهذا الاحتمال ما استبعده. لأنه لو خرج فهذا يعني أنه سيكون تحت خطر عدسات الصناديق السوداء لبقية السيارات. إذا الاحتمال الأكبر هو أنه بقي مختبأ لفترة طويلة وهذا بالتأكيد ليس بلا أكسجين لأنه من المؤكد أنه أوجد لنفسه طريقة يجعل الأكسجين يصل إليه. لفعل ذلك يلزمه مساعدة خارجية هذا مجددا يوجه التهمة ضد الثلاثة. بالتأكيد هذا ما كان سيكون الافتراض ما إذا كانت تلك السيارات الثلاثة الوحيدة المتواجدة في الموقف. أخبرني الجنود المكلفون بتفتيش السيارات الثلاثة أن لا شكوك حولهم! حسنا فأنا أيضا لم أكن أشك بأن القاتل اختبأ في مكان ضيق لمدة طويلة حتى وإن كان هناك مصدر للأكسجين. ما تبقى هو سيارة الحارسين اللذين ما زالا في المدرسة حتى الآن رغم أنها الساعة السابعة والنصف مساء! القاتل بلا أدنى شك اختبأ داخل إحدى تلك الاثنتين. لا أعلم إن كان تافها أم هناك دافعا من ذلك لكن أليس من المثير للشك أن يأتي حارس مدرسة إلى عمله في الساعة الـ12 والنصف ظهرا، كلاهما معا! نظرا لأنها مدرسة مرموقة ولديها أكثر من 4 حراس يتناوبون لفتح المدرسة، قد لا يبدو ذلك غريبا للبقية. لكنه بالنسبة لي كذلك ومن الأكيد أن الرئيس فكر بذلك أيضا. الغريب أكثر هو أن السيارتان ما زالتا في المدرسة حتى الآن! الجنود يتتبعون بشكل مباشر ما تسجله كاميرات المراقبة الخارجية و الداخلية للموقف، منذ الوقت الذي خرجنا فيه من المدرسة. باستثناء فريق الطب الشرعي والثلاثة لم يخرج أي أحد من المكان، وهذا يثير شكوكي على أن القاتل لا يزال في المدرسة! هل هو بداخل السيارة حتى الآن! أي الحارسان متواطئان معه؟ كلاهما! لما؟ بل لماذا ما زالا كلاهما في المدرسة حتى هذا الوقت المتأخر! حدسي يخبرني أن ذلك خلفه أمر كبير. على كل سأعرف ذلك الآن بعد أن أقابلهما. أتساءل إن كان الرئيس قد يدرك ما توصلت إليه فلماذا منع أخذ بعض الجنود معي! بل لماذا لم يأتي بنفسه؟ انتظر… إنه اليوم التاسع من الشهر حيث ستقع الجريمة الخامسة لـ”B8″! هل لذلك لم يأتي! “

– أيتها المحققة؟

حتى الطريق إلى المدرسة كانت “FER” ترتب أفكارها عن آخر مستجدات القضية. عند وصولها إلى آخر نقطة من التفكير كانت قد وضعت قدمها خارج السيارة في موقف المدرسة، قُطع تفكيرها عندما نادى بها الحارس. عادت إلى الواقع فرأت الحارس “VB” الذي أبلغهم بالجريمة، يقف أمامها مبتسما بمكر. قالت:

– أين زميلك الآخر؟

– أه تقصدين “OZ” إنه هناك – يشير- بداخل سيارته. كنا نقوم بتنظيف بعض الغرف في المدرسة لذا كان علينا أن نتأخر عن المنزل اليوم. وعندما كنا على وشك الذهاب هاتفتنا و أخبرتنا بأنك تريدين مقابلتنا في المدرسة لذا كنا بانتظارك.

كانا الحارسان ينظران بتعابير غير مبالية إلى “FER” وهي تفتش سيارتهما بوجه جاد و بعد التفتيش لم تجد ما يثير الشك. لا وجود لفتحات تهوية في الصندوق الخلفي ولا أثر لشخص بقي فيها لمدة. شعرت بالغرابة أكثر عندما لاحظت ابتسامة الحارسين رغم الموقف الذي هما فيه. تنهدت ثم قالت:

– علي أن ألقي نظرة على تسجيلات الصندوق الأسود مجددا.

– لكنك فعلت ذلك ظهر اليوم!

قال الحارس”OZ” ذلك. ليقول الآخر بثقة:

– إن كنت تريدين ذلك فلا بأس

حدقت فيهما المحققة بتعابير متشككة وقبل أن تخرج هاتفها لتهاتف “DO” سمعت صوت صخب قادم من السقف فوقها مباشرة. سألت:

– هل هناك غيركما في المدرسة؟

أجاب إحداهما

– لا

هاتفت “DO” وعندما لم يجب على اتصالها شعرت بالقلق من احتمال تعرضه للنوبة. زاد قلقها أكثر عندما سمعت الصوت الصاخب مجددا، إضافة إليه صوت تحطم شيء ما. حدقت إلى الحارسان ثم قالت بملامح أشعرتهما بالخوف:

– الآن فليوجهني أحدكما إلى البقعة التي فوقي تماما.

تقدم “OZ” لتحلق به “FER” تاركة إلى الآخر تحذير:

– ابقى هنا ولا تفكر بالذهاب إلى أي مكان.

عبرا السلالم التي تؤدي للردهة العلوية حيث مدخل المدرسة. كانت الإنارة تعمل بشكل أوتوماتيكي فبكل خطوة يخطانها يضيء لهما المكان الذي هما فيه. في الردهة الداخلية: بينما الحارس يتولى المقدمة كانت “FER” خلفه تسير بحذر، تبحث بتركيز في الأرجاء عن ما هو غير مألوف. لاحظت “FER” ظل شخصا ما، من الطرف الأيمن، فأسرعت تسير نحوه تاركة الحارس خلفها. لحق بها الآخر بقلق مزيف.

– أيتها المحققة! طريقنا ليس من هذا الاتجاه

– أعلم. لكنني لمحت ظل شخص ما. هل أنت متأكد من عدم وجود أي شخص؟

– ليس غيري أنا وأنت هنا!

– على كل، علي أن أتحقق من ذلك بنفسي. فلتبقى خلفي.

لمحت الظل مجددا يختفي في آخر غرفة للممر، أخرجت مسدسها، وجهته للأمام حيث تسير. وصلت أمام باب الغرفة وقالت للحارس:

– عليك البقاء هنا، إن حدث شيء ما أطلب المساعدة.

أُضيئت الغرفة عندما فتحت الباب وأخذت تلوح بمسدها في الأرجاء بملامح تهديد. على عكس ما كانت تتوقعه كانت الغرفة فارغة. لم يمنعها ذلك من أن لا تبحث فيها

” لا أثر لأحد! ولا أثر إلى…”

تطايرت خصلات شعرها الشقراء وشعرت فجأة بنسمات هواء باردة. نظرت إلى يسارها وعلمت أن مصدر تلك الرياح من النافذة.

” هل من المعقول ترك النافذة مفتوحة! “

توجهت نحوها، ألقت نظرة سريعة على ما بعدها

” إنه شارع عام! ومنذ أن هذا الطابق هو الأول فمن المعقول أن يقفز الأطفال أيضا من هنا دون أن يصابوا بأذى. هل الشخص الذي رأيت ظله خرج من خلال النافذة؟ من يكون؟ هل هو القاتل! إنه هو!! ما الذي كان يفعله داخل المدرسة؟ هل صوت الصخب ذاك من أصدره هو! علي الاتصال بفريق المراقبة للتأكد… لحظة! كان هناك بالتأكيد صوت شيء تحطم بقوة، لا يدل على أنه سقط سهوا بل أن أحدا ما قام برميه عمدا! علي الذهاب إلى تلك البقعة بسرعة “

خرجت من الغرفة مسرعة، أخبرت الحارس أن يوجهها إلى المكان المطلوب. خلال ثوان قليلة وصلا إلى مصدر الصوت. دخلت “FER” لوحدها بكل حذر ودقة. كانت الغرفة غرفة تخزين الأشياء القديمة، لذا لم تكن الكهرباء تعمل هناك. كانت تسير مضيئة طريقها بضوء هاتفها، تنظر في الأرجاء بتقزز.

كراسي، طاولات، دواليب قديمة مغطاة بالأتربة هذا كل ما كان يتواجد في المكان. شعرت بالحيرة وقبل أن تخرج لتسأل الحارس لمحت في نهاية الزاوية اليمنى بابا! بعد توجهها نحوه اضطرت إلى أن تطلق الرصاص على قفله ليفتح لأنه كان مغلقا.

” ما هذه الرائحة الكريهة! إنه مزيج رائحة بين دم و رائحة أخرى لا أستطيع أن أعرف ما تكون! “

لم تستطع تحمل الرائحة فقامت بغلق أنفها بقطعة القماش التي كانت تلبسها حول عنقها. وجهت بإضاءة هاتفها في الأرجاء فرأت كرسي خشبي محطم

” هل هذا الشيء الذي سمعت صوت تحطمه؟ إضافة إلى هذه الرائحة الكريهة لا يمكن أن يكون!… “

تجمدت المحققة في بقعتها بعد أن أضاءت البقعة التي تُرك فيها شيء لا يجب على أي أحد رؤيته. كانت يداها ترتعشان وهي تحمل هاتفها موجهة به للأمام. خطت خطوة واحدة لكنها لم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك.

” علي…. علي الاتصال بالرئيس فورا…”

– ابقي حيث أنت أيتها المحققة ولا تتحركي خطوة واحدة

” ذلك الصوت… إنه صوت الحارس الذي كان معي منذ لحظات “

التفتت خلفها فرأت الحارس يبعد عنها بضع خطوات، يوجه نحوها مسدسا بتعابير دنيئة. بابتسامة ماكرة قال:

– لقد وقعتم في الفخ

أغلقت المحققة ضوء هاتفها بسرعة، وبحركة أسرع اختفت في الظلام لتبدأ مطاردة في عتمة المكان. وهي مختبئة خلف إحدى الصناديق كانت تفكر بحل سريع للوضع

” كان بإمكاني إطلاق النار عليه، لكن يدي كانت ترتعش و إن أخطأت التصويب بسبب ذلك فسيكون من الصعب استجوابه لاحقا. علي أن أهدأ قليلا وأتتبع صوت خطوات أقدامه وبعدها انفك عليه. “

بينما الحارس يضيء طريقه باحثا عن فريسته، سقط أرضا على قدميه عندما اخترقت رصاصة المحققة كلا قدميه، و قبل أن يلتفت خلفه ليطلق عليها، طار مسدسه بعيدا عندما تلقى رصاصة أخرى في كلتا يديه. وقفت “FER” بجانب رأسه قائلة بتعبير لا يخلو من الغضب:

– من تكون يا هذا؟

ابتسم الحارس، ثم قال متألما:

– أنا لست سوى شخصا واحدا من بين العديد من الأشخاص الذين سيختفون قريبا من هذا العالم الافتراضي.

– أتساءل إن كنت قد أصبتك في عقلك بدلا من أطرافك.

لاحظت “FER” صوت خطى من خلفها، لكنها لم تكن متأكدة من ذلك جيدا وقبل أن تلتفت لترى ما خلفها سمعت صدى صوت يردد:

– ستكون أنتِ من ستتلقى رصاصة في عقلها.

تنحت “FER” جانبا عندما سمعت صوت سحب الزناد، فضاعت الرصاصة في الهواء. كان الحارس “VB” يضيء طريقه بمصباح صغير يحمله في يده اليسرى، لذا كان من المشقة عليه أن يصوب رصاصاته بدقة على البقع التي كانت تهرب إليها المحققة. باستمرار إطلاقه بجهل، نفذت رصاصاته وقبل أن يملأها بالمزيد شعر بألم رصاصات المحققة وهي تخترق أطرافه. كان طريح الأرض يبعد بضع مسافات عن الحارس الآخر. توقفت “FER” أمامه وقالت بغيض:

– أعتقد أنني سأسهر الليل بأكمله وأنا استمع لما لديكما لذا…

” ما هذا… “

وخز شديد شل كل جسدها بعد تلك الضربة القوية التي تلقتها في رأسها من مضرب خشبي. سقطت على ركبتيها وهي تمسك برأسها النازف من الخلف. بينما تحاول الالتفاف خلفها لترى من ذا الذي ضربها، ظهر أمامها الحارس “OZ” وهو يحمل المضرب بيديه المغطاة بالدماء. بصعوبة أرجع المضرب للخلف بنية إعادته للأمام في مقدمة رأس المحققة، لكن قبل أن يفعل ذلك سقطت المحققة فاقدة الوعي ولم تشعر بما حصل بعدها.

……..

“ما الذي حصل؟ لماذا رأسي يؤلمني؟ صحيح لقد تلقيت ضربة قاتلة من قبل ذلك الحارس الأحمق. قبل أن أفقد وعيَ تماما سمعت صوت طلق ناري هل أنا من تلقته؟ لا… كان الحارس يحمل مضربا وليس مسدسا إذا من الذي أطلق النار؟ ما هذه الأصوات؟ لحظة… هذا الصوت أستطيع أن أميزه من بين جميع الأصوات. إنه صوت… صوت الرئيس… صوت “DO”…

– هل استيقظ؟ سآتي بعد قليل.

فتحت “FER” عينيها فرأت “DO” يقف يمين طرفها يحادث أحدهم، نظرت في الأرجاء فأدركت أنها في سرير المستشفى التابعة لقوى “OH”. بعد انتهائه من الحديث، بسرعة غير ملحوظة نهضت “FER” جالسة، تلقي التحية الخاصة لتقول بصوت متقطع:

– أيها الرئيس… ما الذي تفعله هنا؟

ببرود قال:

– أتيت لتفقد حالة شاهد للقضية

– ما الذي حدث؟ أذكر أنني تعرضت لهجوم خلفي وكنت على وشك تلقي أخر من الأمام

– كنت قد دخلت إلى المكان قبل أن يوجه الحارس “OZ” تلك الضربة، كانت المسافة بعيدة لذا اطلقت النار عليه.

تساءلت “FER”:

– هل كنت في المدرسة!!

– أجل

– لماذا؟

– لأن الضحية الخامسة لـB8″” كانت ستكون هناك.

– كيف أدركت ذلك؟

سحب “DO” الكرسي المتواجد بجانب السرير، جلس عليه واضعا قدم فوق الأخرى ثم قال مفسرا:

– أخبرتك بذلك مسبقا: الخنجر لا يبعث لي بشعور جيد وأنه مرتبط بشكل ما بالقاتل “B8”. قبل كل شيء كان بإمكان الحارس “VB” إبلاغ الشرطة العامة عن الجريمة لكن عدم فعله لذلك كان مثير للشك بحد ذاته. الجريمة وقعت في يوم ارتكاب “B8” لجريمته الخامسة. ترك القاتل المأجور في جسد الضحية رسالة – الخنجر- تشير إلى قاتلنا الحقيقي. إضافة إلى عدم وجود دافع شخصي لقتل طالبة ثانوية في مدرستها هذه الأمور كانت تثير شكي إلى أن “B8” يخبرنا أنه قريب منا. بحثت في سجلات الموظفين وتأكدت من أن المعلم “O” هو صديق الضحايا الأربعة السابقين عندما كانوا يخدمون في العسكرية. لذا ثبتت شكوكي على أنه هو الضحية الخامسة وموقع الجريمة سيكون في المدرسة. هذا كان سبب قتل الطالبة ومعنى ترك القاتل للخنجر. كنت أعلم أن الحارسين متواطئين مع القاتل لذا أخبرتك بالذهاب إلى هناك لوحدك لنتماشى مع خطة القاتل ثم نفاجئه بظهور خاص.

ابتسمت “FER” فقالت بتعابير مصدمة:

– لقد فهمت الآن كل شيء… كنت تعلم أن قاتل الطالبة هو قاتل مأجور تابع لـ”B8″ والحارسين هما تابعا التابع. سبب بقاء الحارسين في المدرسة حتى الآن هو لاستدراجنا إلى موقع الجريمة الخامسة. أما عن سبب بقاء القاتل المأجور هو لكي يلفت النظر إليه ويترك فرصة جيدة لهروب “B8”. كان ينتظر وصولي و بعد رؤيتي تحرك ليظهر نفسه عمدا كي اتبعه وفور لحاقي به، هرب قاتلنا الرئيسي. كنت تعلم كل هذا لذا جعلتني أذهب بمفردي لأكون كبش فداء… بينما أنت كنت تنتظر في الخارج مع جنودك لتقبض على القاتل.

– بالضبط

– إذا أي واحد منهم قبضت عليه؟

أخذ “DO” يحدق في السقف ليقول مبتسما:

– ألم أخبركِ أنني أحب جرائم القتل المتسلسلة لأنها في كل جريمة تظهر فكرة جديدة عن القاتل… هذه السلسلة ستكون بلا أدنى شك 8 جرائم وحتى الآن ما زلنا في الجريمة الخامسة، أي أننا اكتشفنا 5 أفكار عن القاتل وما زال هناك 3 أفكار أخرى.

ارتعشت “FER” وهي تسمع ذلك بابتسامته الغامضة، فقالت:

– رغم مقدرتك في القبض على “B8” تركته يرحل وقبضت على تابعه… إذا ما الذي استفدته من هذا؟ وما هي الفكرة الجديدة التي أدركتها عن القاتل؟ وهل… لا بأس بالمزيد من الضحايا؟

– “B8″… يدرك جيدا ما أفكر به ويعلم أنني أعلم فيما يفكر به لذا هو شخص أشعر أنه قريب مني. لهذا أريد معرفة ما هي النهاية التي يريد وضعها مع نهاية جرائمه و ما هو دافعه الحقيقي. لفعل ذلك علي أن أجاري جرائمه واحدا تلو الآخر. كل شخص يتلقى ما يستحقه هذا جوابي بالنسبة للضحايا.

– هل استجوبت القاتل المأجور؟

– ليس بعد

نهض من الكرسي، وبينما يلبس معطفه أردف:

– اخبري مساعدتك بكل شيء عن “B8”

– أريد أن أسأل عن السبب لكنني أعلم أنك لن تخبرني به، وأعلم أنك لا تفعل ذلك بلا سبب

تنهدت ثم أكملت:

– لذا عليك بإخباري ذلك عندما يحين الوقت المناسب

– فقط عندما يحين.

………

جسد المعلم “O” المعلق في الحائط على هيئة الحرف”X”، الدماء التي تسيل من الخنجر الذي يتوسط في منتصف جبهته، الأذنين اللذين قطعا بوحشية، الشيفرة “BN8” التي كتبت بدماء الضحية في الحائط بخط كبير. ذلك المنظر كان لا يفارق مخيلة المحققة “FER”. تنهدت بأسى، أخذت كوب القهوة من فوق الطاولة وشربته بروية بينما تنتظر قدوم “MEL” في مقهى “HXH”.

بعد نصف ساعة من قدومها ومعرفتها بما يتعلق بالقضية الرئيسية، قالت “MEL”:

– إذا هل سأستمر بكوني مساعدتك حتى يقبض على “B8″؟

– حتى الآن أجل

– هل هناك ما استطيع فعله؟

– إنها مهمة سرية لا يدركها الرئيس، مهمة قد تقود إلى هوية القاتل، هل أنت واثقة من أنك ستستطيعين إنجازها؟

– لماذا لا يعرف الرئيس شيئا مهما كهذا؟

– لأنه لا يريد القبض على القاتل

– ماذا!

كعادتها صرخت “MEL” باندفاع، أكملت:

– هذه أول مرة أسمع فيها عن محقق لا يريد القبض على قاتل!

تنهدت الأخرى بقلة حيلة قائلة:

– الرئيس “DO”… لا يستطيع أي أحد فهم والغوص في أفكاره. إنه شخص أبعد من أن يكون غامضا.

……..

في غرفة الاستجواب:

كان “DO” يجلس جلسته المعتادة: يضع قدميه فوق بعضها، يمسك في يده اليمنى قلما يطيره في الهواء والأخرى يضعها في وجنته بملل.

أمامه: حيث القاتل المأجور المدعو بـ “POL” الذي قتل طالبة بريئة، ينظر بخبث إلى المحقق الذي يجلس مقابله ببرود. اتخذ في جلسته أسلوب جلوس “DO” ثم قال مبتسما ابتسامة جانبية ذات مغزى غير مفهوم:

– كنت أعتقد أنك محقق عبقري، محقق لا اثنين منه لذلك كنت متشوقا ولم أتردد في مواجهتك. لكن ياللأسف اتضح أنك أنت أيضا مجرد محقق أحمق كبقية محققي عصرك البائس.

لم يبدي”DO” أي ردة فعل تجاه تلك الكلمات، ليردف المتهم:

– ألا تتساءل أيها المحقق لماذا قلت لك ذلك؟

– عوضا عن ذلك أنا أتساءل كيف سيكون شعورك عندما تتلقى أسوء عقاب من عقوبات “OH”

– لا أعتقد أنني سأسعدك بتلقي ذلك العقاب، لأنني سأختفي من عالمك الوهمي هذا قبل أن تنهض من مقعدك

تجاهل “DO” تلك الكلمات التي كانت بالنسبة له محض هراء طفولي، ليقول:

– لا أريد أن أتعب نفسي بطرح الأسئلة المعتادة، تفهم ما أقصده صحيح؟

– لا تتوقع مني أن أخبرك بالذي تنتظره، في المقابل سأدعك تعلم أن لا شيء من الذي تتوقعه سيحدث. بما أنني كريم سأخبرك بشيء آخر

وضع مرفقيه فوق الطاولة، تقدم للأمام حيث المحقق، اقترب من أذنه ليهمس:

– منذ البداية الوسطية لقد أصبحت بداخل الدائرة اللانهائية لألم وعذاب مسار هذه المعركة.

عاد لمقعده، ثم أكمل ضاحكا:

– لو كنت فقط أيها المحقق أذكى قليلا لكنت أدركت ما الذي تعنيه تلك الملاحظة السوداء.

– لم يتبقى سوى القليل من وقتك للراحة والضحك استمر باستغلالهما لأنك لن تذوقهما مرة أخرى أبدا في حياتك.

– أنت محق لن استطيع ذلك أبدا في عالمك لكنني عندما أعود للماضي سأتأكد من أنني سأستغل كل اللحظات التي ستسعدني. لأنني احترم رئيس أعظم قوى في هذا العالم الوهمي سأخبرك بما قاله لي:

” البداية الوسطية ليست سوى بداية إحماء لبدء المعركة الحقيقية، البداية الحقيقية ستبدأ من نهاية البداية البدائية “

ابتسم بغلاظة، تقدم نحو أذن “DO” ليهمس مجددا:

– ” لا تنتظر الأيام الـ8 القادمة لأنها قادمه إليك يا صديقي العزيز “DO” “.

……..


بعد مدة قصيرة من التحقيق، في غرفة الاجتماعات:

أخذ صوت طقطقة قدم “MEL” المتوتر للأرض، يملئ المكان الذي يعمه هدوء غير متوقع. بينما تقضم أظافرها قلقا، كانت تحدق بانزعاج إلى المحققين الهادئين، رغم الحادثة التي وقعت منذ نصف ساعة. المحققة “FER” تكتب تقريرا عن الحادث. مغلقا عينيه غاص في أعماق أفكاره، كان ظهر “DO” مرخيا على الكرسي الذي يترأس طاولة الاجتماعات. لم يعد باستطاعة “MEL” تحمل الهدوء أكثر فقالت:

– أثناء الاستجواب: أولا الحارس “VB” والآن المجرم”POL” كلاهما انتحرا بعد تناول السم الذي كانا يخفيانه تحت ضرسهما الاصطناعي. ألا يعني هذا أنهما كانا يتوقعان حدوث كل هذه الأمور! الذي يجعلني مضطربة هو ذكر الاثنان لذات الجملة قبل موتهما ” سأغلق عينيا في عالم وهمي، سأفتحهما في العالم الحقيقي “

أيتها المحققة “FER” ألم تخبريني أن الحارس “OZ” قال لك ” أنا لست سوى شخصا واحدا من بين العديد، من الأشخاص الذين سيختفون قريبا من هذا العالم الافتراضي.” ما الذي يقصدونه بعالم وهمي و افتراضي… هل نصور فيلما خياليا!

أغلقت المحققة حاسوبها متنهدة، لتقول:

– هناك ماهو أهم من هذا لنناقشه

رد المحققة البارد لها كان يعني أن الهدوء سيختفي بفضل ما ستقوله، لذا لم تنزعج “MEL” من”FER”. في المقابل كانت المحققة من تشعر بالانزعاج من ما آلت إليه الأمور. قالت وهي تنظر إلى “DO” الذي لا يعلم أحد ما إذا كان نائما أم لا:

– كما بقية الضحايا: تعرض المعلم “O” للطعن لكن! بخلاف المرات السابقة هذه المرة أظهر القاتل الأداة التي كان يستعملها وهي كما خمن الرئيس” الخنجر”. اجتثت أذنيه و بدلا من نحت الشيفرة في عضو جسدي آخر، كتبت على الحائط! هل هذا يعني أن القاتل سيتوقف عن القتل؟

كانت “MEL” متلهفة إلى سماع الإجابة أيضا، لذا اقتربت قليلا بكرسيها نحو مقدمة الطاولة حيث يجلس “DO”. بدوره بدأ بالتحدث وهو ما يزال بوضعيته السابقة:

– ” لا تنتظر الأيام ال8 القادمة لأنها قادمه إليك يا صديقي العزيز “DO” “.

هذه الجملة قالها القاتل المأجور قبل انتحاره مباشرة لذا من المؤكد ما يقصده بذلك هو أن بقية الضحايا سيقتلون قبل الموعد المتوقع. كتابة الشيفرة في الحائط بدلا من العضو الجسدي له معنى لكنني لم أصل إليه بعد، في المقابل هذا ربما يعني أن القاتل قام بتغير في أسلوبه.

اكتفى “DO” بقول ذلك فعم الصمت مجددا. شعورها بالفضول لرؤية رد فعل رئيسها عن البحث السري الذي أجرته، كان يعميها عن الوضع الذي ستضع فيه المحققة “FER” لاحقا. فكرت “MEL” بذلك كثيرا وتوصلت إلى أن معرفة “DO” للتقرير أمر بغاية الأهمية. فقالت و هي تحاول أن تتفادى نظرات “FER” لها:

– أيتها المحققة “FER” لدي تقرير عن المهمة التي أوكلتني بها

فشلت “MEL” في محاولة تفاديها النظر إلى المحققة التي جعلتها ترتعش بنظراتها الحادة:

– “MEL”… اخبريني بالتقرير لاحقا

– اذكريه الآن

ارتعشتا كلتاهما عندما نطق “DO” بتلك الجملة. قالت “FER”:

– إنه تقرير…

قاطعتها “MEL” حينما قالت:

– عليه أن يعرف هذا، إنه مهم جدا

صمتت المحققة بلا حيلة، فأخذت “MEL” بحماس تسرد تقريرها:

– لجمع بعض المعلومات ذهبت إلى المعسكر الذي قاموا الضحايا فيه بتأدية خدمتهم. أخبرني البعض أنهم كانوا أسياد ذلك الوقت، بجانب كن الجميع لهم الاحترام، كانوا يحبونهم أيضا بسبب لطفهم و طيبتهم. اقتصرت كل الأقوال على هذا المنوال حتى رأيت صدفة: رجلا نحيلا أخمن أنه في نهاية عقده الثالث. أوقفني و سألني بوجهه الجامد:

– لماذا تسألين عن أولئك الأشخاص -الضحايا-؟

فقلت:

– إنني هنا من أجل التحقيق

ثم أظهرت له شارة موظفي “HXH”

لم أرى الذهول في ملامحه، في المقابل شعرت أنه كان يترقب ذلك. على كل قال مرة أخرى بذات التعبير:

– هل تريدين سماع قصتهم؟

ابتسمت و أجبته بسعادة:

– حقا! هل تعرفهم؟

– لقد كنت مدربهم

– إذا سأكون شاكرة لتعاونك

– أولئك عديمي الإنسانية خدعوا الجميع بلطفهم المزيف ليخفوا خلف أقنعتهم حقيقتهم الخبيثة.

– ماذا؟؟؟

– في البداية خُدعت أنا أيضا كالجميع لكن بعد بضع مواقف بدأت أشعر بالشك نحوهم لذا بحثت عن خلفيتهم سرا. ما وجدته كانت كالصدمة لي بل أخمن لو أن الجميع أدرك ذلك لكانوا سيشعرون بما شعرت به في ذلك الوقت. كانوا يتاجرون بالمخدرات ويقومون ببيع الأطفال المشردين لمنظمات إجرامية. اعتقدت أنهم توقفوا عن ذلك بعد دخولهم للمعسكر لكنهم لم يكونوا كذلك. أردت التبليغ عنهم لكن خوفي من قوتهم و مكانتهم جعلني مقيدا وهذا أكثر ما أشعر بالندم عليه.

صمت الرجل للحظات ليكمل بتعابير بدا عليها الحزن:

– في إحدى الأيام: كنت مسؤولا عن المناوبة الليلية، بينما أتفقد هنا وهناك سمعت صوت صراخ من مطبخ المعسكر. هرعت بسرعة لأتفقد الوضع خلسة، حينها كانت المفاجأة عندما رأيت الأصدقاء السبعة “T,L,O,N,C,A,E” يبرحون جنديا تقدم للخدمة قبلهم، ضربا مبرحا لم أرى مثله في حياتي. عندما تقدمت خطوة واحدة للداخل رأيت أحدهم يأخذ سكينا من الطاولة و بسرعة لم استطع استيعابها قام بطعن عين الجندي اليسرى. تراجعت للخلف حتى هربت من ذلك المكان. كنت مرتعبا من فكرة ما سيفعلونه بي إذا أوشيت بهم لذا قررت أن أصمت وأتجاهل ما حصل.

في صباح اليوم التالي:

أثناء التحية الصباحية كان الجندي متغيبا، اُدخل المستشفى لأسباب صحية. شعرت بالذنب فقادني ذلك إلى زيارته. يا الهي بتذكر حالته التي كان عليها يقشعر جسدي… لم استطع التعرف عليه من التشوه الذي حدث في وجهه، عينه اليسرى التي تلقت طعنة عنيفة كانت مغطاة بضمادة بيضاء، كلتا قدميه تعرضتا للكسر، بجانب ذلك سقط على ظهره فوق حديد صلب فتأذى عموده الفقري بشدة. كل ذلك جعله لا يستطيع التحرك سوى بمعجزة. عندما سألته عن الذي حل به، أخبرني أنه تعرض لحادث سير حينما كان يهرب من المعسكر. كنت أعلم لما يكذب فجندي منبوذ مثله لا فرصة أمامه للتغلب على ذوي السلطة والمكانة. شعوري بالندم ولوم نفسي لما حصل له، جعلني أزوره كل يوم وأساعده في تلبية احتياجاته وتغطية نفقات مكوثه في المستشفى. حلت معجزة وأوجد الأطباء أنه سيستعيد حركة جسده بإجراء عملية جراحية لكنه لم يكن يملك المبلغ الكافي. اعتنيت بهذه المسألة ودفعت من مالي الخاص فأجريت العملية له بنجاح. خلال فترة شفائه كنت دائما معه حتى وردني اتصالا أن والدي مريض طريح الفراش. لم يكن لدي خيار سوى الذهاب إلى قريتي لزيارته. بعد بضع أسابيع كان الجندي قد خرج من المستشفى، علمت عنوان سكنه فذهبت لكي أقابله و اطمئن على صحته، لكنه مع الأسف كان قد انتقل منذ مدة.

– ألم تقابله بعد ذلك أبدا؟

– مع الأسف… لكن هناك ما استطيع أن أفديك به

– ما هو؟

– حينما عدت من قريتي لزيارته مرة أخرى في المستشفى، قدمت لي ممرضته ظرفا موجها منه إلي

– ظرف؟ هل كانت رسالة؟

– أجل و محتواها كان: ” أعلم أنك كنت تشاهد ما يحصل لي في تلك الليلة لذا كنت تعنتي بي لأنك تشعر بأن ذلك خطؤك، لا تقلق أنا لا ألقي اللوم عليك و لست غاضبا منك فهذا ليس ذنبك. لطالما أردت أن أخبرك بالحقيقة بنفسي لكنني لم استطع… في المقابل سأخبرك بأن ترتاح وتزيح ذلك الشعور منك لأنني سآخذ بثأري منهم بطريقتي الخاصة. شكرا لاعتنائك بي، أتمنى أن تكون بصحة جيدة “

في الوقت الحالي:

بعد إنهاء “MEL” لتقريرها اعتدل “DO” في جلسته، رمق “FER” بنظرة باردة وبعد ثوان قال:

– أعتقد أن لديك تفسيرا لهذا

أحست “MEL” بالذنب فقالت:

– أيها الرئيس… كانت المحققة تريد أن…

شعرت “MEL” أن كتل كبيرة من الثلج وضع فوقها عندما قاطعها “DO” برد بارد، قائلا بنظراته الحادة:

– هل أنتِ “FER” ؟

تنهدت “FER” وهي تقوم بخلع نظاراتها المستديرة. كانت تتوقع حدوث هذا الأمر لذا بدون تردد أوضحت بشكل غامض لما أمرت بإبقاء البحث سرا:

– أنت تعلم لماذا فعلت ذلك، ألا تعلم؟ بلى… إنك تعلم… لكنك تريد سماع إجابة ما تعلمه مني لكي تعلم إن كان الجميع ينظر إليك كما فعلت أنا، بل تحديدا أنت تريد معرفة كيف ينظر إليك هو ألست محقة أيها المحقق “DO”؟

كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها “MEL” موقف غير معتاد بين الرئيس ومساعدته اليمنى المحققة الشقراء “FER”! بسبب اتباع المحققة لكل أوامر رئيسها حتى وإن كان أمرا يبدوا مستحيلا أو غير منطقيا، فرطها في حمايته و ملازمتها المستمرة له، كانت “MEL” تعتقد أن “FER” لديها حس عالي بواجبها وصادقة بقسمها و ستبقى تتبع ظل رئيسها حتى وإن قاد قواه للهلاك لكن! بحثها بسرية عن معلومات تقود للقاتل دون أوامر “DO” والموقف الذي يحصل الآن بينهما كان يبدوا كمواجهة بين محقق ومحقق آخر بنفس رتبه، لا تفسير من تابع لرئيسه! ما جعلها مندهشة أكثر هو مناداته بالمحقق و اسمه! فمنذ الوقت الذي عرفت فيه المحققة “FER” لم تسمعها مطلقا تخاطب “DO” بلقب غير الرئيس!

قال “DO” بتعابيره الخالية من التعبير:

– كما أخبرتك من قبل محاولاتك لفهم شخصيتي لن تقودك إلى معرفتي بشكل أعمق، لكنها ستقودك إلى الهلاك

” هلاك! فهم شخصيته! محاولات! معرفة! ما الذي يجري! “

كانت “MEL” تحول ناظريها حيرة منه إلى الأخرى، دون التوقف عن الفضول لفهم ما يتحدثان عنه.

قالت “FER” بتعابير وجهها التي لا تختلف عن الآخر:

– إنك مخطئ لكنك محق… فكيف لشخص مثلي أو لأي أحد آخر أن يعرف شخصية شخص لا يعرف هو بنفسه شخصيته الحقيقية.

قال “DO”:

– مخطئة… لأنني بت أعلم أن شخصيتي هي أن لا أعرف ما هي شخصيتي الحقيقية.

” هل بالغت بتفكيري في العمل وبهما لدرجة أنني أحلم حلم غريبا يخصهما! ما بال هذا الجو الغريب وهذه المحادثة المعقدة؟ هل هما مدركان بأنهما يتحدثان أمامي بشيء يبدوا أنه لا يجب على أي أحد معرفته! ما الذي يقصدانه بكل ذلك؟ ولماذا المحققة “FER” تبدوا كما لو أنها تحادث صديقها وليس رئيسها الذي لم تكن تتجرأ لأن تعارضه بحرف واحد! ما الذي يجري بالضبط!! “

كان ما يزال “DO” يتحدث عندما “MEL” كانت شاردة بأفكارها:

– لتعلمي أنك أخطأت مجددا في فهم شخصيتي، سأخبرك أنني ذهبت منذ مدة ليست بالقصيرة لجمع المعلومات من المعسكر وكل ما ذكرته مساعدتك أعلم به. إضافة إلى كل معلومات الجندي المتضرر والمحتمل كونه القاتل الذي نبحث عنه.

أُعجبت “MEL” بشجاعة المحققة “FER” وفطنتها عندما قالت وهي تحاول إخفاء صدمتها جراء ما سمعته:

– على الرغم من أنك تعلم معلومات لشخص من المحتمل كونه القاتل لهذه القضية، ألا إنك لم ترغب بالبحث عنه والقبض عليه، لأنك تريد مجاراة خطته ومعرفة النهاية التي يريد وضعها لسلسلته. إن صح القول أنت تريد أن تصل إلى دافعه اللافطري من القتل بتركيب أحجيته التي تركها خلفه… أستطيع القول بثقة أن هذا ليس تعاطفا منك له بل… لأنك مستمتع بذلك، مستمتع برؤية معاناة القاتل لإيصال فكرته حول نوع الحياة المؤلمة التي عاشها.

بعد صمتها الطويل و هي تستمع إلى محادثتهما السابقة الغريبة، سألت “MEL” فضولا:

– معاناة القاتل؟ حياة مؤلمة عاشها؟ كيف تدركان ذلك؟

أجابت المحققة:

– ما تعريفك لجرائم القتل المتسلسلة؟

– حسنا… لا أعلم ذلك بالتحديد، لكن ألا يعني ذلك أن القاتل يريد إيصال جزء من معاناته للعالم عن طريق القتل؟

– إنه تفسير طويل سأخبرك به لاحقا عندما أجد الوقت المناسب لذلك. لكن إن كنت تريدين معرفة معاناة قاتل هذه السلسلة فأنا أيضا لا أعرف ذلك.

حدقتا إلى “DO” بأعين متلهفة، تنهد “DO” ولم يكن أمامه سوى إخبارهما باستنتاجاته. بدأ قائلا معلومة أخبرها به إحدى جيران الجندي:

– ” توفي والدا “RAV” عندما كان في السابعة من عمره، عاش مع شقيقته التي تكبره بـ6 أعوام. كانت فتاة صالحة اعتنت بشقيقها وقدمت له كل شيء، كانت كالأم والأب له. حتى سمعنا في يوم من الأيام أنها توفيت وهي شابة في بداية عقدها الثالث بسبب سوء مرضها، آه لم أخبرك بذلك… لقد كانت مريضة قلب منذ مدة طويلة جدا. المسكينة من يعلم كم كانت تتألم وكم تألم شقيقها وشعر بالوحدة بعد وفاتها. بعد مدة قصيرة من وفاتها سُرح الشقيق من الخدمة العسكرية لأسباب لم ندركها، وبعد شهرين تقريبا انتقل من المدينة “

قالت “MEL”:

– على الأرجح أن تسريحه من الخدمة كان بسبب شلله.

أردف “DO” قائلا هذه المرة استنتاجه بعد بحث طويل كان قد أجراه:

– المتهم “RAV” يبلغ من العمر 38 عاما، فقد عائلته بسن السابعة وعاش حياته مع شقيقته الكبرى. أُصيبت الشقيقة بمرض في قلبها منذ وفاة والديهما. حالتها الصحية كانت تتفاقم كل يوم، حتى وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى قلب جديد لتعيش. بجانب معجزة العثور على متبرع، لم يكن لديهم ما يكفي لتغطية علاجها ونفقات مكوثها في المستشفى. لتوفير المبلغ المطلوب عمل “RAV” في شتى أنواع الأعمال حتى آن وقت خدمته العسكرية. أجبر على تأدية واجبه، ذلك لم يكن سيئا تماما فالحكومة تدفع مقابل الخدمة العسكرية الإجبارية مبلغا لا بأس به. مع ذلك ومع المبلغ الذي جمعه سابقا لم يكن يكفي ليغطي كل النفقات المطلوبة، لذا قرر المخاطرة بكل شيء والإقدام على فعل لم يكن من شيمه.

بعد إدراكه لحقيقة الأصدقاء – الضحايا- هددهم بكشف هويتهم الحقيقية إن لم يدفعوا المبلغ الذي عرضه عليهم. لكن ما حصل هو ما أخبرنا به المدرب. في الليلة التي تعرض لها للتعذيب كانت شقيقته تصارع الموت في المستشفى حتى لاقتها المنية قبل أن يراها شقيقها.

سألت “MEL” باندفاع:

– إذا ما علاقة الضحايا بهذا؟

أكمل “DO”:

– لو أجرت الشقيقة العملية في الوقت المناسب بزراعة قلب المتبرع الذي ناله حظهم لما كانت لتمت. لو لم يتعرض لذلك التعذيب لما بقي في المستشفى لمدة طويلة يتألم. لو لم يُسرق ماله لكان سيتلقى العلاج بوقت أسرع واستطاع حضور جنازة شقيقته. لو كان القانون مع الفقراء والحق لاستطاع تبريد حرقة ألمه من الذين تسببوا بسلب سعادته. لكن سير كل شيء ضده وبغير عدل، اعمى حقيقة كونه بشرا لا يستطيع تحمل غريزة القتل إذا ظهرت.

على عكس “MEL” التي لم تفهم، ادركت “FER” التفاصيل بسرعة من تلك التمهيدات. فقالت موضحة إلى “MEL” المعنى الذي لم تصل إليه:

– القلب الذي كان من المفترض أن يكون لشقيقة القاتل، اشترته عائلة ثرية من عائلة المتبرع بملغ يفوق المتوقع. تلك العائلة الثرية كانت عائلة الضحية الثانية “A” والقلب الذي أخذ بغير عدل كان من أجله. قطع رأس أول ضحية “L” لأنه الشخص الذي استمر بضربه في رأسه وأحدث تشوها في وجهه. جث عينا “C” لأنه من قام بطعنه في عينه اليسرى وجعله يفقد الرؤية. جث لسان “N” لأنه كان الشخص الذي أمر بتعذيبه. و أخيرا المعلم “O” الذي لا أعرف ما الذي فعله به ليجث أذنه! لذا لنسمع البقية من الرئيس.

ابتسم “DO” راحة لامتلاكه مساعدا فطنا وسريع البديهة كالمحققة “FER”. قال:

– الضحية “O” كان زميلا مقربا من القاتل. في تلك الليلة: كان قاتلنا ينادي ويتوسل الشخص الذي اعتبره صديقه، لكنه تجاهل نداءه وتصرف كما لو أنه لا يسمع أي شيء وهذا هو سبب جث أذنيه. ما تبقى لجثه هو قدم الشخص الذي كسر قدميه، ويدا الشخص الذي سرق ماله الذي جمعه بعناء. بالنسبة للضحية الأخيرة فلست أعلم بعد ما الذي سيفعله به… لأنه لم يبقى أحدا غير أولئك السبعة لينتقم منهم. هذا هو السبب الأكبر الذي جعلني لا اقبض عليه، لأنني أريد أن أرى ما الذي يخطط له.

فهمت “MEL” ما لم تكن تعرفه، لكن بعد ترتيب كل ما قيل شعرت أنها لم تفهم شيئا واحدا بعد، لذا سألت:

– قال المدرب أنه قام بدفع تكاليف علاج الجندي”RAV” إذا لماذا حتى أخذا وقتا طويلا حتى عمليته!!

شعرت “MEL” بتواجد شخصان من “DO”عندما قالت المحققة “FER” بابتسامة جانبية ساخرة كما يفعل “DO” عادة:

– ألم تدركي ذلك بعد؟ المدرب الذي تحدثتِ معه، على الرغم من أنه كان صادقا ألا أنه كان يخدعك.

– ما الذي تقصدينه؟

– لم يرى المدرب، الجندي وهو يتعرض للتعذيب ولم يقم بزيارته أبدا، ولم يدفع نفقاته العلاجية لأنه هو الشخص الذي تعرض للتعذيب.

– ماذا!! ما زلت لم أفهم!

تنهدت المحققة ثم أكلمت:

– الشخص الذي كان يقتنص دور المدرب هو الجندي الذي تعرض للتعذيب، إنه القاتل لهذه السلسلة.

ارتعشت “MEL” من فكرة تحدثها وجها لوجه مع القاتل الذي قتل 5 أشخاص دون أن تدرك ذلك. قالت وملامح الصدمة تعتريها:

– لكنني بحثت عن معلومات تخصه وكان بالفعل مدربا في ذلك الوقت، إن كان هو الجندي لكان سيكون أصغر منه. بل أنا رأيت سجلات الجندي في المستشفى ورأيت صورته كلاهما هو و المدرب مختلفان عن بعضهما بل هما ليسا نفس الشخص فكيف يعقل أن… انتظر…

صمتت “MEL” لبرهة من الوقت ثم قالت بعد فهمها لمجرى الوضع:

– هل من الممكن أن الجندي “RAV” قتل المدرب وقام بتغيير شكله وصوته لينتحل شخصيته فقط لينتقم من أولئك السبعة! ما ذنب المدرب إذا؟

قال “DO”:

– المدرب كان قائد عصابتهم، بما أنه قائد عصابة تتجار بالمخدرات والأطفال فما مقدار ما تتخيلانه من ثورة سيكون لا شيء. بجانب ذلك انتحال شخصيته ووجهه سيجعله قريبا من الأصدقاء -الضحايا- وسيدرك عنهم كل تفاصيل حياتهم التي يحتاجها للانتقام.

قالت “MEL”:

– لحظة… هذا يعني أنك قابلت القتل وجها لوجه مع ذلك لم تقم بالقبض عليه!

تنهدا كلا المحققين من بطء استيعابها ولم يقوما بالرد. تجاهلت “MEL” ذلك الموقف المحرج فقالت:

– إذا ما الذي سنفعله الآن؟ هل سننتظر إلى أن تقع آخر ضحية؟

– أجل

– لكن!!

قُطع حديثها عندما تردد صدى صوت هاتف “FER”. أجابت على الاتصال الذي يفيد بعثور الشرطة العامة على جثة بلا قدمين لرجل في أواخر عقده الثالث، معلق في الحائط من كلتا يديه، معرض للطعن في جوانب مختلفة من جسده. وجدت ملاحظة نحتت على يده اليسرى كانت عبارة عن أرقام لا معنى لها:

” .3.3.1.1.4.4 “

……..

صباح يوم جديد حيث كانت “MEL” في مكتبها، تحدق بشرود في النبتة التي قُدمت إليها كهدية من زميلتها في الفريق، المحققة “ER”. تنهدت وهي تتذكر ما حصل في مساء الأمس: بعد ساعات قليلة من بلاغ الشرطة العامة عن الضحية السادسة، ورد المحققة “FER” بلاغا آخر من فريق الأمن لمبنى “HXH” عن وجود طرد مشكوك فيه، مرسل إلى الرئيس أمام البوابة الخارجية لحدود القوى. بعد وصول المحققة ومساعدتها “MEL” لرؤية الطرد الذي كان يحوي على شيء لم يتوقع أي أحد رؤيته. جثة الضحية السابعة مطعونا في معدته، مجث اليدين مع ملاحظة لم تستطع “MEL” معرفة محتواها. كانت تلك المرة الأولى بحدوث شيء كهذا! طرد بداخله جثة مرسل إلى رئيس قوى “OH”! تستر على الأمر من قبل عدد قليل ممن علموا بالأمر. من بين كل ذلك كان ما يشغل “MEL” هو محتوى الرسالة وما يخطط له “DO”. لم تتوقف عن التنهد وهي تحاول تخمين ما سيحصل.

لاحظ المحقق وقائد الفريق “DS” وضعها غير المألوف، فعادة ما تكون نشيطة ومليئة بالحماس والأسئلة. قدم نحوها، سحب الكرسي الذي أمامها وبعد الجلوس عليه سألها بلطف:

– هل هناك ما يزعجك يا “MEL”؟

لاحظته “MEL” فقالت بعبوس:

– ليس تماما

– هل العمل كمساعدة المحققة “FER” لا يروق لك؟

صرخت “MEL” نافية ثم قالت:

– الأمر و ما فيه أنني منزعجة من تحول الأحداث إلى ما ليس هو متوقع. في الحقيقة هذا لا يزعجني تماما بل ما يزعجني هو أنني أبدوا حمقاء لأنني الوحيدة التي أشعر بذلك، فعلى عكسي المحققة والرئيس يتوقعان كل شيء قبل حدوثه.

قهقه المحقق المسن بلطف، ليقول:

– هل أنت منزعجة باعتقاد أنك لا تناسبي العمل معهما؟

– لقد كشفتني.

– حسنا… لا استطيع إنكار روعتهما، لكن هذا لا يعني أنك لست كذلك أيضا

– هل تعتقد أنني رائعة! لكنني لست محققة

– ليس من المشترط أن تكونِ محققة لكي تكوني رائعة. كل شخص رائع ومميز بطريقته الخاصة. فأنت أيضا لديك شيء مميز وهذا ما جعلك تصبحين مساعدة مساعدة رئيسنا.

– لطالما تساءلت عن سبب قبولي لأكون ضمن هذه القوى، عن سبب كوني مساعدة للمحققة “FER” لكنني لم أتوقع أن ذلك لأنني أملك شيئا مميزا. وما الذي أملكه!

– إن كنت لا تعرفين ما تملكينه فلا أتوقع أن أعرفه أنا. إذا ربطت الأمور ببعضهما وفكرت جيدا، إذا أدركت قيمة ذاتك فأنا متأكد من أنك ستعثرين على ميزتك.

تنهدت “MEL” بثقل وبعد صمت دام للحظات، قالت:

– أيها المحقق “DS” هناك ما اشعر بالفضول نحوه، بحكم أنك تعمل هنا منذ مدة طويلة فأعتقد أنك تعرف عن علاقة الرئيس والمحققة “FER”

– إنها مساعدته اليمنى

– لا أقصد ذلك، اعني ألا تعرف كيف أصبحت مساعدته و لماذا؟

– لماذا تسألين عن هذا فجأة؟

– كيف أصف ذلك… في البداية اعتقدت أنها محققة وفية تجاه قسمهما وستدفع حياتها مقابل حياة الرئيس وهي بالفعل كذلك. لكنني مؤخرا أصبحت أشعر أنها أقرب للرئيس من أن تكون مساعدته اليمنى. لا أقصد بذلك علاقة رومانسية أو ما شابه لكن شيء آخر أعمق.

– هل تعتقدين أنهما أصدقاء إذا؟

– فكرت بذلك لكن ما زلت لست مقتنعة. إذا أنت ما رأيك بذلك؟ هل تشعر بغرابة علاقتهما أم أنا الغريبة فقط؟

ارخى المحقق المسن ظهره على الكرسي وقال:

– اعتقد أنك أنتِ الغريبة. لأصدقك القول كان ومازال الجميع يشعر بالفضول عن سبب اختيار المحققة “FER” لتكون اليد اليمنى لرئيس قوانا، لكن لا أحد شعر بما شعرت به. فالجميع يراهما رئيس وتابعه الذي سيضحي بحياته من أجل سلامة رئيسه.

– إذا هل تعرف أي شيء عن حياتهما؟

– لا أنا ولا أي أحد آخر يعرف عن حياة الرئيس و تابعته. كل ما نعرفه هو أن الرئيس شخص عظيم. لأصدمك فالقليل فقط من الأشخاص رأوا كيف هو شكل الرئيس.

صرخت “MEL” صرخة أفزعت بها من في المكان، اعتذرت ثم قالت للمحقق:

– ماذا! كيف ذلك!!

– رغم طول المدة التي عملت فيها هنا فأنا لم أرى الرئيس من قبل أبدا، لست الوحيد بل أؤكد أن جميع موظفي الـ”HXH” لم يروه والذين رأوه صدفة أخمن أنهم لم يعلموا أنه الرئيس. على عكسنا نحن فالجنود هم الذين لديهم فرصة أكبر لرؤيته، فكما تعلمين من يتواجد في مسارح الجريمة هم الـ”XHX”. بالنسبة للمحققة “FER”…

شعر المحقق المسن بالانزعاج عندما قُطع حديثه من قبل المحقق الشاب المزعج “LV”:

– هل ذكر أحدهم اسم المحققة “FER”!!!

أجابت “MEL” بالموافقة، فسحب إحدى الكراسي وجلس بجانبهما، ليقول كما عادته المبالغة في الحماس:

– يا الهي إنها ليست ببشرية، إنها ملاك! إنها أجمل مرأة رأيتها في حياتي. ذلك الشعر القصير، الأشقر طبيعي اللون. العينين الخضراوين اللامعين، وجهها الأشد بياضا من الثلج. ملامح وجهها الفاتنة وجسدها النحيل الباد عليه القوة. إنها طويلة أيضا بالنسبة إلى كونها امرأة! فوق كل ذلك إن شخصيتها الباردة والجادة وأسلوب حديثها وتعاملها الراقي يجعلني أفكر بها طوال الوقت… إن قلبي يذوب في كل مرة أراها فيها. أؤكد أنني لست الوحيد من يشعر بتلك الطريقة بل جميع الرجال يذوبون أمام سحر جمالها وروعتها. يا الهي أتمنى لو أنني أراها كل يوم كالرئيس.

صمت للحظة، قطب حاجبيه انزعاجا ثم قال:

– إنني أتراجع عن ما قلته قبل قليل، فالرجل الوحيد الذي لا يقدر ولا يهتم بجمال و روعة محققتنا العزيزة “FER” هو الرئيس “DO”. إنه أحمق، أحمق تماما، إنني أكرهه.

” لا أنكر مديحه للمحققة “FER” ولا أنكر أنني أكره الرئيس قليلا و اشتمه كثيرا بداخلي، لكن ألا بأس له أن يقول عنه ذلك أمام الآخرين! “

سمعوا صوت صاخب يأتي من الخلف، لم يكلفوا نفسهم عناء الالتفاف حتى رأوا المحققة “ER” تقف أمامهم، ترتكز على المكتب الطاولي، جامعة يديها تقول بعبث باد عليه الغضب:

– هل قمت بشتم الرئيس “DO” الآن!

أجاب المحقق “LV”:

– وماذا إن فعلت؟ هل ستشين بي؟ إنه يستحق ذلك

أطلقت المحققة “ER” تنهيدة عالية استعدادا للخطاب الطويل الذي ستقوله:

– فليكن في علمك أن المحققة التي تحبها كثيرا هي الشخص المحظوظ الذي يرى رئيسنا و تحفتنا الفنية “DO”! وليس العكس هل تفهم ذلك؟

– وما الرائع فيه!

– هل رأيته؟ أخبرني هل رأيته حتى تقول ذلك؟ أخمن أنك إذا رأيته ستعظ أناملك ندما. إنه وسيم، وسيم لدرجة لا استطيع وصفه بها… أحيانا أفكر بألا بأس بتواجد أشخاص رائعين مثله في عالمنا! وماذا إن كان كل الرجال بمثل وسامته و مثاليته ألن يكون الأرض مكانا رائعا للعيش فيه…

أخذ الاثنان بالجدال والدفاع عن من يحبه، فسألت “MEL” قائدها:

– هل رأت المحققة “ER” الرئيس؟

– أجل، صدفة عندما كان يدخل للمبنى رفقة المحققة “FER”، فور رؤيتها للمحققة الشقراء بجانبه أدركت أنه الرئيس ولم تتوقف منذ ذلك اليوم عن مديحه.

– حسنا… إنها محقة فالرئيس غاية في الوسامة و إنه… مثالي لكن سيكون من المبالغ إن كان كل رجال العالم مثله.

– لماذا؟ أليس الشخص الذي أسس قوى كهذه يعتبر عظيما؟

صمتت “MEL” وهي تفكر ” إن كان كل الأشخاص مثله، ألا يعني هذا أن الجميع سيكون متناقضا؟ الشخص الذي يفرض قوانين صارمة تجاه الجرائم والعنف هو شخص يستمتع بمسايرة جرائم القتل ويترك القاتل طليقا لمصلحته ألا يعني هذا أنه شخص… شخص… سيء… لماذا لم أفكر بذلك من قبل… لا… كنت أعلم ذلك لكنني لم أرغب بتقبله. الرئيس شخص غريب وغامض، لا أحد يعلم فيما يفكر به هل أفكاره الغريبة تلك تجعله يبدوا سيئا؟ هل تسرعت في الحكم عليه؟ أتساءل ما الذي يخفيه وماهي شخصيته الحقيقية. لأنه… لأن هناك شيء يشعرني بالدفء عندما أكون معه، شعور كما لو أنني مع شخص مقرب مني، شخص اعتدت على رؤية لطفه و طيبته… لماذا اشعر أنني أعرفه… هل هو… “

قُطع حبل أفكارها عندما صرخ المحقق المسن قائلا للمحققين:

– هل فقدتما صوابكما؟ هل ما تزالا في المدرسة الثانوية؟ توقفا

صمتا المحققين بعد جدال لا داع منه، نهضت “MEL” من مقعدها وبعد إلقاء بضع كلمات خرجت من المكتب متوجهة إلى المقهى. في طريقها: فور رؤيته شعرت بشعور اعتادت على الشعور به، لكنها لا تعلم أصله و متى كان.

شعور أنها مع شقيقها الأكبر سنا، الشقيق الذي يعاملها برفق و حب، شعور الأمان الذي يشعر به المرء عندما يكون مع أفراد عائلته.

توقفت أمامه، شعرت بالراحة والدفء من رؤيتها لابتسامته اللطيفة، بادرته الابتسامة ثم قالت:

– لم أرك منذ مدة طويلة أيها المحقق “EKE”.

……..

في غرفته الخاصة بالتحقيقات: كان “DO” يستمر بالتحديق في الحائط الذي يضم استنتاجاته عن القضية. جامعا يديه، أغلق عينيه ليغوص في أفكاره:

” هذا غريب، الملاحظة التي أرسلها “RAV” مع الضحية السابعة:

” لقد استمتعنا بما يكفي في البداية الوسطية، آن الأوان لننتقل إلى نهاية البداية لكنني أشك في أنك ستصل إليها بسرعة، دون أن تدرك ما هي بداية النهاية. إذا أردت نصيحتي عد لتلك البداية حتى تصل إلى النهاية، لتدرك البداية الحقيقية التي تخفي كل الحقائق. سأكون كاذبا إذا لم أخبرك أنني لا أطيق الانتظار حتى يتم لم شملنا ” تدل على أن الضحية السابعة هي آخر ضحاياه، هل كنت مخطئا باستنتاج أن عدد ضحاياه سيكونون 8 ضحايا! و هل اعتقادي أن كشف نفسه بسهولة، وتحدثه أمامي بثقة ناتجة من معرفته بأنني لن أقبض عليه حتى آخر ضحاياه. إن كان يعرف ما أفكر به، وأخذت ما انتظره إذا ما الذي يخطط. البداية الوسطية انتهت؟ بداية النهاية؟ هل هذا يعني أنه سيبدأ بالقتل مرة أخرى؟ ذكره لحقائق مخفية تدل على أنه يعرف شيئا ما لا أعرفه… ما الذي لا أعرفه والذي يعرفه هو؟ هذا يشعرني بالغضب… ما الذي لا أعرفه… ما الذي يعرفه… ما الذي يقصده… تلك الملاحظة لا تبدوا وكأنها محض هراء إذا… الأرقام ” 3.3.1.1.4.4 ” تدل على شيء ما أيضا. هل هي متعلقة بالشيء الذي لا أعرفه، ببداية النهاية؟ إن قبضت عليه سأعرف كل شيء، هل خطته تتضمن هذا؟ اليوم الثامن من الشهر الثامن، الساعة الثامنة مساء، ثمان أيام حتى الضحية القادمة، كل شيء يسير وفق العدد ثمانية لذا من غير المعقول ألا يكون عدد الضحايا ثمان ضحايا… هناك خطأ ما، شيء يخفي خلفه واقعا كبيرا وسيغير مجرى كل الأمور، لذا ما هو… “

عاد للواقع عندما شعر باهتزاز هاتفه فوق الطاولة، فتحه عندما رأى إشعار رسالة أرسلت من قبل رقم مجهول. محتواها جعلت أفكار “DO” تتضارب ببعضها:

” كما آن الأوان لنهاية البداية الوسطية، آن الأوان أيضا لكي نلتقي مجددا. فبدون هذا اللقاء الذي سيكون ختما للبداية الظاهرية لن تبدأ البداية الحقيقية. لذا لا اعتقد بأنك سترفض مقابلتي أليس كذلك أيها المحقق؟ يقال أن تراكم الثلوج وتحولها إلى جليد أحمر لا يحدث في أي مكان لذا لنلتقي هناك بعد 8 ساعات من الآن “

………

بعد عدة ساعات من التفكير قرر “DO” الذهاب للقاء القاتل، باستعانة من المحققة “FER” أوضحت التلميح الذي تركه “RAV” حول مكان اللقاء. جهز فريقا يضم عدد لا بأس به من جنود الـ”XHX” و توجه إلى المكان المنشود.

بقيت “MEL” برفقة المحققة “FER” في غرفة الاجتماعات تتابعان تحركات “DO” وفريقه استعدادا لأي ظرف. كانت المحققة تجلس وأمامها أجهزة المراقبة، تتابع وتبحث بحذر عن أي أمر مشكوك فيه، في الطريق الذي يسير فيه الفريق، في مكان اللقاء. نظرت إليها “MEL” لتسأل بفضول:

– لماذا لم يدعنا الرئيس نذهب معه؟

أجابت سريعا كي لا يفوتها أي شيء من ما يعرض على الشاشات:

– كما قال لدواع أمنية

– أليس من الخطر مقابلة قاتل لا نعرف فيما يفكر به؟

– إنه المحقق “DO” لن يتصرف بتهور دون أن يفكر بما يفعله

” إنها محقة… فقبل أن يكون الرئيس إنه ثاني أفضل محقق في بلادنا “

– كيف أدركت مكان اللقاء فقط من ذلك التلميح؟

قالت “FER”:

– إنه ليس تلميح بل وصف ذلك المكان الذي يدركه جميع من في بلادنا.

شعرت “MEL” بالغرابة، قالت:

– لماذا لم يعرفه المحقق إذا؟ وأنا أيضا لم أكن أعلم ذلك!

– إنه بسبب…

توقفت عن التحدث عندما لاحظت شيئا من الذي يعرض في الشاشة، تقدمت “MEL” لتنظر، قالت “FER” بقلق:

– لقد وصلوا… أتنمى أن يسير كل شيء بسلام كما كل يوم.

……..

مكان اللقاء كان في أرفع الهضاب سطحا شمال البلاد. تُعرف تلك الهضبة بارتفاع سطحها و وسع مساحتها، وكون تربتها باللون الأحمر و تجمع الثلوج فيها بكثرة في موسم الشتاء يؤدي إلى حدوث انهيارات ثلجية تسبب حوادث مميتة، وصفت بالوصف الذي اعتبره كلا من “DO” و “MEL” تلميحا.

بحذر خطاهم، بدقة نظراتهم انتشر الجنود في الهضبة بحثا عن القاتل، توجه “DO” برفقة 3 آخرون إلى قمة الهضبة . كانت الاشارة منعدمة في مكان كذاك لذا ليسهل التواصل فيما بينهم عن مجرى تقدم البحث، أخبرهم “DO”:

– سنتواصل مع بعضنا بصدى طلقات الرصاص. 3 طلقات لرؤية الشخص المطلوب، طلقتان عندما يقبض عليه، طلقة واحدة في حالات الخطر. عندما تكونون في مواجهة مع الشخص المطلوب وتجبرون على إطلاق الرصاص عليه، حاولوا ألا تصيبوه في أعضائه الحيوية. لتفادي تشتت الأمر على بقية الجنود أطلقوا أكثر من 3 طلقات في الهواء مفادا إلى أنكم في مواجهة مع المجرم.

بعد بحث استمر لساعة كاملة، في أعلى الهضبة: افترق “DO” عن الجنود الذين معه وتوجه إلى أرض كانت شبيهة بالغابة، عكس المكان القاحل الذي كانوا فيه. بعد سير دام لدقائق معدودة وسط الحشائش والأشجار، وصل “DO” الى نهاية البقعة وأصبح داخل أرض قاحلة أخرى واسعة. لم يكن في المكان سوى الفراغ وأشعة الشمس التي تسطع بقوة. بحث هنا وهناك حتى لاحظ ظلا يبعد عنه. أدرك من يكون لكن قبل إطلاق الإشارة أراد التأكد، فتقدم بضع خطوات للأمام، توقف عندما سمع صدى صوت مألوف:

– أنصحك بألا تتقدم خطوة أخرى نحوي

تأكد “DO” من أنه صوت المدرب المزيف الذي قابله، القاتل “RAV”. لم يطلق الإشارة لأنه لم يكن يعلم ما الذي يخفيه و يخطط له القاتل. قرر الانتظار وإطلاق الإشارة عندما يشعر بخطر التهديد. لم يتقدم نحوه وبقي واقفا حيث هو، عندما لم يرى الظل يتحرك ولم يسمع إجابة، صرخ بمستوى يصل إليه صوته للطرف الأخر:

– أشك أننا هنا لنلعب لعبة الاختباء

لا حركة، لا صوت، لا رد. أكمل “DO” بجملة استدراجيه:

– هل أنت خائف من مقابلتي إلى هذه الدرجة؟ أم أنك خائف من مجاراة خطة إيقاعي بك… أتساءل إن كنت تعتقد أنني سأتركك تذهب كما المرة الأولى

تعالى صدى صوت قهقهة “RAV” في تلك الأرض القاحلة، لاحظ “DO” اقتراب الظل مع كل قهقهة وبسرعة غير ملحوظة لمح “RAV”. كانت المسافة بينهما تقدر حوالي 100 قدم. لذا تواصلا عن طريق نقل الصدى لأصواتهما. قال “RAV” بعد ثوان من القهقهة:

– انه من الشرف خوض هذا الأمر معك، كان محقا… لم تخيب ظني أبدا أيها المحقق. لذا الأن بعد انتهاء دوري أشعر بالأسف قليلا لكنني سأكون سعيدا. أتعلم لماذا؟ لأنني سأودع هذا العالم وسأنسى كل ما حصل، في الحقيقة… سأكون كما لو أنني ولدت من جديد عندما أعود للماضي.

– على ما يبدوا أن الضرب الذي تلقيته في رأسك، تلك الليلة جعلك تفقد عقلك. لكن إن كنت تريد أن تصبح سعيدا جدا فلا تقلق سأحقق لك أمنيتك وأرسلك إلى عالم آخر

ضحك “RAV” ساخرا، فقال:

– أتعلم أنني أشعر بالأسف تجاهك… فعلى عكسك أنا أعيش حياتي بشكل طبيعي مثلي كبقية البشر، ماذا عنك؟ هل أنت بشر مثلنا؟ هل تعيش كما نعيش؟

عندما لم يتلقى “RAV” أي إجابة، أكمل مبتسما باستحقار:

– على الأرجح أنت لا تعلم عن ماذا أتحدث صحيح؟ يا للمحقق المسكين… الآن شعوري بالأسف تحول إلى شفقة لذا سأخبرك: أنني كنت أقصد بذلك الأمور التي تغفلها عن حياتك البائسة أيها الرئيس المزيف “DO”.

كان “RAV” يعتقد أن أسلوبه في الانتقاص من “DO” سيشعره بالغضب، لكنه تلقى ضرب من الصدمة عندما قال “DO” ببرود لا مبال:

– إن كنت تعرف حياتي أكثر مني يا هذا، إذا فلتظهر شفقتك و أخبرني بما لا أعرفه فمن يدري لعلي في المقابل سأرحمك وأرسلك بلطف إلى العالم الذي لا تريد الذهاب إليه

صمت “RAV” محدقا بهدوء في يديه، رفع رأسه ليقابل تلك الهيئة الجليدية، قال:

– بدأت أشعر بالبرد بعد التحدث معك لذا سأختصر الأمر ليرتاح كلينا… أنتم لا تعرفون أي شيء عن حقيقة حياتكم وعن حقيقة هذا العالم المزيف الذي تعيشون فيه بجهل. مهمتي كانت أن أجعلكم تستيقظون من سباتكم قبل انتهاء الوقت.

– يبدوا أنك لا تعرف أن أكثر ما أكرهه هو سماع الهراء

لم يكترث “RAV” للتهديد الذي تلقاه، و أكمل:

– أخبرني من تكون أيها المحقق؟ ما هي شخصيتك الحقيقية؟ أنت مؤسس أعظم قوى في العالم، أعظم محقق في البلاد غير هذا من أنت؟ من أين أتيت؟ أين هي عائلتك؟ كيف كانت حياتك قبل هذا؟ لا بل… ماهي حياتك؟ أشك في أنك فكرت بكل ذلك… أشك في أنك تعرف كيف قمت بتأسيس هذه القوى الأسطورية. أعلم أنك… لا… بل يعلم أنك تبحث عن سبب حدوث تلك النوبات مجهولة الأصل لذا إذا أردت معرفة المسبب عليك أن تعود إلى البداية.

– ما الذي تريد الوصول إليه بمحادثتك المملة هذه؟

– إنني أرسل إليك رسالة… لا، بل منذ البداية كانت تصلك رسائل لتيقظك من غفلتك لكنك لم تتقبلها واستمريت بتجاهلها. تجاهلك للأمور سيعذبك ويقتلك مئات المرات في اليوم و سيغرقك أكثر و أكثر في الدوامة التي محبوس بداخلها. لم يتبقى الكثير من الوقت عليك أن تستيقظ من سباتك قبل أن يفوت الأوان وتخسر بذلك كل شيء يا “DO”. أعلم بأنك لا تفهم ما أحاول إخبارك به، لكنني متأكد بأن في أعماقك تعلم ما أقصده لذلك فكر جيدا. عد حيث البداية الوسطية كي تصل إلى بداية النهاية من أجل معرفة البداية الحقيقية لحياتك. قد تكون هذه النهاية الظاهرية الأن لكنها في الحقيقة إنها بداية البداية التي ستبدأ بعد أن تنتهي هذه النهاية البدائية.

إذا أيها المحقق “DO” حان وقت الوداع، أتمنى أن يتم لم شملكم قريبا.

فجأة و بسرعة غير متوقعة أخرج “RAV” جهاز صغير من جيب سترته، بابتسامة أخيرة و بعد ضغطة واحدة تجزء جسده إلى أشلاء تناثرت في كل مكان حتى وصل جزء منها حيث يقف “DO”.

بصدمة كان “DO” ينظر إلى الرأس الذي تحت قدمه، إلى الدخان الذي يتصاعد أمامه. لم يتحرك إنشا واحدا، ترابطت أفكاره حتى شعر بوخز شديد مؤلم في دماغه

” هل كانت هذه خطته… هل هذه هي النهاية؟ إنها ليست كذلك… إن كانت البداية الجديدة ستبدأ بعد أن أصل إلى البداية قبل الوسط، فذلك يعني… بداية الوسط كانت في اليوم الـ8 من الشهر الـ8 لعامنا الحالي 2018 حيث بدأت سلسلة “BN8″…

بداية، بداية، بداية، نهاية، نهاية… ما هي البداية وما هي النهاية… انتظر!! أسماء الضحايا لا يمكن هل هذه مصادفة! ترتيب حروف أسماء الضحايا من البداية يكون جملة ناقصة ” LAC NOTE” إضافة الحرف الناقص في البداية “B” والحرف الناقص الآخر في النهاية ” K ” سيجعل المعنى واضحا وتعني “BLACK NOTE”

ارتجف “DO” بعد ضربة كهربائية وخزت دماغه بشدة، فشُلت قدميه ليسقط عليها، حدق في الرأس المبتسم أمامه مباشرة، فبدأت تراوده أصوات و ذكريات مشوشة التركيب جعلته يشعر بالوخز في كل جسده، يتنفس بصعوبة. قبل أن يسقط مغشيا عليه كانت آخر أفكاره:

” الشيفرة “BN8″ كانت اختصار لـ”BLACK NOTE” والرقم 8 هو البداية للبداية الحقيقية مكون مفهومها في “المذكرة السوداء” التي أرسلت إلي منذ مدة. كل شيء كان مخطط له منذ البداية، من قبل “B8” الحقيقي.

“B8” هو شخص يعرفني جيدا ومن المحتمل أنني أعرفه لكنني لا أتذكره. إنه الشخص الذي بدأ هذه البداية لكي يتحداني أنا شخصيا لا قواي “OH”.

“B8” هو العدو الذي سأتأكد من جعله يغرق في عمق الهاوية حتى لا يعرف بدايته من نهايته، لذا

فلنلتقي في العالم الذي لا نهاية له.

نهاية الموسم الأول.